الفكر الإسلامى والتقدم
التكنولوجى
البعد الطبقى وإشكاليات
التنمية التكنولوجية
أساليب المواجهة
أ. د. نبيل السمالوطى
رئيس قسم الاجتماع
وعميد كلية الدراسات
الإنسانية بالدقهلية- مصر
ترتبط التنمية التكنولوجية بالتنمية
البشرية ومدى إعداد القوي البشرية القادرة على تملك أدوات التفكير العلمى ومعالجة
قضايا الحياة العملية- أسرية أو اجتماعية أو مهنية- بمنهجية وفكر منظم، ويقع داخل
هذا الإطار مدى قدرة المجتمع على قيمية قدرات الأطفال ومن ثم صغار السن والشباب
بحيث يصبحون محبين للعلم، وقادرين على الإبداع والابتكار، ويصح لديهم القدرة على
التعامل مع تطبيقات العلم، سواء من حيث نقل التكنولوجيا واستيعابها وتطبيقها، أو
القدرة على توطينها وتطويعها للبيئة المحلية، أو القدرة على إبداع تكنولوجيات
مستحدثة، واستنبات تكنولوجيا جديدة تحقق التكامل بين أحدث تكنولوجيات العالم من
جهة، ومن المتطلبات المحلية والعالمية من جهة ثانية، وبين الإمكانات المتاحة لكل
دولة من جهة ثالثة.
ولا شك أن التنمية البشرية سواء فى مجال
التعليم. بكل مراحله، أو فى مجال التدريب بكل أنواعه ومستوياته، ترتبط بالبناء
الطبقى فى المجتمع، كما ترتبط بالحراك الطبقى والاجتماعى Social Mobilityومدى توافر مقدماته داخل المجتمع. هذا
البناء الطبقى والحراك الاجتماعى يرتبط بدوره بالبناء والنظم السياسية (التعددية
السياسية والديمقراطية وحرية الفكر وقبول الرأى الآخر والتسامح وتداول السلطة
السلمى والالتزام السياسى والولاء الوطنى والمواطنة المسئولة والتبعية المستنيرة
وممارسة النقد البناء وحرية الصحافة... إلخ). كذلك فإن البناء الطبقى يرتبط بمؤسسات
التنشئة الاجتماعية، سواء من حيث طبيعة هذه المؤسسات، أو مضامين ما تبثه من قيم
وسلوكيات، أو نوعية القدوة التى يقدمها للأطفال وصغار السن للاقتداء بها.
ولا شك أن منظومة السياسة والاقتصاد
والتعليم والبناء الطبقى تنعكس بشكل مباشر على منظومة التنمية بكل أنواعها فى كل
مجتمع بما فيها التنمية التكنولوجية وهى الموضوع الرئيسى لهذه الورقة. ولهذا فسوف
نركز على البعد الطبقى للتنمية الاقتصادية والتكنولوجية، وسوف أركز بشكل أساسى على
الطبقة الوسطى بوصفها الطبقة التى تقود التنمية، سواء من حيث أنها تضم الكوادر
الفنية والإدارية المسئولة عن البحث العلمى ونقل واستيعاب وتوطن وإبداع واستنبات
التكنولوجيات الوطنية بعد استيعاب أحد التكنولوجيات العالمية، أو من حيث أنها
تتضمن فئة المنظمين ورجال الأعمال الذين يتمتعون بالقدرة الريادية فى مجال الإنتاج
والخدمات، أو من حيث أنها تضم أصحاب المهن المتوسطة والعليا التى تحتاجها سياسات
وخطط وبرامج التنمية. هذه الطبقة الوسطى هى التى تؤهل المجتمع لمعركة التنافسية فى
ظل الأسواق المفتوحة واقتصاديات السوق، وهى القدرة على تعظيم مكاسب العولمة وتحول
دون تحولها إلى هيمنة وتبعية من جانب الشعوب والدول النامية.
وسوف نركز فى هذا البحث على الموضوعات
الآتية:
ا- البعد الطبقى للتنمية الاقتصادية
والتكنولوجية.
2-
إشكاليات التنمية التكنولوجية فى الدول الإسلامية.
3-
التنمية والخيار التكنولوجى.
4-
التنمية التكنولوجية فى الفكر الإسلامى.
أولا: البعد الطبقى للتنمية الاقتصادية
والتكنولوجية
ترتبط التنمية الاقتصادية بمدى توافر
طبقة وسطى قوية مبدعة ناقدة ومحللة، طبقة من المفكرين والمبدعين والعاملين، طبقة
قادرة على استيعاب العلم وتوظيفه فى خدمة المجتمع طبقة قادرة على استيعاب وتطوير
وتوطين التكنولوجيا واستنبات تكنولوجيات تستثمر البيئة ولا تلوثها.
الطبقة الوسطى هى القادرة على تحقيق
التوازن الاجتماعى والسلام الاجتماعى، وتحقيق الترابط بين الطبقة العليا والدنيا،
وهى الطبقة القادرة على تحريك المجتمع نحو التقدم- من خلال منهجية علمية وسياسات
محددة وخطط وبرامج تنفيذية. وهى الطبقة المؤسسة للمجتمع المدنى بكل مؤسساته- هى
أساس القيادات فى العمل النقابى، وفى العمل السياسى (من خلال الأحزاب السياسية)
ومن خلال مختلف الاتحادات والهيئات غير الحكومية.
