إسهامات علماء المسلمين فى التقدم العلمى و التكنولوجى عبر العصور
فضيلة المفتى/ عبد الرشيد قارى
بهراموف
رئيس الإدارة لمسلمى
جمهورية أوزبكستان
أود قبل كل شئ أن أشكر من أعماق قلبى الداعين والمنظمين لهذا المؤتمر العام الثانى عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية الذى بمدينة القاهرة تحت رعاية السيد الرئيس محمد حسنى مبارك
رئيس جمهورية مصر العربية فى الفترة من 2000/6/11 م إلى
2000/6/14 م تحت عنوان "نحو مشروع حضارى لنهضة
العالم الإسلامى".
مما يسعدنا نحن المسلمين، أن العلاقات بين الدولتين الشقيقتين- جمهورية مصر
العربية وجمهورية أوزبكستان تزداد تطورا يوما بعد يوم.
ويعود الفضل الكبير فى ذلك إلى الرئيسين إسلام
عبد الغنى كريموف، ومحمد حسنى مبارك وذلك فى أثناء زيارة رئيسنا لمصر، جرى الحديث فى
سير لقائهما عن تطوير العلاقات وتقوية الصداقة بين البلدين، وقد وقع الرئيسان على
العديد من الاتفاقات ذات المنفعة المتبادلة.
إن الإسلام هو دين الإنسانية بأسرها والحريص على خيرها هو إسعادها، يريد
للناس أن يحيوا حياة طيبة عزيزة كريمة تتأكد بها
إنسانيتهم وتتحقق لهم فيها احتياجاتهم فدعاهم بعد الإيمان بالله- عز وجل- إلى أداء
العبادات حتى تكون حياتهم قائمة على السلوك الحميد والضمير الحى
والقلب النظيف، وكما دعاهم
إلى أن يكونوا إيجابيين فى هذه الحياة يعملون
وينتجون ويخترعون ويبتكرون حتى لا يتخلفوا عن ركب الإنسانية الزاحف لأنه دين الرقى
والحضارة ودين الحياة والنشاط والحركة الدائبة.
دين العلم والحضارة:
قال الله تعالى
موجها عباده إلى العمل الطيب والجد والنشاط: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله
والمؤمنون ) سورة التوبة (آية105) وليس الدين منحصرا فى
العبادة فحسب، بل كل عمل من أعمال الدنيا يراد به وجه
الله عز وجل والدار الآخرة إنما هو من صميم الدين، ومن الدين أن لقوم الناس بأداء
ما تطلبه شئون الحياة من صناعة وحرفة ومهنة بالطريقة السليمة التى
بينها الإسلام وأرشدت إليها تعاليمه والله يثيب على الطاعات وسائر العبادات. لهذا
نرى الإسلام يوجه أتباعه إلى استخدام وسائل الإنتاج المتاحة لهم فى جميع مجالات العمل، فالصناعة أنفع ما علمه الله تعالى بنى الإنسان، مكنت لهم أن يتخذوا مما ذرأ على الأرض وما أودع فى بطنها من وسائل لتوفير راحتهم وإنماء حضارتهم واستكمال
سعادتهم، وليس أدل على فضل الصناعة وشرفها من أن الله تعالى علمها لرسله وأنبيائه.
وقد قامت الحضارة الإسلامية على إدراك فضل الصناعة وشرفها مما يؤكد أن
الإسلام دين متطور، ينادى بالعلم والثقافة والدراسة وفهم الواقع والاستفادة من
خبرات وتجارب كل فرد ويحث على ارتياد الآفاق والمجهولات، من أجل ذلك أمر بالبحوث
العقلية والمجهولات الفكرية والمحاولات العلمية وأمر معتنقيه بدوام الإنتاج الذى يعود على الإنسانية بالخير وملاءمة
التطورات الزمنية فى قول النبى
(ص) " أنتم أعلم بشئون دنياكم " أليس لكل زمان ما يلائمه.
