القيم
الدافعة للتقدم العلمى و التكنولوجى
من منظور إسلامى
أ. د. محمد بن أحمد الصالح
أستاذ الفقه بكلية الشريعة وعضو المجلس
العلمى
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- المملكة العربية السعودية
مقدمه (1)
الفكر والتفكير الناشىء عن القيم من طبائع الإنسان
ومزاياه التى يمتاز بها على كثير من المخلوقات، وينشأ الفكر من تفاعل العقل
الإنسانى مع البيئة بما فيها وما يجرى عليها من أحداث وما يعيش عليها من إنسان
وسائر المخلوقات والفكر الإنسانى كأى جهد بشرى معرض للصواب والخطأ قد يصيب هدفه
وقد يضل طريقه ولكى ينجو الإنسان من الضلال فلابد له من المعالم الهادية والدلائل
المرشدة والبراهين الساطعة التى تهديه إلى أقوم السبل (إن هذا القرآن يهدى للتى هى
أقوم ) (الإسراء آية 9)، والفكر الإسلامى العربى هو ذلك التصور الناشىء عن استجابة
العرب للإسلام الذى أنزله الله تعالى على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه
وسلم فتخلصوا بهذه الاستجابة من الضلال
إلى الهداية والرشد ومن الظلمات إلى النور. ولقد استجاب العرب لقول الله تعالى: (
يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) (سورة الأنفال آية 24).
فلبوا النداء وهبوا من رقدتهم ودخلوا فى دين الله
أفواجا والتزموا بالقيم فأرشدهم هذا الدين إلى التصور الواسع عن الكون والحياة
والإنسان، وهى حالة لم تأت نتيجة تطور اجتماعي أو اقتصادى أو ثقافى وإنما جاءت
عطاءً من عند الله تعالى ومنحة ونعمة كبيرة لهذه البشرية التائهة ولقد كان دور
الإنسان العربى المسلم فى هذا دور التلقى والوعى والاستنارة ثم العطاء والبذل.
وهؤلاء قوم لم تكن لهم من قبل دولة ولا حضارة تذكر
وكانوا يعيشون على ذكريات وأطلال تربطهم بخليل الرحمن وابنه إسماعيل عليهما وعلى
نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم وهم نسب وصهر لهذين الرسولين الكريمين جمعوا فى
أنفسهم بين نقاء الأصل وكرم المعدن وعظمة الاستعداد من جهة وبين ضياع الهدف
وجاهلية السلوك من جهة أخرى وكانوا يترددون بين هذين النقيضين فتارة يشدهم كرم
الأصل ونقاء الفطرة وتارة يقفون فى حمأة الجاهلية وأرجاسها إلى أن جاء الإسلام
فخلصهم من أدران الجاهلية وكشف عن استعداداتهم الكامنة ومعادنهم الكريمة. حيث بعث
الله محمدا صلى الله عليه وسلم
بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً. وقد أخرج
هذا النبى الكريم الناس من الظلمات إلى النور ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن عبادة
العباد إلى عبادة رب العباد، وهداهم هذا النبى الكريم إلى صراط العزيز الحميد.
لقد التقى دين الإسلام بعقيدته النقية وشريعته
الكاملة مع العرب فكان هذا اللقاء لقاء
فجر طاقات تلك الأمة الوليدة الجديدة لأنهم تميزوا من بين سائر الأمم بصفات
تؤهلهم لحمل هذه الأمانة العظيمة فقد اشتهروا بالصدق فالكذب عندهم معرة وعيبٌ وقد
عُرف عنهم حماية الجار وإغاثة الملهوف وعندما جاء الإسلام أعادهم إلى الوسطية
والاعتدال ونقلهم إلى مركز الفضائل مع ما هم فيه من موقع متميز ولغة عظيمة أهلهم
كل هذا ليكونوا دعاة الهداية وقادة الهدى والرشاد. فقد كان الإسلام حدثا عظيما جدا
بالنسبة للعرب وللعالم أجمع فكانت الحياة حلقات متتابعة تفتح أمام الفكر آفاق
الوجود ممتدة من عالم الشهادة إلى عالم الغيب بلا انقطاع وتتفتح آفاق النفس
والضمير بالشعور بالمسئولية أمام الله فى هذه الحياة وفيما وراءها وتتسع آفاق
المجتمع ممتدة من الأسرة إلى الإنسانية الواسعة بأجناسها وشعوبها وأجيالها وعصورها
وعلى أساس هذه النظرة العميقة الواضحة يبنى الإسلام مبادىء الأخلاق وقواعد السلوك
وقد كان بين الأمة العربية ومبادىء الإسلام تلازم وتجاوب وانسجام فقد غدا الإسلام
بالنسبة إلى العرب المثل الأعلى الذين كانوا من قبله من الضالين ففيه تمثل
مفاهيمهم للأخلاق وقواعد السلوك وللحكم والقيم والروابط الاجتماعية.
