الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثاني عشر :الإسلام ومتغيرات العصر
 
الفكر الإسلامى

دعم المؤسسات العلمية والبحثية

والتكنولوجية فى المؤسسات الإسلامية

أ. د. عبدالرحمن عبدالله العوضى

رئيس المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية

تقديم:

نظرة الإسلام إلى العلم والبحث العلمى:

قامت دولة الإسلام على الإيمان الراسخ فى قلوب ونفوس وعقول أصحابه، فكان الشعلة المضيئة التى حثتهم على البحث الدائم والعلم الراسخ، وجاء القرآن الكريم يدعو إلى العلم والتعلم ويأمر أصحابه بالنظر والتفكر فى ملكوت السموات والأرض، وفى أنفسهم وفى كل أمر يأمرهم به، سبحانه وتعالى، وجاءت السنة النبوية لتؤكد هذه المعانى الكريمة، وسار الخلفاء الراشدون من بعده يسيرون على هديه، ثم توالت الأجيال وراء الأجيال وسلطان العلم يعلو، والأمة الإسلامية تزداد قوة ورسوخاً وشموخاً، فأنشأت المدارس والمستشفيات والجامعات، ونبغ المسلمون فى كل فنون الحياة الشرعية منها، والكونية مثل: ا لطب- وا لهندسة- والجبر، وا لرياضيات- والفيزياء، وغيرها.

وبلغت مكانة العلم والعلماء شأناً كبيراً لدرجة أن المأمون كان يزن الكتاب ذهباً ويعطيه لمؤلفه، وكان مجلسه كله من العلماء فى كل ميادين العلم، فهاجر العلماء من كل أنحاء الدنيا ليحظوا برعاية حكام الأمة الإسلامية، وهكذا انتشر العلم وازدهر فى عصر النهضة الإسلامية فى كل أنحاء الأرض.

ولكن بدأ سلطان العلم يخبو، وتدهورت المؤسسات العلمية، التى أنشأها أجدادنا الأفذاذ واستمر التدهور إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه، من بحث عن رغيف الخبز عند الآخرين والاعتماد عليهم فى كل شأن من شئون حياتنا.

 التطور العلمى اليوم وواقعنا:

اليوم تطور مفهوم الاستعمار من عسكرى إلى اقتصادى إلى معلوماتى، حيث تحول الكون إلى قرية صغيرة بفضل التكنولوجيا الحديثة، التى لا نملك مقوماتها ولسنا مشاركين فيها ولا فى صنعها، ومكانة أية دولة فى الوجود العالمى سيتقرر بناء على ما تملكه من معارف علمية.

فلو نظرنا إلى الشئون اليومية لحياتنا لازدادت النفوس حسرة ولوعة، وسنضرب بعض الأمثلة، علها تقربنا إلى الواقع الذى نعيشه.

المثال الأول.. الغذاء:

يعانى العالم من نقص فى الرقعة الزراعية وزيادة فى التصحر وكوارث طبيعية لا حدود ولا سيطرة عليها يقابلها انفجار سكانى هائل.

والدول النامية، التى ينتمى إليها العالم الإسلامى لها نصيب الأسد منها فَدَخلُ الفرد فى كثير من هذه الدول لا يزيد على بضع مئات من الدولارات إن لم يكن أقل، وإنتاجيته متدنية بالإضافة إلى سوء استخدام الموارد الطبيعية، وسوء الإدارة، كلها عوامل أدت إلى تدهور الأحوال الغذائية وحولت مستقبل هذه الشعوب إلى مستقبل مظلم.

ولذلك فلا مناص أمامها إلا اللجوء إلى سلطان العلم للتغلب على كثير من تلك المشاكل.

السؤال المطروح الآن، من أولى الناس بإجراء تلك الأبحاث وامتلاك تقنيتها: الدول الغنية ذات الفائض الهائل والدخل المرتفع، وعدد السكان القليل؟ أم الدول النامية ذات الحاجة الملحة لتوفير الغذاء لها؟.