لا يشترط لذلك سوى شرط واحد:
هو أن تكون الصناعة مما ينفع الناس ويخفف أو يزيل آلام البشرية، لابد لنا
نحن المسلمين أن نعلم العالم أجمع بكل فخر واعتزاز أن أمتنا الإسلامية العظيمة قد
سطرت فى سجلات التاريخ مآثر كبرى كما سجلت عبر القرون
فضائل عظيمة على الإنسانية جميعها، تحثكم إلى الشريعة الإسلامية الغراء فى أمور حياتها وفى علاقاتها الإنسانية والدولية.
نماذج للبحوث العلمية لعلماء المسلمين:
ولهذا السبب بالذات يجب علينا ألا نفصل العلم والتكنولوجيا سواء كانت فى أية ثقافة عن العلوم الاجتماعية الإنسانية وهذه الأخيرة
تشمل العلوم الفلسفية ويجب أن يوحد العلم والتكنولوجيا ويستعملان عن طريق الرؤية
الإسلامية الشاملة والنظام الأخلاقى. يجب أن نربط بشكل
متبادل بين بداية الأصالة فى العلوم والتكنولوجيا
الطبيعية الإسلامية.
ويجب أن نلاحظ حقيقة نمو العلوم الإنسانية الاجتماعية الإسلامية الحديثة
وإذا نظرنا إلى تاريخنا فسوف نجد أنه كان يتم جمع وطباعة (كتابة) السنة للنبى محمد(ص) فى البداية فيما يخص
الأنظمة الداعية للحياة، فى كتب جمع الضرائب (الخراج)،
وقد طبعت مثل هذه الكتب على الأقل فى بداية القرن الثانى - الثالث الهجرى. وبعدها تم
إعداد تصنيف عام توثيقى لسنة النبى(ص)،
وقد صنفت ستة تصانيف من أصل سبعة خلال القرن الثالث الهجرى.
وأسس "علم الحديث " وفق منهجية جديدة من البحث التاريخى الذى يعتبر أيضا نموذج
بحث وتطوير علمى وتكنولوجى إسلامى.
وقد تأسست أربع مدارس فى الفقه الإسلامى:
ا- الإمام أبو حنيفة: توفى عام 150 (هجرى)- 767 م.
2- الإمام مالك
بن أنس: توفى عام 179 (هجرى)- 795 م.
3- الإمام الشافعى: توفى عام 204 (هجرى)- 819
م.
4- الإمام أحمد
بن حنبل: توفى عام 241 (هجرى)- 855 م.
وهكذا فقد تطورت
مدارس القانون الإسلامى. وفى هذا الوقت كان يقوم
بنشاطاته "بيت الحكمة"، وفى سنة 214 (هجرى)
الموافق 828 م.
فى مدينة بغداد. وكان العلماء من "بيت الحكمة"
يقومون بأبحاث علمية فى علم الفلك والجغرافية، وكما
أجريت مثل هذه الأبحاث فى الشام أيضا، رأس الدراسات
والتدقيقات عالمان جليلان من ديار ما وراء النهر، أحدهما محمد موسى الخوارزمى والآخر أحمد الفرغانى،
وكان يشترك فيها كذلك الخليفة المأمون وينتقل بين البلدين، بغداد والشام وكخلاصة-
للتدقيقات التى أجريت فى ذلك
الوقت العائد لعلم الفلك والجغرافيا جاء الجدول المكمل.
وكان الخليفة المأمون كبادئ هذه الأمور وحاميها وسمى
العلماء هذا الجدول المكمل برج المأمون الممتحن، لأنهم كانوا يحترمونه جدا واشتهر
هذا الجدول باسم جدول المأمون أيضا.
وعنون أحمد الفرغانى مؤلفه بكتاب "الحركات
السماوية وجوامع علم النجوم ". وتم تقسيم سطح الأرض فى
الجدول إلى سبعة أقاليم ولكل إقليم حدوده المعينة وعلاماته الخاصة.
وقد أورد جدول المأمون فى كتاب أحمد الفرغانى، وبهذا العمل الرائع، تمكن أحمد الفرغانى
عن طريق جدول المأمون من نشر هذه العلوم بين الناس، ومع الأسف الشديد فإن جدول
المأمون لم يصل إلى زماننا الحاضر.
وكتاب الفرغانى "الحركات السماوية وجوامع
علم النجوم " ترجم من قللي عالم هولندى هو ياكوف كالئوس من اللغة العربية إلى
اللغة اللاتينية، ونشر فى مدينة فيرر
فى سنة 1934م.
المجتمع الإسلامى فى
أوزبكستان:
يود الملايين من الناس فى جميع أنحاء العالم
التعرف على حياة المسلمين فى جمهورية أوزبكستان بعد
استقلالها على تلك الظروف التى يتمتعون بها فى حياتهم الدينية والحقوقية
والمادية والثقافية كما يريدون معرفة تاريخها وتطورها فى
الوقت الحاضر.
لقد دخل الإسلام إلى ديارنا فيما وراء النهر أى
البلاد الجامعة من المدن الكثيرة المشهورة مثل سمرقند،
بخارى، طشقند، ترمذ ونسف
وخوارزم، مرغنان وخوقند.
وهذه البلاد لها تاريخها وثقافتها العميقة المليئة بالآثار الإسلامية.
أبناء عم النبى (ص) قثم بن
عباس وبريدة ابن الحصيب والقيس بن عاصم- رضى الله عنهم-
مدفونون فى سمرقند ومرو. كان التاريخ فى ذلك الوقت
سنة55- 56 (هجرى).
وأرسل الأمويون إلى هذه الديار قتيبة بن مسلم
معلما وقائدا وتوفى بهت فى بلدة من بلاد فرغانة المشهورة ببلدة مرغنان التى أنجبت كثيرا من العلماء أمثال على بن أبى بكر برهان
الدين المرغنانى- صاحب الهداية
فى الفقه الحنفى.
وبدأ العلماء فيما وراء النهر بوضع مؤلفاتهم فى
اللغة العربية وظهرت الكتب الأولى فى الحديث. والمحدث
الشهير عبدالله بن مبارك المروزى
الذى ألف الكثير فى غريب
الحديث والزهد والفقه الإسلامى "بمرو" التى أنجبت الكثيرين من
العلماء مثل الإمام أحمد بن حنبل وابن زيد المروزى.
وبعده ألف أحد تلاميذ الإمام الشيبانى كتابا فى الفقه هو الإمام أبو حفص الكبير البخارى
وشرع العلماء فى تصنيفا علم الحديث والفقه بعدهما، منهم
العالم المحدث الجليل أستاذ الإمام البخارى والترمذى محمد بن البشار البنكينى وعبد بن حميد الكيش وبعد
ذلك أستاذ الأساتذة وطبيب علم الحديث وعلله وأوحد الدهر ودرة الزمان الإمام محمد
بن إسماعيل البخارى المشهور.
وأخذ العلماء يدرسون عنده التفسير والحديث حتى بلغ عدد من أخذ منه الحديث
تسعون ألف محدث فى عصره الذهبى،
ومن تلاميذه الإمام الترمذى والفربرى
وأبو الحيثم كليب الشاشى (أى طشقند).
وأخذ المحدث الحكيم الترمذى وغيره من العلماء
المشهورين فيما وراء النهر بتأليف كتبهم فى الحديث
والتفسير وتاريخ الرجال ونقد الرواة.
وبعد هذا العصر انتشر فيما وراء النهر علم الطب والرياضيات والكيمياء وأول
من ألف فى الطب هو أبو بكر محمد زكريا الرازى وكتابه المشهور "الحاوى"
فى أربعين مجلد والمنصورية والجرجانية
وكتاب الأغذية وتلاه أبو على بن حسين الشهير بابن سينا الطبيب المتبحر والفيلسوف
الكبير المعروف فى كتابه "القانون فى الطب والإلهيات " المترجم إلى جميع اللغات الرئيسية
وترجم كذلك إلى اللغة الأوزبكية بطشقند.
وكذلك أبو ريحان البيرونى العالم الفلكى والرياضى والجغرافى الشهير فى دواوين
التاريخ الإسلامى.
إن مؤلفات ابن سينا والبيرونى والعلماء الآخرين
لم تفقد ثمنها ولا أهميتها وحيويتها حتى يومنا هذا وتدرس باهتمام بالغ فى مؤسسات بلادنا التعليمية المختلفة وتساعد فى تطوير العلوم والفنون.
يجب القول إن فى جمهورية أوزبكستان المستقلة من
يهتمون باهتمام خاص بأجدادهم العلماء لأنهم كرسوا حياتهم للعلوم والتكنولوجيا معا.
على سبيل المثال، إذا كان لنهر النيل لسان لنطق باسم أحمد الفرغانى،
لأنه اخترع "مقياس النيل " الذى لا يزال
موجودا أمامنا.
إحياء التراث الإسلامى
من يوم إعلان استقلال جمهورية أوزبكستان من قبل رئيس الجمهورية- فخامة
الرئيس إسلام عبد الغنى كريموف- يدعو الناس بدعوات، لإحياء
التراث الإسلامى لأجدادنا العظماء وبدون معرفة تاريخهم
لن يكون هناك أى تقدم أو ازدهار.
ولهذا السبب
بالذات نجد اهتمام الحكومة بإحياء الميراث المعنوى
الغنى العائد إلى الإسلام ونقله إلى الأجيال القادمة حتى يتمكن كل واحد من
القاطنين فى الجمهورية من التعرف على علوم الأجداد
والعمل فى سبيل تطور بلاده. ولا غرابة فى هذا لأن الإنسانية نفسها تتقدم بتقدم الزمن وتظهر اختراعات
جديدة، ويصبح الإنسان أكثر ثقافة وعلما عندما يملك علوم أجداده ويستعملها لمنفعة
الناس.
يقول رئيس جمهوريتنا- إسلام عبد الغنى كريموف- فى كتابه المسمى "بذكر الله تطمئن قلوبنا" لماذا من
أول يوم استقلالنا شرعنا نحيى أسماء أجدادنا الكرام؟
لأن أساس أولئك العلماء الأعزاء وتراثهم الخالد مرتبط ارتباطا وثيقا بديننا
الحنيف. إننا نود أن يستفيد من تراث مفكرينا الكرام شعبنا كله وخاصة الجيل الناشئ
وأن ينشأ فى هذا المحيط المعنوى
وأن تملأ فلسفة إنسانية للإسلام وغايته العظيمة، وبعبارة أخرى نحن نربى أولادنا
على أساس العلوم الدينية والدنيوية.
لكنه مع الأسف الشديد رغم كل الجهود المبذولة تعرقل بعض
العناصر المتطرفة والمتعصبة المدعومة من الخارج تطور وتقدم البلاد.
إن الإسلام- دين الاعتدال والتعايش السلمى-
ولهذا قال الله تعالى: (لا إكراه فى الدين.. )،
(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، (وتعاونوا على
البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) . معرفة الإسلام هى نقطة الارتكاز التى يرتكز عليها
الإسلام
إذا كان تكامل
العقل الذى هو هبة الله للإنسان الذى
استخلفه الحق سبحانه وتعالى فى هذا الكون لإعماره، هو نعمة من نعم الله على العباد والتى
لا تحصى ولا تعد.. رغم ذلك هناك أناس تتحكم فيهم الأهواء والنزوات فتحمقهم فى الكبائر والخوض فى الموبقات، مما جعلهم يقابلون النعمة بالكفر والإلحاد
والجحود والعصيان متمردين على شريعة الله يظلمون أنفسهم بالتطاول على حدود الله.
ومن يتجاهل نعمة الله عليه فى هذا الوجود، يعتبر
طاغية متمردا يستحق العقاب جزاء وفاقا لما يرتكبه من سوء الأفعال، وما يقترفه من
ظلم فى حق نفسه وبالإساءة إلى الآخرين، إذ بسلوكه وتصرفاته
يغضب الله الذى أنعم عليه، ولكن الله غنى ونحن الفقراء.