الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثاني عشر :الإسلام ومتغيرات العصر
 
الإسلام و التغيرات فى مجال

الإسلام و التغيرات فى مجال

القيم  الأخلاقية و الاجتماعية

الأستاذ/ محمد زيادة

وزير الأوقاف- الجمهورية العربية السورية

إن أمة كأمة الإسلام لاتحتاج فى الأصل إلى من يبرهن لها على ضرورة التمسك بالخلق القويم، ولا من يبرهن لها على أهمية الحيوية الروحية، لكن تهمش الأنشطة الروحية، والضغوط الرهيبة التى تتعرض لها المبادئ الأخلاقية، والصعوبات الحياتية التى تواجه كل من يرفض المساومة على أخلاقه واستقامته، كل ذلك جعل لفت الأنظار إلى "مركزية" الأخلاق فى أى تنمية- متكاملة- أمرا بالغ الأهمية.

فالإسلام هو دين الله الذى أوحاه إلى سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- وفيه عقيدة، وشريعة والعقيدة بكلياتها أصل، والشريعة بأحكامها التفصيلية فرع وإن صحت عقيدة المرء، صح عمله وإن فسدت فسد عمله. وأركان العقيدة هى، أركان الإيمان وأركان الشريعة هى أركان الإسلام، وفروعه من عبادات ومعاملات وقيم وأخلاق وقد عبر القرآن الكريم عن العقيدة والإيمان وعن الشريعة بالعمل الصالح فورد الإيمان مقترنا "بالعمل الصالح.. فى أكثر آيات القرآن الكريم لأن العلاقة بين الإيمان والعمل الصالح علاقة السبب بالنتيجة وعلاقة الشجر بالثمر قال تعالي (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا) سورة الكهف آية 107.

ولأن الإسلام دين الفطرة فقد راعى فى الإنسان الجانب العقلى وجعل كماله معرفة الحقائق المطابقة للواقع المؤيدة بدليل قطعى، وراعى فى الإنسان الجانب السلوكى وجعل كماله انطلاقة من حقائق يقينية وتوجيهه نحو هدف كبير لتحقيق سعادة الفرد والمجتمع فى الدنيا، والآخرة، فلقد وضح النبى- صلى الله عليه وسلم- إن الهدف الكبيرمن بعثته إرساء البناء الأخلاقى فى الفرد والمجتمع بقوله "إنما بعثت معلما"، (إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق) فالنبى- صلى الله عليه وسلم- هو المثل الأعلى للخيرية والكمال، وحسن الخلق، وهو الذى يُدْنى المسلم من كمال الإيمان وتمام الخير.

إن ظاهرة النفاق التى تحدث عنها القرآن الكريم والسنة النبوية بشكل مطول تعنى خللا فى مطابقة الأقوال للمعتقدات الأساسية وهذا هو النفاق الاعتقادى الذى يخرج صاحبه من إيمانه أما التباين بين الأقوال والأفعال فإنه يعبر عن (بالنفاق العملى)، وهذا يقع فى سلوك المسلم، وكلا النوعين مذموم وفيه خروج ومخالفة للمبدأ أو العقد. ومهمة التنمية الأخلاقية تطهير حياة المسلمين من رجزالنفاق، ومن خطر الضلال والانحراف.

إن القاعدة الروحية الأخلاقية فى أية مجتمع هى التى تتحمل الأثقال التى تنتج عن طبيعة الحياة المادية والاجتماعية، وعن الانتكاسات التى تصاب بها الأمة فى ميادين الحياة المختلفة.

إن هذه القاعدة هى التى تمكن الناس من تحمل لأواء الظروف الصعبة دون أن يتحللوا أو ينحرفوا، فحين يصاب الناس بضائقة اقتصادية شديدة فإن القاعدة الأخلاقية تدفعهم إلى إغاثة الملهوف وإطعام الجائع، والصبر على المدين المعسر، إلى جانب التمسك الشخصى، وعدم الرضوخ لمقتضيات الظروف الصعبة، فنجد المسلم يمتنع عن الرشوة والسرقة والغش وكل أنواع الكسب المحرم مع فاقته الشديدة، وذلك اتكاء على مالديه من قيم ومقاومة روحية لدواعى التحلل.