الطبقة الوسطى هى طبقة المهنيين (أطباء-
مهندسين- مدرسين- أساتذة جامعات- محامين) هى طبقة العلماء المشتغلين بالبحث
العلمى، هى طبقة التكنولوجيين أو كوادر جماعات التكنولوجيا والمؤسسات التكنولوجية،
وهى طبقة المديرين الناجحين الذين يقومون بالتخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقويم
للمشروعات وهى طبقة القادة العسكريين، وهى الطبقة المسئولة عن تقويم المنتجات
وتطويرها.
وهى تشمل حملة المؤهلات العليا وبعض
المتوسطة والمثقفين وكبار أصحاب الحرف والتجار وأصحاب المهن الحرة أصحاب الصناعات
الصغيرة وهى الطبقة الحامية للهوية الثقافية للأمة، المقاومة للغزو الفكري
والقادرة على التصدى للصراع الحضارى.
والميزة الأساسية فى الطبقة الوسطى رغم
عدم تجانس أبنائها إنهم يعتمدون على عملهم وفكرهم ولديهم طموحات وتطلعات عالية
ومعظم أفرادها متعلمون تعليما متوسطا أو عاليا.
المشكلة فى العديد من الدول النامية
تآكل الطبقة الوسطى بسبب عدة عمليات تبدو متناقضة وفى حالة مصر أخذت هذه الطبقة فى
التآكل بسبب عدة عمليات منها:
ا- الصياغة البيروقراطية (1) لهذه
الطبقة من خلال إخضاعها لروتين المنظمات الحكومية بعد عصر التأميم والتمصير
والتحول الاشتراكى بعد سنة 960 1م. هذه الضغوط البيروقراطية أفقدت هذه الطبقة
حيويتها وخصائصها الإبداعية وإصابتها بالعقم الفكري والثقافى والسلوكى وأثرت على
واقعيتها للإنجاز والتألق فى النجاح.
وهنا نجد أن من يلمع ويبتكر ويجدد يعاقب
لخروجه عن النمط الروتينى المألوف ويخالف اللوائح مما يجب العقاب. أما التقليدى
المؤثر للسلامة الشخصية والسائر على المنهج القديم يكافأ وينجو من الحساب.
هذا هو ما أدي بأبناء الطبقة الوسطى
المبدعين إلى أحد أمرين:
- إما السعى نحو الهجرة
للعمل فى الخارج هربا من حالة الإحباط التى يعانونها والتركيز على المصالح المادية
أو حتى الآدمية والفكرية لكن خارج الوطن.
- وإما التحول إلى نموذج الدهماء أو أخلاق القطيع
وتبنى ثقافة الموظف النمطى (عبد الروتين 9 والتخلى عن الطموح العلمى والمهنى
والإدارى والثفافى وكل هذا من شأنه تهميش هذه الطبقة من حيث دورها فى التنمية أو
إخراجها نهائيا من منظومة القوة الدافعة والقائدة للتنمية، وهو الأهم والأخطر فى
هذا الشأن.
2- عمليات التحول الاجتماعى والاقتصادي
العشوائية من النقيض إلى النقيض دون إعداد منهجى للمجتمع، ودون حساب المردود
الاجتماعى والاقتصادى لهذه التحولات العشوائية التى حدثت خلال فترات متقاربة.
فالانتقال من المجتمع المفتوح القائم على الحرية الاقتصادية قبل الثورة والتى نمت
خلالها الطبقة الوسطى بشكل طيب وأسفرت مشروعات اقتصادية واجتماعية عملاقة بمقاييس
ما قبل ثورة يوليو 1952م مثل مشروعات المحلة الكبرى وكفر الدوار وغيرها، التحول إلى التأميم
والتمصير وتضخم القطاع العام دون استعداد سابق ودون إعداد جيد للكوادر الإدارية
والفنية.. (دراسة مورو بيرجر عن البيروقراطية فى مصر) أدي إلى إحباط الطبقة الوسطى
وتهميش دورها واتجاهها للهجرة أو عدم القدرة على ممارسة دورها المطلوب فى المجتمع.
كذلك فإن الانفتاح العشوائى الذى تم فى
بداية السبعينات أدى قلب الهرم الاجتماعى فى مصر خلال الهجرة الدائمة أو المؤقتة
أو العمل فى الشركات والمؤسسات الأجنبية التى تكاثر عددها فى مصر خلال تلك الفترة.
وقد كانت أعداد الذين أثروا ثراءا كبيرا
من أبناء الطبقة الوسطى قليلا بالمقارنة بأعدادهم بالمقارنة بأعدادهم الكبيرة، أما
الباقى فقد ظلوا فى وظائفهم التنظيمية معتمدين على رواتبهم التى أخذت تتآكل بفعل
التضخم. وكل هذه العمليات أدت إلى تآكل هذه الطبقة لانحدارها إلى قاع المجتمع
كمأجورين تنعدم لديهم الحوافز للإبداع والتفوق، أو حتى لمتابعة التعليم والتثقيف
الذاتى لمتابعة أحدث التطورات العالمية فى مجال المهنة والعلم. وهذا ساهم أكثر فى
تدهور هذه الطبقة الوسطى.
