القيم
الدافعة من منظور إسلامى
للتقدم
العلمى والتكنولوجي
(
المسئولية - العمل- إتقان العمل – احترام الوقت –
التعاون – العمل بروح الفريق )
أ.د .
محمد على الجوزو
مفتى
جبل لبنان – لبنان
يشعر الغيارى
من أبناء العالم الإسلامى الذين نالوا حظاً موفوراً من العلم، يشعر هؤلاء بالأسى
والحزن، وهم يرون أمتهم الإسلامية وهى تتخلف عن ركب الحضارة وركب التقدم العلمى
والتكنولوجى، وترزح تحت عبء التخلف المادى والمعنوى ، الاقتصادى والسياسى.. وتصبح
لقمة سائغة فى فم الأقوياء ممن امتلكوا نواصى القوة والغلبة بفضل ما حققوه من نهضة
علمية كبرى ضمنوا من ورائها السبق فى ميادين الاكتشاف والاختراع والابتكار، وبلغوا
شأوا بعيدا فى السيطرة على ظواهر الطبيعة جوا وبحرا وبرا مما جعلهم يتحكمون فى
مصائر الشعوب الأخرى ويفرضون الوصاية عليها.؟!
مواكبة التطور
العلمى:
ونستطيع أن نسمى هذا العصر بعصر
العلم.. لأن الذى يريد أن يدخل باب المنافسة مع الأقوياء، لابد له من أن يتسلح
بسلاح العلم حتى يتمكن من مصارعتهم ومقاومة طغيانهم وجبروتهم، ولابد أن يمتلك
نواصى التكنولوجيا، ويجعلها عدته فى رسم طريق المستقبل.. وإلا فإنه سيظل أسير
رغبات الأقوياء
مكبلا
بإرادتهم وما يقررونه له، لا يستطيع أن يرد كيدهم أو يصون كرامته وحريته وحقوقه
أمام السيطرة التى يفرضونها عليه بحكم امتلاكهم لأسباب القوة.
تبقى قضية هامة، وهى قضية يجب أن نقف عندها
ونتساءل: هل كتب على الإنسان المسلم أن يظل عاجزا عن مواكبة التطور العلمى؟ وهل
صحيح ما يروجه أعداء الإسلام من أن السبب فى هذا العجز هو التفكير الغيبى..؟
أو بتعبير أدق هل هو الدين الذى يعطل قدرات
الإنسان المسلم ويمنعها من الانطلاق لتحقيق تلك القفزات النوعية التى حققها
الآخرون فى ميدان الاختراع والابتكار؟ أم أن هناك عوامل أخرى هى التى عطلت مسيرة
الأمة الإسلامية؟ فقد تعرضت الأمة للاستعمار الذى مزقها شر ممزق، ومنعها من
الانطلاق فى مسيرة التقدم منذ عهود طويلة، وخاصة منذ بداية القرن العشرين التى
شهدت آخر الغزوات الصليبية.. وقد عبر عن ذلك الجنرال البريطانى "اللنبى"
عندما دخل القدس وقال: الآن انتهت الحروب الصليبية.
لقد
تمكن الاستعمار من إخضاع الشعوب العربية والإسلامية لسيطرته التامة
.. وأخذ يستغل
خيرات البلاد دون أن يسمح بقيام نهضة علمية تواكب ما يحدث فى الغرب..؟ ! مما أثر
تأثيرا بالغا فى تخلف الأمة.
ولا
يمكن لإنسان أن ينكر أنه عندما أتيحت الفرصة للشباب المسلم أن يثبت جدارته فى ميادين
العلم استطاع أن يحقق هذا الشباب انتصارات كبرى فى مجال الاكتشافات العلمية وكان
آخرها الدكتور أحمد زويل العالم الكيميائى المصرى المعروف. الذى حصل على جائزة
نوبل.
