التنسيق والتكامل
بين المؤسسات العلمية المهتمة بالتكنولوجيا فى
العالم الإسلامى
السفير الدكتور/ محمد عز الدين عبد المنعم
مساعد
وزير الخارجية- مصر
تمثل القضايا الخاصة
بالتكنولوجيا أهمية خاصة فى حياة الدول والمجتمعات
الإسلامية. ولا يتأتى ذلك فقط من البريق الخاص الذى
اكتسبته هذه الكلمة، وإنما هو يتأتى من مجموعة من العوامل التى
تتصل مباشرة بالواقع الإسلامى المعاصر، ومن بين هذه
العوامل إدراك المجتمعات الإسلامية بكل شرائحها أن التكنولوجيا هى مفتاح التقدم ودليل التميز بين الأمم، والسبيل إلى حل
الكثير من المشاكل التى تعانى منها بلدان العالم الإسلامى المختلفة.
وإذا نظرنا إلى البعد التاريخى لقضية التكنولوجيا لأدركنا الحساسية الخاصة
للمجتمعات الإسلامية إزاء هذه القضية، حيث يدرك الجميع أن العالم الإسلامى هو صاحب العطاء الأول فى
الإسهام الحضارى الذى تأسست
عليه النهضة التى ارتقت بالعالم المتقدم إلى ما هو عليه
اليوم، ولكن الجميع يدرك أيضا أن العالم الإسلامى لم
يأخذ المقابل العادل لعطائه هذا. فلقد أعطى العالم الإسلامى
للغرب، على سبيل المثال، كيفية ممارسة الملاحة البحرية، فما كان من الغرب إلا أن
استخدمها فى حركة "الكشوف الجغرافية" التى كانت فى جوانب كثيرة منها
محاولات لتطويق العالم الإسلامى والحد من كيانه المؤثر
علي خريطة العالم.
كما تتصل قضية التكنولوجيا فى العالم الإسلامى، فضلا عن هذا البعد التاريخى، بحقيقة أن بعض التطورات التكنولوجية المعاصرة
قد أصبحت، فى رأى الكثيرين، تشكل تهديدا مباشرا لبيان
القيم فى المجتمعات الإسلامية أينما وجدت. ولعل أبرز
مثال على ذلك هو ما يتردد عن استخدام " الأطباق " لالتقاط البث التليفزيونى الأجنبى عن طريق
الأقمار الصناعية على نحو يحمل إلي هذه المجتمعات الإسلامية أنماطا سلوكية تتعارض
والكثير من القيم التى تحدد هوية هذه المجتمعات.
ويتضح من ذلك أن قضية
التكنولوجيا فى العالم الإسلامى
قضية ذات شقين: الأول، هو ضرورة تحقيق سبل التقدم التكنولوجى
للاستفادة من منافعه العديدة والثانى، هو أهمية درء أية آثار سلبية للتقدم التكنولوجى سواء من الخارج أو من الداخل.
ولقد سعت بلدان العالم الإسلامى سعيا حثيثا نحو اكتساب سبل التقدم التكنولوجى فى المجالات المختلفة،
سواء عن طريق مؤسساتها الوطنية، أو من خلال التعاون الدولى
فى إطار المنظمات الدولية والإقليمية التى هى أعضاء بها.
فبغض النظر عن تعدد المواضع التى يستخدم بها مسمى "تكنولوجيا " إلا أنه لا تكاد تخلو دولة
واحدة من دول العالم الإسلامى من أكاديمية علمية متخصصة
في مجال البحث العلمى والتكنولوجيا. كما قام الكثير من
هذه البلدان بإدراج برامج كاملة فى هذا المجال في إطار
خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية بها، هذا فضلا عما
حققته بعض الدول الإسلامية من تقدم فى بضعة ميادين
تكنولوجية بعينها.
على أن الهوة لا تزال واسعة
بين أى تقدم يكون بعض البلدان الإسلامية قد حققه فى مجال العلوم والتكنولوجيا، والتقدم الهائل الذى تم تحقيقه فى البلدان
الصناعية المتقدمة. ولذا فلقد عملت بلدان العالم الإسلامى،
ضمن أسرة البلدان النامية بوجه عام، على
بذل قصارى جهودها من أجل تحقيق نقل التكنولوجيا من البلدان الصناعية المتقدمة عن طريق المحافل
الدولية الكبرى وفى مقدمتها منظمة الأمم المتحدة.
وعلى الرغم من أن هذه
المحاولات قد أسفرت عن قناعة سادت لدى الرأى العام العالمى بأن هناك التزاما أدبيا علي الأقل، يقع على بلدان
العالم المتقدمة بإتاحة سبل المعرفة التكنولوجية أمام بلدان العالم النامية، إلا
أن ما تحقق علي مستوى الواقع الفعلى لا يزال أقل بكثير
من أن يفى باحتياجات تلك البلدان. فمن
ناحية، لا يتم نقل التكنولوجيا إلا على مستويات دنيا من المعرفة التكنولوجية. ومن
ناحية أخرى ، يتم نقل المعرفة التكنولوجية إلى عدد من تلك الدول على مستويات أعلى
من المستويات الدنيا، ولكن فى إطار مؤسسات لا تنتمى حقا إلى البلدان النامية، وإنما هى
مراكز أمامية لاقتصادات البلدان الصناعية المتقدمة داخل
أراضى بلدان نامية.