إن هذه القاعدة هى الرصيد الاحتياطى الضخم الذى تعتمد عليه الأمم فى ترميم العديد من جوانب شخصيتها وحياتها. ومن هنا ندرك حجهـا الجريمة التى ارتكبت فى حق الأمة حينما دفعت دفعا على مستوى التنظير، وعلى مستوى العمل إلى أن تجعل القيم الأخلاقية والروحية فى المرتبة الدنيا من اهتماماتها، فلما واجه الناس ماواجهوه من ضائقات فى العيش، ومن شح فى متطلبات الحياة الكريمة، لم يجدوا لديهم سنداً خلقياً كريماً يعتمدون عليه فى الصمود أمام المغريات ومحفزات الانحدار المختلفة!

4- إن الذين نكّن لهم عظيم الاحترام ليسوا أولئك الذين يملكون كثيرا من المال أو الدهاء والمكر أو القوة الجسدية الخارقة، وإنما أولئك الذين يملكون خلق (التسامى) والترفع عن سفاسف الأمور، وأولئك الذين انتصروا على التحديات داخل نفوسهم، وأولئك الذين يملكون قوة الانتصار والتضحية بالعاجل فى سبيل الآجل، والإيثار مع مسيس الحاجة...

الرقى الروحى والأخلاقى:

 إن بالإمكان القول: إن طابع الرقى الحقيقى هو طابع روحى أخلاقى، أكثر من أن يكون طابعا عمرانياً تنظيماً، والجاذبية التى تتمتع بها القرون الأولى من تاريخ الإسلام تنبع بشكل أساسى من طابع الاستقامة والنبل والتضحية... وليس من التفوق فى الحروب أو العلوم أو العمران.

ولعل الطريق الوحيد إلى كسر أغلال التبعية يكون عن طريق إحداث (انتفاضة) روحية أخلاقية يستعلى بها المسلم على المعطيات المادية للوضع الحضارى الراهن، ويلتفت إلى إثراء حياته بوسائل، لا تحتاج إلى المال.

إن دراسة الحضارات توقفنا على حقيقة كبرى، وهى أن مصير الإنسان كان يتوقف دائماً على أمرين: علاقته بربه، وعلاقته بأخيه الإنسان. والبعد الأخلاقى هو المركز والمحور فى هاتين العلاقتين. وحين ينحط الإنسان يتحول عن عبادته لربه إلى عبادته لذاته وشهواته. وتسود علاقته بالآخرين القوة بدل الرحمة،والتفرق بدل التفاهم، وينصرف عن العناية بالروح إلى العناية بالجسد، وعن الاهتمام بالمبدأ إلى الاهتمام بالمصلحة، ويتحول المجتمع كله إلى غاية يحسًّ كل واحد فيها أن من حقه افتراس الآخرين، كما أنه من الممكن أن يكون فريسة لأى واحد منهم "آكل اليوم ومأكول غداً".

دعم الرقابة الذاتية:

والطريق الوحيد للحيلولة دون هذه الحالة يكمن فى تدعيم الرقابة الذاتية، وتعزيز علاقة العبد بربه- جل وعلا- وتحفيز الإرادة الخيِّرة فى الناس. وهذا الحل وإن كان مـكلفاَ على المدى القريب. فإنه سفينة نوح على المدى البعيد !.