المثال الثانى.. الدواء:

الدواء قصة لا تقل خطورة عن الغذاء، فصناعة الدواء فى الدول المتقدمة تعتبر من الصناعات الثقيلة ذات الأهمية الكبيرة، والتى تحاط بالسرية، وتأتى فى المرتبة الثانية بعد صناعة السلاح والأبحاث فيها متشعبة، وذات تكلفة عالية جداً إذ يقدر لاختراع دواء جديد زمناً يستغرق ما بين 10- 15 عاما وتكلفة إخراجه إلى حيز الوجود تتراوح بين 40- 50 مليون دولار، هذا بالنسبة للأدوية الكيماوية بل إن الأمر أخذ ينحو فى السنوات الأخيرة منحى آخر، فدخول الهندسة الوراثية فتحت أمام العالم أفاقا واعدة وأسساً جديدة فى العلاج فظهرت تكنولوجيا الإنتاج الحيوى والعلاج بالجينات هذا الأمر سيدخل العلاج إلى الأمراض الوراثية والتعرف عليها مسبقاً وإمكانية التغلب عليها وهذه جميعاً تتطلب ملايين الدولارات لرصدها للدخول إلى هذا العالم الجديد.. إذا تركنا تلك الأمور المعقدة التى قد يتصور البعض أنها ترف فكرى- (وهذا مفهوم خاطىء)- فإن الدول الإسلامية ستواجه كارثة دوائية خطيرة، فالدواء العادى والذى يحتاج إليه الفرد مثل: الأمصال للوقاية من كثير من الأمراض المعدية: كالحصبة والجدرى والتيتانوس، (وتلك من أولويات الصحة للأجيال القادمة) ستغدو أصعب من أن تكون فى متناول يد المواطن العادى لارتفاع تكلفتها لإدخال التكنولوجيا الحديثة فى الإنتاج ذات التكلفة العالية. وما يقال عن الأمصال يقال عن بقية المستحضرات الصيدلية بل الأمر سيتعدى ذلك ليصل إلى الخدمات الصحية برمتها فتعدو صعبة المنال.

ولن يتحقق توفير الحد الأدنى من الرعاية إلا بإجراء أبحاث محلية تتناسب مع طبيعة كل دولة استخداما لمواردها ومصادرها الذاتية على يد أبنائها.

المثال الثالث.. المياه:

فالعالم مُقدم على ندرة خطيرة فى مصادر المياه ونلاحظ جميعاً الجفاف الذي أصاب العديد من الدول الإسلامية.

هذه الدول جميعاً رغم الكوارث التى تعانى منها لم تتقدم خطوة واحدة نحو ترشيد استهلاك ما تملكه من مياه، ولا بناء سدود لوقت العسرة، ولا أبحاث عن طريق الرى وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد وتعتمد الآن على الدول الكبرى لتتلقى المساعدات والمعونات.

وفى المقابل دولة مثل إسرائيل لديها ندرة خطيرة فى المياه، ورغم ذلك نجحت فى استخدام مياه المجارى المعالجة وتقنيات الرى الحديثة، وتعلم جيدا ماذا تفعل فى العشرين عاماً القادمة.

المثال الرابع.. البيئة:

خلق الله البيئة فى تكامل، وتوازن تامّين مع كل عناصرها سواء: الحية أو الجامدة وللأسف امتدت إليها يد الإنسان، فأدت إلى حدوث كوارث تكنولوجية، فاختل التوازن البيئى مما أصبح خطراً داهماً يهدد البشرية، وجاء ذلك مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: )ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ( (الروم آيه 41)، والأمثلة كثيرة فى تشرنوبل التى كانت مصدراً لتهديد الاتحاد السوفيتى، والدول المحيطة به من انتشار الأشعة الذرية، لتقضى على الأخضر واليابس- وجنون البقر الناتج عن استخدام النفايات والدم فى العلف. وتوجد اليوم فرصة ذهبية بعد اتفاقيات الحد من سباق التسلح النووى الذى وقعت عليه معظم دول العالم، لكى تعيد صياغة استخدام مواردنا الطبيعية والمخصصات المالية لسباق التسلح لتحسين البيئة وإعادة التوازن إليها مرة أخرى. هكذا كان الإنسان ظلوماً جهولاً، ظالم لنفسه وللآخرين، وجاهل بعواقب ما سينتج له من خيانته للأمانة، التى عهد الله إليه بها.

المثال الخامس.. السلام:

قد يبدو غريباً أن نقتحم السلام من ضمن المهام التى يجب على الدول النامية البحث عنها ولكن- بمعادلة بسيطة لن يستقر السلام بين الدول إلا إذا كانت ذات قوى متوازنة مع بعضها، فالقوة تغرى دائما بالصراع لتملك مقاليد الأمور، لن يوقف هذا الصراع إلا إذا تملكت الدول النامية قدراً لا بأس به من أسباب القوة المعرفية التى هى السبيل للقوة سواء أكانت: اقتصادية، أوحربية، أو غير ذلك فالسلام إذن مرادف لما تملكه كل دول من وسائل دفاعية تحميها من أعدائها معرفية واقتصادية ولن يتأتى ذلك إلا بالبحث العلمى المنظم ذى الأولويات المنطقية التى تتناسب مع كل دولة، فالصراع بين باكستان والهند لم يكن ليتوقف لولا امتلاك الاثنين- الأسلحة النووية، ولو أحست إحداهما بضعف الثانية لأقدمت على المغامرة..

ومثال آخر على أهمية القوة الاقتصادية ودورها فى تثبيت دعائم السلام والاستقرار فى الدول. اليابان- فاليابان لا تملك جيوشا جرارة ولا قوة نووية، ولكنها تملك قوة اقتصادية هائلة، جعلت الدول الكبرى تخطب ودها، وفى جميع الأحوال، البحث العلمى كان وراء كل هذه القوة.

ما هى دواعى الاهتمام بالأبحاث العلمية:   

ينبغى أن يكون كل بلد قادرا على تصميم وتنفيذ سياسته الخاصة فى مجال العلوم على أساس من الشعور بالمسئولية، وأن يكون قادرا على البت فى تحديد الأولويات وخوض التنافس على الموارد وذلك وفقا لمستواه فى النمو الاقتصادى والتصنيع وتتطلب ذلك إيجاد قاعدة علمية متوازنة تناسب احتياجات البلد والعمل على توافر قاعدة أساسية متطورة، ودعم مؤسسى ثابت وذلك فى نطاق القضايا الاستراتيجية كتكنولوجيا المعلومات والاتصال والتنوع البيولوجى والبيوتكنولوجيا، ليكون الهدف الرئيسى للبحث العلمى خدمة الإنسان وتطوير احتياجاته.

إن المهمة الأساسية للأنشطة العلمية هى الاضطلاع بتحقيق شامل ومعمق عن الطبيعة والمجتمع بحيث يؤدى إلى ظهور معارف جديدة، وهذه المعارف الجديدة تسهم فى الإثراء التعليمى والثقافى والفكري وتؤدي إلى منافع اجتماعية وتقدم تكنولوجى ويعتبر تقرير البحوث الأساسية والموجهة نحو حل المشكلات نشاطاً أساسياً لتحقيق التنمية الذاتية والتقدم لذلك فإن:

1- البحث العلمى هو الأساس المتين الراسخ الذى تبنى عليه كل النتائج فلم تعد الأمور تسير دون تخطيط علمى قائم على البحث العلمى. وعن طريق العلم يمكن فهم الكثير من الظواهر الطبيعية والاجتماعية خاصة تلك العلاقة المعقدة بين المجتمع والبيئة.

2- ظهر فى الآونة الأخيرة أمران على درجة كبيرة من الخطورة، وهما الجات والتربس، والأولى تطورت لتصبح تحت اسم اتفاقية التجارة العالمية، والثانية حقوق الملكية الفكرية.

الاتفاقية الأولى الجات: باختصار شديد تدعو إلى فتح التجارة العالمية وكسر الحدود وإلغاء الجمارك والحماية الوطنية للمنتجات.. بالإضافة إلى ضرورة الالتزام بالمعايير الدولية للإنتاج والعمل، وإعطاء الدول الكبرى حق رفع قضايا ضد أى منتج تحت دعاوى حماية المستهلك والعمل على إيقاف إنتاجه، ووضعوا شروطا ومتطلبات للمنتج وللمصنع وللأفراد العاملين فى هذه الجهات، بحيث لا يمكن للدول النامية أن توفيها وبالتالى فإن 90% من إنتاج الدول النامية سيتوقف ويسحب من الأسواق المحلية والعالمية.. علماً بأن معظم دول العالم وقعت على هذه الاتفاقية والبقية ستأتى.

ومن الواضح أن الهدف الرئيسى لهذه الاتفاقية تحويل الدول النامية إلى أسواق استهلاكية وتفريغها من التصنيع، وبالتالى سيعانى الملايين من البطالة وتُستنزف ثروات الدول النامية، بل الأخطر من ذلك أن أسعار تلك المنتجات لن تكون فى متناول أيدى المواطنين، وستدخل الدول النامية فى صراعات داخلية من أجل توفير الدواء والغذاء وبقية المتطلبات اليومية لهذا الإنسان البائس.

الاتفاقية الثانية هى التريس، وتختص بحقوق الملكية الفكرية، وقد يتصور البعض أنها تتعلق بالتأليف والنشر فقط، ولكن للأسف الشديد ستطول هذه الاتفاقية كل مناحى الحياة، والاختلاف بين هذه الاتفاقية، واتفاقية سويسرا السابقة، والتى فرضت الحماية أيضاً على المنتجات، أن الأخيرة كانت مدة الحماية فيها عشر سنوات فقط بينما الثانية لمدة عشرين عاماً، ومن جانب آخر- فإن اتفاقية سويسرا كانت تحمى طريقة إنتاج المنتج، وليس المنتج نفسه بينما الثانية تعطى الحماية على المنتج النهائى، ولا تعطى الحق لأى جهة أن تنتج منتجاً له الخصائص نفسها، بمعنى آخر لتتصور أن دواءً لعلاج مرض ما مثل الإيدز أو السرطان أنتجته جهة ما- لهذه الجهة فقط الحق فى استغلاله لمدة عشرين عاماً، ويمكن تخيل ماذا ستفعل تلك الجهة بالعالم من ناحية الاحتكار وارتفاع الأسعار بصورة جنونية لمدة عشرين عاماً فسيحرم- بالطبع- العالم النامى من الاستفادة من هذا التقدم الإنسانى الهائل فهى لا تستطيع أن توفر طرق إنتاجه ولا تقدر على دفع تكاليف شرائه، وبعد عشرين عاماً يخلق الله ما لا تعلمون، ويصبح الدواء السابق أثراً من آثار التاريخ، وهكذا. سيعيش العالم النامى محروماً من كل إنتاج جديد يخفف عنه آلامه، ويكفى أن نستمع إلى مراوغات الدول الصناعية الثمانية فى اجتماعها الأخير، بعد أن تداركت الموقف، وشعرت بمخاطره وانعكاساته على الجميع، فطالبت بأن يكون لاتفاقية التجارة والتريس، وجهاً إنسانياً بتوفير الحد الأدنى من المتطلبات الإنسانية، وقد حاولت منظمة الصحة العالمية، وبعض المنظمات الدولية، أن تدخل عضوا مراقباً أساسياً لكن قوبل طلبها بالرفض من قبل مسئولى منظمة التجارة العالمية. فهذه المنظمات تعتبر الصوت المعبر عن آلام وآمال الدول النامية لتوفير الحد الأدنى من المتطلبات الإنسانية.

3- قبل ظهور هاتين الاتفاقيتين (الجات والتريس) كان العالم يعيش حالة من التسامح ولم تكن الأنانية قد تأصلت فى الدول الكبرى بغية زيادة دخل أفرادها من دماء الفقراء، برغم استنزافها لموارد الدول النامية.

كان فى السابق يمكن إنتاج بعض المستحضرات الدوائية فى الدول النامية بعد خروجها إلى حيز الوجود بفترة قليلة، أما الآن فأصبح الأمر فى غاية الخطورة.

ولا أدل على ذلك من سعى الجهات المهيمنة على الأبحاث الحيوية التى تهم حياة الإنسان لتسجيلها فى براءات اختراع مثل، تكنولوجيا الغذاء الحيوية واستخدام الهندسة الوراثية لإنتاج سلالات جديدة مقاومة للظروف المناخية القاسية والمقاومة للحشرات وذات الإنتاجية العالمية.

وفى الولايات المتحدة الأمريكية مازالت هناك بعض الأصوات تعبر عن ضمائر حية، تضم أصواتها إلى فقراء العالم وتنبه إلى الخطر الداهم على الجميع بسبب الهوة الاجتماعية والاقتصادية التى ستحدث نتيجة تطبيق هذه الاتفاقيات والإجحاف الذى يوافقها مما سيؤدى إلى قيام حروب عالمية مدمرة، وقد قام العديد من العلماء فى الغرب برفع قضايا ضد هذه الجهات التى تحاول الاحتكار لوقف تسجيل هذه الأبحاث مساهمة من هذه الدول فى رفع المعاناة عن كاهل الدول النامية، ورداً لدين فى أعناق الدول الصناعية، وتعويضاً لاستنزافهم لموارد وثروات هذه الدول.

ولكن هل هناك من مجيب؟

والسؤال المطروح على القضاء هل يجوز تسجيل براءة اختراع نبات أو حيوان من صنع اللّه، وليس للإنسان فضل فيها غير بعض التحويرات والإضافات التى أكسبها الصفات الجديدة... الأمر هنا له معنى هام وهو محاولة احتكار إنتاج الغذاء، والمقصود هنا الدول النامية.

وقد حدث أخيراً أن بعض الأفراد والشركات الاحتكارية قاموا بزيارة الدول النامية، والتى منها الإسلامية وجمعوا النباتات الطبية والأعشاب وسجلوها فى الدول الغربية، تمهيدا لمقاضاة هذه الدول وفرض إتاوات عليها بعد بدء تنفيذ اتفاقية الجات والتريس، إن  هى استخدمتها فى العلاج أو الدواء، ولقد تنبهت المنظمات الإنسانية مثل منظمة الصحة العالمية، والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، لهذا الأمر ودعت إلى عقد اجتماع عاجل لبحث هذا الأمر واتخاذ الإجراءات لحماية الثروات الطبيعية للدول النامية.

ولعل ما حدث فى سياتل وواشنطن، أثناء الاجتماع الدولى لإقرار الجات والتريس هو أوضح دليل على خطورة ما يدور الآن فى العالم... هل هذه هى الحضارة الإنسانية العالمية اليوم...؟

5- اهتمامات الدول النامية والإسلامية تختلف عن اهتمامات الدول الأوروبية والأمريكية فأولويات كل منهما تختلف عن الأخرى.

6- ليس كل ما يأتى من الغرب فوق الشبهات، فآثار تدمير البيئة كانت بدايته فى الدول الغربية فهى صاحبة إنتاج الغازات المسببة لتدهور حالة الأوزون، وصاحبة البيوت الزجاجية وصاحبة المصانع ذات العوادم الملوثة، ورغم إدراكها لخطورة هذه المنتجات     إلا أنها قامت بتصدير هذه التكنولوجيا، إلى الدول النامية غير عابئة بآثار عوادم هذه المصانع.

ويكفى أن نعرف بأن سكان أمريكا يمثلون 4% من سكان العالم، ويساهمون ب 20% من مصادر تلوثها، بينما الصين تعداد سكانها حوالى 20% من سكان العالم، ونسبة ما ينتج من تلوث عنها يمثل 2%.

7- للعلم دور يتزايد باطراد فى اتخاذ القرارات على الصعيدين العام والخاص خاصة فى رسم السياسات واتخاذ القرارات.

8- بعد انتهاء الحرب الباردة بدأت الدول الكبرى فى توجيه استثماراتها فى ميادين العلم والتكنولوجيا، بيد أن النسبة المخصصة للتعاون الدولى من الناتج الوطنى الإجمالى ولاسيما التعاون مع البلدان النامية فيما عدا بعض الاستثناءات تعرضت- مع الأسف- للركود والانخفاض وأسفر كل هذا بالإضافة إلى الصعوبات الاقتصادية عن زيادة التمويل الذى يقدمه القطاع العام فى مختلف أنحاء العالم للبحوث الأساسية، أو عدم حدوث ازدياد طفيف فيه، بينما انخفضت أنشطة البحث والتطوير التى يقوم بها القطاع الخاص فى بعض القطاعات، وذلك نتيجة للركود الاقتصادى.

مما سبق يتضح أهمية بل ضرورة إنشاء مراكز للأبحاث العلمية فى كل ما يتعلق بأمور حياتنا الاجتماعية والكونية، ولم يعد إنشاؤها ترفا فكرياً ولا عبثاً مالياً، بل ضرورة حياتية لدعم وجود الأمة الإسلامية.

ما هى سبل إنشاء المراكز البحثية فى الدول الإسلامية؟

1- اللبنة الأولى فى إنشاء مراكز بحثية على مستوى جيد هو الإنسان فهو محور التنمية والبحث العلمى،  ولن يتأتى هذا إلا بإعداده إعداداً متميزاً، بترسيخ الإيمان القوى فيه، والعقيدة الإسلامية، فاليابان لا تملك مصادر طبيعية، ولكنها تملك أهم مقومات التنمية العلمية، وهو الإنسان، فرسخت فيه حب العمل، وأصبح جزءاً من عقيدته، ولنا فى إسلامنا الكثير، فالصحابة كانوا يحفظون من القرآن عشرآيات، ولاينتقلون إلى غيرها إلا بعد أن ينفذوا ما جاء في العشر السابقة قولاً وفعلاً هكذا يربى الإسلام أبناءه على الإيمان، وعلى الأخذ بأسباب العلم، بإدخال نظم تعليمية معتمدة على الثورة التكنولوجية، وتنمية الجوانب الأخلاقية منذ الصغر، تؤهل الشباب إلى مستقبل واعد يربطهم بالوسائل والنظم الحديثة فى تكنولوجيا المعلومات.

2- على الحكومات أن تؤمن إيماناً قوياً بأن بقاءها واستقرار الأمن فيها لن يكون إلا بدخول مجال الأبحاث العلمية تدعيماً لتوفير مقومات الحياة، خاصة وأن الحجب بين الدول قد تلاشت وصار المواطن يرى بأم عينيه ما يجرى على أرض الواقع خارج حدود بلاده عن طريق التليفزيونات والإنترنت، فلم يعد الحكام باستطاعتهم تضليل الشعوب.

وعليها تخصيص 5و2 % من الناتج القومى فى ميزانية للأبحاث إذا هى أرادت أن يكون لها وجود تحت الشمس.

3- ضرورة وضع استراتيجية طويلة الأمد، وأخرى قصيرة تبين فيها الأولويات البحثية.

4- ربط  الصناعة والزراعة وكل الأمور الحياتية بالبحث العلمى فلم يعد الانفصال مستساغاً بين الاثنين تحت دعاوى كثيرة كلها واهية على أن تساهم الصناعة فى تمويل الأبحاث العلمية لتحصل على ناتج هذه الأبحاث مستفيدة من ذلك، آخذين بعين الاعتبار دور القطاع العام ومساهمة القطاع الخاص، ففى الدول الصناعية مساهمات القطاع الخاص أضعاف ما يقدمه القطاع العام.

5- تهيئة الأجواء للباحثين بإعدادهم إعدادا متميزاً.

6- ربط  علماء الدول الإسلامية فى المهجر مع دولهم بأبحاث فى مجالات تخصصهم للاستفادة منهم فى تدريب الكوادر الوطنية ومشاركتهم فى بحث مشاكل أوطانهم.

7- على الدول الغنية من الدول الإسلامية تخصيص صندوق برأسمال كبير يخصص للبعثات العلمية لأبناء الدول الإسلامية لدى الغرب لتكوين الكوادر الوطنية الإسلامية الديمقراطية.

8- التنسيق بين مراكز الأبحاث الإسلامية وربطها بشبكات اتصال حديثة لتبادل المعرفة والناتج والتدريب والتنسيق والأولويات، حتى تتمكن دولنا من الاستفادة القصوى من تجارب الدول الإسلامية الأخرى.

9- الديمقراطية وهى إحدى الوسائل الهامة لتنمية الاستقرار النفسى والتعرف على مواطن الخلل لتفاديها وتصحيح المسار كلما استدعى الأمر ذلك.

10- الدخول إلى عالم الأبحاث الجديدة مثل البيوتوكنولجى، أو  التكنولوجيا الحيوية حيث المستقبل الواعد لها لإنتاج سلالات لنباتات ذات عائد وفير ومقاوم للفطريات والحشرات.

11-  كما يجب الاستفادة من التقدم التكنولوجى العالمى الهائل فى مجال الدواء، ففى الأعوام القليلة القادمة سيتغير نمط العلاج باستخدام العلاج الجينى والتخليق الخيوى، ولذلك يجب الدخول فى هذا المجال قبل فوات الأوان، وقبل أن يحتكر الغرب نتائج الأبحاث وتتأخر الدول النامية ومنها الإسلامية، فى الدخول إلى هذا الميدان فتضطر لدفع أضعاف ما كان يمكن أن تدفعه، لتحصيل ما فاتها فى هذا المجال.

12-  ضرورة الدخول إلى عالم تكنولوجيا المعلومات التى أصبحت الآن المصدر الرئيسى للثورة المعرفية، والدخول إلى القرن القادم لن يتوفر إلا باقتحام هذا المجال المعرفى الهام، والتعرف على أسراره.

إن من الأهمية بمكان تطوير هذه التكنولوجيا واستخدامها لتحقق تكافؤ الفرص بين العلميين فى شتى أنحاء العالم وتيسير نشر المعلومات والانتفاع بها على نطاق واسع والتشجيع على قيام حوار علمى حقيقى على الصعيد الدولى، ويتعين تصميم نظم للحوسبة والمعلومات تعبر عن مختلف ثقافات الشعوب ولغاتها ومواردها التقنية وعاداتها واحتياجاتها.

13-  إن حجم الاستكشافات والتطبيقات والدرايات المتراكمة فى عالم اليوم يشكل نبعاً لم يسبق له مثيل من المعرفة والمعلومات والقوة، ومن ثم فان التحدى الرئيسى فى القرن المقبل يكمن فى الأرضية المشتركة بين ما تملكه البشرية من قوة بيدها، وبين ما تتوخاه من حكمة فى استخدام هذه القوة.

ومن هنا تظهر أهمية التزام الباحثين بالأخلاقيات فى مجال الأبحاث مستمدة من الشريعة الإسلامية دون غيرها لأنها منزلة من رب العالمين خالق الإنسان الذى يعلم ما توسوس به نفسه، والخالق أعلم بمخلوقه الذي أسند إليه الخلافة فى الأرض ليعمرها كما أمره- سبحانه وتعالى.

لذلك يجب أن تنشأ فى كل دولة لجنة تسمى: لجنة الأخلاقيات العليا للأبحاث وتطبيقاتها ينبثق منها لجان فى المجالات المختلفة للأبحاث تقوم بوضع الأسس الأخلاقية الواجب اتباعها لتصبح دساتير مواثيق عامة وخاصة لكل مجال من مجالات البحث ضمانا للالتزام بالمواثيق الأخلاقية المستمدة من الشريعة الإسلامية، وعدم انحرافه عن طريق الصواب.

ضرورة إشراك العلماء فى المجالات المختلفة مع بعضهم البعض، فالبحث العلمى ونتائجه له انعكاساته المختلفة على المجتمع، فالجوانب الأخلاقية هامة حتى لا يحدث أي تعد على كرامة الإنسان وإنسانيته، والجوانب القانونية تؤكد ضرورة التزام الباحث بما حدده له الفانون بما يحفظ للجميع، باحثين ومستهلكين حقوقهم، والانعكاسات الاجتماعية يجب وضعها فى الاعتبار، ومدى تأثير ذلك على المجتمع على أن يكون كل هذه الضوابط مستمدة من الشريعة ا لإسلامية.

وأختم حديثى بقوله سبحانه وتعالى: ) هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون (  سورة الزمر آية 9 وقوله ) يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات (  سورة المجادلة آية 11 وقوله:  )  إنما يخشى الله من عباده العلماء  (   سورة فاطر آية 28.

هذه بعض التصورات فى مجال دعم مراكز البحث العلمى،  أرجو أن أكون قد وفقت فى عرض صورة سريعة عن أهمية هذا الجانب لتنهض الأمة من سباتها قبل أن تمر مرحلة التطور هذه.

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع