التقريب بين المـذاهب الإسلامية
فضيلة الشيخ/ محمود عبد الغنى
عاشور
وكيل الأزهر الشريف- مصر
مقدمة:
الحمد
لله الذى هدانا لهذا، وما كنا لنهتدى
لولا أن هدانا الله، سبحانه ارتضى لنا الإسلام دينا، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس،
رسالتنا
الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وعقيدتنا
لا إله إلا الله محمد رسول الله، وغايتنا ( إنمـا المؤمنون إخوة ) (الحجرات: 10) وهدفنا ( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) (آل عمران: 130).
ومن
أجل تحقيق ذلك كان اجتماعنا المبارك اليوم لنلقى الضوء على مسيرة التقريب التى
استهدفت جمع شمل المسلمين، والوقوف ضد أعدائهم، أعداء الإسلام، ومن تابعهم من دعاة
التفرقة والخلاف، وتجلى الدور العظيم للعلماء الأجلاء الذين كانت لهم اليد البيضاء
فى العمل من أجل تحقيق هذه الغاية، وبخاصة الإمامين
الفاضلين الشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمود شلتوت، وكيف لا؟ وديننا يدعو إلى
الألفة والاعتصام بحبل الله حيث يقول سبحانه وتعالى: ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (آل عمران: 103)، كما يحذرنا من التفرقة والخلاف فيقول جل
شأنه: (
ولا تنازعوا فتـفشلوا
وتذهب ريحكم ) (الأنفال: 146).
رسالة الإسلام:
إن
الحديث عن رسالة الإسلام وتاريخ الدعوة إليها والعمل على نشرها هو نفسه الحديث عن
قيام المجتمع الإسلامى، والمبادئ التى قام عليها
هذا المجتمع ونهض بها، والقرآن الكريم قد حدد أصول هذه
المبادئ، ورسمها بعربيته وهدايته، فى نصوصه وإشاراته وإيحاءاته، وقد تناولت علاقة الإنسان بربه،
وعلاقته مع نفسه، وعلاقته بمجتمعه وغيره من المجتمعات الأخرى فى
السلم والحرب، والتعاون فى جميع مجالات الحياة.
3- الأزهر قبلة المسلمين العلمية:
والأزهر
هو قبلة المسلمين العلمية، ينفر إليه القاصى والدانى من أبناء المسلمين فى جميع
أنحاء العالم الإسلامى وغيره، ينهلون من علومه،
ويتزودون بمعارف دينهم، حيث يعرض الإسلام فى سماحته
ويسره، بعيداً عن المغالاة والتعصب، وبفضل صيانة مصر له كان هو المركز الوحيد الذى يعد طليعة كبرى للمعارف الإسلامية، وما يتصل بها من دراسات عربية تمكن للدارس فهم دينه الصحيح، وهو الجامع
والجامعة الذى يعنى بالمحافظة على القرآن الكريم
ودراسته باعتباره المصدر الإلهى لهذه الدراسات، ولقد
ألقيت على كاهله أعباء النهوض بهذه الرسالة، واستمرارها كما يريدها الله- تعالى،
فهو القطب بل المنارة العالية التى تتجه إليها أنظار
طلاب هذه الشخصية من جميع شعوب العالم الإسلامى، كما
أنه مصدر الإشعاع والتوجيه الإيمانى والحيوى فى دراسته لمجموع تلك
الشعوب الإسلامية، وبه كانت مصر القبلة المعنوية للشعوب
الإسلامية، إليه تتجه، ومنه تستمد زادها الإسلامى.
إذن
فرسالة الأزهر- كما هو واضح- ليست رسالة محلية، وليست مقصورة على بعض نواحى المعرفة الإنسانية فقط. وإنما هى
رسالة تتجاوز ظاهر الحياة إلى باطنها، وتتجاوز أيضا توصيل المعرفة للفرد والجماعة
إلى تنمية العلاقات بين الشعوب العربـية والإسلامية عن طريق القلب والإيمان من خلال تلك الرسالة
التى هى حبل الله المتين، والممدود من السماء إلى
الأرض ليربط تلك الشعوب الإسلامية
برباط التعارف والإيمان تحت ظل التقوى والعمل
الصالح مصداقا لقوله تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن
أكرمكم عند الله أتقاكم )
(الحجرات: 13)، وقوله تعالى: ( ولقد كرمنا بنى آدم) (الإسراء: 70).
هذه
رسالة الأزهر فى ذاتها وخطورتها من يوم أنشئ، هى بعينها المعارف الإلهية التى
رسمت بها السماء للأمة الإسلامية محيط شخصيتها المعنوية
ممثلة فى قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا
الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (آل عمران: 102).