وعلى الرغم من أن عددا من
بلدان العالم النامية، بعضها من دول العالم الإسلامى، قد تحقق لديها موارد مالية ونقدية كافية، إلا
أنه من المعروف أن المعرفة التكنولوجية المتقدمة ليست كالسلع المتاحة فى السوق الدولية التى يمكن الحصول
عليها متى توفر الثمن الذى ينبغى سداده. ومن ثم
بقى احتكار المعرفة التكنولوجية المتقدمة قائما، وظل مقتصرا على أقطاب دولية معينة
دون غيرها، حتى وإن كانت أوجه تلك المعرفة تهم العالم النامى
ومن بينها بلدان العالم الإسلامى.
وقد زاد من خطورة هذا
الاحتكار تلك الظاهرة التى أطلب على العالم الإسلامى ، ومعه جميع بلدان العالم النامية، قرب نهاية القرن
العشرين الميلادى والمعروفة بـ
"العولمة". فأيا كان الرأى بالنسبة إلي هذه
الظاهرة، وأيا كان الموقف تجاهها، إلا أنه من الثابت أن احتكار المعرفة
التكنولوجية المتقدمة من جانب عدد من الدول المتقدمة دون غيرها، سيكون من شأنه أن
السلبيات الناجمة عن ظاهرة "العولمة" سوف تفوق أى
أثر إيجابى لهذه الظاهرة إن وجد. بل إن هذا الاحتكار
سوف يعنى، فى النهاية، أن ظاهرة "العولمة" لن
تكون سوى قناعا لسيطرة بضعة مراكز محدودة على أرجاء العالم المختلفة، بما فيها
العالم الإسلامى.
ولقد عملت دول العالم الإسلامى، فى إطار إدراكها للمشكلات المتصلة بالحصول على
التكنولوجيا المتقدمة، على إيجاد تعاون مشترك فيما بينها فى
هذا المجال الهام. فلقد نص ميثاق المؤتمر الإسلامى فى مادته الثانية علي دعم التعاون بين الدول الأعضاء فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية وفى
المجالات الحيوية الأخرى. ولقد أصبحت المنظمة تولى أهمية بالغة للمسائل المتعلقة
بمجال العلوم والتكنولوجيا بحيث تعتمد أجهزتها قرارات تتصل بهذا المجال فى كل اجتماع من اجتماعاتها.
ففى يناير عام 1981 أنشئت
اللجنة الدائمة للتعاون العلمى والتكنولوجى
المعروفة باسم الـ "كوستيك
" الصادر عن مؤتمر القمة الإسلامى الثالث المنعقد فى مكة المكرمة والطائف عام 981 1م بالمملكة العربية
السعودية، وتتمثل مهمة هذه اللجنة فى متابعة تنفيذ
القرارات الصادرة عن المؤتمر الإسلامى فى المجالات العلمية والتكنولوجية، كما تقوم ببحث الوسائل
الكفيلة بدعم التعاون بين الدول الاسلامية فى هذه المجالات، بجانب
إعداد البرامج والمقترحات التى من شأنها تحسين قدرات
الدول الأعضاء فى هذه المجالات. أما عضوية اللجنة فهى مفتوحة أمام جميع الدول الأعضاء، التى
تشارك بها على المستوى الوزارى
تحت رئاسة رئيس جمهورية الباكستان الإسلامية.
ولقد أنشأت "اللجنة
الدائمة للتعاون العلمى والتكنولوجى"
عددا من الشبكات التى تعنى بالتعاون العلمى والتكنولوجى بين بلدان
العالم الإسلامى،
منها "الشبكة الإسلامية لموارد الطاقة القابلة للتجديد ". وتولى
هذه الشبكة الطاقة الشمسية عناية خاصة فى المرحلة
الحالية، وذلك بالنظر إلى أن البلدان الإسلامية تقع فى
حزام الشمس، وبها الكثير من شعاعها والعزل الشمسى بها يعتبر الأعلى فى العالم. ومن ثم
فإن تطوير تقنيات الطاقة الشمسية، وغيرها من موارد الطاقة القابلة للتجديد،
يمكن أن يصل بالعالم الإسلامى إلى درجة الاكتفاء الذاتى من الطاقة. كما تعمل هذه الشبكة على مواكبة التقدم العالمى فى تكنولوجيا السيليكون، ولذا فقد أنشأت معهدا خاصا للبحوث فى هذا الجانب الهام.
أما الأهداف الرئيسية لـ
"الشبكة الإسلامية لموارد الطاقة القابلة للتجديد"، فهى
المشاركة والتعاون فى مجالات الأبحاث ذات المصلحة
المشتركة مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة قيام كلا منها بمساعدة بعضها البعض فى بناء القدرة فى هذا المجال. كما
تهدف الشبكة إلى تحقيق تبادل المعلومات والحفاظ على استمرارية النقاش حول التطورات
فى هذا المجال لما فيه المصلحة المشتركة والاستخدام،
وكذا الحفاظ على بنك للمعلومات حول التطورات فى هذا
الموضوع من أجل استخدام الأعضاء فى الشبكة وغيرها من
الدول الإسلامية. وتعمل الشبكة أيضا على البدء فى
مشاريع مشتركة للبحث والتطوير فى المجالات ذات المصلحة
المشتركة للدول الأعضاء، مع تقديم المساعدة والدعم فى
تدريب النوعية الجيدة من القوة العمالية فى الدول
الإسلامية في هذا المجال، جنبا إلي جنب مع العمل من أجل تطوير ودعم تقنيات الطاقة
القابلة للتجديد فى المنطقة.
والدول الأعضاء في هذه الشبكة هى أندونيسيا، والعراق، والأردن،
المغرب، والنيجر، والباكستان، والسعودية وتركيا التى حضرت الاجتماع التأسيسى الذى عقد بتاريخ 27 سبتمبر 987 1 م فى
إسلام آباد ولها النقاط مركزية تابعة للشبكة. كما تنضم إلى الشبكة 11 دولة أخرى هى الجزائر، ومصر، ومالى، وإيران،
وقطر، وجامبيا، والسنغال، وسوريا، وموريتا نيا، والسودان.