3-
غياب التنظيمات الفعالة المؤسسة للمجتمع المدنى وفى مقدمتها التنظيمات النقابية
والمهنية والحزبية والجمعيات غير الحكومية، تلك التنظيمات المسئولة عن الارتقاء
بالمهنية ومتابعة نموها وتدريب أبنائها على احدث التطورات العالمية فى المهنة
والمسئولة فى نفس الوقت عن حماية أبنائها وتقديم التسهيلات المختلفة لهم والارتقاء
بمتسواهم الاقتصادى والاجتماعى. كل هذا أدى إلى سيادة قيم فردية والانعزال ومحاولة
أبناء الطبقة الوسطى حل مشكلاتهم بجهود فردية تنافسية قد تتصادم مع المصالح العامة
أو مصالح آخرين فى المهنة ولا شك أن هذا مدخل لظهور الانحرافات والأمراض
الاجتماعية إلى جانب حرمان المجتمع من نشاط وجهود أبناء الطبقة الوسطى.
4-
إذا كانت الدولة خلال حقبة الستينات هى المسئولة عن نمو الطبقة الوسطى وحمايتها من
خلال عدة آليات من بينها سياسة التوظيف، وسياسة الدعم، وسياسة الخدمات الاجتماعية
(التعليمية والصحية والاجتماعية،، وسياسات أخرى انعكست إيجابيا على زيادة الدخل
المباشر وغير المباشر لأبناء هذه الطبقة، مثل دعم المواد الاستهلاكية الضرورية،
وتخفيض إيجارات المساكن، ونظم الحوافز والمنح والإعانات الدورية- كل هذا حرصا من
النظام الناصرى على تجذير قاعدته الشعبية، فإنه مع ظهور نظام تحرير الاقتصاد من
خلال الانفتاح الاقتصادى وبداية تطبيق سياسة التكيف الهيكلى بدءا من منتصف
السبعينات، حدثت نكسة واضحة للطبقة الوسطى والدنيا المأجورة.
وقد برز هذا واضحا فى تدهور نصيب الأجور
من الناتج المحلى الإجمالى حيث أصبح
3, 34% فقط فى مقابل 6،56لعوائد الملكية والواقع
أن الانسحاب التدريجى للدولة من السيطرة على النشاط الاقتصادى. ومحاولتها تثبيت
الأسعار نسبيا خاصة بعد انتفاضة
8 1، 9 1 يناير 977 1، والاعتماد على
القروض والمنح الأجنبية التى تزايدت خلال تلك الفترة، وتزايد الطلب الخليجى على
العمالة المصرية كل هذا ساهم فى ضعف تدهور الطبقة الوسطى خاصة التى تعتمد فى دخلها
على ذوى المرتبات وتشير تقارير البنك الدولى فى سنة 1980م إلى حدوث تدهور كبير فى
مكانة الطبقة الوسطى كما يستدل عليه من ارتفاع نصيب أعلى5% من السكان من 17% من
إجمالى الدخل القومى أواخر الستينات إلى 22% فى أواخر السبعينات، بينما انخفاض
نصيب فقر 20% من السكان من 7% إلى5% خلال نفس الفترة (عشرة سنوات)، يضاف إلى هذا
أثر التضخم إلى تراوح بين 20، 30% سنويا خلال الثمانينات.
ومع قدوم التسعينات وبداية الإصلاح الاقتصادى
الجاد فى مصر من خلال إرساء البنية الأساسية اللازمة لانطلاقة صناعية عملاقة،
وبداية الإصلاح الهيكلى والأخذ بسياسة الخصخصة وإلغاء التزام الدولة بتوظيف
الخريجين والتحلل من بعض الالتزامات الاجتماعية مثل بعض جوانب الدعم، وتراجع الطلب
على العمالة بالخليج وعودة الكثير منها بعد حرب الخليج الثانية، تزايدت أزمة
الطبقة الوسطى وتزايد تآكلها.
وقد استدل بعض الدارسين على صحة هذه
المقولة من خلال ثلاثة أبعاد هى: (2).
أ- زيادة بطالة الحاصلين على التعليم
المتوسط من 4، 7 1% عام 960 1م إلى حوالى
5. 31% عام 995 1م، وبطالة الجامعيين من
2، 3% سنة 960 1م إلى 8، 11% سنة1995 م.
ب- انخفاض الأجور الحقيقية لقطاع كبير
من أبناء الطبقة الوسطى كالمهندسين والأطباء والمدرسين والمحاسبين والكتاب
والصحفيين بسبب التضخم الكبير الذى أصاب الاقتصاد المصرى من 985 1م إلى 994 1م،
وقد توقف هذا التدهور فى الدخول منذ بداية التسعينات كما يشير إلى هذا تقرير
التنمية سنة 996 1م بسبب قدرة الاقتصاد المصرى على السيطرة على التضخم وانخفاض
معدله بشكل كبير خلال هذه الفترة.