والحديث
عن سمو رسالة الأزهر يطول بقدر ما أودع فى المكتبة
الإسلامية من مواد خدم بها الشخصية الإسلامية، واتسع
نطاقها فخدم بها الإنسانية كلها، وهو اليوم- والحمد
لله- بفضل قيادته الواعية الفاهمة لدور الأزهر، وبفضل علمائه الأجلاء أصحاب الفكر
المستنير والوعى الثاقب لما يحيط بدينهم وأزهرهم، فهو اليوم بحق منارة مشرقة، تضئ بإشعاعها الواعى ربوع الحياة فى المجتمعات
المختلفة بشتى أنحاء العالم، إما باحتضان أبناء تلك الشعوب إليه، يدرسون ويتزودون
من معارفه وعلمه ليعودوا إلى أوطانهم دعاة خير وهداة حق، وفى الأزهر الآن طلاب من
ثلاث وتسعين دولة ما بين طلاب فى المعاهد الأزهرية أو فى جامعة الأزهر الشريف.
كما
يقوم بإرسال علمائه إلى جميع قارات العالم يحملون لواء العلم، وينشرون معالم الدين
الإسلامى الحنيف الذى يتميز
بالاعتدال والوسطية مصداقا لقوله تعالى: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا
شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) (البقرة: 143).
4- الدعوة إلى التقريب:
إذا
كانت الدعوات تشرف بشرف أهدافها، وتسمو بسمو غاياتها، فإن دعوة التقريب تأخذ أعلى
مكانة فى تاريخ الإصلاح الإسلامى
قديمه وحديثه، لأنها دعوة إلهية. الله عز وجل هو الذى
وضع أساسها، رسم منهجها، ورفع من
شأن الداعين لها، ووجه الرجاء إلى اجتناء ثمرتها كل ذلك
فى آية واحدة من كتابه العزيز، إذ يقول سبحانه وتعالى:
( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون )
(الحجرات: 10) فالجملة الأولى من الآية تقرر حقيقة من الحقائق الثابتة (إنما
المؤمنون إخوة) أى أن هذا شأنهم وذلك أمرهم، فليس
للمسلمين بعد هذا أن يسيروا إلى هدف يخالف هذا الهدف، ولا أن يخرجوا عن مقتضيات
هذه الأخوة لأى سبب من الأسباب.
والجملة
الثانية تأمر بإصلاح ذات البين. أى
بأن يدرأ المسلمون عن أنفسهم كل ما يفسد علاقة الأخوة التى
قررها الله بينهم، ومن أجل ذلك جاء تحذير رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
إذ يقول: (إن فساد ذات البين هى الحالقة).
والجملة
الثالثة من هذه الآية الجامعة: تأمر بأن يكون الإصلاح بين المسلمين فى ظل من تقوى الله فتحذر بذلك من اتباع
الهوى والتواء القصد، وأن يزعم فريق منهم أنه ما يريد إلا الإصلاح، بينما هو يريد
التعقيد واللجاجة بالباطل، فإن الله عليم بذات الصدور، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.
والجملة
الرابعة: هى جملة الختام، يوجه الله فيها رجاءنا إلى
ثمرة هذه الدعوة فيقول: ( لعلكم ترحمون) وما الرحمة فى
هذا النظام إلا التيسير لمن استقام على الطريقة المثلى.
تلك
هى دعوة التقريب فى أساسها،
ومنهجها، وثمرتها.
إن
فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية لا تعنى توحيد المذاهب الإسلامية، ولا صرف أى مسلم عن مذهبه، ففكرة توحيد المذاهب أو إدماجها عمل "
ضد العقل وضد طبيعة البشر" كما أن صرف المسلم عن مذهبه تحت شعار: التقريب
تضليل.
وفكرة
التقريب كما شرحها روادها، وكما يجب أن تكون تذكيراً للمسلمين بنقاط الوفاق بينهم
وهى كثيرة، كما أنها فى أصول الدين وثوابته.
أما
نقاط الخلاف فهى فرعية لا ينبغى
أن تسبب تباعداً أو شقاقاً، ولذلك فإن الاجتماع على فكرة التقريب يجب أن يكون
أساسه البحث والإقناع والاقتناع، حتى يمكن بسلاح العلم والحجة محاربة الأفكار
الخرافية الطفيلية التى لا تعيش إلا فى ظل الأسرار والأجواء المظلمة.
5- ماهية التقريب:
التقريب-
كما نفهمه- دعوة إلى التعرف على وجوه الاتفاق، والالتفاف حول مواضع الاتحاد
والقربى، ومعالم الأخوة التى تربط بين المسلمين، وأن يلتقى علماء المذاهب ليتبادلوا المعارف والدراسات، ليعرف
بعضهم بعضا فى هدوء العالم المتبصر الذى
لا هم له إلا أن يرى ويعرف، ويقول فينصف.
