نحو تصور لأسس
تعاون تكنولوجى
بين العالم
الإسلامى وبين الدول المتقدمة
أ. د.
محمد عبدالله الجعيدى
أستاذ الدراسات
العربية والإسلامية بجامعة مدريد
منذ أن راحت تتعاظم قوة
الدول المتقدمة، وهى فى جلها غربية، نتيجة التراكمات العلمية والثروات التى جبتها
من العالم الذى استعمرته والإسلامى منه بخاصة، وبعد اختفاء الاتحاد السوفيتى كقوة
عالمية منافسة، راحت هذه الدول تطرح نفسها نموذجا أمثل للتطور الحضارى فى إطار
النظام الرأسمالى المحكوم بآليات السوق الحرة ثم تجاوزت مسألة الطرح إلى فرض
نموذجها، ومعاييرها المزدوجة على الغير، ومن هذا الغير العالم العربى والإسلامى
دون أدنى اعتبار لهوية الآخر وخصوصيته الثقافية والحضارية (1).
فمنذ البداية، وفى إطار
معطيات القوة المادية العسكرية لتلك الدول، " أدى حب الهيمنة والرغبة فى
الوصول إلى العوالم البكر وما لها من ثروات طبيعية ومواد أولية ضرورية لدعم الثورة
الصناعية التى عرفتها أوروبا فى القرن التاسع عشر، وما تقتضيه اقتصادياتها من ضمان
أسواق تروج فيها فوائض المنتوجات إلى تقسيم العالم إلى بلاد منتجة وأخرى مستهلكة
وشعوب سيدة وأخرى مسودة تابعة، أو بالأخرى إلى مركز فاعل وأطراف سالبة وهو ما يجسد
عمليا فلسفة الاستشراق الاستعمارى
المتمحور حول مفهوم المركزية الأوروبية التى وجدت ترجمتها السياسية والعملية
فى الاستعمار الذى أحكم التبعية وضمن استمرارها وسار أفضل صيغة تؤسسها وتحفظها من
تقلب الأهواء وغوائل الزمن (2). ونتيجة لذلد، وفى ظل المعطيات السلبية التى تراكمت
فى واقع الأمة الإسلامية، قامت السياسات العالمية بتفتيت العالم الإسلامى إلى أكثر
من خمسين دولة واحتلت أجزاء كبيرة من أراضيه وهشمت غالبية دوله فى خانة الدول
المتخلفة، تسحقها الأمية والفقر ويعيقها
الظلم والتخلف عن مواكبة ركب الحضارة داخل حدود إقليمية رسمتها القوى الاستعمارية
العالمية مفتتة ثروات البلاد وممزقة وحدة العباد، بإشعال الحروب بين تلك الدول
وتحريك الانقلابات العسكرية فيها. فقد خلق التخلف السياسى فى معظم أقطار العالم
الإسلامى جوا من عدم الثقة والاستقرار، مما أدى إلى التخلف العلمى وهجرة
المتخصصين. وفى غيبة الحريات وهيمنة الظلم وسيادة الفقر. وتوقف الدفع العلمى
والسعى إلى تحصيله فلم يتجاوز إنفاق البلدان الإسلامية عشر ما تنفقه الدول المتقدمة،
على عمليات توظيف البحث العلمى من أجل التنمية فإذا أخذنا بعين الاعتبار فارق حاصل
الثروة بين دول العالم الإسلامى وبين الدول المتقدمة فى مجال العلم والتكنولوجيا
هالتنا المسافة الفارقة بين المجموعتين فى هذا المجال. وترتب على ذلك أن ظلت
المؤسسات العلمية والتقنية فى العالم الإسلامى تعتمد على النماذج المستوردة
والخبرات الأجنبية مما جعلها غريبة عن واقعها وصورة مشوهة غير فعالة لتلك النماذج
الأجنبية (3).
فالخبرة العربية الإسلامية
فى التعامل مع الغرب على اتساعها ومرارتها تجعل من الأهمية بمكان دراسة هذه الظاهرة
دراسة موضوعية متأنية بهدف الوصول إلى شكل من أشكال التعامل معها وبخاصة فى فترة
إختلال موازين القوى لصالح الذى استغل هذا الاختلال أسوأ استغلال ومازال هذا الغرب
ذاته "لا يتورع عن التخطيط لسب الشرق النفسى لحضارتنا من خلال إدماجه لوجودنا
فى شرط ، تقاليده الخلقية والدينية من خلال قوة العلم والمعرفة كشرط موضوعى (4)
وهذا هو الفرق المميز للحضارة العربية الإسلامية عن حضارة الغرب المعاصرة فقد
تعامل العرب المسلمون يوم كان اختلال موازين القوى لصالحهم مع الغرب وغيره بصورة
إنسانية وإيجابية تدرك الطابع الجماعى لملكية العلوم وتسخير لخدمة الإنسان، فلم
يحاولوا احتلال أوروبا ولا فرض الإسلام عليها.
فاختلاف النموذج الحضارى
العربى الإسلامى عن مثيله الغربى، من حيث
ارتباط العلم بالأخلاق والقيم الإنسانية فى الأول، وارتباطه بالمصلحة والهيمنة فى
الثانى، قد حصر العلاقة بين الطرفين فى مجالها الصراعى مما أدى إلى ترسب صورة
سلبية للغرب فى الذهن العربى الإسلامى،
ولهذا توجس العربى المسلم حذرا أمام كل ما يأتى من الغرب.
والمؤكد تاريخيا أن علاقة
العالم العربى الإسلامى مع الغرب الذى تمثله اليوم الدول المتقدمة قد اتسمت فى
معظم الأحيان بالمواجهة والعدوان على العالم الإسلامى والطمع فى" ثرواته
وكيانه وتحقيره والتعالى عليه وتشويه صورته، وتدفع هذه العادة المكتسبة الدول
المتقدمة اليوم إلى الحد من انتقال التكنولوجيا التى هى من نتائج التقدم العلمى
إلى العالم الإسلامى.