ولئن كان الإسلام عقيدة عامة فى الحياة ورسالة
إنسانية ذات مبادىء عامة فإن العرب هم أول من تلقاها وأخذ بها، منهم خرج صاحب
الرسالة محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وبلغتهم نزل الكتاب،
ومنهم كانت صفوة الأمة صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم الذين حملوا الرسالة الخاتمة إلى أمم الأرض
وشعوبها والإسلام بعد هذا بمفاهيمه الواضحة ونظرته الشاملة ومبادئه العميقة ولغته
العربية هو الذى أحاط الأمة العربية بسياج منيع حفظها من الذوبان وحماها من الضياع
والإسلام هو الذى نقل العرب إلى الطور النهائى من أطوار تطور الأمم إذ لم يقتصر
على جعلها أمة ذات حضارة بل جعل منها أمة ذات رسالة عالمية ويشير القرآن إلى ذلك،
قال الله تعالى: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون ) (الزخرف آية 44)، ويقول
سبحانه: ( تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) (الفرقان آية
1).
. النقلة التى أحدثها الإسلام فى العرب:
لقد بين جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه فى حواره مع النجاشى- رحمه الله- النقلة التى
أحدثها الإسلام فى العرب فقال: (كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة
ونأتى الفواحش ونقطع الأرحام ونسئ الجوار ويأكل القوى منا الضعيف فكنا على ذلك حتى
بعث الله إلينا رسولا منا نعرف حسبه ونسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله
لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا
بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء
ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد اللّه
وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدقناه وآمنا به واتبعناه
على ما جاء به من الله 00) (2).
لقد كانت هذه نقلة باهرة بل معجزة حتى كان هذا العهد
الجديد كالحياة بعد الموت وكالنور بعد الظلام وهذا المعنى بينه القرآن الكريم
بقوله تعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس كمن مثله
فى الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ) (الأنعام الآية
122).
. وقد تمثلت هذه النقلة
العظيمة فيما يأتى:
1- نقل الإسلام العرب من
مرحلة الضلال إلى الهدى.
2- وضع الإسلام بأيدى
العرب القيادة الفكرية داعين مبلغين والقيادة السياسية حُماة حاكمين.
. مسئولية العرب المسلمين:
وعليه فالعرب مدعوون لحمل مسئوليتهم العالمية الضخمة
ليخلصوا الإنسانية . من أوضار الجاهلية ومن طغيان
المادية وسلطان الهيمنة العالمية الجشعة.
. النقلة التى أحدثها الفكرالعربى الإسلامى فى
العالم:
تتمثل فى:
أولا.. النقلة فى المعرفة:
لقد جاء الإسلام فقرر أن للمعرفة الإنسانية وسائل
ثلاث:
(أ) أشرف هذه الوسائل
وأصدقها الوحى الإلهى المتمثل فى الكتاب العزيز الذى ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
تنزيل من حكيم حميد ) (فصلت الآية 42).
ومن السنة النبوية التى هى الوحى الثانى، قال تعالى:
(وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحى يوحى ) (النجم 3- 4). وهذا الوحى هو المهيمن
على كل الوسائل الأخرى، فسلم للأمة فكرها من الانحراف والغلو لسلامة هذه الأصول.
(ب) العقل:
العقل السليم النابع من الفهم الصحيح.
(ج) الحس : فى الأمور
المبنية على المشاهدة والإدراك.
ثانيا.. النقلة فى العقيدة:
انتقلت الإنسانية بهذا الفكر إلى العقيدة الإيجابية الصحيحة
عن الإله والإنسان والكون والحياة وعرف الناس التوحيد الخالص بنزول القرآن الكريم
والسنة النبوية المطهرة فقد استقر التوحيد واستمر إلى قيام الساعة.
ثالثا.. النقلة فى الأخلاق:
فقد جاء الإسلام بمنظومة أخلاقية سمت بالإنسان ورفعت
من قدره وجاء الوحى الإلهى بالدعوة إلى التمسك بالأخلاق والقيم قبل أن يأمر الناس
بإقامة الصلاة وظهر هذا جليا وواضحا فى القرآن الكريم كما فى سورة الأنعام الآيات:
1 5 1 إلى 53 1، وفى سورة الإسراء الآية: 23 إلى 39، وسورة الفرقات الآيات: 63 إلى
75 وهذه سور مكية.