تحدث
"جيمس ايروين " قائد سفينة الفضاء الأمريكية "أبوللو" عام
1971م فقال (1): إن "الدكتور فاروق
الباز" (2) لعب دورا هاما فى الإعداد لرحلة الفضاء، وقام
بتدريب "ايروين " ضمن من دربهم من رواد الفضاء على سطح القمر، وحدد لهم
الأماكن التى سينزلون عليها وشرح لهم طبيعتها.
ثم قال: إن دهشته كانت كبيرة
عندما وجد أن الأماكن التى هبط عليها كانت بنفس المواصفات التى حددها له الدكتور،
"الباز" على الأرض كما دربهم على التقاط الصخور من على ظهر القمر وكيفية
انتقائها.
وهناك فى أميركا وأوروبا من
الأساتذة المسلمين كثيرون لو أنهم سحبوا من مواقعهم العلمية الهامة لاختل الكيان
العلمى والاقتصادى هناك (3).
وهناك أعداد كبيرة من أساتذة
الهندسة والعلوم المتفوقين فى جامعات أميركا وكندا وأوروبا لا حصر لهم.
كما وأن المصانع الكبرى فى فرنسا
وألمانيا وبريطانيا تضم ثمانين فى المائة من أصحاب المهارات الفنية من أبناء شمال
أفريقيا العرب، ومن الأتراك والأكراد، ومن مصر ولبنان وغيرها.. وهؤلاء يعملون بأجر
زهيد للغاية.
مما يؤكد استعداد المواطن المسلم
لاستيعاب أدق أسرار الصناعات الحديثة.
إذا هيئت له الأجواء المناسبة..
وما يعنى أن لدينا إمكانات هائلة تصلح أن تكون قاعدة لإقامة صناعات متقدمة تستوعب
منجزات التكنولوجيا المتطورة.
فإذا ما عدنا إلى شهادات من
التاريخ، يدلى بها علماء كبار فى الغرب، تبين لنا كيف أن المسلمين كانوا روادا فى
استخدام النهج العلمى التجريبى، وأنهم هم
الذين نقلوه إلى الغرب. قبل أن يعرف الغرب معنى التقدم العلمى.
قال الأستاذ "بريفولت،"
الإنجليزى فى كتابه "تكوين الإنسانية": فى القرن التاسع تعلم كثير من
المسيحيين عند علماء الإسلام.
وقال: "إن إيطاليا لم تكن
مهداً لحياة أوروبا الجديدة. بل أسبانيا (الأندلس) لأن أوروبا كانت قد بلغت أشد
أعماق الجهل والفساد ظلمة، بينما العالم العربى-
- بغداد والقاهرة وقرطبة وطليطلة-
كان مركز الحضارة والنشاط العقلى ومن ثم ظهرت الحياة الجديدة التى تمت فى شكل
ارتفاع إنسانى جديد.
"حقا.. إن العلم هبة عظيمة الشأن جاءت بها- بعد ذلك- الحضارة
الغربية إلى العالم الحاضر".
وقال الفيلسوف الفرنسى
"اتيين دينيه " يفخر الغربيون بالعالم الفرنسى "باستور"
ويجعلونه درة فى تاج الحضارات الحديثة، ولكن فاتهم أن جابرا والرازى لا يقلان عنه
فى مرتبة العلماء والمفكرين. فهما المؤسسان الحقيقيان لعلم الكيمياء بفضل ما كشفاه
عن طرق التقطير من الكحول ومن حمض النتريك وحمض الكبريتيك وغيرها" (4).
هذه بعض الأقوال التى شهد بها
علماء غربيون أن العالم الإسلامى كان مركزا للحضارة والنشاط العقلى والاكتشافات
العلمية.
يقول الدكتور مراد هوفمان العالم
الألمانى المسلم فى كتابه "الإسلام كبديل " "إن حركية المسلمين
التى أيقظت العالم وجعلته يمضى قدما، شملت آنذاك العلوم والحضارة، فانطلق علماء
الإسلام يحققون نتائج مذهلة فى العلوم الطبيعية والإنسانية، حتى لقد غيروا مسار
تلك العلوم قرونا وقرونا، كما تشهد بذلك ميادين الرياضيات والبصريات وعلوم النبات
وعلوم الطب وفروعه، مثل الجراحة وأمراض العيون وشئون البيطرة والصيدلة والصحة
ونشأت وترعرعت علوم المعاجم والنحو والصرف والبلاغة والموضوعات وكتب التاريخ وعلم
الاجتماع، وإحياء فلسفة أرسطو التى كان الغرب قد نسيها، وأخذت، شمس الحضارة
الإسلامية تبدد الظلام الذى ران على أوروبا قرونا، وسطعت خاصة فى الفترة ما بين
القرن التاسع حتى الرابع عشر (الميلادى) وكفى أن نستدل على ذلك بذكر بعض الأعلام
كالرازى والبيرونى وابن رشد وابن سينا وابن خلدون وابن بطوطة والخوارزمى ".
"أخيرا أجبر الزحف الصليبى على بلاد المسلمين على الانحسار
والتقهقر…" مطلع القرن
الثامن عشر، ومنذ ذلك الحين سلك كل منهما طريقا زادت الهوة بينهما اتساعا، فاتخذ
الغرب منذ عصر النهضة والاستنارة العقلية والفكرية طريق التطور التكنولوجى العلمى
مباشرة وبشكل يكاد يكون مركزاً على هذا الميدان فحسب. مما أتاح للغرب حركية هائلة
الطاقة فى مجال الاقتصاد والعلوم الحربية والأسلحة والعتاد الحربى، فأصبحت له فى
هذه المجالات اليد العليا، ومن ثم رأى البعض فى تفوق الغرب هذه تفوقاً عاماً
للحضارة المسيحية.
فى الوقت ذاته تقهقر العالم
الإسلامى أو سار فى طريق موازية للغرب لكن فى الاتجاه المفضى إلى التخلف والجمود
والركود، بحيث لم يعد فى إمكانه تجنب الاستعمار الغربى فى القرن التاسع عشر ولم
يكن محض خيال أن يعتقد كثير من المراقبين للوضع فى العالم الإسلامى أن كمال
أتاتورك أجهز على الإسلام بإلغائه للخلافة عام 924 1م وشيعه إلى مثواه الأخير(5)
".
القيم الدافعة للتقدم
العلمى
إن عملية " الاستغلال البشع
" لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، والتطور التكنولوجى الكبير لدى الغرب، جعل من
الدول الغربية، وعلى رأسها أميركا، "غولا" كبيرا يحاول ابتلاع الدول
الصغرى المستضعفة، فاختل ميزان العدالة فى العالم اقتصاديا وسياسياً وإنسانياً،
وانتشرت الشرور والحروب الصغيرة فى كل مكان، وساد الفساد وضاعت القيم الأخلاقية
والمبادىء..
وإن سقوط العالم الإسلامى تحت نير
الاستعمار ساعد مساعدة فعالة، على انتصار المذاهب المادية الإلحادية.. وتراجعت
المثل الإيمانية والإنسانية والاجتماعية التى جاء بها الإسلام أمام الغزو الثقافى
الغربى..
من هنا فإن حرية الشعوب
الإسلامية، وكرامة هذه الشعوب، والحفاظ على العدالة الاجتماعية بين أبناء هذه
الشعوب، أصبح مرتبطا "بأسلمة المعرفة" وأسلمة التكنولوجيا، وقيام نهضة
علمية وصناعية شاملة، تستطيع أن تحرر إرادة هذه الشعوب، وأن تنقذ ثرواتها من النهب
والسلب الغربيين المستمرين، والإسلام هو الطريق لتحرير الإنسان، والحفاظ على كرامته،
وإقامة العدل فى المجتمعات الإنسانية.. فلا يجوز أن توجد ثروات ضخمة فى بلاد
العالم الإسلامى تقوم عليها الحضارة الحديثة، وأهلها محرمون من الحرية والعدالة
والكرامة الإنسانية..