إن
فكرة التقريب بين المذاهب فى ضوء الفكر المستنير المستقيم
الراشد، والتى اجتمع عليها دعاة التقريب، فكرة حوارية
علمية تعتمد على الاجتهاد والحجة، وتمقت التعصب والتشرذم والانغلاق، وترحب بالرأى ما دام يعتمد على المنطق والدليل، وهى فكرة تدعم
الوحدة الإسلامية، وليس غريبا أن يكون عرض الخلافات المذهبية عاملاً فى تدعيم وحدة المسلمين، لأن ذلك يتمشى مع ما كان عليه أصحاب
المذاهب المختلفة، من التقدير المتبادل، وذم التعصب للرأى،
وأقوالهم فى ذلك معروفة وأحسب أن الأحاديث العظيمة التى وردت فى هذا الباب تدعو كل
مجتهد لأن يبذل الجهد وهو مأجور عليه بإذن الله تعالى، فإن المجتهد إذا أصاب فله
أجران، وإن أخطأ فله أجر، إن هذه القاعدة تدفع دفعاً إلى الحوار، ونبذ الفرقة
وتقبل الرأى الآخر، وتغرى بالانتفاع والاجتهاد، وتدفع
إليه دفعا.
كل
هذا- كما نعلم- شرطه الاتفاق على الثوابت التى لا تقبل
الاجتهاد أو المخالفة وهى الأصول المعروفة لدى المسلمين جميعاً، وإذا كان الأمر
كذلك- وهو كذلك فعلاً فلا ينبغى أن تطغى العصبية
المذهبية على المسلمين، بل الواجب أن يأخذوا بما أظهر البرهان صوابه، وأن تكون
الرغبة الصادقة فى الوصول إلى الحق ملء جوانحهم.
وأرى أن تجرى دراسات مقارنة بين المذاهب
المختلفة الأربعة: السنية والجعفرية، والزيدية،
والظاهرية، بل وآراء بعض المجتهدين الذين لم يشتهر عنهم مذهب معين.
وفى
ضوء ما سبق، وفى إطاره الواضح المستقيم، يصبح الخلاف المذهبى
وسيلة من وسائل القوة العلمية، والسماحة الفكرية، متمشيا مع طبيعة الإسلام العالمى الدعوة- كما قلنا- التى
تعم البشر جميعاً.
وبذلك يتفرغ المسلمون لما هو أولى بهم من التعرف على أسباب نصرة الدين و إصلاح
حال المسلمين.
وقد
اتجه كثير من علماء المسلمين الفضلاء ومن ذوى الرأى
الثاقب المستنير نحو الدعوة إلى نبذ التفرقة، وتوحيد الكلمة بين المسلمين؟ لأن
الإسلام يدعو إلى ذلك: ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة
الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ) ( آل
عمران: 103) وقال الله تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (الحجرات: 13).
ويقول الله تعالى: ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم
الله إن الله عزيز حكيم ) (التوبة: 71).
وكان
على رأس هؤلاء العلماء العالمين الجليلين فضيلة الإمام الشيخ عبد المجيد سليم،
وفضيلة الإمام محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق (1)، ذلك الرجل الذى
منحه الله فكراً ثاقبا يخدم به دينه ومجتمعه، وفقها
ينفذ إلى العلة الباعثة، والحكمة المستورة، والمعرفة الشاملة بأمور العصر، فهو كما
قال الكاتب الكبير أحمد حسن الزيات رحمه الله : ” تحيط به
الظروف الطارئة، والأحوال الداعية فاستغنى عن الاجتهاد المبتدع باجتهاد من نوع
آخر، هو الاجتهاد فى اختيار الرأى
المناسب، وترجيح الحكم الموفق. دون أن يتقيد بمذهب من المذاهب، ولا بإمام من
الأئمة، و إنما يجرى فى فتواه على أن شريعة الله واحدة
خالدة ثابتة عامة لا تتأثر بالمكان، ولا تتغير بالزمان، ولا تتسم بالخصوص، ولا
تضيق بالحضارة، ولا تنفر من العلم، ولا تنكر التطور السليم " فهو فقيه واسع
الأفق، بصير بالأحكام الشرعية الملائمة لحاجات الناس، ومقتضيات العصر، ومفسر ملم
بكتاب الله وسنن الكون، وعالم اجتماعى يعرف أمراض
المجتمع ووسائل علاجها، حارب الجمود والعصبية المذهبية التى
جعلت من المذاهب أدياناً، وفرقت بين المسلمين، وندد بفكرة سد باب الاجتهاد فى الشريعة الإسلامية، واعتبرها قيداً للعقول، وتعطيلا لكتاب
الله، ومجافاة لنصوصه الداعية إلى البحث والنظر، فهو صاحب مدرسة دفعت الفكر الإسلامى إلى الأمام، وله آراؤه الإصلاحية التى عم صداها أرجاء العالم، ولا زالت آراؤه مصابيح تنير
للكثيرين من العلماء معالم طريق الحق حتى الآن.