وجاء هذا الضبط الأخلاقى العظيم
فى الأصول والفروع مع تحديد المعايير والقيم ومكان الدنيا ومكان الآخرة وبيان
أهداف القواعد الأخلاقية، قال تعالى: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى
القربى ) (النحل آية 90). وقال صلى الله عليه وسلم : (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا
الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) (3).
رابعا.. النقلة فى التشريع:
جاء التشريع الإسلامى لينقل العالم كله إلى آفاق من
التشريع لدرـجة أن غير المسلمين تأثروا بمنطق التشريع الإسلامى حيث جاءت الآية
الكريمة: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (البقرة الآية 280).
لقد جاء الإسلام بتشريعه للفرد وللجماعة وللدولة
وللمال والحكم وهو تشريع يلبى حاجة الإنسان أبد الدهر ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه تنزيل من حكيم حميد ) (فصلت الآية
42 )
غنى عن البيان أن قضية البحث العلمى والتطور التقنى
تشكل عاملاً من أهم العوامل فى رقى الأمة وتقدمها.. والتطور السريع الذى شهده
العالم خلال هذا القرن فى مجال الاكتشافات العلمية وتطور الأساليب التقنية، حقق
للدول الصناعية تنمية اقتصادية وعمرانية واجتماعية لم تشهد لها مثيلا فى سرعة
معدلاتها عبر تاريخ البشرية الطويل كله وحقق لها كذلك السيادة والغلبة على أمم
الأرض التى عانت من مظاهر التخلف فى تلك الميادين.
والوضع الذى يعانى منه المسلمون فى العصر الحاضر لا
يعود إلى سبب وهمى بل هو نتيجة لقانون إلهى معروف، وقانون اللّه لهذا العالم هو أن
الجماعة التى تثبت أنها ذات نفع للآخرين هى التى يكتب لها الرقى والثبات، أما
الجماعة التى تفقد صلاحيتها لنفع الآخرين فتتدحرج إلى الصفوف الخلفية للأبد. وكان
مسلمو القرون الأولى ذوى نفع للعالم. وعظمتهم فى الماضى مردها إلى هذه الخاصية أما
مسلمو العصر الحاضر فقصرت همتهم وتخلى البعض منهم عن أداء رسالتهم فلم تكتب لهم العظمة فى العصور الأخيرة. والآية
القرآنية التالية تذكر بوضوح هذا المبدأ لرقى الأمم وانحطاطها: (أنزل من السماء
ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زيدا رابيا ومما يوقدون عليه فى النار ابتغاء
حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما
ينفع الناس فيمكث فى الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ) (الرعد 17).
هذه الآية تدلنا على قانون
الله للدنيا. والذى يتمثل فى أنه لا بقاء ولا ثبات إلا للجماعة التى تبرهن على
أنها نافعة للآخرين أما الجماعة التى تفقد مقدرتها على نفع الآخرين فتفقد كل قيمة
لها.
وبينما كتاب الله يبين هذا القانون العالمى بواسطة
الكلمات نجد من ناحية أخرى أن العالم المادى مظاهره عملية لهذا القانون. والآية
المذكورة من سورة الرعد تعطينا مثالين. أولهما: مثال الماء، فنرى الزبد يطفو
على سطح الأودية والأنهار ولكنه سرعان ما
يختفى ويبقى الشىء الذى ينفع الناس، هو
الماء، والمثال الآخر هو: مثال المعادن فيظهر الزبد فوق المعدن عندما يتم تذويبه
بواسطة الحرارة الشديدة ولكنه سرعان ما يختفى ويبقى المعدن الثمين الصافى.
والتوحيد أكبر حقيقة فى هذا العالم. وأمكن لمسلمى
العصور الأولى باختيارهم التوحيد أن يظهروا كجماعة واحدة متميزة أمام شعوب العالم
فاستقبلتهم شعوب الأرض فى كل مكان وانتفع بهم الناس شتى المنافع. فقد كان المسلمون
هم أئمة العالم فى علم الطب لعدة قرون وفى مختلف فنون المعرفة الأخرى.
أما اليوم فالعالم الإسلامى بمجمله يعانى من تخلف
واضح فى تلك المجالات وإن كان يملك من المقومات ما يعينه على تطوير العلوم والأخذ
بأسباب التقنية والاستحواذ على مفاتيحها بالإضافة إلى رصيده العقائدى العظيم الذى
يوفر له الضمانة الأدبية بتطوير العلوم وتقدم بحوثها وتقنياتها لما فيه خير وصالح
البشرية وعمارة الأرض وتمكين المسلمين فيها ولكنه كذلك تقيده معوقات جعلته يتخلف
فى هذا المجال تخلفا يشيع الخوف على مستقبل هذه الأمة من أن تصبح رهينة لدول الغرب
المتقدمة، تمتص خيراتها وترتهن استقلالها وأن تبتاع منها بذلة قوت أبنائها.