وتحظى- تكنولوجيا الفضاء-
باهتمام خاص من جانب المؤسسات العلمية فى العالم الإسلامى. من ذلك أن
"الشبكة الإسلامية لعلوم وتكنولوجيا الفضاء "تقوم بعدد من الأنشطة فى هذا المجال بالتنسيق مع المراكز البحثية ذات الصلة فى أكثر من دول العالم الإسلامى.
وقد عنيت هذه الشبكة بتطوير القوى العاملة فى مجال بحوث
الفضاء عن طريق الإلمام بالمعرفة التكنولوجية اللازمة، إذ تقوم الشبكة بعقد دورات
تدريبية عالمية حول الاستشعار عن بعد، والبعثات الفضائية منخفضة التكلفة، ودراسات
ديناميكية الفضاء، وعربات الإطلاق للأقمار الصناعية، والمركبات الفضائية، وما
إليها.
وإلى جانب هذا الاهتمام بعلوم وتكنولوجيا الفضاء الخارجى، فقد أولت
بلدان العالم الإسلامى لعلوم وتكنولوجيات المحيطات
عناية خاصة بأن أنشأت شبكة تعنى بهذا الموضوع. فالدول الإسلامية تحتل مناطق الحزام
المتوسط من العالم، وترتبط مع بعضها البعض من خلال المحيطات، وكثيرا ما تتقاسم
مياهها ومواردها الحيوية، فضلا عن معاناتها من مشكلات التلوث البحرى
التى تضر بالبشر والأحياء البحرية، وتعمل الشبكة على
القيام بأبحاث بحرية مشتركة فى الأجزاء الشرقية من
البحر المتوسط، وقضايا الإدارة الساحلية به، ودراسات عن
شمال بحر العرب، والنظام الدولى لمراقبة المحيطات،
وبرامج الملاحة الساحلية، هذا فضلا عن دراسات مماثلة خاصة بالبحر الأسود، ودراسات
خاصة بمشروع خليج جويانا بالكاميرون.
وبالنظر إلى أهمية تكنولوجيا
الموارد المائية، تم أيضا إنشاء " الشبكة
الإسلامية لتطوير وإدارة موارد المياه " وهى، شأنها شأن الشبكات السالفة الذكر،
شبكة عاملة بين الحكومات لا تستهدف الربح. وتتلخص أهداف هذه الشبكة فى المشاركة والتعاون فى محاولات
تطوير وإدارة موارد المياه مع الأخذ بعين الاعتبار القيام بمساعدة الدول الأعضاء
فيها فى بناء قدراتها القومية وفى تطوير قطاع الإنتاج الاقتصادي
المتصل مع المجال العلمى للشبكة الإسلامية لتطوير
وإدارة موارد المياه. كما تهدف الشبكة إلى تبادل المعلومات، وتقاسم الخبرات،
والحفاظ على حوار مستمر حول التطوير فى مجالات تطوير
وإدارة المياه، وكذا إقامة بنك للمعلومات حول التطور فى
مجال الموضوع والحفاظ عليه وذلك من أجل الاستخدام من جانب الدول الأعضاء، آخذة
بعين الاعتبار- المصالح المشتركة للدول الأعضاء-، وتعمل الشبكة أيضا على البدء فى مشاريع مشتركة للبحث والتطوير، ولمساعدة الدول الأعضاء فى تدريب عمالة جيدة ولتقديم الخدمات الاستشارية.
أما الفوائد التى تحصل عليها الدول الأعضاء فى
الشبكة فهى حصول العلماء، والخبراء، والأفراد التابعين
للدول الأعضاء على المساعدة من الشبكة فى التعرف عليها،
وكذلك فى تحديد البيانات العالمية المتخصصة والمتعلقة
بالماء، والحصول على البيانات والمعلومات المتعلقة بالماء فى
بعض الدول الأعضاء فى منظمة المؤتمر الإسلامى، كما تقوم
الشبكة بتقديم تدريب متخصص ومجانى وإقامة مجانية لعدد
من المشاركين من الدول الأعضاء فيها، هذا فضلا عن تمكين الدول الأعضاء من المساهمة
فى تحقيق أهداف منظمة المؤتمر الإسلامى
فى المجالات العلمية، وفى زيادة التعاون بين الدول
الإسلامية من أجل مصلحة الأمة الإسلامية.
وقد قامت الشبكة بتطوير عدة
برامج هامة منها الضمان النوعي والسيطرة النوعية على البيانات المائية فى الدول الأعضاء فى منظمة المؤتمر
الإسلامى، والمقاييس الهيدروليكية فى
تلك الدول، وتكامل المعلومات بين الحيز التنظيمى
وهيدروليكية المياه العميقة، ومعالجة المياه الناتجة عن الصناعة وإعادة استخدامها،
والحفاظ على المياه والحد من التلوث فى بعض الصناعات،
وبعض التطبيقات المتصلة بتشكيل المياه الجوفية، هذا فضلا عن دراسات وتطبيقات
متعددة تتصل بتكنولوجيا الموارد المائية فى الدول
الإسلامية.
ولقد قدمت اللجنة الدائمة للتعاون
العلمى والتكنولوجى التابعة
لمنظمة المؤتمر الإسلامى عونا مستمرا لهذه الشبكات
وغيرها من الشبكات الإسلامية المعنية بالعلوم والتكنولوجيا، كما قام كل من المعهد الإسلامي
للتكنولوجيا والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ببذل جهود هامة فى مجال العلوم والتكنولوجيا فى
بلدان العالم الإسلامى وغيرها من البلدان.
ويقوم البنك الإسلامى للتنمية بتنفيذ برنامج نشط فى
مجال العلوم والتكنولوجيا، وذلك بالإضافة إلى إسهاماته المتعددة فى دعم الشبكات الإسلامية المختلفة وتمويل العديد من أنشطتها.
ويشمل البرنامج العلمى والتقنى
للبنك الإسلامى للتنمية نقل الخبرات والتدريب، وحلقات
العمل والبحث فى الكثير من الميادين الحيوية منها
استصلاح الأراضى والرى،
والزراعة بالرى الصناعى، والطب والجراحة، وتربية الأسماك البحرية،
والطاقة، وأمراض القلب ومناظير الجهاز الهضمى، ووضع النماذج
لتدفق المياه الجوفية وتصنيف نوعيتها، والإدارة المتكاملة لمكافحة الآفات، وتحديث
تدريس العلوم والهندسة ، والغزل والنسيج، وتنمية نفط البحار، وتكنولوجيا المعلومات
وصناعة هذه التكنولوجيا، ونقل الملكية الصناعية والتكنولوجية، والتطبيقات الطبية
للتكنولوجيا الحيوية، والزراعة الملحية، والتقدم التكنولوجى
فى نظم إنتاج الأغذية فى
المناطق القاحلة وشبه القاحلة، وتكنولوجيا سبك المعادن، وتدريس العلوم وإدارة
التكنولوجيا، وما إلى ذلك من الميادين التى تفى باحتياجات فعلية ومباشرة فى
بلدان العالم الإسلامي المختلفة. هذا فضلا عن المشاركة المنتظمة من جانب البنك الإسلامى للتنمية فى أنشطة اللجنة
الدائمة للتعاون العلمى والتكنولوجى
واجتماعاتها المختلفة.
ولقد حرصت مؤتمرات القمة
الإسلامية والمؤتمرات الإسلامية لوزراء الخارجية على توفير إطار سياسى ملائم للتنسيق بين الدول الإسلامية فى
مجال العلوم والتكنولوجيا. من ذلك القرار الصادر عن الدورة السادسة والعشرين
للمؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية التي اندفعت في واجادوجو
ببوركينافاسو خلال الفترة من 28 يونيو إلى 2 يوليو عام 999 1 م. فقد أشار هذا القرار.
بادئ ذى بدء إلى ضرورة الإسهام الفعال فى بناء الحضارة الإنسانية والتفاعل معها أخذا وعطاء بما يحقق
مستوى لائقا لحياة على أساس من التفاهم بين الأمم والشعوب بعيدا عن أعمال العدوان
وخرق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والأعراف الدولية. كما أكد المؤتمر الإسلامى لوزراء الخارجية المشار إليه حق الشعوب الثابت فى التنمية، وإيمانه بأن تحقيق التقدم فى
المجالات الاجتماعية والثقافية يتطلب استخدام العلم والتكنولوجيا استخداما سليما
على أوسع نطاق يتناسب مع متطلبات التنمية، وبأن العلم والتكنولوجيا هما حصيلة جهد إنسانى متكامل يجب أن يوضع جميع منجزاتهما السلمية فى خدمة الإنسانية جمعاء، وأكد المؤتمر على حق الدول
الإسلامية غير القابل للتصرف فى تنمية وامتلاك واستخدام
وسائل العلم والتكنولوجيا لتطوير مجالاتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. كما
أعلن رفض هذه الدول لجميع السياسات والإجراءات بما في ذلك الأنظمة غير العادلة
والتمييزية الهادفة إلى إعاقة تحقيق التقدم التكنولوجى
للأغراض السلمية فى الدول الأعضاء باعتبار أن هذه
السياسات والإجراءات تتعارض مع الحق المشروع لجميع الأمم والشعوب فى توفير الحياة الحضارية العصرية اللائقة، فضلا عن أنها تضر
بالأمن والسلم الدوليين وتتعارض مع مقاصد وأهداف ميثاق الأمم المتحدة، ودعا
المؤتمر الدول الصناعية إلى تيسير نقل التكنولوجيا إلى الدول النامية، وإزالة
القيود التى تعيق نقل التكنولوجيا إلى الدول الإسلامية
بصفة خاصة، كما دعا الدول الأعضاء إلى تعزيز التعاون فيما بينها فى مجالات العلم والتكنولوجيا للأغراض السلمية وبصفة خاصة في
إطار اللجنة الدائمة للتعاون العلمى والتكنولوجى. بل قد أوصى المؤتمر بالتشاور فيما بين الدول الأعضاء بشأن ما يلزم من الإجراءات
الواجب اتخاذها إزاء أية دولة أو مجموعة من الدول تفرض قيودا من شأنها إعاقة
انتقال التكنولوجيا إلى البلدان النامية وذلك من خلال اجتماع يعقد بهذا الشأن.
كما أصدر المؤتمر الإسلامى السادس والعشرين لوزراء الخارجية فى دورته تلك، التى انعقدت فى- واجادوجو،- بضعة قرارات أخرى فى مجال العلوم والتكنولوجيا والتنسيق بشأنها بين الدول
الأعضاء فى منظمة المؤتمر الإسلامى.
