كلمة
فضيلة
الإمام الأكبر
أ.د.محمد
سيد طنطاوى
شيخ الأزهر
السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته...
الحمد لله
رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا
بدعوته إلى يوم الدين.
قداسة البابا شنودة الثالث
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة
المرقسية
سيادة
الأستاذ الدكتور/ عصمت عبد المجيد
أمين عام
جامعة الدول العربية
فضيلة الزميل الكريم الأستاذ
الدكتور/ محمود حمدى زقزوق
وزير الأوقاف ورئيس المجلس الأعلى
للشئون الإسلامية
السيد الأستاذ الدكتور/ عبد
العزيز بن عثمان التويجرى
الأمين العام للمنظمة الإسلامية
للتربية والثقافة والعلوم (إسيسكو)
السيد الأستاذ الدكتور/
مفيد شهاب
وزير التعليم العالى والبحث
العلمى
الأخوة
الأعزاء..
الحفل
الكريم..
لعل من المناسب فى الأوساط
العلمية الممتازة أن نسوق الكلمات فى حقائق محددة.
الحقيقة الأولى: إن من المقاصد
التى من أجلها أوجدنا الله- عز وجل-
أن نتعارف، فالله تعالى يقول: (يا
أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم
عند الله أتقاكم)الحجرات: أية 13.
وهذه المؤتمرات لو لم يكن فيها
إلا التعاون والتناصح والتلاقى على طاعة الله- عز وجل- والتعاون على البر والتقوى
لا على الإثم والعدوان لكفاها ذلك شرفا و فخر ا.
الحقيقة
الثانية: إن الناس إذا ما تعاونوا بإخلاص فإن ثمرة هذا الإخلاص لابد أن تكون خيرا
لهؤلاء المتعاونين بل للعالم أجمع؟ لأن التعاون الذى يقوم على تقوى الله- سبحانه
وتعالى- لن يضيعه الله لأنه هو القائل: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا: ويرزقه من
حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء
قدرا)الطلاق: الآيتان 2. 3.
الحقيقة
الثالثة: إن لفضل العلم وما اشتق منه: علم، ويعلم، وأعلم، وتعلمون.. إلى آخره. هذا
اللفظ تكرر مئات المرات فى القرآن الكريم، ويكفى أن الله- عز وجل- لم يفضل أبانا
آدم على الملائكة إلا بفضيلة العلم حيث قال: (وعلم أدم الأسماء كلها ثم عرضهم على
الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين* قالوا سبحانك لا علم لنا إلا
ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم* قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) البقرة: الآيات من
31- 33.
فيكفى العلم شرفا أن الله- عز
وجل- أمر نبينا وشفيعنا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد من العلم فقال:
(فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدنى
علما) طه: آية 114.
الحقيقة
الرابعة: إن شريعة الإسلام تشجع كل علم نافع سواء أكان علما زراعيا، أم صناعيا، أم
اقتصاديا، فكل علم نافع شريعة الإسلام تشجع عليه مادام هذا العلم فى حدود ما أمر
به- سبحانه وتعالى- وفى خدمة الإنسانية. وهناك آيات كثيرة تشير إلى أن الله- عز
وجل- علم أنبياءه- عليهم الصلاة والسلام- علوما متنوعة، فسيدنا داود قال الله عنه:
(وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ) الأنبياء: آية 80.
وكما نعلم بأن صناعة الدروع من
الصناعات التى لم يستغن الناس عنها فى الأزمنة الماضية، وربما يحتاجون إليها فى
زمننا هذا، لكن نجد فى آية أخرى أن الله- سبحانه وتعالى- جمع بين العلم الروحى
وبين العلم المادى أيضا، يسوق القرآن هذا بالنسبة لسيدنا داود فيقول: (ولقد آتينا
داود منا فضلا يا جبال أويى معه والطير وألنا له الحديد* أن اعمل سابغات وقدر فى
السرد واعملوا صالحا إنى بما تعملون بصير) سورة سبأ: الآيتان 10- 11.
انظر كيف جمع القرآن الكريم بين
القوتين: القوة الروحية المتمثلة فى قوله سبحانه وتعالى: (يا جبال أوبى معه
والطير) وبين القوة المادية فى قوله تعالى: (وألنا له الحديد) وقال له: (أن اعمل سابغات ). أى اعمل دروعا
سابغات وقدر فى السرد- لتكون الدروع محكمة- (واعملوا صالحا إنى يما تعملون بصير).
القرآن يشير إلى أن كل إنسان فتح
الله بصيرته وأعطاه علما نافعا، ورسخ فى هذا العلم سواء
أكان علما طبيا، أم زراعيا، أم صناعيا، هذا الإنسان هو أقرب الناس إلى الله وهو
أكثر الناس خشية من الله- سبحانه وتعالى- ولعل من الأدلة على ذلك قوله- عز وجل-:
(ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال
جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والنعام مختلف ألوانه
كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء )
فاطر: الآيتان 37، 28.
شريعة الإسلام تؤيد كل علم مادام
هذا العلم فى خدمة الإنسانية، وفى حدود ما أحله الله- عز وجل- لكن العلم إذا
استعمل فى الشر والظلم والغدر والعدوان، وفى إذلال الناس- عندما يكون العلم كذلك-
يكون نكبة على البشرية ولعل أمير الشعراء الذى توفى منذ ما يقرب من سبعين سنة
عندما قال فى قصيدة له وهو يتكلم عن الغواصة وعن مفاسدها- ولا ندرى لو كان أمير
الشعراء موجودا فى عصرنا الحاضر ماذا كان يقول عندما يجد أن الغواصات تقتل وتهلك-
يقول أمير الشعراء:
هى الحوت منها مشابه فلو كان
فولاذا لكان أخاها خئول إذا غاصت غدور إذا طفت مقبحة فى سفحها وخفاها فلا كان
بانيها ولا كان ركبها ولا كان بحر ضمها وحواها وأف من العلم الذى تزعمونه إذا كان
فى علم النفوس رداها مرحبا بالعلم الذى يخدم الحق والفضائل والإنسانية ويكون فى
حدود ما أحله الله سبحانه وتعالى.
وسحقا لعلم يستخدم فى الظلم
والغدر والعدوان، وفى أكل أموال الناس بالباطل.
الحقيقة الخامسة: ونحن فى شهر
ميلاد رسولنا صلى الله عليه وسلم نجد أن
الرسول- عليه الصلاة والسلام- فتح لأمته أبواب العلم النافع. يكفى أنه صلى الله
عليه وسلم أمر سيدنا زيد ابن ثابت أن
يتعلم بعض اللغات الأخرى ليكون مترجما للنبى صلى الله عليه وسلم فتعلم سيدنا زيد
ابن ثابت إحدى اللغات فى خمسة عشر يوما، وتعلم الثانية فى سبعة عشر يوما، يريد
النبى صلى الله عليه وسلم أن يفتح العقول
للعلم بكل ألوانه، مادام هذا العلم فى خدمة الحق والفضائل، ويكفى أن الرسول صلى
الله عليه وسلم - كما ترى- كان يرسل بعض أصحابه إلى البلاد الأخرى لكى يتعلموا من
غيرهم فنون السلاح.
فتحت شريعة الإسلام أبواب العلم
على مصاريعها وأمرتنا بأن نتعلم من شتى العلوم التى تخدم الإنسانية وفى حدود ما
أحله الله- عز وجل.
نسأل الله أن يوفقنا جميعا إلى ما
يحبه ويرضاه، وأن يجمعنا دائما على طاعته، وأن يجعل هذه المجالس خالصة لوجهه
الكريم، وأن يجعلها فى ميزان حسناتنا جميعا يوم نلقاه (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا
والأمر يومئذ لله) سورة الانفطار: آية 19.
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته،،