جـ- أزمة الإسكان: وقد عانت الطبقة
الوسطى من عدم إمكانية الحصول على مسكن مناسب لبناء الأسرة نظرا للارتفاع الكبير
فى أسعار المساكن وتحولها من الإيجار إلى التمليك خلال فترة السبعينات والثمانينات
والتسعينات. ومع احتفاظ أبنا، الطبقة الوسطى بتطلعات متوسطة لا يستطيعون معها
السكنى فى العشوائيات وأماكن غير لائقة كما يفعل أبناء الطبقات الدنيا، ومع احتفاظهم
بمنظومة القيم والأخلاق التى ترى فى الزواج الوسيلة الوحيدة لإشباع الحاجات
الجسمية والعاطفية، فإن أزمة عدم إمكان الحصول على سكن لأبناء الطبقات الوسطى كان
له آثاره الاجتماعية والنفسية المدمرة.
وحتى مع صدور الفانون رقم4 لسنة 996 1م
والذى أتاح الفرصة لأصحاب العقارات لإيجارها حسب بنود القانون المدنى بمدد محددة،
ومع ما قام به هذا القانون من دور مهم فى كسر أزمة الإسكان أمام أبناء الطبقة
الوسطى، فإن آثاره لم يتم دراستها بعد- نظرا لعدم وجود إحصاءات حول عرض وطلب
الإسكان المعمول به بناء على هذا القانون، والتحفظات التى ما تزال لدى أصحاب
العقارات بصدد القانون، وفضلا عن هذا فإن أسعار إيجار الشقق يجعل دائرة تأثير
القانون حتى الآن فى صالح الفئات العليا الميسورة من أبناء الطبقة الوسطى وليس فى
صالح أبناء الطبقة الوسطى (وسطى الوسطى فضلا عن الدنيا الوسطى). فمتوسط إيجار الشقة
إلى حوالى 350 جنيه شهريا. ولا شك أن انقضاء ثلاث سنوات على صدور القانون لا
يمكننا من تقويم آثاره بشكل موضوعى.
5-
تختلف طبيعة الطبقة الوسطى وفعاليها فى التقدم أو التنمية الاجتماعية والاقتصادية
حسب ظروف نشأتها ونوعية أبنائها. فالطبقة الوسطى ليست جماعة متجانسة لكنها تشمل
موظفين وتجار وأصحاب مشروعات صغيرة ومهنيين وعلماء، كما تختلف فى المستويات
التعليمية والاقتصادية والحياتية إلى شرائح متباينة- دنيا وسطى عليا- ولا شك أن
الظروف التاريخية لنشأة الطبقة الوسطى تؤثر على دورها فى مسيرة التنمية- فالظروف
التاريخية لنشأة الطبقة الوسطى فى مصر قبل الثورة ارتكزت على عدة عوامل وآليات
منها التعليم والجهد الشخصى والمخاطرة والسوق المفتوحة والتطلعات العالية، أما بعد
الثورة فقد لعبت الدولة الدور الأكبر فى تنمية الطبقة ، الوسطى دعما لشعبية الثورة
والنظام السياسى من خلال دعم مجانية التعليم الذى تم تطبيقه قبل الثورة، والالتزام
بنظام القوى العاملة فى توظيف أبناء المؤهلات المتوسطة والعالية، وبرامج الإصلاح
الزراعى وتوزيع الأراضى على الفلاحين ونظم الدعم فى المجالات المختلفة والتأمين
الصحى والاجتماعى للعاملين... إلخ.
وعند المقارنة بين نشأة وطبيعة الطبقة الوسطى التى ساهمت فى
إطلاق التقدم الاقتصادى والاجتماعى فى أوروبا بين 1700، 1900 بالطبقة الوسطى عندنا
فى مصر، نجد أن الأولى كانت تمجد العمل أما الطبقة الوسطى فى مصر والتى هى إفراز
الدولة من خلال سياسة التعليم المجانى والتوظيف والتأمينات والإصلاح الزراعى.. خلق
طبقة قطاع عريض منها يسعى للثروة دون العمل، وتسعى للاستهلاك الشره ويمجد
"الفهلوة" فى التعامل وهذه لا تقود إلى أى نوع من التقدم أو التنمية
(3).
وعندما تصبح الغالبية العظمى من أبناء الطبقة الوسطى من
الموظفين، يكون الأصل هو الالتزام التنظيمى من حيث المسئوليات واتخاذ القرار ونظم
المحاسبة والثواب والعقاب حسب معدلات الأداء والإنجاز والالتزام بالوقت واحترام
اللوائح المنظمة للعمل ونظم الاتصال وخطوط السلطة... إلخ، غير أن تفشى ما يطلق
عليه أمراض البيروقراطية
BUREUPATIOLOGY
من بطالة مقنعة وتسيب وطول مدة الإجراءات وغياب المحاسبة وانتشار،التغيب عن العمل دون إذن رسمى ، والتهرب من المسئولية
والرشوة وضعف معدلات الأداء، وتضارب الاختصاصات وغياب الإدارة العلمية.. إلخ، والأخطر من هذا قلب الآية من حيث عقاب العاملين
المجتهدين نتيجة لبعض الأخطاء، وعدم محاسبة أو عقاب المهملين لعدم تعرضهم للخطأ.