ومن بين هذه القرارات، القرار رقم 36/ 26- أق بشأن "المشاكل البيئية التى تواجه العالم الإسلامى"،
والذى أعرب فيه المؤتمر عن قلقه العميق إزاء استمرار
تدهور البيئة العالمية بما فى ذلك تزايد تلوث البيئة
وتدنى مستوى الموارد الطبيعية، ودعَا الدول الأعضاء إلى التعاون والتنسيق فيما بينها
فى إطار المراكز الإقليمية القائمة المعنية بالتصحر من
أجل إعداد وتنفيذ خطط أعمال وطنية وإقليمية وفقا للمادة (1) من اتفاقية التصحر،
وإلى تبادل المعلومات والخبرات فى مختلف المجالات
البيئية مثل التصحر وتغيير المناخ وفقدان التنوع البيولوجى، وذلك جنبا إلى جنب مع الدول المتقدمة لتوفير
موارد مالية جديدة وإضافية، خاصة من أجل حماية البيئة العالمية بوجه عام والتصدى لفقدان التنوع البيولوجى.
كما دعا القرار الدول
الأعضاء إلى تعبئة مواردها المالية والمؤسسية الوطنية اللازمة لتنفيذ البرامج
الوطنية لحماية البيئة، مؤكدا فى نفس الوقت التزامات
الدول المتقدمة بنقل تكنولوجيات وخبرات فنية سليمة بيئيا إلى البلدان النامية،
وذلك مع حث الدول الأعضاء علي إعطاء مزيد من الاهتمام بمسألة حماية البيئة
والموارد الطبيعية وصلتها بالتنمية المتواصلة. وقد طلب من المجتمع الدولى وخاصة الأجهزة المعنية في منظمة الأمم المتحدة، إجراء
بحث علمى فعال بشأن ارتفاع مستوى البحر وآثاره
الاجتماعية والاقتصادية بهدف حماية المناطق الساحلية والحياة البرية فى أراضى الدول الأعضاء. كما أكد
ضرورة تنفيذ الدول المتقدمة التزاماتها بمقتضى الاتفاقات الدولية القائمة حول نقل
الموارد المالية والتكنولوجيا السليمة بيئيا إلى البلدان النامية، مع ضرورة أن
تشمل التعاون المتعدد الأطراف لحماية البيئة توفير موارد مالية إضافية وحصول
البلدان على تكنولوجيا سليمة بيئية. وحث المؤتمر على تدابير عملية، فى هذا الصدد، من بينها نشر التجارب الرائدة من أجل تحقيق
التنمية البيئية فى الدول الإسلامية، واستقدام الخبرة
المتاحة لها فى هذا المجال سواء من خلال التعاون الثقافى أو البرامج المتعددة الأطراف لتبادل الخبرات، وتشجيع
التنسيق والتعاون بين شبكات الرصد البيئى ومراكز
الاستشعار عن بعد ومراكز مراقبة السواحل وجميع الأجهزة الأخرى لحماية البيئة فى الدول الإسلامية. ودعا القرار جميع الدول الأعضاء على
مواصلة التشاور والتنسيق فيما بينها فى جميع الاجتماعات
الدولية بما فيها الاجتماعات التشاورية المتعلقة بحماية
البيئة وخاصة فى مجال التنوع البيئى
وتغير المناخ والتصحر والنفايات الخطرة والمشعة. ودعا المؤتمر أيضا إلى التركيز
على مشكلة مخلفات الحرب العالمية الثانية وغيرها من الحروب فى
البلدان الإسلامية مما يعيق تنمية مجتمعاتها، وناشد الدول الأطراف فى الحرب العالمية الثانية الإسراع في تزويد الدول الأعضاء
بالمعلومات والبيانات والخرائط الخاصة بالألغام التى
زرعت فى أراضيها خلال الحرب، والالتزام بتقديم العون
والمساعدة الفنية المطلوبة لإزالة هذه الألغام التى لا
تزال تلحق أضراراً بالغة بحياة البشر وتعرقل التنمية والبناء فى
مجالات حيوية، على أن تقوم الدول الأعضاء بتكثيف التنسيق والتشاور فيما بينها فى إطار الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات وبخاصة الوكالات
المتخصصة بشأن معالجة هذا الموضوع بأسلوب إيجابى.
وأعرب قرار المؤتمر الإسلامى المشار إليه عن القلق العميق إزاء إلقاء إسرائيل
للنفايات المشعة والكيمائية والمبيدات عالية السمية فى
مياه البحر الأبيض المتوسط وبخاصة فى المياه الإقليمية
اللبنانية، وأدان إسرائيل لحرقها للغابات وقطعها لمياه الرى، واستيلائها على الموارد المائية وتلويثها
للشواطئ المجاورة، هذه السياسة التي تؤدى إلى استمرار التدهور البيئى
الخطير فى فلسطين المحتلة وتردى الأوضاع الاقتصادية
والاجتماعية للمواطنين، وتغيير الخصائص البيئية والجغرافية والسكانية والتاريخية
لهذه المنطقة وفرض قوانينها وولايتها وإدارتها فى مناطق
الجولان السورى وجنوب لبنان وغرب البقاع التى تحتلها إسرائيل. كما دعا القرار، فى
نفس الوقت إلى تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء فى مجال
رصد الزلازل وإنشاء آلية من الدول الأعضاء الواقعة على البحر الأحمر لرصد الزلازل فى المنطقة وتبادل المعلومات اللازمة لمعالجة هذه الظاهرة،
وكذا فى مجال رصد الإشعاعات النووية في المنطقة خاصة
تلك الناجمة عن وجود مفاعلات إسرائيلية لا تخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة
الذرية.