ويقول
عنه فضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوى شيخ الجامع الأزهر الحالى - والذى يعتز بفكر وفقه
الإمام الراحل- فى كتابه الاجتهاد فى
الأحكام الشرعية. ( لقد كان فضيلته- رحمه الله- من ألمع العقليات الفقهية التى اشتغلت بالفقه وتفسير القرآن الكريم، وكانت له آراؤه
ونظراته الاجتهادية فى الأحكام الفقهية، لم يكتف فيها
بمجرد النقل عن الكتب، وإنما كان له رأيه الذى جهر به بعد أن درس وطالع، ووازن ورجح معتمدا على النصوص الشرعية
الصحيحة، وعلى ما منحه الخالق- عز وجل- من عقل راجح، ومن فكر ثاقب، ومن شجاعة فى تبليغ كلمة الحق دون أن يخشى أحداً سوى خالقه - سبحانه
وتعالى، ولقد كان- رحمه الله- شعلة من النشاط الدينى ، والعلمى، والاجتماعى، والسياسى منذ مطلع شبابه).
فهو
الفقيه الكبير، والمصلح الاجتماعى، والكاتب البارز،
والخطيب الممتاز، والمدافع عن دينه وأمته بأسلوب بليغ، وبحجة مقنعة، وبعقل حكيم
راجح، وكان من نتاج ذلك كله كثير من المؤلفات ذات الأهمية القصوى فى الدعوة إلى الإسلام وتوحيد كلمة المسلمين منها: منهج القرآن
فى بناء المجتمع، والإسلام عقيدة وشريعة، وتنظيم
العلاقات الدولية فى الإسلام، ومقارنة المذاهب،
والإسلام والوجود الدولى للمسلمين، والفتاوى، ومن
توجيهات الإسلام، والإسلام والمرأة.
موقف الإمام من فكرة التقريب بين المذاهب:
ولما
كان فضيلة الإمام من أئمة المجتهدين فى عصره، حيث تحققت
فيه شروط الاجتهاد من كمال دين، ورجاحة عقل، مع إلمامه بعلوم اللغة العربية وطرق
دلالتها على المعانى، وحفظه للقرآن الكريم وفقهه
لمعانيه، كان- رحمه الله- على علم واسع بالسنة النبوية المطهرة، وبأحكامها، مدركاً
لمقاصد الشرع وأحوال الناس، وما جرى عليه عرفهم. وما
فيه صلاح حالهم، وما عرف عنه من دراية بالفقه وأصوله، وممارسته لذلك ممارسة عملية،
مع تمتعه بالملكة الذهنية، والقوة العقلية، والذى
استطاع من خلالهما استنباط الأحكام الشرعية استنباطاً سليماً ( وذلك فضل الله
يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ).
وكان
من الطبيعى، وقد تحققت لفضيلته شروط الاجتهاد المتفق
عليها أن يكون من أول الدعاة إلى فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية فى عصره، وكان- رحمه الله- مع شيخه الشيخ عبد المجيد سليم
الرأس المفكر لتأسيس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، والتى
كانت مهمتها توثيق الصلات بين المذاهب الإسلامية التى
مصدرها الكتاب والسنة، وكانت جماعة التقريب هذه هى شغل
الإمام الشاغل محققاً لأهدافها لأنه كان دائماً يتطلع إلى الوحدة الإسلامية كما
تطلع إليها غيره من أحرار العلماء بعد أن تفرق شمل المسلمين، ومزقتهم
العصبيات، والخلافات الطائفية، فبدأ جهاده فى جماعة
التقريب بين طائفتى السنة والشيعة، فهم جميعاً يؤمنون
بإله واحد، وبمحمد رسولاً، وبالقرآن الكريم دستوراً، ويؤدون أركان العبادات، الكل فى إطار واحد، لا خلاف بين أهل السنة والشيعة.
ومن
هنا كان يرى أن هذا الخلاف والتمزق الدخيل على الإسلام، والتفرقة بين المذاهب هو
بغية الاستعمار فى توسيع شقة الخلاف بين الفئتين:
الشيعة والسنة لتمزيق شملهم وتسخيرهم لخدمته وأغراضه وأهدافه، ولذا تنبه الإمام
بذكائه اللماح إلى ضرورة الدعوة إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية، وخصوصاً بين
أهل السنة، والشيعة الزيدية والإثنى
عشرية، أو ما تسمى بالجعفرية، وبذلك يكون قد ألغى العصبية، ودعا إلى الوحدة ليصبح
المسلمون فى ظل هذه الوحدة كالبنيان المرصوص يشد بعضه
بعضا.
وحرية
الفكر فى الإسلام مكفولة، ما دامت لا تعارض أساساً أو
ركناً من أركان العقيدة الإسلامية.