وهذه القضية أحسبها قضية المصير والمستقبل ويجب ألا
نغفل عنها ويأخذنا اليأس والقنوط من أحوال المسلمين اليوم عن تلمس أسبابها وعن
محاولة تذكية نارها وإشعال هممها، لعل ذلك يحيى فى هذا الجيل النهوض بهذه الأمة فى
كل ميادين الحياة والتى كان قدرها أن تكون (خير أمة أخرجت للناس).
إن التقدم هو ثمرة للبحث العلمى، والبحث العلمى نشاط
إنسانى متواصل وعمل جاد لفهم الكون وما يحكمه من ظواهر وسنن وقوانين ومجالات البحث العلمى عديدة ومتنوعة
تبدأ بالبحوث الأساسية العلمية البحتة مروراً بالبحوث التطبيقية وانتهاء بتطويع
نتائج البحث العلمى لخدمة الإنسان وتحقيق أهدافه وغاياته (فالحاجة أمُّ الاختراع).
والتقنية لفظة معربة لكلمة (تكنولوجيا)، ذات الأصل
الإغريقى ويعرفها الدكتور/ النجار: "بأنها كلمة ذات دلالة تشمل حسن توظيف
أحدث المتاح من المعارف المكتسبة فى عملية التنمية توظيفا ماهراً يستوجب الإحاطة
التامة بالقوانين والنظم التى تحكم ذلك وأساليب وطرائق تطبيقه".
ويمكن القول إنها تعنى حسن إتقان العمل، ولعل التوجيه
النبوى الكريم فى قوله صلى الله عليه وسلم
: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا آن يتقنه) لهو خير دلالة وأعظم توجيه
نحو إتقان العمل وحسن الأداء، وهذا هو محور الفهم حول كلمة التقنية أو (التقانة).
ومن هذا المنطلق يمكن ربط العلم والتقنية بحلقة واحدة،
فإذا كانت العلوم تدور حول معرفة الأشياء والظواهر وأسبابها فإن التقنية تركز على
الاستفادة من هذه المعرفة بتسخير هذه الظواهر والقوانين لخدمة أهداف التنمية
وعمارة الأرض. فالتقدم العلمى والتقنى يربط المعارف المكتسبة بالتوظيف الأمثل فى
عملية التنمية للمجتمعات البشرية.
ويجب أن نؤكد هنا أن مفهوم التقنية الحقيقى لا يعنى
مجرد شراء أو استيراد أحدث الأجهزة والأدوات ولا حتى التدريب على تشغيلها فقط كما
يتصور أغلب الناس، بل هو بالمفهوم الأشمل معرفة نظام هذه الأجهزة وكيفية صنعها
والقوانين النظرية المبنية عليها وطرق إصلاحها وتطويرها والسيطرة عليها. فالمعول
عليه هو ممارسة وبناء التقنية وليس مجرد شراء أو استيراد
منجزاتها.
مقومات التقدم العلمى
والتقنى فى العالم الاسلامى
إن مقومات التقدم للأمة المسلمة فى الوقت الراهن
تتفوق على غيرها من الأمم سواء من الجانب الروحى والعقائدى أو من الجانب البشرى
والمادى. حيث يمتلك المسلمون ثروات هائلة منها احتياطات النفط العظيمة والخامات
المعدنية الثمينة وأراض خصبة وأنهار وبحار وقبل كل ذلك شرعة ومنهاجا لو أخـذوا بهما لسادوا الأمم وأصلحوا حال
الإنسان فى كل أصقاع الأرض وعلـيه يمكن القول إن المتطلب الأساسى الذى بصلاحه
وتقويمه يمكن إصلاح الكثير من واقع حال المسلمين هو:
العودة إلى الالتزام بدين الله ونبذ كل الشرائع
المخالفة والاتجاهات الفكرية المنحرفة والاعتزاز بدين الله والشعور بالمسئولية
أمامه عن حال الأمة، مع الأخذ بكل الاعتبارات والأساليب الملائمة لتقدم البحث
العلمى وتطويره ونقل التقنية إلى بلاد المسلمين ومن هذه الاعتبارات:
1- وضع السياسات العلمية
والتنسيق حولها بين الدول الإسلامية والالتزام الجاد والصادق والسعى الحثيث نحو
تطبيق خطط لنقل العلوم والتقنية واستحواذ بلاد المسلمين على أسرارها وتطويرها
وتسخيرها لخدمتهم وهذا لا يتم إلا بوجود قادة مخلصين لدينهم ولربهم صادقين مع
شعوبهم.