ومن ناحية أخرى أصدر المؤتمر
الإسلامى السادس والعشرين لوزراء الخارجية بشأن البيئة
والتنمية المستدامة والوسائل والسبل الكفيلة بمعالجة قضايا البيئة والصحة، والذى أكد علي العلاقة الوثيقة بين البيئة والقطاعات
الإنمائية الأخرى ومن بينها قطاع الصحة، واضعا فى
اعتباره أهمية محافظة الدول الأعضاء على الضرورات الأساسية للتنمية المستديمة
ولتقويم ورصد مشكلاتها وقضاياها البيئية ومن بينها الصحة علي أساس مستمر، مع
مواصلة نموها الاقتصادى من أجل حماية البيئة وتحقيق
التنمية المستدامة.
على أن القرار قد أشار إلى
أن التنمية المستدامة لن تتحقق إلا من خلال تعاون دولي، وعلى نحو خاص، عبر تنفيذ
البلدان المتقدمة لالتزاماتها التكنولوجية والمالية التى
تم إدراجها فى وثيقة الأمم المتحدة المسماة " جدول
أعمال 21" خاصة مع تزايد حاجة الدول الأعضاء إلى الاستفادة من المعلومات
الموضوعية والمستقلة وغير المنحازة المتعلقة بوضعها البيئى
والمعالجات الممكنة التى تخدم مصالحها على الوجه
الأكمل. وفى هذا الصدد، وجه المؤتمر إلى عقد لاجتماع لفريق الخبراء الحكوميين بغية
إجراء دراسة شاملة للمسائل المترابطة التى تجمع بين
البيئة والصحة والتنمية المستدامة من منظور يخدم، بأفضل طريقة، مصالح الدول
الأعضاء ويفضى إلي إقامة تعاون أوثق فيما بينها وبين المؤسسات ذات الصلة التابعة
لمنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها من المنظمات الدولية الأخرى.
كما أولى المؤتمر الإسلامي
لوزراء الخارجية، فى إطار اهتمامه بالمسائل المتصلة
بالعلوم والتكنولوجيا عناية خاصة بالتعاون بين الدول الأعضاء في مكافحة الأمراض
الوبائية التى تصيب الإنسان من المصادر البشرية
والحيوانية والبيئية. إذ أصدر المؤتمر قراره رقم 39 /26- أق الذى أشار إلى انتشار الأمراض المعدية التى
تؤثر على الإنسان والحيوان والحياة الفطرية، وتفشى مرض الإيدز بسبب عدم الالتزام
بالقيم الدينية، والتقدم البطيء فى البحوث الطبية
للوقاية والعلاج منه، فضلا عن خطورة مرض- جنون البقر- وأثره على صحة الإنسان
والحيوان وعلى الاقتصاد العالمى والتجارة الدولية وكذا
ضرورة إقامة تعاون بين الدول الإسلامية فى مجال الصحة
العامة. فقد دعا هذا القرار إلى تنسيق أوثق فيما بين الدول الأعضاء من جهة ومع الدول الأخرى ومع
منظمة الصحة العالمية من جهة أخرى لمكافحة هذه الأخطار من خلال استخدام أمصال
جديدة وبرامج للتحصين ضد الأمراض المعدية، وإلي القيام بجهود جدية فى البحث الطبى في هذا المجال على
المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، مع حث الدول الأعضاء ومؤسساتها الوطنية
والإقليمية المختصة، ومؤسسات التعاون الدولى وخاصة
منظمة الصحة العالمية، على القيام فورا بإنشاء آلية للإنذار المبكر والمراقبة
وتبادل المعلومات السريع بشأن تسويق واستيراد اللحوم ومنتجاتها المتأثرة بالأمراض
الشائعة جنبا إلى جنب مع إعطاء الأولوية والعاجلة لدعم البحوث العلمية والطبية
الخاصة بتطوير المنتجات الزراعية والحيوانية بما يحقق الاكتفاء الذاتى من المواد الغذائية.
ومن بين الميادين الهامة ذات
الصلة بمجال العلوم والتكنولوجيا في إطار المؤتمر الإسلامى، ميدان التعاون في مكافحة إساءة استعمال
العقاقير المخدرة والمؤثرات العقلية وإنتاجها وتصنيعها والاتجار فيها بشكل غير
مشروع. إذ أصدر المؤتمر الإسلامى فى
دورته المشار إليها القرار رقم 70/26-أق بشأن الرقابة على العقاقير ومكافحة المخدرات، الذى أشار إلى استشراء تعاطى
العقاقير المخدرة وإنتاجها والاتجار غير المشروع بها،
وتهديدها الهياكل الاجتماعية والاقتصادية للبلدان المتضررة منها، ذلك فى إطار الاقتناع بضرورة مراقبة إنتاج واستيراد وتصدير
المخدرات والمثيرات العقلية والاتجار بها عملا باتفاقية
الأمم المتحدة للمخدرات لسنة 961 1م واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة تهريب
المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 988 1م، بما فى ذلك
اتخاذ تدابير رقابية على مواد العقاقير بما فى ذلك
الكيماويات والمذيبات التى تستخدم في صنع المخدرات
والمؤثرات العقلية والتى أدى سهولة الحصول عليها إلي
انتشار تجهيزها بطريقة غير مشروعة، مع ضرورة بذل جهود منظمة ومنسقة بين الدول
الأعضاء والمنظمات الدولية ذات العلاقة للقضاء على مشكلة تعاطى
المخدرات والمؤثرات العقلية والاتجار فيها وتهريبها إلى الدول الإسلامية. وقد طلب
هذا القرار من الدول الأعضاء أن تتابع التدابير الفعالة لمكافحة مشكلة العقاقير
المخدرة بكل جوانبها وبأبعادها بما في ذلك الإنتاج والتجهيز والاتجار غير المشروع
فيها، وكذا تنسيق جهودها والمواءمة بين أنظمتها فيما يخص التصنيع المشروع للمؤثرات
العقلية واستيرادها فى إطار المنظمات الدولية ذات
الصلة، مع اتخاذ الإجراءات الوقائية بما فى ذلك الحاجة
إلى إجراء استبدال فى ميدان المحاصيل ومصادر
الدخل وإتاحة إمكانية
وصول السلع البديلة إلى الأسواق الدولية، كل ذلك مع مواصلة تعزيز التعاون بين
الدول الإسلامية في مجال تبادل المعلومات والخبرة الفنية لمكافحة العقاقير
المخدرة.