ولذا
ظهر فى الإسلام عدد من كبار أئمة الفكر المشرعين،
أجمعوا على الأصول الرئيسية واختلفوا فى التفصيلات
الفرعية، اختلاف تكامل لا تناقض، فلما ضعف المسلمون حسموا الخلافات فيما بينهم،
ونفخوا فيها، وأشعلوها ناراً مزقتهم كل ممزق، وباعدت
بين شعوبها على الرغم من أنهم جميعاً يؤمنون بالله رباً، وبمحمد رسولاً ونبياً
وبالقرآن دستوراً- كما قلنا، ويتجهون إلى قبلة واحدة، ويؤدون أركان الإسلام
الرئيسية، ومن هنا كانت فكرة التقريب من بعض المسلمين المصلحين من كبار العلماء،
وفى مقدمتهم الإمام الراحل الشيخ محمود شلتوت- للعمل على ضم الشمل وجمع الكلمة، و
إزالة بواعث الخلاف.
ومن
بين هؤلاء أيضا الإمام المجدد الشيخ عبد المجيد سليم الذى
كان يتطلع دوماً إلى تحقيق الوحدة الإسلامية، بعد أن تفرق شمل المسلمين، ومزقتهم العصبيات والخلافات الطائفية فبدأ جهاده مع جماعة
التقريب بين طائفتى السنة والشيعة، إذ أن هذا التمزق
الدخيل والتفرق العليل هو بغية الاستعمار، فى توسيع شقة
الخلاف بين الطائفتين ليتمكن المستعمر من السيطرة على المسلمين، وإضعاف شوكتهم،
والقضاء عليهم، ومن بين هؤلاء أيضا السيد/ محمد تقى
الدين القص، من كبار علماء الشيعة، وكذلك كان من هؤلاء السيد الأجل والحبر الأعظم
(أقا حسين الطباطبائى البروجودى) المولود فى بروجود غربى إيران من أسرة عرفت
بطول باعها وسعة معارفها فى الشريعة الإسلامية، ولا غرو
أن الأسرة الطباطبائية من صلب الإمام جعفر الصادق،
الرائد الأول للمذهب الجعفرى والإمام السادس فى عدد الشيعة الإثنى عشرية، وهم
الأقرب فى مذهبهم إلى أهل السنة، ويدرس مذهبهم ضمن
المذاهب التى تدرس فى الأزهر
الشريف، وقد استطاع أن يترقى فى درجات العلم المطلوب
والمرتبة المعهودة لعلماء الشيعة ممن ينالون درجة الاجتهاد، التى
تؤهل صاحبها أن يكون مرجعاً للتقليد لأتباع المذهب، واشتغل فى
مسقط رأسه بالعلم والتدريس إلى أن هيأت له الأقدار تولى مرجعية التقليد فى إيران، ورحل إلى مدينة (قم)، وتولى بذلك زعامة المذهب الإمامى الإثنى عشرى.
وتذكر
مجلة رسالة الإسلام- لسان جماعة التقريب- الجهود الكبيرة التى
بذلها الإمام السيد حسين الطباطبائى البروجودى، والذى يعد من أكبر
العاملين على جمع كلمة المسلمين. فهو لم يكن رجل طائفة فحسب، أو صاحب مذهب معين،
أو القائد الروحى لشعب بذاته، وإنما كان رجل الدنيا
والدين للناس جميعا والإسلام. وقد ساهم مع هؤلاء جمع من الأعلام مثل الشيخ على
الخفيف، والشيخ محمد المدنى، والشيخ عبد العزيز عيسى،
والشيخ محمد الغزالى، والشيخ سيد سابق، والقارئ أو
الباحث يرى ملامح ذلك فى مؤلفاتهم التى
تدعو إلى وحدة الغاية والهدف والمصير للأمة الإسلامية، وساهم كذلك من علماء الشيعة
السيد ابن الحسينى آل كاشف الغطاء، والسيد شرف الدين الموسوى وغيرهم، كما كان يرأس هذه الجماعة الرائد المصلح محمد
على علوبة باشا.
وقد
سئل الإمام شلتوت فقيل له: وان بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكى تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب
الأربعة المعروفة، وليس بينها مذهب الشيعة، فهل توافقون على هذا الرأى على إطلاقه، وتمنعون مذهب الشيعة الإثنى
عشرية مثلاً ؟
فأجاب
فضيلته بالآتى:
"
إن الإسلام لا يوجب على أحد اتباع مذهب معين، بل نقول:
إن لكل مسلم الحق فى أن يقلد بادىء
ذى بدء أى مذهب من المذاهب
المنقولة نقلاً صحيحاً، والمدونة أحكامها فى كتبها
الخاصة، ولمن قلد مذهبا من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره، ولا حرج عليه فى شىء"، ثم قال: " إن
مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإثنى عشرية، مذهب
يجوز التعبد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنة، فينبغى للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلصوا من العصبية بغير
الحق لمذاهب معينة، فما كان دين الله، وما كانت شريعته تابعة لمذهب، أو مقصورة على
مذهب فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى، ويجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد
تقليدهم، والعمل بما يقررونه فى فقههم، ولا فرق فى ذلك بين العبادات والمعاملات " والذى
دعا الإمام محمود شلتوت إلى هذا هو مكانته العلمية، وموهبته الشخصية، وتأثره
بعلماء النقل والعقل، كابن تيمية، وابن القيم، والأفغانى،
ومحمد عبده، فضلاً عن تعمقه فى دراسة المذاهب الأربعة، ومذهب الظاهرية، ومذهب الشيعة،
ومذهب الإباضية.
لقد
كان الإقدام على العمل للتقريب مجازفة خطيرة، تدفع الذهن إلى التفكير العميق فى أسئلة كثيرة منها:
1- هل فى
طاقة المسلمين أن يعالجوا مشاكلهم بأنفسهم؟
جـ- هل هناك مبادئ من صميم الإسلام تضمن للأمة الإسلامية وحدتها، وبالتالى تضمن لها عزها ومجدها؟
ب-
هل يفهم المسلمون أن التقريب معناه نبذ كل خلاف، أو أنهم لا يرون بأسا بأى خلاف يتبع الدليل، ويراعى الأصول التى
لا يحق لمسلم أن يخرج عليها؟
د-
هل تتحكم المصلحة فى النهاية أو يسيطر التعصب؟
كانت
هذه الأسئلة تدور بخلد كل من يفكر فى الإصلاح، وتراود
عقل كل من يرغب فى العمل لخدمة الدين والأمة.
وكانت
فكرة التقريب هى التجربة الأولى من نوعها فى هذا المجال.
ولو
أن هذه التجربة فشلت- والعياذ بالله لكان
الجواب صريحاً واضحاَ على تلك الأسئلة، وأن فشلها وإن كان فى
ظاهره مجرد ضياع فكرة، إلا أنه فى حقيقته حكم بعدم
صلاحيتنا- كمسلمين لعلاج أمورنا، وعدم بلوغنا مرتبة الوعى
والرشد، بل يكون دليلاً حتى عند أكثر الناس إنصافاً لنا، على أننا لسنا أهلاً لحمل
رسالة الإسلام الذى جاء ليحقق السلام، ويضمن الخير
للبشر أجمعين، ولو أنها فشلت لما اقتصر أثرها على ضياع هذه الفكرة، بل كان يمتد
على الزمن فيثبط - فى المستقبل- عزيمة كل من يحاول
إنجاز عمل إسلامى، أو تحقيق غاية إسلامية.
بل
ربما ألقى هذا الفشل ظلا من التشكك فى مبادئنا
الإسلامية نفسها، فنظلم الإسلام، ونتيح للبسطاء أو المغرضين أن يحكموا عليه
بتصرفاتنا نحن، وشتان بين حقيقة الإسلام ودوافع المسلمين.
لقد
كان الوضع قبل تكوين جماعة التقريب يثير الشجن، فالسنى والشيعى كل منهما يعتزل الآخر، وكل كان يعيش على أوهام ولدتها
فى نفسه الظنون، أو أدخلتها عليه سياسة الحكم والحكام،
أو زينتها له الدعاية المغرضة، وساعد على بقاء ذلك كله الرغبة فى
الاطلاع، وكانت الكتب المشحونة بالطعن والتجريح تتداول بين أبناء كل فريق وتلقى
عند كل أحسن القبول.
وإجمالاً
كان يسود الفريقين جو من الظلام، فلا يرى أحدهما من الآخر إلا شبحاً تحوطه الظلمة،
فلا يتكلم عنه إلا بما توحى به
الظلمة، ولا يقرأ عنه إلا ما تسمح به حلكة الظلام،
وكبروا الخلافات وضخموها، ورددوا الشكوك وأسرفوا فيها حتى أصبح كل معنى يؤيد
الوحدة يفسر فى ظل الشكوك بما يوجب الفرقة، بل وصل
الأمر إلى التشكك فى وحدة المصحف، وشك كثير من أهل
السنة فى أن يكون مصحف الشيعة هو المصحف الذى فى أيدى
سائر المسلمين، ومع ذلك لم يكلف أحدهم نفسه مؤنة
التقليب فى نسخة من ملايين النسخ التى
فى متناول يده، ولو أنهم فعلوا ذلك لذهب الشك، ولحلت
المشكلة.
ولقد
ظلت الفرقة بين المسلمين غذاء مناسبا للحكم والحكام، دأب فيها كل حاكم على
استغلالها لتثبيت سطانه، ولتحطيم عدوه، ثم جاءت
السياسات الأجنبية فوجدت فى هذه الفرقة خير وسيلة
لتدخلها فى شئون بلاد المسلمين، وبث نفوذها، ودعم
سلطانها وفرض سيادتها، ثم أوحت هذه السياسات إلى كثير
من أعدائنا الذين يتستر بعضهم وراء اسم (المستشرقين) ليكملوا إحكام الحلقة حولنا
ببحوثهم التى تقوم بدس السموم فى
تعاليم ديننا الحنيف، وانخدع بها بسطاؤنا
فكان بعضهم يحكم على بعض بما كتب هذا المستشرق أو ذاك.
وهكذا
صدقنا هؤلاء المستشرقين، كما كنا نصدق المؤرخين الدساسين، وكتبة الأوهام، وواضعى الأحاديث، وسيطرت علينا جاذبية الجديد البراق، وهيبة
القديم المألوف، فحرمنا على أنفسنا حق التفكير فيما ذكره هؤلاء وهؤلاء، وأنكرنا
على أنفسنا أن يكون لنا تفكير مستقل ندرس به أنفسنا من
واقعنا. وبجانب هذا وقفت السياسات الأجنبية المسيطرة علينا بالمرصاد فى وجه كل فكرة إصلاحية ترمى إلى توحيد كلمة المسلمين.
لقد
تقرر (توقيفية) أسماء الله تعالى، فليس لأحد أن يبتكر
من عند نفسه اسما لله لم يرد عن الله، وتقرر توفيقية (العبادات)، فليس لأحد أن
يبتدع عبادة لم تشرع. أما أن يقول المسلم وهو الذى فتحت
أمامه أبواب التفكير والتدبر فى السموات والأرض وما
بينهما (بتوفيقية) البحث والتفكير فهذا ما لا يمكن تصوره، ولكنه مع الأسف الشديد
كان سيرتنا فى التعصبات
الطائفية.
وقد
بذلت محاولات فردية ولم تكن على أساس مدروس، وكانت سياسية تارة، وغير عملية تارة ،
ولذا لم يقدر لها النجاح وإن تركت آثارا فى نفوس قلة من
المفكرين.
وبعد
هذا ساق الله الظروف المواتية لإيقاظ المسلمين، وهيأ الأسباب التى
تعين على وحدة الصف ورأب الصدع.
حيث
حطمت الحروب العالمية الدول القوية، وانهار كبرياؤها، وشغلت عن تجديد مساعيها
للتفرقة بيننا، كما أوجدت هذه الحروب فى الشعوب
الإسلامية لونا من الاعتزاز بالنفس، والاعتزاز بالمبادئ الإسلامية، حيث رأوا
بأعينهم ما جرته المدنية الحديثة على صناعتها من ويلات وبلايا، ومن فتك ذريع وجرائم وحشية اقترفها أساتذة المدنية الحديثة ضد
الإنسانية، وأدركوا بيقين أن هذه المدنية الزائفة لم تستطع أن تكبح من ضرواتهم، أو تحد من وحشيتهم، وأن الأسلحة الفتاكة التى صنعوها وهددونا بها استخدمت فى القضاء عليهم.
وكان
هذا كله بمثابة ضجة أيقظت المسلمين من سباتهم، ودفعتهم إلى الاهتمام بما عندهم من مبادىء إنسانية ومن مثل غليا خدعهم عنها العدو الطامع فيهم
بأباطيله حينا من الدهر.
وهكذا
كان التنافس بين الدول الغالبة المضعضعة، وشعور
الاعتزاز عند المسلمين، من الأسباب التى هيأت لظهور
فكرة الإصلاح والاتجاه إلى وحدة الهدف والغاية ثم بدأ المصلحون يتساءلون.
كيف
تعيش أمة موزعة على نفسها فى دنيا الأقوياء؟ وكيف يمكن
أن نقدم المبادىء الإسلامية إلى العالم، والإسلام فى حرب بين أبنائه داخل بلادهم؟ وكيف يتمكن من تسوء حالته
الداخلية من إصلاح مركزه الخارجى؟
وهكذا
بدأ التفكير فى التقريب، فدرست الدعوات السابقة،
والمشاكل الطائفية برمتها، والكتب المعتمدة عند كل فريق لتحديد الطوائف التى تتفق فى الأصول الإسلامية،
كما درست الخلافات الفرعية الفقهية، ثم انتهى الأمر إلى تحديد أنجح الطرق للوصول
بفكرة التقريب إلى الأعماق.
وأدى
تفكير هؤلاء المصلحين إلى ضرورة أن يقوم بهذه الدعوة جماعة تتحمل عبئها وأن تكون
دعوة للتقريب بين أرباب المذاهب لا إلى جمع المسلمين على مذهب واحد فيبقى كل على
مذهبه، على أن يسود بين الجميع مبدأ احترام الرأى والرأى الآخر الذى يؤيده الدليل
والبرهان، وأن يمثل كل مذهب علماء من ذوى الرأى
والمكانة فيه، وأن تكون الجماعة بمعزل عن السياسة، وأن تكون محددة الأهداف، قائمة
على البحث والعلم كى تثبت أمام المعارضة، وتكسب الأنصار
على سبيل الإقناع والاقتناع.
وهكذا
تكونت جماعة التقريب معتمدة على الله تعالى، وعكفت على البحث الدائب، والعمل
المستمر والاتصال بالمراكز الدينية فى كل بلد إسلامى اتصالاً هادئاً مثمراً، وابتعدت بنفسها عن الدعاية حتى
تسلم من معاداة المتعصبين والمتزمتين، وذوى الأغراض والأهواء، وإن كانت الهجمات التى تعرضت لها دعاية نافعة لفتت إليها الأنظار، وجعلت كثيراً
من الناس يدرسون فيعرفون فيصبحون جندا من أجنادها فكثر بذلك أنصارها، وضم كثير من
المفكرين أو علماء الدين فى مختلف البلاد جهودهم إلى
جهودها فأصبحت هذه الجماعة التى تكونت فى القاهرة مركزاً فكرياً علمياً أعضاؤه من أولى العلم وأصحاب
التوجيه والرأى فى العالم الإسلامى كله.
وكان تكوين تلك الجماعة توفيقاً من الله هيأ
للمسلمين مركزاً يصلح للنظر فى مشكلاتهم ويلتقى فيه رجال الإسلام من كلتا الطائفتين، ويظله الهدوء
وتقدير المصلحة، ويسوده الوفاق لا الخصام، لقد قرأ السنى
عن الشيعة أبحاثهم واستنباطهم، وأعجب بالكثير منها، وقرأ الشيعى
عن السنة أن أهل البيت مجمع بينهم على حبهم وإكرامهم، وأن ما صدر عن بعض الظالمين
لا يمثل رأى السنة فى أهل البيت، وعرف أهل السنة أن
الشيعة يعتبرون الغلاة نجسا ويحكمون بكفرهم، كما يحكمون بخروج أصحاب الحلول، وإذن
فشتان بين الشيعة على حقيقتها والشيعة التى تصورها
المتصورون، وشتان بين الناصبى الذى
يناصب أهل البيت العداء، وأهل السنة الذين يرون فى حب
آل البيت عبادة ويصلون عليهم فى تشهدهم (اللهم صلى على
محمد وآل محمد...)
وسارت الجماعة
على سنة التدرج إلى أن جاء دور جعل الجامعات الدينية إسلامية عامة وهو نص القانون الأساسى للجامعة منذ نشأتها، فالمادة الثالثة (هـ) تذكر من
بين أغراضها: (العمل على أن تقوم الجامعات الإسلامية فى
جميع الأقطار بتدريس فقه المذاهب الإسلامية حتى تصبح جامعات إسلامية عامة).
ولقد هيأ الله
لرجل صالح مصلح من رجالها المجاهدين- له مركزه الدينى
الكبير- وهو فضيلة الإمام الشيخ محمود شلتوت أن يجلس على كرسى
مشيخة الأزهر الشريف فنفذ ما عاهد الله عليه لخير
الإسلام وصالح المسلمين فقرر دراسة فقه المذاهب الإسلامية السنية والشيعية فى الأزهر الشريف.
كما
أصدر فتوى بجواز التعبد على أى مذهب من المذاهب
الإسلامية التى عرفت أصولها ونقلت نقلاً صحيحاً، وكانت
هذه الفتوى ثمرة يانعة من ثمار التقريب، صدرت من رجل عظيم، وفى مركز خطير فى الإسلام، اعتنق الفكرة من أول يوم وأيدها بقلمه وعلمه
ومشكور سعيه فى كل مناسبة، وإنا لنحمد الله على أن
المسلمين أثبتوا أنهم جديرون بإصلاح شئونهم، قادرون على علاج مشاكلهم ؟ فإن نجاح فكرة التقريب رغم المعارضة التى قامت فى وجهها، والعراقيل التى وضعت فى طريقها تبشر بالأمل فى توحيد الصف وجمع الكلمة للأمة الإسلامية جمعاء، كما نأمل
أن تكون نقطة الانطلاق لكثير من الأفكار الإصلاحية التى
تحقق للمسلمين قوتهم، وتؤمن لهم مستقبلهم فى حياة
مستقرة تسودها المحبة والألفة، وتظللها المودة والرحمة، فتعلو رايتهم، ويتحقق لهم
وعد الله بالنصر والتأييد مصداقاً لقوله تعالى: ( و كان حقا علينا نصر المؤمنين
).
وبذلك
يعيشون فى نشوة النداء الإلهى
الكريم ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته
إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم
تهتدون ) (آل عمران: 103).
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته
مراجع البحث
-
القرآن الكريم.
-
رياض الصالحين.
-
مبادئ جماعة التقريب.
-
جماعة التقريب بين المذاهب، رسالة ماجستير، كلية أصول
الدين. جامعة طنطا 1994م
-
الرسالة الإسلامية.
-
رسالة التقريب.
-
كتاب الاجتهاد فى الأحكام الشرعية، لفضيلة الدكتور
الإمام محمد سيد طنطاوى.