إن أول خطوة فى طريق التحرر
السياسى هى التحرر الاقتصادى، وهذا الأمرلا سبيل إليه إلا بامتلاك سلاح العصر ألا
وهو "التقدم العلمى" و التطور التكنولوجى" أى امتلاك أسباب القوة.
0 !!
يقول الله عز وجل: (وأعدوا لهم
ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم). الأنفال: 60.
والقوة اليوم لا تتوفر إلا
بالمعرفة.. المعرفة التى تتبع المنهج العلمى الحديث.. ومواكبة التطور التكنولوجى..
والمعرقة ضالة كل مؤمن.. والعلم
فريضة على كل مؤمن..
ومن نافلة القول أن نتحدث عن أول
آيات من القرآن، تطالبنا بالمعرفة، معرفة الإنسان، ومعرفة الكون، ومعرفة الخلق
للوصول إلى معرفة الخالق..
(اقرأ باسم ربك الذى خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم.
الذى علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم ) العلق: 1- 5.
كل أدوات المعرفة.. تتلخص
بالقراءة.. وبالقلم.. وبالعلم.. العلم الشمولى الذى يبغى الوصول إلى أسرار الخلق..
(وفى أنفسكم أفلا تبصرون).
(سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم اْنه الحق) : فصلت:53.
ارتبط الإيمان بالمعرفة.. وارتبط
الإيمان بالعلم.. وارتبط العلم بالإيمان.. وارتبطت المعرفة بالإيمان، فكان هذا
المزيج الذى يصون العلم من أن يصبح أداة للاستغلال والاستعلاء والظلم والاستبداد..
لأنه ارتبط بالإيمان الذى يجعل من الضمير أداة رقابة على العلم ومنجزاته.. فيكون
مقيداً بقيود الأخلاق والمبادىء والقيم.. وليس كما هو الحال الآن مجرداً من كل
القيم والأخلاق، ومرتبطاً بالمصالح المادية والسياسية.. أيّا كانت الوسيلة.. شريفة
أم غير شريفة..؟!
لقد خسر العالم أهم مرتكزات
العدالة والأخلاق وهو الإيمان، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "لا
إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا وفاء له ".
لقد ضيع العالم هذه القيمة
الإنسانية الكبرى وهى "الأمانة" الأمانة التى تناط بمسئولية الإنسان عن
تحقيق العدل، ورفع الظلم، ونصرة الضعفاء فى وجه جبروت الأقوياء، وضيع العالم
الوفاء لقيم الخير والحق.. فانقلبت القوة إلى أداة لقتل الشعوب واستعبادها
وإذلالها وإفقارها..
لابد إذن أن يرتبط العمل
بالإيمان.. لإنقاذ العالم مما يتخبط فيه.. وهذا دور الإسلام ودور المسلمين، دورهم
أن يعيدوا لهذا الدين رسالته الأخلاقية التى يفتقدها العالم اليوم.. ولابد أن
يقدموا للناس صورة مشرفة تحمل مشعل العلم والتقدم بيد وتحمل مشعل الإيمان باليد
الأخرى..
ولقد أعجبتنى رسالة قدمها الشيخ
محمد شهاب الدين الندوى من الهند، فى المؤتمر العام العاشر للمجلس الأعلى للشئون
الإسلامية فى القاهرة تحت عنوان "التقدم فى العلم والتكنولوجيا، ضرورة أكيدة
من منظور إسلامى" يقول فيها:
"إن الأمة الإسلامية لو كانت راقية ومتكلة على نفسها فى مجال
العلم والتكنولوجيا ما اختل التوازن بينها وبين الأمم. بل كان حافزا على إقامة
العدل الإلهى بينها وبين أمم العالم بجانب. ومساعدا فى إبادة الشرور والمساوىء
التى قد دخلت وتسللت فى العلوم والصناعات العصرية بجانب آخر. لأن هذه الأمة هى أمة
وسط، أخرجها الله تعالى للناس، للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، كما قال تعالى: (كنتم
خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (آل
عمران 110).