ولقد أصدر المؤتمر الإسلامى قرارا آخر فى هذا المجال
يتناول بالتحديد دور العلم والتكنولوجيا فى التنمية
الاجتماعية والاقتصادية فى البلدان الإسلامية، ولقد
أشار هذا القرار إلى قرار كانت قد اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 10 ديسمبر 996 1م بشأن دور العلم والتكنولوجيا فى ميدان الأمن الدولى ونزع
السلاح، مؤكدا أن التطورات الجديدة فى المجال العلمى والتكنولوجى خاصة التقنيات
الفضائية وتطبيقاتها له آثار واسعة وهامة فى الحياة
اليومية لجميع الأمم ومن شأنه أن يدعم التنمية الاجتماعية الاقتصادية فى البلدان الإسلامية، وأن مؤتمر الأمم المتحدة حول الاستخدام
والاستغلال السلميين للفضاء الواقع الغلاف الجوى يعد محفلا مناسبا للتنسيق بين
الدول الإسلامية فى هذا الشأن. وأشار القرار إلى مسألة
هامة هى فرض قيود فى مجال
العلم والتكنولوجيا مؤكدا أنها سوف توسع الفجوة القائمة بين البلدان النامية
والبلدان المتقدمة، ذلك أن نقل العلم والتكنولوجيا إلى البلدان النامية والإسلامية
للأغراض السلمية سيعزز العلاقات بين الشمال والجنوب على نحو فعال، وقد أشار
القرار، فى هذا الشأن إلى الإعلان الختامى
للقمة الحادية عشرة لحركة عدم الانحياز فى- ديربان- بجنوب إفريقيا فى سبتمبر
998 1م، والذى أشار إلى فرض قيود من جانب الدول
الصناعية المتقدمة على نقل التكنولوجيا من خلال أنظمة غير شفافة محدودة العضوية
للرقابة على صادرتها تعرقل التنمية الاجتماعية الاقتصادية فى
البلدان النامية. وتأسيسا على هذا المفهوم، نص قرار المؤتمر الإسلامى
المشار إليه على ضرورة أن يتم تبادل العلم والتكنولوجيا للأغراض السلمية لصالح
البشرية وأن يوجه نحو تعزيز التنمية الاجتماعية الاقتصادية فى
البلدان الإسلامية، وعلى دعوة جميع الدول، وبخاصة البلدان المتقدمة، إلي بدء
مفاوضات متعددة الأطراف بمشاركة جميع البلدان المهتمة بشأن مبادئ توجيهية شاملة
وغير تمييزية فيما يتصل بنقل التكنولوجيا والمواد والمعدات المتقدمة ذات التطبيقات
المدنية والعسكرية معا، وكذا مطالبة جميع الدول الأطراف فى
المعاهدات الدولية لنزع السلاح وعدم انتشار الأسلحة النووية إلى إعادة النظر فى قواعدها التجارية الوطنية القائمة بما يكفل مواءمتها مع
التزاماتها بمقتضى هذه المعاهدات، وذلك بإزالة جميع القيود فيما عدا تلك المقررة فى هذه المعاهدات. ثم حث القرار المنظمات
والوكالات الدولية ذات الصلة على تسهيل نقل العلم والتكنولوجيا إلى البلدان
النامية للأغراض السلمية.
هذا وقد أتخذ المؤتمر
الإسلامي المشار إليه قرارين آخرين فى مجال التنسيق بين
دول العالم الإسلامي فى مجال العلوم والتكنولوجيا
أولهما القرار رقم 43/26- أق الخاص بـ "تطبيق استراتيجية تطوير العلم والتكنولوجيا فى
البلدان الإسلامية "الذى أشار إلى القرار الصادر
عن مؤتمر القمة الإسلامى الثامن بخصوص استراتيجية لتطوير العلم والتكنولوجيا فى
البلدان الإسلامية، والتحضير للاجتماع الأول لوزراء العلوم والتعليم العالى والبحث العلمى لمناقشة هذا
الموضوع. أما القرار الثانى الذى
أصدره المؤتمر فهو القرار رقم 42/26- أق بشأن نشاطات اللجنة الدائمة للتعاون العلمى والتكنولوجى، الذى سجل فيه المؤتمر تقديره لبرامج اللجنة ونشاطاتها من أجل
زيادة قدرات الدول الأعضاء فى منظمة المؤتمر الإسلامى فى مجالى
العلوم والتكنولوجيا. وناشد فيه الدول الأعضاء والمؤسسات المعنية تقديم دعم مالى لبرامج اللجنة ونشاطاتها، وذلك بمنح مساهمات طوعية
وسخية، وتشجيعية ودعمه للتعاون القائم بين اللجنة والبنك الإسلامى
للتنمية بغية تطوير العلوم والتكنولوجيا فى الدول
الأعضاء. على أنه من الضرورى أن نذكر، فى هذا الصدد. أن اللجنة الدائمة للتعاون العلمى
والتكنولوجى التابعة للمؤتمر الإسلامى،
رغم كونها الأداة التنسيقية الرئيسية بين الدول الأعضاء
فى هذا المجال، قد أخذت تعانى من ضائقة مالية ينبغى تجاوزها خاصة وأنه لم تمض سوى سنوات قليلة على تصفية
الجهاز المعنى بالعلوم والتكنولوجيا المتفرغ من الأمانة العامة للمؤتمر الإسلامى بسبب تراكم المديونية عليه. فلقد أشار القرار الصادر
عن الدورة التاسعة للجمعية العمومية للجنة الدائمة للتعاون العلمى
والتكنولوجى فى اجتماعها فى إسلام أباد خلال الفترة من 16 إلى 18 نوفمبر عام 999 1 م إلى قلق الوزراء المعنيين
بالعلوم والتكنولوجيا فى دول المؤتمر الإسلامي إزاء قلة
المساهمة المالية من قبل الدول الأعضاء والتى بسببها لم
يتجاوز الرصيد المالى المتوفر15% من الميزانية التى تمت المصادقة عليها للفترة 998 1- 999 1 م. وقد طلب الاجتماع من رئيس
اللجنة ومن الأمين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامى
الاتصال بالدول الأعضاء لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين المساهمات المالية، وبذل
مساعيهما الحميدة لتأمين الدعم من قبل
المؤسسات المالية والبنوك الإسلامية والهيئات غير الحكومية الأخرى لاستدرار
الموارد المالية التى تحتاجها اللجنة لتنفيذ برامجها.
بل إن وزراء البحث العلمى المشاركين فى هذه الدورة قد ناشدوا الأمين العام لمنظمة المؤتمر
الإسلامي بطرح موضوع المساهمات الإلزامية ذى الأهمية
الحيوية لدراسته من جديد فى مؤتمر وزراء خارجية الدول
الأعضاء فى منظمة المؤتمر الإسلامى
لإجراء التعديل المناسب فى نظام اللجنة كى تدعى الدول الأعضاء إلى تقديم المساهمات المالية إلى
اللجنة بشكل إلزامى بدلا من تقديمها بشكل طوعى. وفضلا عن ذلك ناشد الاجتماع رؤساء الدول الأعضاء فى منظمة المؤتمر الإسلامى تقديم
المساهمات المالية إلى اللجنة لتنفيذ منظمة المؤتمر الإسلامى
تقديم المساهمات المالية إلى اللجنة لتنفيذ برامجها التى
تمت المصادقة عليها.
تلك، إذن، هى بعض أوجه التنسيق بين عدد من المؤسسات العلمية المعنية
بالتكنولوجيا في دول العالم الإسلامى، وما حققه من إنجازات، وما يعترضه من مشكلات.
ويتضح، من السياق المتقدم، أن التنسيق المشار إليه يتم فى
النطاق الحكومى بصفة أساسية. ولئن كان من المسلم، فى هذه الظروف الحالية، أن إتاحة الحصول على التكنولوجيا
المتقدمة تتطلب جهودا حكومية مكثفة، إلا أنه من المهم المضى
فى تعزيز هذه الجهود بإيجاد تنسيق ملائم على مستوى
الهيئات والمؤسسات الخاصة المعنية بالعلوم والتكنولوجيا فى
بلدان العالم الإسلامى حتى يمكن حشد الموارد على نحو
يتناسب وأهمية القضية التى نحن بصددها.
بل إن الأمر لا ينبغى أن يقتصر علي بلدان العالم الإسلامى وحدها، وإنما ينبغى أيضا
التركيز على الإكثار من الاستفادة من النابغين في مجال العلوم والتكنولوجيا من أبناء الجاليات الإسلامية فى
البلدان الصناعية المتقدمة حيث توجد المراكز البحثية الكبرى فى هذا المجال .
ومن الواضح، من السياق المتقدم أيضا، أن التنسيق بين
المؤسسات العلمية المعنية بالتكنولوجيا فى بلدان العالم
الإسلامى لا يزال محدودا من حيث المضمون، ومن حيث
النطاق. فهو لا يشمل كافة الميادين المتصلة بالعلوم
والتكنولوجيا. كما أنه لا يشمل جميع بلدان العالم الإسلامى.
غير أن تحقيق الاستفادة القصوى مما هو كائن، مهما كان محدودا، هو السبيل إلى
الوصول إلى ما يجب أن يكون. فالهدف- كما يتضح من عنوان هذه الورقة- ليس هو مجرد
التنسيق بين المؤسسات العلمية المعنية بالتكنولوجيا في بلدان العالم الإسلامى، وإنما هو تحقيق التكامل المنشود فيما بينها. ولما
كان تحقيق التكامل فى أي مجال يتطلب، ابتداء توفر القدر اللازم من التنسيق. فإنه يمكن بالفعل
البناء على التنسيق القائم وتوسيع نطاقه أخذا بالحسبان الأطر والعناصر التى وردت في مقررات المؤتمر الإسلامى
السالفة الذكر فى مجال العلوم والتكنولوجيا. فالعبرة
تكون بوضع القرارات موضع التنفيذ. على أن توفر الإدارة
السياسية جنبا إلى جنب مع المثابرة والدقة في الأداء، يمكن أن ينطلق بمؤسسات
العالم الإسلامى المعنية بالتكنولوجيا من التنسيق إلى
التكامل. إن العالم الاسلامى قادر، إن هو أراد، أن يلعب
دورا رائدا في حركة البلدان النامية نحو التسلح بالتكنولوجيا المتقدمة، وهو دور
يؤهله لأن يستعيد المكانة التى تليق بماضيه المجيد،
وبتراثه الحضارى العتيد.
والله ولى التوفيق.