وقد وضع هذا الموقف الأنانى
الجاحد للدول المتقدمة ماديا العالم الإسلامى أمام ضرورة وضع أسس للتعاون معها
والاستفادة من تقدم العلوم ونتائجه التكنولوجية، وتحفظ على المسلم كيانه وخصوصيته
الثقافية كل ذلك مع الأخذ بعين الاعتبار اختلال موازين القوى بين العالم الإسلامى
وبين هذه الدول فى الوقت الراهن، والعمل بقدر الإمكان من الآن فصاعدا، على تعديل
تلك الموازين بما فيه صالح العالم الإسلامى ونهضته العلمية المعاصرة "إذ من
البديهى أن يوجه الإسلام أتباعه بصريح النص إلى طلب العلوم غير الدينية، وذلك على
خلفية اعتباره أن طلب المسلم لعلوم دينه، وإحاطته أو إلمامه بها، هو أمر مفروغ
منه، ولايحتاج إلى الكثير من الإلحاح والتوجيه لاستحالة اقتدار المسلم على تأدية
فرائضه والتزام حدود شرعه، ما لم يكن ملما بكيفية تأدية تلك الفرائض، وعارفا لتلك
الحدود أو أكثرها، وإذن فالإشارة الصريحة يجب أن توجه إلى العلوم غير الدينية لحث المسلم
على طلبها" (5).
وقد أفصح المصلحون فى العصر
الحديث عن ضرورة أخذ المسلم بأسباب العلوم الطبيعية والتقنية حيث جاء فى فصل من
كتاب لأحدهم بعنوان "غوائل الجامدين فى الإسلام والمسلمين " حيث يقول:
"فالجامد هو الذى مهد لأعداء المدنية الإسلامية الطريق لمحاربة هذه المدنية
محتجين بأن التأخر الذى عليه العالم الإسلامى إنما هو ثمرة تعاليمه. والجامد هو
سبب الفقر الذى ابتلى به المسلمون لأنه جعل الإسلام دين آخره فقط، والجامد هو الذى
شهر الحرب على العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية وفنونها وصناعاتها بحجة أنها
من علوم الكفار، فحرم الإسلام ثمرات هذه العلوم، وأورث أبناءه الفقر الذى هم فيه
وقص أجنحتهم. فإن العلوم الطبيعية هى العلوم الباحثة فى الأرض. والأرض لا تخرج
أفلاذها إلا لمن يبحث فيها" (6).
ومن أجل وضع تصور عالم لتلك
الأسس تتوجب العودة إلى تاريخ العلاقات العربية الإسلامية مع تلك الدول المتقدمة
وهى علاقات اشتد حضورها بظهور الإسلام، وامتد حتى يومنا هذا بلا انقطاع. ويمكن
تأطير تلك العلاقات أخذا وعطاء فى مفهومها النظرى الطبيعى فى إطار معيار الندية
والتكافؤ بين الغرب وبين المسلمين باعتبار أن كليهما قد ساهما فى ازدهار الحضارة
كل فى زمانه، حيث ترجم العرب المسلمون عن اليونان والرومان والهنود والفرس وطوروا
وأضافوا إلى تلك الترجمات. حتى اتسمت الحضارة الإنسانية بسماتٍ عربية إسلامية
خالصة استفاد منها الغرب فى بعثه الحضارى المعاصر. وقد اتسم العرب فى حضارتهم
بالموضوعية احترام الآخر فلم يفكروا فى احتلال أوروبا وتجزئتها، أو فرض الإسلام
عليها ولم يطمعوا فى ثرواتها ونقلها إلى المشرق "ولم يضعوا صوب أهدافهم
القضاء على خصوصيتها وهويتها الحضارية" (7) بعكس ما قام به الغرب منذ أن ضعف
المسلمون ومسك هو زمام الأمور حيث عمل على خنق هذا العالم بدينه وثقافته وسلبه
ثرواته. وبهذا فالخبرة الإسلامية قد بنت أركانا فى الحضارة الإنسانية كما لم تتمكن
خبرات أخرى. ففى عصر القوة الإسلامية انفتح المسلمون على الثقافات، بعد توقفها عن
النمو، للاستفادة منها وتطويرها والإضافة إليها معتمدين على القيم الإسلامية مرشدا
وهادياً.
ويمكن تناول تلك الأسس فى
إطار تجربة المسلمين التاريخية بالغرب وهى تجربة تقوم أساسا على "الشك
والتوتر والحذر"، إذ أن الذاكرة التاريخية للأمة الإسلامية تحتضن الكثير من
الخبرات السلبية فى تعامل الغرب معها من خلال فترة الحروب الصليبية وما نتج عنها من
آثار سلبية عوقت مسيرة الحضارة العربية الإسلامية منذ القرن الحادى عشر(8)، مما
يجعل المسلمين فى أمس الحاجة إلى "إقامة حوار فكرى منظم، ومرحلى ومخطط له...
لعل فى إقامة هذا الحوار ما يؤدى إلى إقناع أهل التقليد أو الكثيرين منهم باستحالة
صب واقعنا الحاضر والمستقبل فى قوالب الماضى، وإقناع أهل التغريب، وخاصة أصحاب
الاجتهاد الخاطىء منهم باستحالة صب حاضرنا ومستقبلنا فى قوالب الحضارة
الغربية" (9).
وكان للحضارة الإسلامية أن
تواصل العطاء لولا جهل الغرب وعدائه السافر لها الذى تمثل فى الحروب الصليبية فى
القرنين الثانى عشر والثالث عشر الميلاديين حيث أفقدت تلك المواجهات العرب
المسلمين رصيد استمرار رعاية تلك الحضارة وتطويرها بسبب تجنيد إمكانياتهم المادية
والمعنوية للتصدى لتلك الهجمات الصليبية وطردها من بلادهم، فقد استخدمت الحملات
الصليبية الدين لتعبئة البسطاء فى الغرب المسيحى للمشاركة فى هذه الحروب مدفوعة
بالحقد على الفارق الحضارى والاجتماعى والمعيشى الشاسع بين الشرق العربى الإسلامى
والغرب المسيحى فبينما كان الأول فى أوج تطوره وتمدنه كان الثانى يغط فى سبات
عصوره المظلمة.