2- بناء وتأسيس قاعدة
صناعية ووضع سياسات علمية
وأهداف محددة والتخطيط زمنيا لتنفيذها.
3- إصلاح الأنظمة
المنحرفة عن المنهج الإسلامى وإعداد الأجيال وشحذها بالعلم النافع والمهارات
اللازمة وتشكيل التفكير الناقد فى عقولهم.
4- تقدير
الكفاءات العلمية ماديا ومعنويا وتوفير فرص العيش الكريم لها مع إعطائها حقوقها
كاملة دون اضطهاد أو تمييز مع إكرام العمالة المسلمة وتقدير الفنيين منهم. وهذا مع
حسن استخدام الثروات.
5- توظيف الأيدى العاملة
المسلمة فى كل مشاريع المسلمين وعدم اللجوء إلى غيرهم إلا فى حالات عدم توفر
الكفاءات والعمالة الفنية المسلمة القادرة مع العناية بسد حاجات المسلمين بكافة
التخصصات التى تتطلبها مراحل التنمية المختلفة.
6- التكامل الاقتصادى بين
الدول الإسلامية وزيادة فرص التبادل التجارى وإعطاء الأولوية للدول المسلمة فى هذا
المجال ووضع سياسات وتشريعات تجعل مثل هذا التكامل حتميا، فالوحدة الأوروبية لم
تكن إلا ثمرة للسوق الأوروبية المشتركة التى ظهرت كمجموعة اقتصادية فى أول الأمر.
بعد هذه المقدمة نتناول الموضوع فى سبعة مباحث وهى:
المبحث الأول: المسئولية.
المبحث الثانى: العمل.
المبحث الثالث: إتقان العمل.
المبحث الرابع: احترام الوقت.
المبحث الخامس: التعاون.
المبحث السادس: العمل بروح الفريق.
المبحث السابع: مكافأة المحسن.
المبحث الأول
المسئولية
. بيان معنى المسئولية فى
اللغة وتعاريفها فى الاصطلاح:
المسئولية لغة هى: مصدر مأخوذ من مادة (س أل) التى
تدل على استدعاء معرفة أو ما يؤدى إلى المعرفة أو استدعاء مال أو ما يؤدى إلى
المال والسؤال للمعرفة يكون تارة للاستعلام وتارة للتبكيت كما فى قوله تعالى : (
وإذا الموءودة سئلت ) (التكوير آية 8).
. أنواع المسئولية:
1- المسئولية الدينية:
وهى التزام المرء بأوامر الله ونواهيه وقبوله فى حال المخالفة لعقوبتها ومصدرها
الدين.
2- المسئولية الاجتماعية:
هى التزام المرء بقوانين المجتمع ونظمه وأعرافه.
3- المسئولية الأخلاقية:
وهى حالة تمنح المرء القدرة على تحمل تبعات أعماله وآثارها ومصدرها الضمير(4).
وكل مسئولية قبلناها وارتضينا الإلتزام بها فهى مسئولية
أخلاقية.
. شمول المسئولية:
1- جاء فى القرآن الكريم
بيان شمول المسئولية للفرد، قال تعالى: ( فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا
يعملون ) (الحجر 92- 93) وقوله تعالى: (إن كل من فى السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا. لقد أحصاهم وعدهم
عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا)
(مريم 93- 95).
2- شمول
المسئولية للأعمال كلها: الخير والشر صغيرة كانت أو كبيرة: ظاهرة أو خفية، قال
تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) (الزلزلة
7- 8).
3- ويتناول هذا الشمول
الأقوال سرها ونجواها يقول تعالى: ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (ق
18).
4- ويتناول هذا الشمول
حاسة السمع وحاسة البصر والفؤاد، قال تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع
والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا )
(الإسراء الآية 36).
5- ويتناول هذا الشمول
أيضا ما يتمتع به الإنسان من المال والنعم، قال تعالى : (ثم لتسئلن يومئذ عن
النعيم ) (التكاثر 8).
وقال المصطفى عليه السلام: (لا تزول قدما عبد يوم
القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه
، وعن علمه فيم عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟!) .
. المسئولية الذاتية:
من المبادىء التى قررها الإسلام قصر المسئولية على
الجانى وحده، قال تعالى: ( قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون)
(سبأ 25).
فلا يؤخذ برىء بجريرة مذنب ولا يشترك أهله فيما
اقترفت يداه أو نسب إليه، قال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى ) (الإسراء 15 ).
. مسئولية الحاكم والمحكوم:
الحاكم والمحكوم يتعاونان على خير الأمة ويشد كلا
منهما أزر الآخر فى جلب الخير للأمة ودفع الأذى عنها والعمل على رعاية مصالحها
والعمل على حفظ أموالهم وصيانة أعراضهم ولا يستقيم أمر الأمة ويعلو شأنها إلا إذا
نهض كل من الراعى والرعية بمسئولياته وأخلص العمل مع صاحبه، قال صلى الله عليه
وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع فى
أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية فى بيت زوجها مسئولة عن رعيتها، والخادم
راع فى مال سيده، ومسئول عن رعيته والرجل راع فى مال أبيه، وهو مسئول عن رعيته
وكلكم راع ومسئول عن رعيته).
. تماثل المسئولية والجزاء فى الإسلام:
اعتبر القرآن الكريم أن الجزاء بقدر المسئولية مع إيثار
جانب الرحمة والتسامح ومضاعفة الحسنة، قال تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر
أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ) (الأنعام 160).
هذه معالم المسئولية فى الإسلام فالإنسان مسئول عن
كسبه من خير وشر ومجازى عليه وباب التوبة مفتوح له ما بقيت الحياة والجزاء العادل
يوم القيامة (5).
. والخلاصة أن مسئولية
الفرد نحو المجتمع تتناول الآتي:
1- الالتزام بعقيدة المجتمع
الأساسية.
2- التعاون مع الجامعة فى
سبيل الخير العام، قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ) (المائدة 2).
3- التنافس فى العمل
الصالح، قال تعالى: ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) (هود 7)، حيث يجب الإنفاق فى سبيل
الله واستثمار الأموال.
والاعتدال فى الإنفاق وغير ذلك من الجوانب الأخلاقية.
4- نشر العلم الذى يسهم
إسهاما إيجابيا فى بناء المجتمع وتطويره، قال تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة
منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون )
(التوبة 122).
. فوائد المسئولية
وثمارها:
وتتجلى فوائد المسئولية وتظهر ثمارها فيما يأتى:
ا- الشعور بالسعادة بأداء الأمانة أمام الله وأمام
الناس(6).
2- الإخلاص فى العمل
والثبات عليه.
3- كسب احترام الناس
وثقتهم.
4- تجعل
بنيان الدولة قويا غير قابل للتصدع والانهيار عند التعرض للمحن والكوارث.
المبحث الثانى
العمل
. أفضل الكسب:
عمل الإنسان بيده لقوله عليه الصلاة والسلام: (ما أكل
إنسان قط خيرا له من أن يأكل من عمل يده وإن نبى الله داود كان يأكل من عمل يده) ،
ويتناول عمل اليد الكد والكدح وبذل الجهد فى الحصول على الرزق الحلال كالزراعة لما
تشتمل عليه من كونها من عمل اليد ولما فيها من التوكل ولما فيها من النفع العام
للآدمى وللدواب. وفوق ذلك ما يكسبه الإنسان من الغنائم فى سبيل الله وهو أشرف
المكاسب لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى (7).
. أدلة مشروعية العمل:
(أ)
القرآن الكريم: قال تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات
والأرض أعدت للمتقين*الذين ينفقون فى السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن
الناس والله يحب المحسنين ) (آل عمران 133- 134).
وقال تعالى: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى
لهم وحسن مآب* كذلك أرسلناك فى أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذى أوحينا
إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ) (الرعد
29- 30).
وقال تعالى: (وهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة
أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد
الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) (هود 7).
وقال تعالى: ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها
لنبلوهم أيهم أحسن عملا) (الكهف 7).
وقال تعالى: (ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال
أوبى معه والطير وألنا له الحديد*أن أعمل سابغات وقدر فى السرد واعملوا صالحا إنى
بما تعملون بصير) (سبأ 10- 11).
وقال تعالى: (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها
وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون* وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من
العيون* ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ) (يس 33 -35).
(ب) الأدلة من السنة: من
عبد الله بن عمرو- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربعون
خصلة، أعلاهن منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها
إلا أدخله الله بها الجنة) (8).
وعن أبى هريرة- رضى الله
عنه- أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر: (يا بلال حدثنى بأرجى
عمل عملته فى الإسلام فإنى سمعت دف نعليك بين يدى فى الجنة. قال ما عملت عملا أرجى
عندى غيرأنى لم أتطهر طهورا فى ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لى
أن أصلى) (9)
وعن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- قال سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال
بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله
ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر
إليه) (10)
وعن جابر بن عبد الله قال:
كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فى
صدر النهار فجاءه قوم قد ظهر عليهم الفقر والفاقة وسوء الحال فتغير وجه الرسول صلى
الله عليه وسلم فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب واستشهد بالآيات الأولى من سورة
النساء والآية 18 من سورة الحشر ثم قال عليه السلام: (تصدق رجل من ديناره، ومن
درهمه ومن ثوبه، ومن صاع بره ومن صاع تمره (حتى قال) ولو بشق تمرة وجاء رجل من
الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها وتتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى
رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجرمن عمل بها من بعده من غيرأن
ينقص من أجورهم شىء ومن سن فى الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من
بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شىء) (11)
وعن أبى موسى الأشعرى رضى
الله عنه قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: (على كل مسلم صدقة).
قالوا فإن لم يجد؟ قال: (فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق)، قالوا: فإن لم يستطع أو
لم يفعل؟ قال: (فيعين ذا الحاجة الملهوف)، قالوا: فإن لم يفعل؟. قال: (فيأمر بالخير). أو قال: (بالمعروف).
قال: فإن لم يفعل؟. قال: (فليمسك عن الشر فإنه له صدقة)
(12).
وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل إذا هم عبدى بحسنة ولم
يعملها كتبتها له حسنة فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وإذا همّ بسيئة
ولم يعملها لم أكتبها عليه فإن عملها كتبتها سيئة واحد ة) (13).
. فوائد
العمل وثماره:
وتتجلى فوائد العمل وتظهر ثماره فيما يأتى:
ا- خشية الله عز وجل ومحبته ورضاه.
2- يورث العفة ويحفظ
الكرامة.
3- سبب سعادة العبد فى
الدار الدنيا والدار الآخرة.
المبحث الثالث
إتقان العمل
إن حق العمل يعنى حرية كل فرد فى اختيار العمل الذى
يناسبه والمهنة التى يرضاها كما يعنى
كفالة الدولة بتحقيق فرصة العمل لكل قادر.
وأن يكون الدخل الذى يحصل عليه يتناسب مع الجهد الذى
يبذله ويوفر العيش الكريم له ولمن تحت يده. ولقد قرر الإسلام هذا الحق وأكده وسن
الضمانات التى تكفل هذا الحق لحمايته منذ قرون.
وقد كان منهج الإسلام فى هذا المجال فريداً ومتميزاً
فقد جاءت نصوص الكتاب والسنة لتؤكد على أمور وهى:
ا- أن العمل واجب على الفرد فى داخل المجتمع الذى
يعيش فيه.
2- واجب الدولة الإسلامية
فى توفير فرص عمل مناسبة لكل قادر على العمل.
3- حقوق العاملين فى
الأجر العادل والظروف الإنسانية فى العمل.
ولذلك كان العمل فى الإسلام هو العامل الأساسى فى
توزيع الثروات والمصدر الأصلى لكسب الملكية، قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه
ومن أساء فعليها) (فصلت 46).
ولقد جاء القرآن الكريم بالدعوة إلى العمل وأنه فى
الأهمية يأتى بعد العبادات، قال تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض
وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) (الجمعة 10).
ومما يدل على تأكيد العمل وضرورة إتقانه جعله فرضا على
الأمة الإسلامية، حيث قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل
ترهبون به عدو الله وعدوكم ) (الأنفال 60).
ولقد بلغ الإسلام فى تقديره للعمل وتكريمه للعمال
الذين يحرصون على زيادة الإنتاج وحماية اقتصاد البلاد حدا لم يصل إليه أى نظام
اقتصادى حتى الآن أو يدانيه.
فعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (ما بعث الله نبيا إلا رعى
الغنم قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا كنت أرعى
الغنم لأهل مكة بالقراريط) (14).
وقال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الكسب بيع مبرور وعمل الرجل
بيده) (15).
وقال صلى الله عليه وسلم: (من أمسى كالا من عمل يده أمسى
مغفورا له).
وقال صلى الله عليه وسلم: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتى
بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خيرا له من أن يسأل الناس أعطوه
أو منعوه) (16).
ومن هنا نرى أن الإسلام رفع من قيمة العمل بل وبالغ
فى تكريم العمل وجعل حوافز على إتقان العمل ودوافع لزيادة الإنتاج. إن هذا لم يكن
إلا فى الدين الذى ارتضاه الله للناس وجعله خاتم الأديان، قال تعالى: (اليوم
أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا) (المائدة 3).
. حق العامل فى الأجرة:
ولقد أكد الإسلام على حق العامل فى الأجرة وأمر رب
العمل أن يبادر بإعطاء العامل أجره على الفور.
قال عليه الصلاة والسلام: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف
عرقه) (17).
وحسب العامل فخراً ورفعة أن الله جل وعلا يتولى
الدفاع عنه وعن حقوقه والإلزام بإعطاء حقه جاء فى الحديث القدسى قال الله تعالى:
(ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره...
إلخ) (18).
. حرية
العامل فى اختيار العمل:
الإسلام يعطى كل فرد الحق فى أن يمارس من العمل
المشروع ما يروق له وتكون لديه الكفاية والقدرة على القيام به والله يدعو الناس
جميعاً إلى العمل والانتشار فى الأرض وكسب الرزق فيقول: (هو الذى جعل لكم الأرض
ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) (الملك 15). ويضع
التنسيق الدقيق بين التوجه إلى المسجد لأداء الصلاة والانصراف منه بمجرد انتهائها
طلباً للرزق فيقول: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا
إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون* فإذا قضيت الصلاة فانتشروا
فى الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا اللّه كثيرا لعلكم تفلحون ) (الجمعة 9-
10).
فهو
حين يدعوهم إلى الصلاة يصفها بأنها ذكر لله وحين يدعوهم إلى العودة إلى أعمالهم
يصف البيع بأنه فضل الله فهو فى دخوله وخروجه يستجيب لأمر الله طاعة له فى
العبادة. وفى طلب الرزق. بل الإسلام ليدعو إلى طلب الرزق حتى فى أثناء أداء فريضة الحج
فيقول: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله
عند المشعر الحرام) (19) (البقرة 198).
وإذا كان الإسلام قد رفع شأن
العمل وأعلى قدر العامل فإنه قد أكد على تجويد العمل وإتقانه حيث قال عليه الصلاة
والسلام: (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه)، وجاء فى الأثر اعمل
لدنياك كأنك تعيش أبدا.
المبحث الرابع
احترام الوقت
الوقت هو الزمن الذى يتعاقب
فيه الليل والنهار وبلغ الوقت من الأهمية أن الله جلا وعلا أقسم به فى أكثر من
موضع فى القرآن الكريم، قال تعالى: ( والعصر إن الإنسان لفى خسر)، وقد أقسم الله
بالضحى والليل والنهار والفجر وليال عشر ولا ريب أن الوقت هو الحياة فالذى يفرط فى
وقته مفرط فى حياته. ولهذا عنى القرآن الكريم بالوقت من نواح شتى وبصور عديدة وفى
مقدمة هذه العناية بيان أهميته وعظم نعمة الله به، قال تعالى: (وسخر لكم الشمس
القمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار* وآتاكم من كل ما سألتموه وان تعدوا نعمة
الله لا تحصوها ) (إبراهيم (33- 34).
وجاءت السنة النبوية تؤكد
قيمة الوقت وتقرر مسئولية الإنسان عنه أمام الله يوم القيامة.
.
شعائر الإسلام وآدابه تؤكد قيمة الوقت:
وجاءت الفرائض الإسلامية
والآداب الإسلامية تثبت هذا المعنى الكبير وهو
قيمة الوقت والاهتمام بكل
مرحلة فيه وكل جزء فيه وتوقظ فى الإنسان الوعى والانتباه إلى أهمية الوقت مع حركة
الكون ودورة الفلك وسير الشمس والكواكب واختلاف الليل والنهار(0 2)
. مزايا الوقت:
وللوقت خصائص يتميز بها يتعين
أن ندركها، منها:
1- سرعة
انقضائه فهو يمر مر السحاب.
2- أن ما مضى منه لا يعود
ولا يعوض وقديماً قيل: أمس الدابر لا يعود، قال الحسن البصرى: "ما من يوم
ينشق فجره إلا وُينَادَى يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود منى فإنى
إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة".
3- أن الوقت أنفس ما يملك
الإنسان، ولما كان الوقت سريع الانقضاء وكان ما مضى منه لا يرجع ولا يعوض بشىء كان
الوقت أنفس وأثمن ما يملك الإنسان وترجع نفاسة الوقت إلى أنه وعاء لكل عمل وكل
إنتاج.
. الدعوة إلى الاستفادة
من الوقت:
وأول واجب على الإنسان المسلم نحو وقته أن يحافظ عليه
كما يحافظ على ماله بل أكثر منه وأن يحرص على الاستفادة من وقته كله فيما ينفعه فى
دينه ودنياه وما يعود على أمته بالخير والسعادة والنماء الروحى والمادى (21).
وقال أحدهم: إذا مر بى يوم ولم أقتبس هُدى ولم أستفد
علماً فما ذاك من عمرى.
وقال أحدهم:
يسر المرء ما ذهب الليالى وكان فى ذهابهن له ذهابا