لن يكون بإمكان أفضل النظم الاجتماعية، ولا فى إمكان أقصى العقوبات الصارمة أن تقوم الاعوجاج، ولا تملأ الفراغ الناشئ من ذبول الروح، وانحطاط القيم،فالعقوبات لاتنشئ مجتمعاَ لكنها تحميه. والنظم مهما كانت محكمة ومتقنة لن تحول دون تجاوز الإنسان لها، وتأويلها بما يجهضها، وكل الحضارات المندثرة تركت تنظيماتها وأدوات ضبطها خلفها شاهدة على نفسها بالعقم والعجز!.

 لابد أن نكون على يقين من أن تيار الشهوات والنزوات الجارف لايمكن أن يقابل إلا بتيار روحى متدفق من المشاعر والأحاسيس الإيمانية، فوظيفة الفكر الدلالة على الطريق، وعلى الأساليب والأدوات المناسبة للعمل لكن الذى نستمد منه الطاقة على الاندفاع فى طريق الخير، والطاقة على كبح جماح الشهوات هو الروح والإيمان العميق، ورصيدنا من المشاعر الحميمة. وإن كثيراًَ من الشباب الذين جرفهم تيار الجنس والمجون والخلاعة لم يكونوا بحاجة إلى أدلة على فضل العفة والاستقامة، وإنما كانوا بحاجة إلي شىء من المعانى التى تفيض على القلب بسبب تذوق طعم العبودية الحقّة، والإحساس الصادق بمعية الله- تعالى لهم واطلاعه عليهم.

حال الأخلاق اليوم:

لابدَّ من القول: إن المسألة الحاسمة فى مجال الأخلاق هى (إطارها المرجعى) بمعنى المصدر الذى نستمد منه الحُكم علي حسن الخلق أو قبحه، والجهة التى ستتولى الإنابة أو العقوبة علي ذلك الخلق.

فى العالم الغربى تحول الإطار المرجعى للأخلاق (من الوحى)إلى (العقل)،ولم يبق أى مجال للفرار من ( النسبية الأخلاقية)، حيث أصبح الطريق ممهداً لتطور الأخلاق الفاضلة، وإمكان تحولها إلى (رذائل فى ثوب فضائل).

وسيفرض ذلك التقدم الاقتصادى الذى صار المعيار فى الرقى والحضارة... ولانستطيع اليوم مهما حاولنا أن ننجو من تأثيرات ذلك التحول الأخلاقى الكبير، فالاتصال الكونى الهائل وضع العالم فيما يشبه الخلاطة الكبيرة!.

لاشك أن لدينا جهوداً ضخمة لإحياء وتوليد أخلاق جديدة تلبى شروط العيش فى عصرمعقَّد، وتستند فى الوقت نفسه إلى المبادئ الإسلامية، وتتواصل مع أخلاق إسلامنا بصورة من الصور، وقد تحقق لدينا بعض النتائج، إلا أن التقدم الحاسم فى المجال الأخلاقى ربما كان بحاجة إلى إحراز تقدم فى المجالات السياسية والحضارية، حيث إن (التخلُّف) نفسه يحول دون الإبداعات الأخلاقية الأصيلة.

فى أواخر عهد الدولة العثمانية، وأثناء الاستقلال الوطنى التى أعقبت الحرب العالمية الثانية، اتجهت النخب الثقافية والاجتماعية التى تشربت الإعجاب بالغرب إلى الدعوة إلى تبنى القيم الثقافية والسياسية الغربية، وحتى يتم لهم ذلك شنوا حملات إعلامية مكثفة على النظم الثقافية الشعبية والمحلية بحجة أنها استمرار لقرون الظلام، وقد نجحوا فى تلك المرحلة فى تبديل الكثير من القيم فى صفوف المثقفين وأرباب المال وذوى المصالح المرتبطة بالغرب. وقد أدركوا ماهدفوا إليه، وحولوا المجتمعات إلى( لمامة)من الناس! آنذاك انتقلوا بشكل سريع إلى القيم التى تغنوا بها طويلا من أمثال: الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمساواة، وتكافؤ الفرص،

وصاروا إلى القول: إن تلك القيم لاتناسبنا، أو إن مجتمعاتنا غير مؤهلة لممارستهما !.