ولا ننسى أن العالم الإسلامى
قد جرب جميع أنواع الاستعمار الحديث من انتداب واحتلال واستيطان وضم قسرى (10)
وتعرضت الهياكل الاجتماعية والاقتصادية العربية والإسلامية إلى التشويه نتيجة
الاختراق الغربى لها والوقوع تحت الهيمنة الاستعمارية، وحدثت اختلالات وتشويهات
عميقة فى البنى الاجتماعية للعالم العربى الإسلامى.
أمام هذا الوضع، فقد أوجب
على القوى الفاعلة فى المجتمع العربى الإسلامى الالتقاء على هدف موحد وجعل الحوار
السياسى المتوازن بين مختلف القوى وسيلة تعامل مؤثرة مع الآخر من أجل تحقيق قدر
أكبر من المنفعة للصالح العربى والإسلامى العام والتقليل من الأضرار اللاحقة به.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال الاهتمام بالمواطن العربى الإسلامى وتربيته على أسس
الحرية واحترام حقوق الإنسان والموضوعية فى العمل والفكر وكلها مبادىء إسلامية
سبقنا الغرب فى العصر الحديث إلى تبنِّيها وتطبيقها، والعمل على تغريبنا عنها، مما
أوجب على المسلمين عدم التقوقع على الذات فى عالم اليوم المفتوح مع ضرورة التمييز
بين ما هو إنسانى عام ومشترك كالعلوم الطبيعية وظواهرها والمادة وخصائصها لأن
مناهجها تتميز بالحياد العلمى ولا تتغير بتغيير القوميات والحضارات وبين ما هو
خصوصية كالعلوم الإنسانية وثيقة الصلة بطبائع الأمم ومعتقداتها وطرائق حياتها
(11).
وفى هذا المجال تكشف الحقيقة
التاريخية عن دور الجماهير العربية الإسلامية فى التصدى لتلك الهجمة الصليبية
الاستعمارية، إذ دفعت الجماهير فى القاهرة ودمشق وبغداد سلاطينها وخلفائها إلى
التصدى لتلك الحملات حيث أدرك العقلاء أن انقسام المسلمين كان سببا للكارثة التى
حلت بهم فدعوا إلى الوحدة سبيلا للخلاص،
ورغم صعوبة تحقيق تلك الوحدة تحقيقا كاملا فى ظل الحكام الطائفيين وأنانيتهم فقد
تحققت فى الحدود التى سمحت بإخراج الصليبيين من الوطن العربى الإسلامى نتيجة توحد
الدول الإسلامية فى وجه ذلك الغزو. وتمثلت الوحدة أيضا فى إجماع العلماء على ضرورة
حماية الثقافة العربية الإسلامية فى ذلك الزمن الصعب فوضعوا الموسوعات الضخمة التى
تقوم على أساس التجميع حفاظا على تلك
الثقافة إذ أن الحروب الصليبية أدت إلى إضعاف قوة الدفع الحضارى العربى
بتبديدها لثروات هذا العالم فى الإنفاق على أعباء التصدى للغزاة وقد رد المحقون من
علماء الاجتماع وعلماء النفس ظاهرة التوحش الغربى فى عهد التمدن الإسلامى إلى
الانحرافات الأخلاقية والاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية التى جرته إلى ارتكاب
تلك الحروب الدموية وشدد هؤلاء العلماء على وجوب البحث عن علل الحرب وموجباتها
خارج الطبيعة البشرية السوية التى فطرها الله على السلام والطمأنينة ورأوا أن زوال
علل الحرب وموجباتها لا تكون إلا بالتعليم والتربية الأخلاقية الصحيحة وتنظيم
الأوضاع الاجتماعية وترتيبها ترتيبا سليما وعادلا (12). وقد استندت عملية مقاومة
المسلمين للحملات الصليبية والاستعمار الحديث على ثلاثة مبادىء: مبدأ الهوية
الذى يؤسس المطالب، ومبدأ المناهضة الذى يحدد العدو وطبيعة الصراع، ومبدأ الشمول
الذى ينزل العمل تحت راية القيم أو القضايا التى تعد قيما إنسانية خالدة (13).
وتؤكد المبادئ الثلاثة بتكاملها
على أن "معضلة التخلف العلمى والتقنى التى تعانى منها اليوم، لا تحل بكثرة
الشكوى والنواح على الماضى والبكاء على الأطلال، وخاصة عندما ينقلب البكاء إلى لون
من ألوان التداوى والتخدير، ولا يصل بصاحبه إلى مرحلة القلق الحضارى الذى يؤدى إلى
استشعار التناقض والتحدى بين الواقع القائم والمثال المأمول ويبصر بالسبيل المحقق
للهدف (14) دون المبالغة فى التغنى بأمجاد السلف أو زج النص القرآنى فى تبرير
الظواهر العلمية المتلاحقة، إذ أن "إعجاز القرآن ليس فى المجال العلمى
أصلا" ومن آيات خلود الفرقان خلود المعجزة وعدم قدرة الإنسان على الإتيان
بمثلها. والقرآن كتاب هداية قبل كل شىء وليس كتاب علم وتكنولوجيا، مع أن التقدم
العلمى الهائل لم يسجل حتى يومنا هذا إصابة واحدة على الخطاب الإسلامى (15).
أما فى العصر الحديث والذى
تمثله مرحلة الاستعمار الغريى للعالم الإسلامى، حيث وظفت الاكتشافات العلمية وسخر
التطور الصناعى والتقنى الغربى لتدعيم هيمنته الاستعمارية على مقدرات العالم
الإسلامى وثرواته، حيث اعتبر الغرب نفسه الوحيد القادر على مهام قيادة العالم فى
كافة جوانب النشاط الإنسانى، وابتدع نظرية الملك المباح أو الأرض المباحة التى
استباح بموجبها الأقاليم التى تسكنها شعوب متخلفة عن ركب الحضارة لأنها غير مسيحية
وخارج القارة الأوروبية وشتان ما بين هذا السلوك وبين ما يدركه الدارسون والمؤرخون
ولا يستطيعون تجاهله ويتمثل فى "تلك القدرة العجيبة التى ابتدعها المواطنة
القرآنية من حيث أنها رشحت مواطنها لطموحات إنسانية تمتد وتنمو باستمرار، وتعطى
وتمنح دون توقف بما يشمل الإنسانية كلها فى مختلف الأزمنة والعصور، ويوفر الخير
والرخاء والأمان لأمة القرآن ولمن حولها "(16). كما عمدت الحركة الاستعمارية
إلى ضرب الأسس الثقافية الأيدلوجية للعالم الإسلامى والحاقه بعد ذلك سياسيا
واقتصاديا بالدول المستعمرة ومن ثم زرعت بذور علاقة التبعية المباشرة بين العالم
الإسلامى وبين الغرب اقتصاديا وثقافيا وسياسيا (17).
فقد واجه العرب الاستعمار
الغربى فى العصر الحديث بالمقاومة والتحدى والتشبث بهويتهم، الأمر الذى فتح عيونهم
على بواعث الإحياء والنهضة التى لم يكن الوضع العربى مستعد لها مما أدى إلى تخلخل
البنى الطبقية الراكدة فى المجتمع وخلخلة البنية الأيدلوجية السائدة فيه منذ القرن
الحادى عشر(18).
وعلى الرغم من ذلك، فقد شهد
العالم الإسلامى محاولات جادة للإصلاح واللحاق بركب الحضارة فاقتبست مَا ناسَبها
من منجزات الغرب مستندة فى تبريرها لذلك الاقتباس على أحكام الكتاب والسنة اللذين
حثا المسلم دائما على العلم والتعلم واستخدام العقل إذ إن "حرص القرآن على
مخاطبة الإنسان بعقله أكبر دليل على أن ميزان الإيمان هو فى البداية ميزان
عقلى" (19)، وحرى بنا إدراك "أن القرآن، لا يخاطب العقل إلا حيثما يريد
أن ينبهه إلى حقيقة علمية أو فكرية مجردة..
ذلك لأن دعوة القرآن فى
أساسها وجوهرها إنما تتجه إلى العقل والفكر، إذ هى تتعلق بمبادىء وحقائق لا سبيل
للوصول إليها والتمسك بها بوسيلة العقل والفكر بالإيمان بوجود الله. ولهذا حاول
دعاة الإصلاح بالعقل التعرف على الحضارة الأوروبية الحديثة وفكرها، للاستفادة منها
فى التمهيد للنهضة الإسلامية الجديدة، كما حاولوا بالمنهجية معالجة أسباب التخلف
والبحث عن علاج لها بالاجتهاد فى إطار الأحكام والسنة.
وقد سارت عملية مقاومة
الاستعمار وتحدّيه والنقل عن حضارته فى اتجاهات أربعة: تقليدى إسلامى- وقومى-
وتوفيقى- تجديدى وتغريبى جاحد. وثالث هذه
الاتجاهات هو الاتجاه السائد فى العالم الإسلامى وهو تجاه له "جذوره فى
التوفيقية الإسلامية القديمة بين الدين والعقل، وبين مختلف المؤثرات المتباينة والمتعارضة
التى هضمتها الحضارة العربية الإسلامية بعد أن قامت بعملية التوفيق فيما بينها، إذ
تعود هذه النزعة إلى الظهور وفرض نفسها بقوة كلما تعرض المجتمع العربى الإسلامى
للعنف الاجتماعى والنشاط الحضارى بين التمسك بالتراث وبين محاكاة الغرب، فتحول
جاهدة دون تصدعه وانقسامه وتعيد الالتئام بين قديمه وجديده وبين ماضيه وحاضره وبين
تناقضاته وتعارضاته العديدة مولدة صيغا توفيقية شتى فى الفكر والسياسة والاجتماع
فقد تمثلت الحركة الإصلاحية
منذ القرن التاسع عشر بدعوة ذوى الأمر إلى إدخال إصلاحات دستورية وتربوية وتعليمية
فى المجتمع العربى الإسلامى ومواجهة التحدى الحضارى الغربى بنشر العلم وتحرير
العقل وبتفسير القرآن تفسيراً عقلانيا جديداً حيث تمثل هذا الاتجاه الإصلاحى فى
دعوة مصلحين مثل رفاعة رافع الطهطاوى (6 21 1/ 1 0 8 1- 0 29 1/ 873 1) وخير الدين
التونسى (225 1/ 0 1 8 1- 8 0 3 1/ 0 89 1) وجمال الدين الأفغانى (4 25 1/ 1838/1- 4 1 3 1 1897/1) وعبد الرحمن الكواكبى (1270/1854-
1320/1902) وعلال الفاسى (1326/1908 -
1394/ 974 1) (20).
وتمثل الاتجاه الثانى فى
الاشتراكية القومية ومثالها الناصرية التى حددت تحركاتها بالدوائر العربية والإفريقية
والإسلامية وتبنت سياسة الحياد الإيجابى وعدم الانحياز وبناء الدولة التى تعتمد
على نفسهما اقتصاديا وأسهم هذا التيار فى دعم حركة التحرير الوطنى داخل العالم
العربى الإسلامى وخارجه.
أما الاتجاه الإسلامى الذى
ظهر بوضوح رداً على هزيمة 1967
م فقد اعتمد فى مواجهة التحدى الحضارى الغربى على القواعد
الجماهيرية واتخذ الإسلام مرجعيته الأساسية.
لكن شراسة الهجمة
الاستعمارية أفشلت جهود التيارات الثلاثة الأولى، دون التمكن من التمكن للرابع،
وإن كان للوضع العربى الإسلامى دور ما فى هذا الفشل، إذ شددت الإصلاحية، ولزمن
طويل على "الحريات السياسية" فحققت شيئا منها ثم فشلت، ولزمن آخر شددت
الحركة الاشتراكية القومية على الديمقراطية الاقتصادية فحققت قدراً منها ثم تراجعت
وغاب عنها دور الإسلام فى امدادها الروحى
والتعبوى والنفسى، وغاب عنها دوره فى
تعميق تواصلها الاستراتيجى والحضارى مع شعوب العالم الإسلامى ذات المصالح المشتركة
والمروث الدينى الواحد تجاه الهيمنة الاستعمارية، ولزمن ثالث بالنقدية الثقافية
برز الإسلام سلاحا نقديا وأيدليوجيا لحضارة مميزة فإذا بالتعبئة الإسلامية
المباشرة تتخلى عن طموحات الثقافة والعلم فيها وتحجم أحلام الكبار من مفكريها
وتحول خطابهم الشمولى والنقدى إلى خطاب سياسى انفعالى تحريضى، وإذا بالثقافة
الإسلامية الغنية التى احتضنت الفيلسوف والصوفى والفقيه والعالم والتجريبى فى وقت
واحد، وكانت إطارا للاقتباس والتبادل الحضارى والهضم والخلق، تحشر فى زاوية الفقيه
وحده، وإذا بهذا الفقيه، يختزل الإسلام والفقه فى موقف أحادى باسم التوحيد هو فى
الجنة وما عداه فى النار" (21) وأمام هذه المحاولات للفصل، بل لخلق
التناقض غير الموجود أصلا بين العلم والدين، يتوجب التنويه بأن العلم والتكنولوجيا
لا يناقضان الدين والتدين وستظل العدوة للّه من خلال الخطابة والوعظ والإرشاد فقط
منقوصة ما لم يقم بها العالم والتكنولوجى من موقعه وتخصصه دون أن يزاحم الفقيه
مكانته أو السياسى دوره (22).
فالحضارة تتكامل بشقيها:
التمدن المادى والتثقف الأخلاقي. وهذا العنصر الثانى هو ما افتقدته الحضارة
الغربية المعاصرة، إذ أنه عندما زادت حاجة البلاد المتقدمة إلى المواد الطبيعية
الخام فى الدول النامية نقلت بعض وحداتها التقنية الخاصة بالمناعات الاستخراجية
إلى تلك البلاد الإسلامية ومنها البترولية بخاصة وظلت تلك الوحدات منفصلة عن
المجتمع الذى أقيمت فيه إلا من خلال استغلالها الأيدى العاملة المحلية رخيصة
الأجر، وظلت تلك الوحدات التقنية حتى بعد تأميم تلك المؤسسات تدار وتصان من قبل
العناصر الأجنبية التى شكلت مجتمعات غربية تحمل كل السمات والسلوكيات والمعتقدات
والأفكار السائدة فى المجتمعات التى وفدت منها وبهذا ظلت التقنية المتقدمة لتلك
الواحات فى صحراء التخلف المفروض حلما إسلاميا بعيد المنال (23) وبين الواقع
والرغبة لم ير التغريبيون فى الحضارة المعاصرة التى جاءت ثمرة لتقدم العلم
والتكنولوجيا الغربية إلا منجزاتها بينما لم ير التقليديون والقوميون فيها إلا
عيوبها وسلبياتها.
وأمام سلبيات التكنولوجيا
الحديثة وأضرارها الجانبية فإنه يتوجب تطوير العلم والتقنية فى العالم الإسلامى فى
ظل المنهج التوفيقى التجديدى المتمسك بالإيمان الصحيح بالله بالمفهوم الإسلامى
الشامل الذى يعرف العقل بأنه الطاقة التى زود الله بها الإنسان، دون غيره من المخلوقات،
لتمكينه من اكتساب العلم بمعناه الشامل (24).
وفى خضم هذا الخلاف انعدم
التنسيق بين دول العالم الإسلامى وغابت الحوافز للعلماء مما دفع المتخصصين إلى
الهجرة، فقدت البلدان النامية نتيجة لذلك قرابة الأربعمائة ألف متخصص فى خلال مدة
لا تزيد علي خمسة عشر عاما تراوحت بين العامين 1960- 1975 م فقد رحل المتخصصون
المسلمون من بلادهم إلى الدول المتقدمة، ويعنى ذلك بلغة الاقتصاد خسارة للعالم
الإسلامى باثنين وأربعين مليار دولار فى كل عام. وكان يمكن لهذه الأدمغة الإسلامية
المهاجرة، لو أتيحت لها ظروف البقاء فى موطنها أن تساعد فى اختصار المسافة بين
التخلف المفروض والنهضة المرجوة.
وقد أدت هجرة الأدمغة
الإسلامية إلى اعتماد جامعات بلادهم ومؤسسات العلمية على الأساتذة والخبراء
الأجانب وتفضلهم، بلا مبرر، فى بلدان إسلامية على نظرائهم من المسلمين، وتقليد دفة
القيادة فى الجامعات والمؤسسات العلمية إلى أقل الناس تأهلا وخبرة، وإرسال طلابها
إلى الجامعات الأجنبية لأسباب متعددة مما أفقدها إمكانية بناء قاعدة علمية وطنية
وقلل من جدواها ومن فعالية خريجيها بعد عودتهم إلى وطنهم هذا إن عادوا إليه.
والواقع اليوم أن جل الشباب فى العالم الإسلامى "قد فقد الثقة بهذه المؤسسات،
ومن وضع على رأسها من الرجال، لأسباب وملابسات جعلتهم يعتقدون أنها لم تعد تعبر عن
كلمة الشرع خالصة مصفاة، بل عن وجهة نظر الحكومة القائمة، فإذا تغيرت غيرت "
(25).
وبهذا، فلا خلاص للعالم
الإسلامى من مأزق التخلف العلمى والاعتماد فى التكنولوجيا والغذاء على الدول
المتقدمة" إلا ببذل أقصى الجهد لتغيير ما بالنفوس، من أجل تحقيق نهضة علمية
تقنية إدارية تتمنى جميع الموارد البشرية والطبيعية المتاحة فى العالم الإسلامى
إخراجا له من الأزمة الحضارية التى يمر بها، وتخليصا لمواطنيه من سلبيات الحضارة الغربية المأزومة، فالمسلمون
مؤهلون للنهوض من جديد والالتحاق بركب الحضارة رغم الواقع الصعب المفروض عليهم.
وهذا ليس على الله بكثير،
إذا صدقت النوايا وشُدَّت العزائم فقد حولت الثورة الصناعة 1750- 1830 بريطانيا من
دولة زراعية إلى دولة صناعية فتوفرت لها أسباب القوة التى احتلت بها عددا من أقطار
العالم الإسلامى وفرضت هيمنتها على عدد آخر، وحذت الدول الأوروبية والولايات
المتحدة حذوها فى القرن التاسع عشر، ثم روسيا واليابان فى القرن العشرين، بينما ظل
المسلمون يراوحون فى مكانهم بين الانتظار والسلبية.
والسبيل الأمثل لإنهاء
الانتظار والتخلص من السلبية للالتحاق بركب الحضارة يتمثل فى التعامل مع الواقع
المعاصر بموضوعية، دون المبالغة فى تقدير فعالية أى من طرفى ازدواجية التعاون
المأمول إلى حدود قد تؤدى إلى إضاعة الفرصة على العالم الإسلامى فى الاستفادة من
التطور العلمى فى الدول المتقدمة، وفى إدراك أن الواقع الراهن ليس أبديا. وأن ركب
الحضارة لا يزال على مرمى حجر وبإمكان المسلمين الالتحاق به بشىء من الجهد المخلص،
إذ أن "العلم التجريبى الناجح المتطور المتقدم فى عصرنا الحاضر لا يزال فى
أول الطريق، وإن المجهول أكثر من المعلوم بمئات المرات، سواء في علم الطب ووظائف
الأعضاء المعقدة كالغدد والكبد والدماغ والقلب، أو الفلك والأجرام والمجرات
والكواكب القريبة والبعيدة أو الكون، أو علم الطبقات، أو الذرة، أو التشريح….. مما يصرح به أساطين العلم، كل فى اختصاصه "
(26).
فالأسس التى يتعين على
العالم الإسلامى تبنيها فى تعامله مع الدول المتقدمة يجب أن تستند إلى ذلك الرصيد
من الخبرة السياسية فى التعامل مع الغرب والاستفادة من سلبيات التجارب السابقة
والتعرف على إيجابياتها من أجل بناء نموذج حضارى عربى إسلامى يكون بديلا للنموذج
الغربى المطروح أو المفروض علينا دون التوقع على النفس والانقطاع عن حركة التقدم
فى عالمنا بما فى ذلك من خطر على هويتنا وخصوصيتنا.
وبهذا فالاستفادة من التقدم
الغربى فى مجال التقنية والاقتباس من الغرب فى النظم والمؤسسات والخبرات الإدارية
يجب أن تكون محكومة بمدى موافقتها مع احتياجاتنا ومدى ملاءمتها لخصوصيتنا الحضارية
المتميزة مع ضرورة التطوير وعدم الاقتصار على النقل، وضرورة التوازن والموازنة فى
نوعية المنقول ومكان نقله. كما يجب أن يتم ذلك من خلال التخلى عن ازدواجيات شطرت
الفكر العربى الإسلامى كازدواجية العروبة والإسلام التى أريد بها تفريغ العروبة من
مضمونها الحضارى والخلقى وتصوير المفهومين كما لو كانا مفهومين متناقضين، لا
يجتمعان.
كما يجب توسيع رقعة هذه
الأسس لتشمل كافة أنحاء العالم الإسلامي وضعا وممارسة، واستنهاض همم المبدعين من
أبناء هذا العالم ومتفوقة وتقديم التسهيلات لهم وتقوية انتمائهم له ولثقافتهم
وبيئتهم ويشمل ذلك بالطبع أبناء هذا العالم المتواجدين فى الدول المتقدمة نفسها.
ومن أجل وضع أسس معقولة
للتعامل مع الدول المتقدمة والاستفادة من إيجابيات تقدمها الحضارى والتكنولوجى
يوجب أيضا استيعاب موروث التجربة العربية الإسلامية مع الغرب ومراجعة الجهود التى
بذلتها الفعاليات العربية والإسلامية فى هذا المجال، وهى اليوم فعاليات تتسم
بالانقسام والتفكك على مستوى الفكر والواقع فعلى مستوى الواقع غاب التنسيق بين
أرجاء العالم العربى الإسلامى، وهيمن الصراع على العلاقة بين الدول فى هذا العالم،
كما هو الحال المعاش اليوم فيما يتعلق بالأوضاع فى العراق وليبيا وفلسطين
وأفغانستان، وهو نتيجة حتمية لفشل التيارات الإصلاحية، سابقة الذكر فى تحقيق
برامجها الإصلاحية. وعلى أية حال فلا يمكن لأى أسس فى التعامل مع الدول المتقدمة
أن تؤتى ثمارها إلا إذا امتلك المسلمون قدراً من القوة القادرة على تعديل ميزان
القرى المختل لصالح تلك الدول التى لا تفهم إلا لغة القوة والمنفعة الخاصة.
كما يتوجب العمل على رسم
استراتيجية متكاملة تبنى عليها أسس التعاون مع الدول المتقدمة، ويترك الباب فيها
مفتوحا أمام إمكانية مشاركة دول أخرى، تجمعها بالعالم الإسلامى ظروف التنمية أى
رسم تلك الاستراتيجية.
كما يتوجب أيضا فى إطار هذه
الأسس توفير منهج متكامل يلتزم برؤية واضحة الأبعاد فى إطار إجماع أو أغلبية حرة
التفكير والتعبير، تعمل على حل إشكالية العلاقة بين النقل والعقل، ببعديها الفكرى
والتنظيمى فى الإطار المعرفى الإسلامى (27).
كما يتوجب وضع الأسس للتعاون
مع الدول المتقدمة على قاعدة محاولة تجنب المواجهات غير المسحوبة النتائج مع تلك
الدول، والتى قد تؤدى إلى قطيعة أو حصار تام يؤخر نقل التكنولوجيا إلى العالم
الإسلامى، فى أحسن الأحوال- أما فى أسوئها فقد تدفع الغرب عدوانيته وتعاليه إلى
سحق دول فى العالم الإسلامى كما حدث للعراق.
وفى محاولة لتأطير هذه الأسس
نقول إن إمكانية التعاون تتأطر فى الإطار العام للعلاقات مع الدول المتقدمة
(الغرب) بما مرت به هذه العلاقات عبر مختلف مراحلها من مد وجزر، وهى أسس يجب أن
تكون مستمدة من طبيعة الظروف المحيطة ومن إدراك خصوصية الآخر وأغراضه المرحلية
والاستراتيجية التى قد تلتقى مع مثيلتها فى مراحل أخرى ماضية أو تختلف نسبيا عنها
وهى فى عمومها أغراض قد تصيب إذا تحققت من الأمة الإسلامية مقتلا.
ومن أجل تصور لهذه الأساسيات
يتوجب الاستفادة من تراكمات الخبرة العربية الإسلامية فى تعاملها مع الغرب عبر
العصور، والاعتماد على خبرة الجماهير وحسها الذى لا يخطىء تجاه المخاطر المترتبة
على أطماع الدول المتقدمة فى المنطقة العربية الإسلامية.
كما يتوجب من أجل فهم شمولى
صائب يسهل الوصول إلى وضع الأسس إشراك المواطن فى وضعها وعدم تهميشه أو تركه فريسة
سهلة للقوى المعادية، إذ أن بعض الحركات السياسية ذات الطابع الشعبى الجماهيرى
الواضح لا تقوم على أساس بناء فكر هذه الجماهير وزيادة وعيها بحقائق الواقع، دفعا
لها إلى المشاركة البناءة فى حل مشكلاتها والتصدى للأخطار المحدقة بها، وإنما تتجه
إليها بخطاب تعبوى سياسى يدغدغ المشاعر ويثير العواطف دون أن يؤدى إلى التحول نحو
عمل إيجابي بناء على أرض الواقع مما أدى إلى عزوف المواطن العادى عن مواكبة الحياة
السياسية والشؤون العامة فى بلاده وشيوع الأنانية الفردية والسعى إلى تحقيق الكسب
السريع وتراجع قيم التجويد فى العمل (28).
ومن معطيات الواقع الذى
نعيشه وتحليلها يتبين لنا أن الدول المتقدمة تجيد أساليب التعامل مع العرب
والمسلمين بما يحقق أهدافها ومصالحها، بينما يفتقر الجانب العربي والإسلامى إلى
تحديد أساليب التعامل مع تلك الدول بما يضمن مصالحه.
ومن أجل ذلك كله يتوجب علينا
فهم ذاتنا وفهم الآخر والتكيف مع الواقع وهى معطيات أجاد استخدامها الغرب لتحقيق
مصالحة وأسأنا نحن استخدامها فعادت علينا فى كثير من الأحيان بالوبال والدمار. فقد
تكيف الغرب الاستعمارى مع الحرية التى نادى بها محمد عبده وسعد زغلول من خلال
الإقطاع، وتكيف مع اشتراكية عبد الناصر عبر بيروقراطية الدولة وجهازها، وتكيف مع
الثورة الثقافية وأشكال الرفض الإسلامى عبر الرهان علي الفوضى والتقسيم وفكرة اللا
دولة، وها هو الآن فى صدد إعادة جمع الأوراق يسعفه فى ذلك تحولنا نحن
الأنثروبولوجيا شعوب وقبائل وإثنيات وطوائف، وقدرته هو فى استخدام مناهج وطرائق
لتوظيف الصراعات والثورات والحروب من أجل التقسيم والإقسام أو من أجل مزيد من
الهيمنة (29).
فقد قامت الحضارة الإسلامية
على الإيمان بوحدة الأصل البشرى وعلى مبدأ التعارف والتسامح الثقافى فى مواجهة نفى
الآخرين، وعلى الرغبة المشتركة فى بلورة قيم إنسانية تبطل المناخات المفعمة
بالمخاوف بمشاعر العنصرية والكراهية (30)، ولهذا تصبح فرضا على كل مسلم المساهمة
فى "تحقيق الوعى الحضارى وإعادة بناء الشخصية المسلمة بعد أن افتقدت الكثير
من فاعليتها ومنهجها وصوابها وإبعاد تكليفها ومسؤليتها، وانتهت إلى صور من التدين محزنة، بعيدة عن
التبصر بحركة التاريخ وسنة التداول الحضارى، تعيش خارج حدود الزمان والمكان،
وتفتقر لأبسط مستلزمات عمارة الأرض، تحاول تعويض مركب النقص أمام التحدى الحضارى العالمى
بالإجماع بالتاريخ والتراث والافتخار بإنجاز السلف فى العلوم والفنون والآداب
وتعجز عن تمثل هذا الميراث ونقله من ورائها إلى أمامها للتزود منه، والاهتداء به
للمستقبل فهى فى الحقيقة تعانى اليوم الاغتراب من وجهين: الاغتراب الحضارى المعاصر
بعجزها عن الإنجاز والمساهمة فيه والاغتراب التاريخى أيضا لعدم قدرتها على تمثله
والاهتداء به ومن هذه الأساسيات أيضا وجوب التميز بين العلم الغربي وبين
التكنولوجيا الغربية التى هى نتيجة من نتائج هذا العلم، والأخذ بالعلم وأصوله
وقواعده، وعدم الاكتفاء بالنتيجة التكنولوجية التى لا تتعدى فائدتها الاستخدام
المؤقت لها، أما إذا أريد مواصلة المسيرة بالتوفيق بين الخصوص والعموم فيتوجب
الأخذ بالعلم وأسبابه بما يتناسب مع حاجتنا إليه وما يتمشى مع خصوصيتنا العربية
الإسلامية، وعدم التعامل مع الشعارات كمعطيات واقعة أو تعطيه النقص فى المعرفة من
خلال الأيديولوجيا (31).
وليبق حاضرا فى الأذهان أن
المسلمين الأوائل قد "واجهوا طواغيت عصرهم، وقواه الكبرى المتحكمة
والمهيمنة.. واجهوا مواريث الأمم السابقة، بما فيها من صلاح وفساد بوعى لا غبش
فيه، بطبيعة وتميز وامتياز الرسالة التى يحملون " (32).
المراجع
1- أنظر على سبيل المثال كتاب
ريتشارد نيكسون (الرئيس الأمريكى السابق) انتهزوا الفرصة، ترجمة حاتم غانم،
قايتباى للطباعة، الإسكندرية 1992م.
2-
عبدالحميد البدوى، مواقف المفكرين العرب من قضايا النهضة فى العالم العربي من مطلع
القرن إلى موفى الستينيات، بحث فى الثوابت والمتغيرات، صفحة 18، سلسلة الآداب،
مجلد xxix منشورات كلية الآداب بملوبة تونس 1996م.
3-
زغلول راغب النجار، قضية التخلف العلمى والتقنى فى العالم الإسلامى المعاصر ص 17،
الأمة رئاسة المحاكم الشرعية والشئون الدينية، قطر، صفر 1409 هج.
4-
محمد ياسين عربى تأملات فى بناء المجتمع الإسلامى ص 209 الطبعة الثانية جمعية
الدعوة الإسلامية العالمية، طرابلس 1990م.
5-
مسلم توفيق، الحض على العلم فى الإسلام، الصفحتان 68 و 69 منشورات جمعية الدعوة
الإسلامية العالمية، طرابلس- ليبيا 1991م.
6-
شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم الصفحة105 منشورات دار مكتبة
الحياة بيروت 1965 م.
7-
محمد سعد آبو عامود الاستجابة العربية الإسلامية المطلوبة للتحدى الحضارى
الغربى ص 128 مستقبل العالم الإسلامى.
الثقافى والحضارى فى النظام الدولى عدد 9
مركز دراسات العالم الإسلامى، مالطا 1993م.
المصدر السابق ص 122.
8-
محمد عمارة أزمة الفكر الإسلامى المعاصر صر 112 كتاب الإسلام دين الحياة عدد5 دار
الشرق الأوسط للنشر القاهرة.
9-
محمد عمارة أزمة الفكر الإسلامى المعاصر ص 112 كتاب الإسلام دين الحياة عدد5 دار
الشرق الأوسط للنشر القاهرة.
10-
محمد سعد أبو عامود المصدر السابق ص 133.
11-
محمد عمارة الغزو الفكري وهم أم حقيقة الصفحات 15- 18، الأمانة العامة للجنة
العليا للدعوة الإسلامية بالأزهر الشريف القاهرة 1988م.
12-
يحيى الموسوى اللارى الإسلام ولاحضارة الغربية
ص 5 مطبعة الهادى قم 1411 هجرية.
13-
touraine
(A) : Sociologie de iaction , pp . 165-180, paris, seuil 1965.
14- زغلول راغب النجار،
المصدر السابق، مقدمة بقلم عمر عبيد حسنة
ص 8.
15-
المصدر السابق صفحات 9 و 14.
16-
سالم أحمد الماقورى، المثل الأعلى للمجتمع
الإنسان كما تحدث عن القرآن الكريم ص 158
منشورات دار الطباعة والترجمة والنشر والخدمات الإعلامية طرابلس 1985 م.
17-
محمد قاسم، العالم الإسلامى والغرب- البصائر، عدد 8 ص 70- 71 مركز الدراسات
الإسلامية بيروت 1992.
18-
سلامة كيلة دراسة فى اتجاهات حركة التنوير فى عصر النهضة، مجلة الوحدة، ص 21، عدد
31/2 أبريل/ مايو المجلس القومى للثقافة العربية. الرباط 987 1م.
19-
حسن الباشا، الإنسان فى ميزان القرآن ص 81 الطبعة الثانية، منشورات كلية الدعوة
الإسلامية، طرابلس 1992م.
20-
محمد عمارة أزمة الفكر الإسلامى المعاصر ص
70- 89.
وانظر وجيه كوثرانى، ثلاثة أزمنة فى مشروع النهضة العربية والإسلامية ص 8- 11 هيئة المستقبل العربى، مركز دراسات
الوحدة العربية، عدد 120 فبراير، بيروت 1989م.
21- وجيه كوثرانى، مشروع
النهوض العربى الإسلامى، أزمنته وأزماته، مجلة منبر الحوار
ص 103 عدد 20، دار الكوثر
بيروت 1991م.
22-
زغلول راغب النجار، المصدر السابق، مقدمة بقلم عمر عبيد حسنة ص 8
23-
زغلول راغب النجار، المصدر السابق ص 37.
24-
إبراهيم الشهابى، القرآن حرر الإنسان ص 78، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس
1992م
25- يوسف القرضاوى الصحوة
الإسلامية بين الجحود والتطرف ص 20 كتاب الأمة عدد 2، طبعة خاصة للعالم للفكر
الإسلامى واشنطن 1984 م.
26-
محمد الرحيلى وظيفة الدين فى الحياة وحاجة الناس إليه ص 104 منشورات جمعية الدعوة
الإسلامية، طرابلس 1992م.
27-
عبد الحميد أبو سليمان، إسلامية المعرفة إسلامية العلوم السياسية، المسلم المعاصر
ص 25، عدد 31 مايو- يونيو ، مؤسسة المسلم المعاصر، بيروت 1981م.
28-
محمد سعد عامود، المصدر السابق ص 141.
29-
وجيه كوثرانى، المصدر السابق ص 104- 105.
30-
يوسف الحسن، الحوار الإسلامى المسيحى، الفرص والتحديات، ص 5- 6، المجمع
الثقافى، أبو ظبى 1997 م.
31-
زغلول راغب النجار، المصدر السابق، مقدمة بقلم عمر عبيد حسنة ص 8.
32-
محمد عمارة، أزمة الفكر الإسلامى المعاصر ص 5.