فتطهير العلوم والصناعات من
المفاسد والشرور- أى باستخدامها فى المفاسد والشرور والعدوان على الناس- هو من
الفرائض التى فرضها الله على هذه الأمة وهو داخل فى الأمر بالمعروف والنهى عن
المنكر. ولأداء هذه الفريضة لابد من قوة، لأن الأمم المتقدمة لا تخضع إلا للقوة
المادية، ولا تطيع إلا من كان ذا قوة رهيبة. وهذه هى فلسفة الخلافة فى الأرض
" (6).
المسئولية:
أمام هذا الواقع الذى نعيشه
اليوم، لابد أن تتحمل أمتنا مسئوليتها أمام الله وأمام العالم وتتعدد جوانب هذه
المسئولية: فهى مسئولية الدولة، ومسئولية المؤسسات الصناعية والتجارية، ومسئولية
الجامعات، والعلماء والمتفوقين والنابغين..
أما مسئولية الدولة فهى بتهيئة
الأجواء العلمية المناسبة، وتقديم مستلزمات البحث العلمى، من أموال ومختبرات،
وحوافز تساعد أبناءنا المتفوقين على التفرغ للبحث العلمى التجريبى، والاستفادة من
خبرات الدول المتقدمة والمتطورة فى هذا المجال.
خاصة، وقد ثبت بالدليل القاطع أن
أبناءنا الذين هيئت لهم البيئة العلمية المناسبة فى الخارج، وأتيحت لهم فرص البحث
العلمى أثبتوا نبوغهم وتفوقهم فى هذا المجال، وفى مختلف فروع العلوم التى يحتاجها
عالمنا الإسلامى..
ولن نضرب الأمثلة على ذلك، وهى
كثيرة.
إن واجب الدول الإسلامية الغنية
والتى تملك ثروات طبيعية تساعدها على الإنفاق فى مجال التقدم العلمى، أن تتعاون
فيما بينها من أجل احتضان النابغين من أبناء العالمين العربى والإسلامى، من أجل أن
تهيىء لهم فرص العمل لخدمة أمتهم فى مجال التكنولوجيا.
ومن العار أن يقوم فى بلادنا جسم
غريب هو إسرائيل، وأن يمتلك كل أسباب التقدم العلمى والتكنولوجى، ويهدد أمتنا
سياسياً واقتصادياً فى المستقبل، دون أن يكون هناك عمل جاء من قبلنا لمواجهة هذا
الواقع المؤلم مع الفارق الكبير بين إمكاناتنا البشرية والمادية وإمكاناته..
العمل:
إن أبناءنا الذين يحصلون على
درجات علمية رفيعة فى الخارج، لا يفكرون فى الرجوع إلينا لأنهم لا يجدون الفرص
المناسبة لمستواهم العلمى فى بلادنا، ولا يجدون العمل الذى يتفق مع ما وصلوا إليه
من مكانة علمية ومعرفة واختصاص، لذلك يفضلون البقاء فى الخارج والعمل فى الخارج،
ليحققوا ذواتهم وأنفسهم من خلال العمل فى جامعات الغرب ومؤسساته الصناعية والعلمية
المتقدمة.
وكم من الظواهر المؤلمة التى
اصطدمنا بها، عندما زرنا الولايات المتحدة أو أوروبا، وبعضنا يعتصره الألم وهو يرى
ولداً من أبنائه قد بقى فى الغرب، ورفض العودة إلى وطنه، لأنه لا يجد التقدير
الصحيح فى بلاده، ولا يجد فرصة التقدم العلمى، أو المادى فى آن واحد..
والسؤال: لماذا يتقن أبناؤنا العمل فى الخارج. ولا يتقنونه فى بلادهم؟
والجواب: إن فرص التفوق والتقدم متاحة
بشكل كبير فى الخارج، بينما تكاد تكون معدومة فى بلادنا، وكاتب هذه السطور يعيش
تجربة من هذا النوع، فقد خسرت ولدا من أولادى ، درس هندسة الكمبيوتر وعلوم
الكمبيوتر، ولما- عاد إلى بلاده، لم يجد عملا مجزيا يتناسب مع ما بلغه من مرتبة
علمية، فعاد إلى أميركا، ليصبح من أهم العاملين فى مجال الكمبيوتر والمعلومات،
وليحمل الجنسية الأمريكية، ويصبح مواطنا أمريكيا لا صلة له بأهله إلا من خلال
الكمبيوتر أو الهاتف..
وكم من الكفاءات العلمية التى
خسرها العالم العربى والإسلامى بسبب عدم وجود الفرص المناسبة أمام المتفوقين من
أبنائنا، وعدم الجدية فى استغلال هذه الطاقات، بل ربما أهملت إهمالا شديدا، يدفع
الإنسان إلى اليأس من بلاده واللجوء إلى الهجرة..
إن هجرة الأدمغة العربية
والإسلامية مأساة بكل معنى الكلمة، لذلك علينا معالجة هذه الظاهرة بما يتناسب وحجم
الخسارة المادية والمعنوية التى تترتب عليها..
فإذا أردنا من أبنائنا أن يتقنوا
العمل ويحملوا مسئولية النهوض بالشأن العلمى فعلينا أن نهيئ لهم الأجواء، والبيئة،
والظروف، التى يجدونها فى الخارج، وإلا فمن العبث أن نطالبهم بالعطاء، ونحن لا
نفسح لهم السبيل إلى هذا العطاء.
احترام الوقت:
لقد علمنا الإسلام الإخلاص فى
العمل، وإتقان العمل، واحترام الوقت..
واهتم الإسلام بالعمل، وأمر به،
فى شتى مجالات الحياة، يقول الله عز وجل: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله
والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) التوبة:
105.
العمل فى مجال العبادة، والعبادة
فى مجال العمل، العمل فى شتى شئون الحياة الدنيوية من أجل خدمة المجتمع وخدمة
الناس، وخدمة الدين.. هو الذى يحقق للإنسان المؤمن غايته، وهى رضا الله، والثواب
على هذا العمل.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم
"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ".
وهذا حض على إتقان العمل،
والجدية فى هذا العمل، والإخلاص فيه..
وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال:
"سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أى الكسب أفضل؟ قال: "عمل الرجل
بيده، وكل بيع مبرور".
تشجيع على العمل باليد، وتشجيع
على أن يكون للمرء حرفة يحترفها أو مهنة
يمتهنها، أو فنا يتقنه.
وروى عن عائشة رضى الله
عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أمسى كالا من. عمل يده
أمسى مغفورا له ".
ولقد قدس الإسلام العمل فاعتبر
العامل المجد الذى ينفق على ولده أو أبويه كأنه مجاهد فى سبيل الله.
فعن كعب بن عجرة رضى الله عنه
قال: مر على النبى صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول
الله، لو كان هذا فى سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن كان
خرج يسعى على ولده صغارا فهو فى سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين كبيرين فهو
فى سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو فى سبيل الله، وإن كان خرج
يسعى رياء ومفاخرة فهو فى سبيل. الشيطان ".
هذه نظرة الإسلام إلى العمل
وإتقانه، والإخلاص فى أداء العمل.
ويكفى أن يذكر الإيمان والعمل
الصالح جنبا إلى جنب فى عدد كبير من الآيات الكريمة.
يقول الله عز وجل: (ولكل درجات
مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون ) (الأنعام 132).
ويقول الله عز وجل: (إن الذين
آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ) (يونس 9).
ويقول جل من قائل: (والعصر .
إن الإنسان لفى خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا
بالصبر) العصر: 1- 3.
وهكذا نجد أن الإسلام يجمع بين العمل فى مجال
الحياة العامة وفى مجال العبادة، وأن العمل له قداسته وقيمته فى الإسلام.
ليس هذا فحسب، بل يحض على العمل
المنظم، والعمل الجماعى، والتعاون فى سبيل الخير العام.. وفى سبيل قيام مجتمع
متكامل متآزر.
يقول الله عز وجل: (وتعاونوا
على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) المائدة: 2.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
"يد الله مع الجماعة".
ويقول عليه الصلاة والسلام:
"إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".
ويقول: "إنما يأكل الذئب من
الغنم القاصية" وهذا دليل على حرص الإسلام على العمل الجماعى، وعلى التعاون
والتآزر، وإحلال روح الفريق الواحد فى العمل، حتى يثمر العمل وينجح، وهذا ما يجب
على المسلم الالتزام به إذا أراد أن ينهض مجتمعه من جديد فى مجال العلم والتطور
التكنولوجى، فالأولى بالعلماء، والرواد، أن يعملوا كفريق واحد لخدمة أمتهم، وأن
يبذلوا جهودهم من أجل أن يحققوا قفرات نوعية فى مجال التقدم العلمى، مبتعدين عن
الفردية والأنانية والطموحات الذاتية، لأن التعاون والتآزر بين العلماء، والتعاون
والتآزر بين بيوت العلم على اختلافها، وتكاملها، وتفاعلها هو الذى يحقق أهداف
الأمة.
وكم هو حرى بأمة العرب أن تلتقى
على التعاون والتآزر وبذل إمكاناتها المادية والعلمية والمعنوية لقيام مشروع
إسلامى موحد، يضع أمتنا فى مصاف الأمم المتقدمة الراقية، ويجعلها بحق خير أمة
أخرجت للناس.
ولابد من وضع منهج تربوى وعلمى،
يهيىء للنوابغ من أبنائنا سبل النجاح والتقدم فى المجال العلمى والتكنولوجى، لأن
التربية هى الأساس فى تكوين الإنسان الجاد والإنسان الواعى لدوره الريادى فى مجال
التقدم.
تحديث المناهج
التعليمية:
"إن التفوق فى العلم، إنما ينشأ من الارتقاء فى التربية،
والتقدم فى التعليم- هذا ما يقوله الدكتور عبدالعزيز بن عثمان التويجرى- والعلم فى
الجملة يبدأ من تطويع ملكة الفهم والاستيعاب والتعقل والتبصر، وصقلها صقلا يفجر
طاقتها، والتربية تسبق التعليم فى مرحلة، ثم يتوازيان فيما يستقبله المرء من مراحل
التحصيل والتكوين والتأهيل. ولن يؤدى التعليم وظيفة كاملة، وعلى النحو الذى يؤثر
إيجابيا وعميقا فى المجتمع، إذا لم يكن مقرونا بالتربية التى ليست هى دائما، وفى
جميع الأحوال، التربية الدينية، أو التربية الأخلاقية، أو التربية الوطنية، فحسب،
وإنما هى ذلك كله، التربية العقلية، والتربية النفسية، والتربية العلمية، إذا صح
التعبير. وهو صحيح فيما نرى من الوجوه كافة. وهذا الضرب من التربية الشاملة
البانية الهادفة، هو الذى يهيئ لنا الأجيال المؤهلة للإسلام فى العملية التى
نسميها تجديد البناء الحضارى للأمة الإسلامية".
"ولسنا فى حاجة إلى القول إن المناهج التعليمية والنظم
التربوية فى معظم أقطارنا، فى مسيس الحاجة إلى التجديد والتحديث والتطوير، حتى
يكون العلم منتجا، ومجديا، وفاعلا، ومؤثرا فى حياة المجتمع ".
المراجع
(1)
أخبار اليوم فى 11/1/ 1975 م
.
(2) عالم مسلم
مصرى يعمل أستاذا للأبحاث فى مركز دراسات الأرض والكواكب فى الولايات المتحدة
الأمريكية.
(3) "الحضارة والتمدن
الاسلامى " ص 118 للدكتور عبدالمتعال محمد الجبرى.
(4) أشعة خاصة بنور الإسلام
( ايتين دينية) ص 20.
(5) الاسلام كبديل لمراد هوفمان ص 22- 23.
(6) "التقدم فى العلم والتكنولوجيا" ص ا 2. محمد شهاب
الدين الندوى.