وهكذا كانت الاستعارة من الخارج عظيمة الفائدة عندما ساعدت النخب على تركيز سلطاتها، وأصبحت الآن مضرة لأنها تذكر الجماعة الشعبية بحقوقها المدنية والإنسانية !!

وقد كان الموقف الراشد فى هذا يكمن فى التوجه إلى النظم الأخلاقية الموجودة، ونفض ماتراكم عليها من موروث العادات، وتطويرها لتصبح على المنهج الربانى، ولتلبى متطلبات الحياة المعاصرة، لكن المسألة كانت خدعة ليس أكثر!.ومما لايخفى أن الأدبيات العلمانية أهملت الميدان الأخلاقى إهمالا شبه تام، وذلك نتيجة التأثر بفلسفة وضعية، جعلت ( العلم) هدف كل تقدم، وصار العلم علماً وأخلاقاً وأدباً وصارت الأخلاق تصور على أنها قيود مفروضة بقوة الجهل وعطالة التقليد على العقل والجسد والخيال معاً، وإنها سبب فقدان العرب مقدرتهم على استيعاب الحضارة العلمية، ومنشأ روح العبودية فيهم !.

وصارت الأخلاق كما يصورها الفكر الحديث تعنى سذاجة الشخص وبساطته، وتثير الشك فى صدق موقفه، بل ربما دفعت إلى اتهامه (المحافظة) ومسايرة الأوساط الدينية!.

نتيجة لتهميش كثير من كتَّابنا القضايا الأخلاقية، ونتيجة لسوء التخطيط وسوء الظروف المعيشية لكثير من الناس، سادت لدينا أمراضاً أخلاقية عديدة وخطيرة، نذكر بعضاَ منها على سبيل لفت النظر إلى أهمية إحراز جيد على الصعيد الأخلاقى:

أمراض أخلاقية:

إن كثيراً من الناس يعيش اليوم دون أية أهداف سامية، فتأمين الحاجات الضرورية هو شغلهم الشاغل، وامتلاك بيت يعد نصراً فى معركة شرية.

وقد أصبح الفرد ليس معزولا عن بيئته الطبيعية فحسب، بل إنه معزول عن أعماق ذاته.

ويعانى السواد الأعظم من المسلمين من ضعف الإحساس (بالواجب) وهو المبدأ الذى يتجاوز المصلحة المباشرة والفردية ، ليعكس تسامى الإنسان أو قدرته على الالتزام تجاه غيره، والتضحية فى سبيله.

وما الشعور بالواجب إلا ثمرة للشعور بشرف الانتماء إلى الجماعة (الأمة) وبالرغبة فى التمادى معها. فإذا عجز الإنسان عن الالتزام الجماعى أباح لنفسه كل ما استطاع أن يحرمه على غيره.

وهناك فريق من المسلمين يعانى على الصعيد الحضارى من ذبول روح المدنية لديه، وهو ينزع باستمرار إلى نوع من الانطواء على الذات والأسرة والقبيلة والحى والقرية، وهو نزوع ذو أثر سلبى على الإحساس بالمصلحة الوطنية والمصلحة العامة عموماً.

وإلى جانب ذلك هناك عادات سيئة عديدة تتعلق بالعمل والاستهلاك، إذ إن كثيرا منا ينظرون نظرة ازدراء للعمل الفنى اليدوى، كما أن هناك رغبة قوية فى الاكتناز بشراء العقارات، وبناء القصور، وشراء السيارات الفاخرة والحلى، والإنفاق الترفى والبذخى الذى لاتتحمله موارد الأمة.

وهناك أمراض خلقية كثيرة على صعيد العلاقات بين الناس، مثل قطع الرحم والجفاء بين الأهل والجيران، ومثل الحسد والتكبُّر على الناس وحب الاستئثار والانفراد بالخيرات العامة والمشتركة...

وأننى أعتقد أن مشكلات الزحام وشح الموارد، وتراجع التربية الخلقية، وضعف الإحساس بالأهداف الكبرى... سوف تولد المزيد من التأزم الروحى، والمزيد من الأمراض الخلقية، وذلك يحتاج إلى تأمل عميق من المصلحين، وإلى البحث عن سبل للعلاج والخلاص...

حلول عملية:

لاينبغى أن يظن أن تنمية أخلاق مجتمع أمر ميسور، يمكن أن يتم من خلال تحديد بعض المبادئ وبعض الأساليب والأدوات  فالمسألة فى الحقيقة أعقد من ذلك بكثير.

إن المعالجة لأى جانب إنسانى فى الحياة هى دائماً معالجة معقدة، وحين تكون المعالجة متعلقة بمجتمع أو أمة فإنها تكون أكثر تعقيداً، وربما كانت بعض جوانب المشكلة غير قابلة للرؤية فى بعض الأحيان !.

إن المتأمل للتاريخ يجد أن بعض مفردات الأخلاق كان يدخل فى دورات أشبه بالدورات الاقتصادية، حيث تتجلى فى سلوك الناس بقوة فى بعض الحقب، على حين ينفلت منها المجتمع فى مدد آخر، وذلك إن دل على شئ فإنما يدل على أن تجسُّد المبادئ الأخلاقية فى السلوك يخضع لعوامل خارجة عن جوهر تلك المبادئ، وبعيدة عن ميادينها، بل إنى أكاد أجزم أن الرقى الروحى والخلقى ليس سوى ثمار تجنيها الأمم من نجاحات حققتها على الصعد السياسية والتربوية والاقتصادية... حيث إن الانحدار الأخلاقى كثيرا مايكون صدى غير واع لتأزمات يمر بها المجتمع، فقد تنتشر الجريمة بسبب ضائقة اقتصادية، أو كبت شديد أو وجود نماذج اجتماعية مغرقة فى البذخ والترف، أو بسبب كثرة حوادث الطلاق... وهذا كله يوصلنا إلى قناعة بضرورة عدم معالجة القضايا الأخلاقية عن معالجة جوانب الحياة الأخرى، وهذا مانغفل عنه فى أحيان كثيرة .

أمر آخر جدير بالاهتمام، هو أن البنية الأخلاقية هى فى الأصل بنية ثبوتية إلى الجمود، ولذا فإن عدداً كبيراَ من السمات الخلقية، هو عبارة عن وصايا اصطبغ بها الوعى الإنسانى منذ زمن بعيد، واعتادت الأمم تناقلها جيلاً بعد جيل، ومن ثم فإن معظم الناس يتلقى بشىء من الإنكار الضمنى، أىّ لفظ يدل على التطور أو التجديد الأخلاقى، لأن ذلك يعنى فى حدس كثير من الناس تطويرأشياء لاتقبل التطوير !

لكن لاينبغى لهذا أن يشتت انتباهنا عن حقيقة أخرى، تتصل بالمسألة

الأخلاقية، وهى أن لكل أمة (سلماً قيمياً) ترتب فيه أخلاقها فى ضوء أمرين: مبادئها وحاجاتها، فظروف الصحراء والبداوة حملت العرب على وضع الشجاعة والكرم فى أعلى السلم القيمى، وحين جاء الإسلام لم يخرج هاتين الخصلتين من سُلَّم الفضائل، لكنه غيرمن موقعها فى التشكيل الجديد، حيث صارت (التقوى) معياراً أهم فى الدلالة على الفضل والسبق.

وفى المجتمعات الصناعية الحديثة هناك ميل قوى إلى جعل الدقة والفاعلية والإنجاز والمهارة والنجاح- فى أعلى السلم القيمى- وهكذا...

والذى نريد أن نقوله: أننا بحاجة اليوم إلى إيجاد مدخل جديد للتنمية الأخلاقية، يقوم على منح بعض الثوابت القيمة والأخلاقية معانى جديدة أو اهتماماً خاصاً ببعض مدلولاتها، بغية التخفيف من حدة وطأة التخلف الذى يجتاح حياة المسلم،  (التقوى) فى حياتنا المعاصرة بحاجة إلى إثراء مفرداتها لتتناول بعض الفروض الحضارية، مثل: الإسراع إلي العمل، والمحافظة على الوقت، والدقة فى تنفيذ الأعمال، والالتزام بالمواعيد، وحسن التصرف بالإمكانات المتاحة... والإحساس بالمسؤولية والإيثار والتعاون- الجماعى- استجابة لقوله تعالى : (وتعاونوا على البروالتقوى.. ) سورة المائدة آية 2

 ويمكن من خلال التربية والموعظة والألف جعل المسلم يشعر بحلاوة الإيمان، والالتزام من خلال القيام بالأعمال التى ذكرناها، كما يشعر بها عند وضع صدقة فى يد فقير، أو التهجُّد فى السحر والناس نيام !.

فالتجديد الروحى والأخلاقى ليس عبارة عن نسخ الأخلاق وإحلال لأخلاق أخرى فى موضعها، وإنما هو توسيع فى مدلولات بعض المفاهيم الأخلاقية، وبلورتها والتربية عليها، ومنحها أهمية أكبر فى النسق الأخلاقى العام.

ومع إدراكنا العميق للصعوبات الجَمّة التى تواجه من يريد إحداث تقدم ممتاز فى وسط متأزم، فإننا لانجد بداً من ذكر بعض المبادئ والشروط والأساليب والوسائل التى نظن أنها ذات تأثير فى تحسين المستوى الروحى والخلقى لأمتنا

والرقى به، وذلك فى النقاط الموجزة التالية:

1-  الأخلاق الفاضلة تتهمش مالم توظف:

لاتوجد أمة ليس لها مبادئ محددة، تعوّل عليها فى الضبط الاجتماعى، وفى ترجيح ممكن على ممكن آخر. كما أنه ليس هناك أمة تخطط لجعل واقعها حرباً على مبادئها، لكن الذى يحدث أن الأمم فى غمرة تطلعها إلى تحسين واقعها قد تقف مواقف غير متعمدة، تؤدى إلى إهمال بعض أخلاقها، أو تؤدى إلى إيجاد ظروف جديدة، لايكون لأخلاقها أى تأثير توجيهى فيها، ولاتوجد أى ضمانات لتلافى ذلك سوى السعى إلى إيجاد الأطر العملية التى تتيح لأبناء المجتمع أن يجسِّدوا أخلاقهم، ونوازع الخير فيهم، فى واقع حياتهم اليومية من خلال أعمال تطوعية ومبادرات فردية ذاتية، وقد ضربت أمة الإسلام أروع الأمثلة فى هذا السبيل، مما ليس له نظير فى العالم إلى يوم الناس هذا !.

مبدأ (الإحسان) إلى الخلق ونفع الآخرين، مبدأ متغلغل فى ثقافة كل مسلم،لكن المبادئ لاتعمل فى فراغ، ومن ثم فإن مما يساعد على ظهور خُلُق (الإحسان) وجود جمعيات ومؤسسات ينشط من خلالها الشباب ومحبّى الخير كافة فى التعبير عن إرادة الخير فيهم، فنحن نعلم- مثلا أن فى كل بلد مسلم ألوف الناس الذين يعانون من تعطل الكِلية، وهم بحاجة إلى متبرعين، والى أموال لزراعتها، فماذا لو وجد إطار يعمل من خلاله طلاب المدارس والجامعات فى إجازاتهم الدراسية، وفى أوقات الفراغ على جمع الأموال وحث الناس على التبرع، كما هو مشاهد فى كثير من دول العالم، إن الأهم ليس النتائج الطيبة التى سنحصل عليها من وراء هذا النشاط، و

إنما بعث إرادة الخير وتشغيلها وإبقاء المثل والأخلاق الإسلامية حيَّة بين الناس.

إكرام الجار والإحسان إليه، وتفقد حاله خُلق إنسانى رفيع، وحين كان الناس يسكنون فى القرى، وفى تجمعات صغيرة، كان إمكان تحقيق ذلك المبدأ كبيراَ، لكن كيف يمكن تحقيق ذلك اليوم فى عمارة مؤلفة فى عشرطوابق، وفى غمرة إنشغال الناس بأنفسهم، بل ذهولهم عنها!

إنه إن لم توجد آليات جديدة مثل مجلس أو ناد لأهل الحى، يتم من خلاله تعرُّف الناس بعضهم على بعض، ومساعدة من عنده مشكلات منهم فإن النتيجة ستكون إماته شبه كاملة لهذا الخلق، كما هو حاصل الآن نحن نعرف أن بعض الناس يستغلون بعض أعمال الخيرلتحقيق مصالح شخصية، لكن هل يوجد خيرلايخالطه شىء من الشر؟ وهل الحل هو إغلاق فصل دراسى لأن فيه طالباً مشاغباً؟.

تدخل أحد البلدان غير الإسلامية، فتجد فيه الألوف من المؤسسات والجمعيات ذات النفع العام، مع أنه ليس هناك أى مانع يحول دون استخدامها ضد ما أوجدت له، ولن يجدوا أن الحل يمكن فى إغلاقها، ولكن فى ترشيدها وتوجيهها ومساعدتها على أداء رسالتها، إن الحل يكمن فى تدعيم العناصر الخيرة والممتازة فيها، من أجل تقليص العناصر الأخرى..

2- الإقلاع الحضارى يحتاج إلى فاعلية روحية خاصَّة:

الطائرات فى بداية إقلاعها تحتاج إلى قد كبير من الوقود، وتأسيس الأعمال التجارية يحتاج إلى قدر كبير من الجهود، وهكذا البدايات تكون دائما مكلفة ومربكة، ثم تميل الأمور إلي اليسر والسهولة.

وأمة الإسلام اليوم تحاول أن تنطلق نحو آفاق واسعة المدى، تجدد مضامين الانطلاقة الأولى التى أشعل شرارتها النبى- صلى الله عليه وسلَّم- وأهل القرون الخيرة من بعده. وهذا فى الحقيقة يحتاج إلى رواد من نوعية خاصة، ومع أن كثرة عددهم بحيث يشكلون كتلة حرجة- أمر مهم جدا، إلا نوعية المواصفات والأخلاق التى يجب أن يتحلوا بها تظل أهم، فالصحابة الكرام الذين تلقوا تربية مكثفة ومتميزة عن النبى- صلى الله عليه وسلَّم- قد لايتجاوزون بضعة ألوف، ولكن خصوصية سماتهم وأخلاقهم جعلت منهم قاعدة فريدة، أمكنها أن تحمل بناء ضخما متطاولا، ومازلنا إلى اليوم نقتبس من رمزية تلك القاعدة وهديها.

لا أريد هنا أن أذكر سمات أولئك الرواد: الفكرية والثقافية، وإنما أريد أن أشير إلى بعض خصائصهم الروحية والخلقية، ومن تلك الخصائص:أ- صلة قوية بالله جل وعلا تغمر كيان المسلم، وتنقل إيمانه من حيز العقلية والتصديق القلبى إلى حيز الشعور، والمعبر عنه فى حديث مسلم بـ (الإحسان): "أن تعبد الله كأنك تراه " وهذا لن يتأتى إلا من خلال العبادات المكثفة، حيث إن الإيمان أشبه شئ بشجرة وارفة الظلال، وكلما أردنا لهذه الشجرة أن تكبر، وتمد أغصانها فى كل اتجاه، كان علينا أن نسقيها أكثر، وماؤها هو العبادات والنوافل والأذكار...

وهذه السمة كانت واضحة جداً فى حياة الصحابة- رضوان الله عليهم- والسلف الصالح عامة، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى نوع من العزوف الكلى عن الدنيا والاستغراق فى العبادة. مما حدا بالنبى- صلى الله عليه وسلَّم - إلى تحذيرهم من ذلك، وأمرهم بلزوم سنته: "فمن رغب عن سنتى فليس منى".

إن الإيمان الحى المتدفق هو الطاقة العظمى التى نحتاجها  فى مرحلة الإقلاع، وليس سمة بديل لذلك، ومن ثم فإن الأخذ بأسباب تنميته يعد من الأولويات.

ب- الصبروطول النفس، حيث إن الواقع الردىء الذى نعيشه ماهو إلا خلاصة لتراكمات أخطاء قرون عديدة، وحتى يتحسن ذلك الواقع بصورة جيدة، فإنه يحتاج إلى زمن وجهد. وقد صرح القرآن الكريم بهذا المعنى حين قال:   ) وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا( (سورة السجدة آية 24).

أحيانا يسيطر علينا اليأس بسبب طول الطريق ومشاقّة، وبسبب شعورنا بأن التحسن ضعيف أو معدوم. أما الرواد فإنهم لاينظرون أبداً إلى ما قطعوه من الطريق، ولا إلى ماتبقى منه، وإنما يستغرقهم، ويسيطر عليهم الانشغال بواجب الوقت وأدبه، والانشغال بتصحيح المسيرة ومراجعتها، وهم من بعد ذلك يشعرون أنهم لم يقدموا سوى جزء يسير من المطلوب، ولكنه جهدهم ومافى وسعهم، وينتظرون من الله تعالى أن يتقبَّله، ويبارك فيه.

ج- الإعراض عن متاع الدنيا وشهواتها: ومع أن قدراً من ذلك مطلوب من كل مسلم، إلا للرواد شأناً آخر، فهم أحق الناس بالتقلل- قدر الإمكان- من الفرش والأثاث والرياش وأطايب المأكولات، بما لايصل إلى حد الحرمان، ويظل المهم هو شعور الناس بتميز هذه الفئة المباركة فى أسلوب عيشها، وفى مقاييسها للرقى الاجتماعى.

إن الأمة فى هذه المرحلة بحاجة ماسة إلى المال، كى تشيد المرافق العامة والمدارس والجامعات،... وهى بحاجة إلى من يوضح لها بطريقة عملية منهجية جديدة فى العيش بعيدة عما اعتاده كثير من الناس من البذح والترف وإنفاق المال بغير حساب ولا أدنى شعور بالمسؤولية! والاقتصاد بالثروة المائية والكهربائية ومكافحة الهدر والإسراف فى أى منحى من مناحى الحياة،... والمحافظة على سلامة البيئة ونظافتها.

د- التضحية والعطاء السخى والكرم الذاتى وروح المجانية، سمات مهمة فى الرائد، فعلى الرغم من أن هذه المعانى عميقة فى ثقافة المسلم ومتجذرة فى وجدانه إلا أن الناس يبحثون دائما عن القوة والنموذج المحسوس. ولو أن المبادئ تغير حياة الناس لما بعث الله تعالى الرسل، ولا أنزل الكتب والصحف بين ظهرانى الناس، لكن مضت سنته بأن لسان الحال أبلغ من لسان المقال، وأن المحسوس أسهل فى الإدراك وأعظم فى التأثير من المعنوى.

مراجع البحث...

ا- مدخل إلى التنمية المتكاملة... رؤية إسلامية الدكتور عبد الكريم بكار

2- الأخلاق الإسلامية عبد الرحمن حبنكة الميدانى

3- تفسير القرآن الكريم .

4- صحيح البخارى ومسلم .

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع