كلمة
أ.د . نصر فريد واصل
مفتى الديار المصرية
الإسلام ومتغيرات العصر وحاجة المسلمين
اليوم إلى التقدم العلمى والتكنولوجى بآلة تنفيذية لتحقيق التقويم الهجرى الموحد،
وبداية الشهور القمرية حسب قواعد وضوابط
الرؤية الشرعية على مستوى الدول الإسلامية.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام
على أشرف المرسلين سيدنا محمد بن عبد الله الهادى الأمين الذى أرسله الله رحمة
للعالمين، وعلى آله البررة الطيبين الطاهرين، وأصحابه الذين آزروه ونصروه فى كل
وقت وحين، وأتباعه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد،،
فما أشد حاجتنا اليوم نحن المسلمين إلى
وحدة الصف والهدف والغاية فيما بيننا فى أمور الدنيا والدين وذلك بعد هذا النزاع
والشقاق الطويل الذى فرق شملهم وأضعف شوكتهم ومكن منهم ذلك المستعمر اللعين فى
شئون حياتهم ومعاشهم وكان سببا مباشرا فى
تخلفهم العلمى الذى أضر بهم كثيرا فى أمور الدنيا والدين.
وإنها لمناسبة كريمة أيها الجمع الكريم
أن نرحب بكم فى هذا المؤتمر العظيم فى مصر الكنانة والأزهر كعبة العلم لكل
المسلمين وأن أشارككم وقائع هذا المؤتمر نحو مشروع حضارى لنهضة العالم الإسلامى
والذى يستضيفه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية برئاسة الدكتور/ محمود حمدى زقزوق
وزير الأوقاف والشئون الإسلامية والرئاسة الشرفية لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر
تحت رعاية السيد الرئيس محمد حسنى مبارك رئيس الجمهورية.
أيها المؤتمر الكريم لعلها مناسبة كريمة
وعظيمة أن أذكركم والذكرى تنفع المؤمنين- وإن كنت أعتقد أن الكثير منكم قد يكون
أفقه منى أو أعلم فى أمور الدنيا أو الدين- أن علم الدين والدنيا صنوان ولا غنى
لأحدهما عن الآخر فى حياة الإنسان كالروح مع الجسد لأن من فقه دينه فقه دنياه ومن
فقه دنياه وأمور شئونها دانت له بعزها ومجدها وكنوزها، وأصبح مستخلفا عليها خلافة
شرعية يتحقق معها الخير والرخاء والسلم والسلام والأمن والأمان لكل إنسان مهما
اختلفت الأجناس والعقائد الدينية والألسنة والألوان.
وبذلك جاء الإسلام عقيدة وشريعة علما
وعملا منظما لكل أمور الدين والدنيا بما يوافق العصر والزمان والمكان لكل إنسان
ويربط الإنسان بالله خالقه والإنسان بالإنسان باعتبارهم جميعا عباد الله وخلقه
وأنهم فى نسب الإنسانية سواء حيث ينتسبون جميعا إلى أب واحد وأم واحدة آدم وحواء
ولا فضل لأحد منهم على الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح لقوله تعالى: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم
من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذى
تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا )
(سورة النساء: آية 1) وقوله صلى الله عليه وسلم : "لا فضل لعربى على أعجمى، ولا لأبيض على أسود إلا
بالعمل الصالح والتقوى، كلكم لآدم وآدم من تراب ".
ومن الآيات التى نفقه منها الربط
المتلازم بين علوم الدنيا والدين قوله تعالى:
( المال والبنون زينة
الحياة الدنيا ) سورة الكهف (آية رقم 46) وقوله تعالى: (هو أنشأكم من الأرض
واستعمركم فيها) هو سورة هود (آية رقم 61) وقوله تعالى: ) فامشوا فى مناكبها
وكلوا من رزقه وإليه النشور) سورة الملك (آية رقم
15) وقوله تعالى: ( قل من حرم زينة الله
التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق )
سورة الأعراف (آية 32) وقوله تعالى: ( يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد
وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) ( الأعراف آية 31).
وقوله تعالى: ( إنى
جاعل فى الأرض خليفة) سورة البقرة (آية
رقم 30) والمراد به الإنسان وقوله تعالى: ( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا
تفضيلا) سورة الأسراء (آية رقم 70) وقوله تعالى: ( هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا ) سورة البقرة (آية 29)،
وقوله سبحانه: ( وسخر لكم مافى السماوات
ومافى الأرض جميعا منه ) سورة الجاثية
(آية رقم 13) .
وقوله صلى الله عليه وسلم
: " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا" .
وقوله صلى الله عليه وسلم : "العلماء ورثة الأنبياء".
وقد كرم الإسلام جميع العلماء الذين يفيدون بعلمهم هذا
الإنسانية والبشرية وجعلهم فى الدرجة التى ترتقى بهم إلى صف الملائكة المقربين
الذين شهدوا لله بالوحدانية مع شهادته سبحانه لنفسه كما جاء فى قوله تعالى: ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا
العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز
الحكيم ) سورة آل عمران (آية رقم 18).
وقد علم الله الإنسان كل علوم الدنيا والدين وعرفه كل أسرارها
وأعطاه مفاتيح كنوزها وأسرارها إلى يوم القيامة، وذلك من خلال آدم وذريته من بعده
جيلا بعد جيل بطريق التوارث الجينى المتواصل بين الآباء والأبناء والأصول والفروع
مهما بعدت واتسعت كما أكده علم الوراثة وعلماؤه المسلمون وغير المسلمين بيقين-
وهذا العلم الإلهي اللدنى للإنسان فى كل علوم الدنيا والدين قد دل عليه قوله
تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها ) ، والمراد فى الآية والله أعلم أسماء كل العلوم
والفنون الدينية والدنيوية التى يحتاجها الإنسان جيلا بعد جيل معه بواسطة التوارث
الجينى وتظهر معه فى صورة المكتشفات العلمية من وقت لآخر عند الحاجة إليها فى
الزمان والمكان الذى أراده الله وقدره ( وكل شىء عنده بمقدار ) سورة الرعد (آية 8) ويشهد لذلك قوله تعالى: ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) سورة الإسراء (آية رقم 85) وقوله سبحانه
وتعالى: ( وفوق كل ذى علم عليم
) سورة يوسف (آية رقم
76).
وقد فهم المسلمون الأوائل ذلك وربطوا
بين علوم الدنيا وعلوم الدين برباط وثيق كما ربطوا بين العقيدة والشريعة فدانت لهم
الدنيا بقوة وعزة وكانوا شموسا ساطعة وفرسانا فى كل الميادين ونشروا الحضارة
الإنسانية والتقدم العلمى فى كل الميادين، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "من
يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين ".
أما نحن الخلف ويا للأسف فى هذا العصر
الحديث فقد تخلفنا عن الركب وتركنا الزمام العلمى الذى ورثه لنا السلف الصالح إلى
غير المسلمين فتقدموا ووصلوا عنان السماء فى علوم الدنيا وتخلفنا نحن فى علوم
الدنيا والدين فدانت الدنيا بعزها ومجدها لغير المسلمين وعاشوا فى رخاء مادى وورث
المسلمون فى الأعم الأغلب التخلف العلمى والشقاق والنزاع فيما بينهم والفقر والضعف
المستكين.
هذا وتمسكا بمنهج ديننا الإسلامى العظيم
ونهج سلفنا الصالح من العلماء المسلمين وعملا بقوله صلى الله عليه وسلم : "من يرد الله
به خيرا يفقهه فى الدين "، وتلبية لقوله تعالى: )فلولا نفر من كل فرقة
منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) سورة
التوبة (آية رقم 122).
ومساهمة منا فى عمل يخدم الدين ويحقق
وحدة المسلمين على كتاب الله وسنة خاتم الأنبياء والمرسلين فقد تقدمت من خلال دار
الإفتاء المصرية بمشروع حضارى فى العلوم العصرية وهو مشروع القمر الإسلامى إلى
مؤتمر لجنة التقويم الهجرى الموحد وقواعد وضوابط الرؤية الشرعية بجدة سنة 418 1هـ
التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامى كآلية عملية وتنفيذية لتحقق قرارات وتوصيات
المؤتمر التى صدرت بإجماع ثمان عشرة دولة إسلامية برئاسة المملكة العربية السعودية
وذلك لجمع شمل المسلمين فى كل مكان على تاريخ هجرى موحد ويوم واحد لبدايات جميع
الشهور القمرية وتوحيد أيام صومهم وفطرهم فى رمضان وأيام أعيادهم الدينية
ومناسباتهم القومية بما يحقق الهدف المنشود لجميع المسلمين فى كل أمور دينهم
ودنياهم ويبعدهم عن الفرقة والنزاع والشقاق الذى يتكرر بينهم فى الداخل، والخارج كل عام ويؤثر بالسلب
على حياتهم المعيشية وعلى صورة الإسلام وامتداد الدعوة الإسلامية فى نظر غير
المسلمين.
وهذا المشروع الحضارى التكنولوجى والذى قام على عائق العلماء المخلصين المتخصصين
فى علوم الدين والفلك والحساب من الجامعات المصرية وأصحاب الخبرة العالمية قد أصبح
جاهزا للتنفيذ والعمل وإطلاقه فى الفضاء كمرصد جوى يدور حول الأرض بصفة مستمرة
يحقق الهدف المنشود منه فى خدمة جميع المسلمين ووحدتهم وذلك بعد دراسة استغرقت
ثلاثة أعوام متواصلة استكملت فيها دراسة المشروع وجدواه من الناحية الدينية
والعلمية وهو الآن معروض عليكم أيها المؤتمر الكريم للموافقة عليه وإقراره وتدعيمه
ماديا ومعنويا باعتباره تطبيقا عمليا لمؤتمركم الكريم هذا نحو مشروع حضارى فى أحد
محاوره العلمية وهو المحور الثانى: "الإسلام وتوطين التكنولوجيا فى الدول
الإسلامية".
ونعتقد أنه لو خلصت النوايا وحسنت فى
إقراره وتدعيمه من الناحية الرسمية والشعبية لخرج إلى حيز التنفيذ فى القريب
العاجل إن شاء الله ونحن نضع هذه الأمانة الدينية فى يد أصحاب المسئولية السياسية
والدينية والتنفيذية والشعبية ليتعاون الجميع نحو هذا الهدف القومى النبيل لتحقيق
وحدة المسلمين، ونحن على ثقة كاملة بأننا جميعا على مستوى المسئولية الدينية
والدنيوية وأننا لن نفرط فى هذه المسئولية مهما كانت المشاغل القيادية والرئاسية.
( وقل اعملوا فسيرى
الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم
تعملون ) سورة التوبة (آية105)
مشروع
القمر الإسلامى
أهداف المشروع :
ا- رصد الهلال
الوليد بعد غروب الشمس فوق أفق مكة المكرمة وغيرها من
المدن الإسلامية وإرسال صورته لترى على
شاشات التليفزيون موضحا عليها موضع الرصد ووقته وارتفاع الهلال فوق الأفق وفترة
مكثه بعد غروب الشمس مع ملاحظة أن دوران القمر فى مداره المنخفض حول الأرض يتيح له
تكرار الرصد فوق أماكن مختلفة فى كل دورة.
2-
حيث أن كل الدول الإسلامية تشارك مكة المكرمة جزءا كبيرا من الليل فإن هذه الرؤية
تتيح ثبوت بدء الشهر فيها والتفاف المسلمين فى كل أنحاء العالم حول هذه الرؤية
ويزول ما يتكرر دوما من فرقة واختلاف ويلتف العالم الإسلامى حول قبلته فى مناسباته
الدينية وأعياده كما يتوجه إليها فى صلاته.
الموقف الحالى:
1-
انتهت اللجان العلمية والفنية منذ أمد من توصيف متطلبات القمر كاملا وتحاورت بشأنها
مع العديد من الشركات العالمية الكبرى المصنعة للأقمار الصناعية فى مجال الفضاء.
2-
تقدمت شركات عديدة بعروض لتصنيع القمر وإطلاقه وكان أبرز هذه العروض لشركة
أوربيتال الأمريكية التى حصلت على موافقة الحكومة الأمريكية للقيام بتنفيذ المشروع
ونقل خبرات قيمة فى مجال تكنولوجيا الفضاء لم تعط لأى مشروع سابق خاصة وأن هذا أول
مشروع إسلامى لقمر على ارتفاع منخفض وسيقوم مختصون من البلاد الإسلامية بمتابعة كل
خطوات تصميم القمر وتصنيعه وإطلاقه وهم مسلمون ثقات يحرصون كل الحرص على دينهم،
وقد أرسلت بعض البلاد العربية استعدادها للمشاركة البشرية والمادية فى هذا
المشروع.
3-
أسفرت الدراسات عن الاتفاق على إضافة استخدامات أخرى
للقمر يمكن أن تدر عائدا اقتصاديا مجزيا، ومن تلك الاستخدامات:
(أ)
تحديد اتجاهات القبلة فى الأماكن المختلفة فى العالم، وتحديد مواقيت الصلاة وخاصة
فى الأماكن النائية.
(ب)
قياس نسب تلوث البيئة والإشعاع على طول مسار القمر سواء فى البلاد الإسلامية أو
غيرها، ولا تخفى الجدوى الاقتصادية لهذا الاستخدام.
(جـ)
دراسة العناصر الجوية مما يساعد على تحسين التنبؤ للحالة الجوية بدرجة كبيرة حيث
لا توجد أقمار تخدم الأرصاد الجوية على هذه الارتفاعات المنخفضة وتسويق هذه
العناصر يمكن أن يدر دخلا كبيرا للمشروع.
(د)
يمكن لهذا المشروع أن يكون مدرسة كبيرة لإعداد المتخصصين علميا وتكنولوجيا فى مثل
هذه المشروعات.
هذا وقد تمت دراسات
الرحلة بالكامل مع الشركة المصنعة، وقد أقرت تلك الدراسات كافة الهيئات السياسية
والأمنية والدينية والعلمية والتكنولوجية المختصة، ولا يبقى إلا بدء خطوات
التنفيذ.
من هذا العرض يبدو جليا أن القمر
الصناعى يجوب سماوات الإسلام باحثا عن هلال كل شهر هجرى جديد، ويبعث لنا بصورة
الهلال الوليد مستوفية تماما لشروط الرؤية الشرعية الصحيحة، فتشعرنا هذه الصورة
التى نراها فى كل لحظة فى كافة أرجاء عالمنا العربى والإسلامى بوحدة الهدف وتوحيد
المصير. برجاء التكرم فى اتخاذ ما ترونه مناسبا لعرض الموقف الحالى للمشروع على
منظمة المؤتمر الإسلامى لإجراء الخطوات التنفيذية للمشروع وطلب الدعم للمساهمة
بالنسبة للدول الإسلامية بالإضافة للرغبة الكبيرة الشعبية للمساهمة فى تنفيذ هذا
المشروع.
وفقنا المولى عز وجل لخير عباده ورفعة
شأن دينه.