كل هذا ساهم فى عدم قيام الطبقة الوسطى بالدور الإبداعى فى قيادة حركة التنمية
الاقتصادية. وعلى العكس من هذا عندما تصبح الطبقة الوسطى إفرازا لعوامل اقتصادية
وسياسية نتيجة لحرية الرأى وحرية تكوين الأحزاب، وحرية تكوين هيئات غير حكومية،
وحرية الانتماء لها، ونتيجة حرية حركة السوق وتشجيع الدولة للصناعات والمشروعات
الخاصة الصغيرة والكبيرة، وعندما تصبح الطبقة على قناعة بقيمة العلم والتقنية فى
النمو الاقتصادي وتعظيم عوائد مشروعاتها، عندما يحدث هذا فى مجتمعات ذات مناخ
ديمقراطى وحرية اقتصادية وتحطيم لمعوقات انطلاق المشروعات الصغيرة، تصبح الطبقة
الوسطى صانعة حقيقية للتنمية والتقدم الاقتصادى والاجتماعى. ويمكن القول أن الطبقة
الوسطى بعد الثورة وحتى الثمانينات كانت من النوع الأول أى صنيعة الدولة حيث كانت
الغالبية من الموظفين الذين يعملون فى تنظيمات تسودها أمراض البيروقراطية. كذلك
كانوا يعملون فى ظل نظام القولبة السياسية والثقافية فى ظل سيادة التنظيم الواحد
(اتحاد قومى أو اتحاد اشتراكى أو حزب واحد). ويعملون فى ظل غياب مؤسسات فعالة
للمجتمع المدنى. لكن بعد ظهور المنابر وتحويلها إلى أحزاب، وبعد تحرير الاقتصاد
المصرى وتحوله إلى اقتصاد سوق، وبعد ظهور مناخ مدعم للاستثمار الداخلى والخارجى
العربى والأجنبى، من خلال التيسيرات التى تقدمها الدولة فيما يختص بالأراضى
والإعفاءات الضريبية والجمركية وإعادة بناء البنية الأساسية وإطلاق مشروعات عملاقة
فى توشكى والعوينات وسيناء وحول مدن القناة ومن خلال تفعيل البورصة والإصلاح
المالى وأعمال برامج علمية مخططة للخصخصة، كل هذا سوف يسهم فى بناء طبقة وسطى
جديدة فاعلة تقود حركة التنمية الاجتماعية والاقتصادية، سواء من خلال المشروعات
الاقتصادية، أو من خلال الديمقراطية والانتماء إلى مؤسسات المجتمع،المدنى المدعمة
للتنمية والمدعمة للنمو السياسى الديمقراطى والنمو الثقافى والتربوى والفكرى
والسلوكى، ولا شك أن الأمر يحتاج لمزيد من الدراسات الواقعية حول إعادة تقويم دور
الطبقة الوسطى فى التنمية، خاصة وأن هناك فرقا كبيرا من منظور التنمية بين أبناء
الطبقة الوسطى الذين يكسبون دخلهم من عملهم الاستثمارى والإنتاجى، ومن هؤلاء الذين يكسبونه من خلال أنشطة غير إنتاجية
كالمضاربة على الأرض والعقارات والتضخم والإقراض الربوى... الخ.
6- تهدد الثورة
الصناعية الثالثة- وهى الثورة التكنولوجية- الطبقة الوسطى بشكل واضح على عكس
الثورتين الصناعيتين الأولى والثانية. فالبطالة مرتبطة بالدورات الاقتصادية
والتجارية التى يمر بها المجتمع، ومع الكساد المحلى والعالمى. أما الآن ومع تزايد
النمو التكنولوجى أصبحت البطالة أمرا مصاحبا للنمو الاقتصادى وليس الكساد كما كان
الحال فى الماضى. وهذا يعنى أن البطالة أصبحت هيكلية لا دخل لها بالدورة
الاقتصادية، وذلك لبدء ظهور ما يسميه بعض الباحثين (نهاية العمل) ونتيجة لظهور ما
يطلق عليه مصانع بلا عمال حيث تقوم التقنيات المتقدمة بكل الأعمال. وهنا تسقط آراء
النظريات الكلاسيكية الجديدة التى تربط البطالة بجمود سوق العمل. فهم يرون أن
مرونة هذا السوق كفيلة بحل مشكلة البطالة بترك العمل حرا للعرض والطلب، وقبول العمال أجورا أقل.
ويشير رمزى زكى (4) إلى خطأ هذه النظرية ذلك أن 99% من العمال
المتعطلين
فى أمريكا يقبلون أجورا أقل لكن لا يجدون عملا. كذلك يشير إلى
انتشار واتساع ظاهرة العمل غير الدائم أو لبعض الوقت PART TIM وسقوط مفهوم دولة الرفاهية والتزام الدولة برفاهية أعضائها، وتوحش
الدول والأفراد حيث زاد الاتجاه نحو زيادة الإنتاج والأرباح وزيادة التنافسية
واختراق الأسواق والحواجز السياسية وتنامى المعلوماتية واستخدام الأساليب
الأخلاقية وغير الأخلاقية فى النمو الاقتصادى ، كل هذا على حساب الإنسان (تزايد
البطالة وانخفاض الأجور وتدهور المعيشة) وهكذا تنتصر التكنولوجيا ويضيع الإنسان.
وبشكل عام فإذا كان هناك من يقول بتآكل الطبقة الوسطى، فإن
هناك من يقول بظهور طبقة وسطى جديدة تتمثل فى المشتغلين بالاتصال والمعلوماتية
وبرامج الكمبيوتر والمتعاملين مع شبكات الاتصال، والعاملين فى الشركات متعددة
الجنسيات أو العابرة للقارات، والعاملين فى الهيئات غير الحكومية ذات الطابع
الدولى، والمتمكنين من التكنولوجيا رفيعة المستوى فى مختلف الصناعات، وليس المهم
الحديث عن تنامى أو تآكل الطبقة الوسطى، إنما المهم هو الحديث عن نوعية هذه
الطبقة، ونوعية القيم التى توجهها، ودورها فى إطلاق تنظيم وإرادة المشروعات
إنمائية ناجحة، وقدرتها على المثابة والتدرج وليس الجري وراء المكاسب السريعة بدون
جهد، ومدى اعتمادها على الجهد الشخصى العقلى واليدوى وأعمال قدراتها الإبداعية أو
الاعتماد على آليات غير إنتاجية كالمضاربة والسمسرة والإقراض هذا إلى جانب القدرة
على متابعة التطورات العلمية والتقنية العالمية وتنافى قدرتها على المنافسة
الدولية.
ثانيا: إشكاليات التنمية التكنولوجية فى الدول الإسلامية:
الأصل فى المجتمع الإسلامى أن يكون له السبق والتفوق فى كل
مجالات العلم النظرى والتطبيقى. خاصة وأن المنهج التجريبى ، والقضاء على ازدواجية
العلم والتطبيق كان أحد الإفرازات الابتكارية للعقل المسلم. يضاف إلى هذا أن هذا
السبق والتفوق العلمى والتقنى يعد فى المجتمع المسلم ضرورة حتمية تقتضيها طبيعة
الرسالة التى خلق الإنسان لأدائها وهى رسالة لتصل بالبناء العقائدي الإسلامى. ومن
هنا فإن التفوق العلمى والتقنى فى المجتمع الإسلامى ينطلق من منطلقات ودوافع
إيمانية.
غير أن نتيجة لعوامل معقدة ومتشابكة- داخلية وخارجية، أصيبت
الدول الإسلامية بالتخلف وأخذت الدول الغربية فى النمو والتقدم العلمى والتقنى،
وأخذت الفجوة بينهما تتسع خاصة بعد الثورة الصناعية الأولى والثانية فى الغرب،
ودخول الغرب عهد ما بعد الصناعة أو عصر الثورة التقنية أو العلمية أو عصر
الاختراعات " المايكرو- اليكترونية"، وأصبحت هى المحتكرة للخبرات
التقنية، والعلمية، وللأجهزة ولرأس المال، وأصبح محتما على الدول الإسلامية
والنامية التعامل معها استيرادا وطلبا للخبرة والتقنيات ورؤوس الأموال.. إلخ،
والدول الإسلامية تقع عموما فى إطار الدول النامية التى تعانى مما يطلق عليه
تحديات التقنيات الحديثة. وتتمثل هذه التحديات فى عدة أمور نوجزها فيما يلى:
1- احتكار دول
الغرب أو الدوائر فى فلكها للتقنيات فى أغلب المجالات، ولا تصدرها إلى الدول
النامية إلا بشروط، وبقدر، وبما لا يتعارض مع مصالحها.
2- تحاول الدول
المحتكرة للتقنيات أن تفرض أنماطا ثقافية وفكرية، وعلى الدول المستوردة تكرس
التغريب Westernization أو محاولة صياغة النظم
داخل هذه المجتمعات صياغة غريبة وقد ظهر فى هذا الصدد عدة نظريات كان آخرها
نظرية( فوكوياما،) حول "نهاية التاريخ " وقبلها نظريات التحديث.. إلخ.
وهى تحاول أن تحقق ذلك من خلال عدة آليات من بينها شروط نقل التقنية، والشروط التى
تفرضها فى حالة القروض ونقل الخبرة، والغزو الفكرى... إلخ.
3- هناك العديد من
قنوات نقل التقنيات الحديثة إلى الدول النامية، أهمها الاستيراد والشركات متعددة
الجنسية، وعقود ورخص وبراءات الاختراع والعلامات التجارية بين شركات خارجية وشركات
محلية، والمعارض ووسائل الإعلام.. إلخ. وهنا تثار أزمة أو إشكالية مدى ملاءمة
التقنيات المستوردة للبيئات المحلية التى تنقل إليها. وهناك إيجابيات وسلبيات
للشركات متعددة الجنسيات (5) التى هى من أكبر محتكرى التقنيات الحديثة، ومن بين
السلبيات الحيلولة دون توطين التقنية داخل البلاد المنقولة إليها، ومحاولة
الاستفادة من فرص رخص الأيدي العاملة أو التخلص من نفقات النقل، وتحقيق أرباح
هائلة يعاد تصديرها للبلد الأم، الأمر الذى يسهم فى اختلال ميزان مدفوعات الدول
النامية، هذا فضلا عن التهرب الضريبى، ومحاولة التأثير على قرارات الدول النامية،
الأمر الذى يجعل الدول المتقدمة تقنيا قادرة على توجيه الدول النامية.
4- نقل التقنيات
بأساليب لا تسهم فى توطينها، ويتم التوطين من خلال عدة أساليب منها تشغيل أيدى
عاملة وطنية وتدريبها واكتسابها خبرات تمكنها فى المستقبل من الاستقلال عن الشركات
الأجنبية، أو الإسهام فى مشكلة البطالة، أو الإسهام فى تزويد مشروعات أخرى
بمنتجاتها، (وهو ما يطلق عليه قوى الدفع إلى الأمام وقوي الدفع إلى الخلف) ويدخل
فى موضوع التوطين، قدرة المشروعات التقنية على الاستفادة من الخامات المحلية
وانتاج سلع وخدمات تتفق مع الواقع الثقافى والقيمى للمجتمع، ولا تسهم فى تلوث
البيئة... إلخ.
5- كثيرا ما تكتفى
الدول النامية بنقل تقنيات الدول المتقدمة صناعيا دون أن يستثير ذلك حركة بحث علمى
تطبيقى وتطوير عناصر الخبرة والمعرفة التقنية داخلها، الأمر الذى يسهم مستقبلا فى
توطين الصناعات والتقنيات وبالتالى فى تحقيق الاستقلال الحقيقى. أو ما يطلق عليه
بعض الباحثين "استنبات تقنيات وطنية" ويلخص "بامخرمة" أهم
أساليب ارتباط المشروعات الهامة الوطنية
مع الشركات الأجنبية فيما يلى:
أ- أسلوب تسليم المفتاح Turnkey contracts حيث تقوم الشركة الأجنبية
بتقديم التصاميم وتوريد الأجهزة وتركيبها وتسليمها للدول النامية جاهزة للتشغيل،
وهنا تصبح التقنيات سلعة اشتريت دون تحقيق تعلم لفنونها أو استيعابها أو توطينها
بالشكل المطلوب.
ب- أسلوب اتفاقيات التراخيص LICENSING AGREEMENT ويتم هنا شراء التقنيات فى شكل تصاميم إنتاج أو تراخيص صناعية أو
براءات اختراع أو علامات تجارية، وهذا أيضا لا يسهم فى تنمية المهارات الفنية
والإدارية والتسويقية بشكل يؤدي إلى توطين المعرفة التقنية.
جـ - أسلوب عقود الإدارة
" MANAGEMENT CONTRACTS" ويتضمن هذا
الأسلوب كل ما هو فى النوع (أ) ويري الباحث أن العيب الأساسى لهذا الأسلوب هو عدم
ارتباط الشركات الأجنبية المتعاقدة بنتائج المشروع ارتباطا وثيقا، وبالتالى عدم
اهتمامها بالبرامج الداخلية خاصة تلك التى تتصل بتطوير عناصر المعرفة التقنية.
د- أسلوب الاستثمار المشترك أو المشاركة joint venture وهنا يمتلك الشريك الأجنبى حصة من رأس مال
المشروع ويحدد الشريك المحلى نوعية الخبرة والتقنية المطلوبة، ويحصل على معلومات
تقنية كاملة، ويستفيد من الخبرة التقنية للأجنبى من خلال المشاركة والاتصال المستمر
به، وهذا من بين أفضل أنواع العقود فى تنمية ، المعرفة التقنية محليا.
من هذا هذا يتضح أن هناك العديد من أساليب نقل التقنية لا تسهم
فى نقل المعرفة التقنية إلى المجتمع، المستورد، وبالتالى لا تسهم في توطين
التقنيات المستوردة، ولهذا يطالب العديد من الدارسين بعدم الاكتفاء فى دراسات جدوى
المشروعات بالأبعاد الاقتصادية الخالصة كالتكاليف والعائد والتسويق والزمن.. إلخ.
وإنما يجب أخذ بعد استيعاب المجتمع للتقنيات المطلوبة، فهما وبحثا وتطويرا
وتدريبا، وبعد مناسبة التقنيات المستوردة فى توطين التقنية وتوسيع قاعدتها الوطنية.
وهناك العديد من الدراسات التى أخذت عناصر المعرفة التقنية عند
تقويمها للمشروعات التقنية التى تقوم بها أو تشارك فيها جهات أجنبية ( دول أو شركة
عملاقة أو شركات متعددة الجنسيات...). داخل الدول النامية.
ويعرف " بدوى" المعرفة التقنية بأنها "مجموعة
المعارف والخبرات والمهارات الضرورية لإنتاج السلع على أساس اقتصادى ولإقامة مشروع
يحقق هذا الهدف " وهذه تتمثل أساسا فى استثارة بحوث تطبيقية داخل الدول
المنقول إليها التكنولوجيا، وإكساب الوطنيين مهارات فى كل مجالات العمل الصناعى أو
المهارات التشغيلية، والمهارات الإدارية،
والمهارات المحاسبية والتخطيطية والتسويقية، ومهارات الصيانة.. إلخ.
ومن بين هذه الدراسات دراسة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية
"UNID" 972 1، ودراسة
"لال Lal " سنة975 1م
ودراسة " ويس Weiss". لسنة1980م ودراسة كل من
"رومر
M.Roemer"
و " شتيرن “M. Stern سنة1985م ودراسة "شاكرافادتى Shakrahvarti"
سنة 1972م وغيرها من دراسات.
6-
وهناك إشكالية أخرى إلى جانب توطين التقنيات المستوردة وإسهامها فى اكتساب الخبرات
فى المجالات التشغيلية والتخطيطية والتسويقية والصيانة.، واستثارة حركة واسعة
للبحوث العلمية التطبيقية، هناك إشكالية مدى ملاءمة التقنيات المنقولة، والتقنيات
الملائمة هى التى تتفق هندسيا وفنيا وبيئيا مع الأوضاع المحلية وظروف الإنتاج
المحلى، والتى تواجه المشكلات الملحة والأساسية لأبناء المجتمع، مثل مشكلات الغذاء
والعمالة والإسكان والتصحر وانجراف التربة واستزراع الصحراء، والزحف العمرانى على
الأراضى الزراعية الخصبة والهجرة الداخلية الواسعة من الريف إلى الحضر، وأزمات
المدن والاحتقان الحضري وأزمات المديونية واختلال ميزان المدفوعات... إلخ.
فهناك العديد من المشروعات، خاصة التى يتبناها القطاع الخاص،
توجه إلى إنتاج سلع هامشية كأدوات التجميل والمشروبات والحلوى.. إلخ. بل وأحيانا
توجه لإنتاج سلع استفزازية كمالية جريا وراء العائد السريع، ومن هنا يجب أن توجه
التقنيات بما يحقق إشباع حاجات أبناء المجتمع الأساسية، ويحل أزماته وفق نمط
الأولويات يضعه المسئولون عن تخطيط التنمية فى المجتمع.
7- العديد من
الجوانب الثقيلة المنقولة تثير مشكلات اجتماعية وثقافية، خاصة عندما لا تكون
ملائمة بالمفهوم السابق، وهذه المشكلات تظهر بشكل تراكمى ولا تتضح إلا بعد أن قد
" استفحلت وصعب مواجهتها" ومنها المشكلات التى تتصل باستنفاد المصادر
الطبيعية، أو تلوث البيئة التى تتنصل بالبيئة السكانية. والقيم الثقافية ومختلف
جوانب التفكك الاجتماعى. وهذه المشكلات يصعب قياسها كميا خاصة فى المدى القريب.
8- وهناك إشكالية
تثيرها نقل التقنيات الحديثة فى الدول النامية وهى مشكلة التبعية للخارج ومدى
السيطرة الوطنية عليها. فإلى جانب استنزاف كبير من الدخل القومى فى شراء التقنيات
والخبرة وفوائد القروض.، ودفع مبالغ ضخمة مقابل اتفاقيات التراخيص والعلامات
التجارية وبراءات الاختراع، وتحويل جزء ضخم من عائد هذه المشروعات إلى الدولة الأم
للشركات الأجنبية... إلخ، فإن نفل التقنيات يثير قضية التبعية التقنية للخارج،
وتتمثل فى الاعتماد على الشركات الأم فى الإحلال والإبدال، والصيانة، وأحيانا فى
الإدارة والتخطيط والتنظيم، وأحيانا كثيرة فى التشغيل أيضا.
وهنا نجد أن النقل المنظم والتدريجى للمعرفة التقنية اللازمة
لإنشاء وتشغيل وإدارة وصيانة المشروعات التقنية يعد ضرورة لتحقيق الاستقلال
الحقيقى والسيطرة الوطنية عليها.
9-
وإلى هذه الإشكاليات هناك إشكالية ظهور البطالة التقنية أو الهيكلية، وتنجم عن
استيراد تقنيات للإنتاج الواسع خاصة المايكرو- إلكترونية، الأمر الذى يحدث تغيرات
واسعة فى نمط العمالة فالتقنيات الحديثة توفر العمل من خلال التوفير جهد العمل
المطلوب للوحدة الواحدة من السلع المنتجة.
وهذا يحدث أزمة بطالة أو يجعل هذه الأزمة الشائعة أصلا فى
الدول النامية تتفاقم، الأمر الذى يحدث أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية متتابعة،
وإذا كانت التقنيات الحديثة توجد فرص عمل تخصصية دقيقة، فإن قوة العمل العالة فى
هذه الدول لا تملك المهارات والمعرفة والتدريب الذى مكنها من شغل هذه الوظائف،
الأمر الذي يستلزم إعادة صياغة برامج ومناهج التعليم ونظمه، وكذلك برامج التدريب،
وإذا كان العديد من الدول تفضل استخدام تقنيات ذات كثافة رأسمالية عالية تحقيقا
للتنمية بمعدلات عالية، فإن عليها أن تخفف من آثارها السلبية على أنماط العمل
والعمالة وتنظيمها... إلخ.
10- هناك إشكالية
يطلق عليها "كرم " النقل المعاكس للتقنيات ويقصد بها جزء هجرة العقول.
وهذه لها آثارها السلبية على الدول المصدرة، والإيجابية على الدول المستوردة. ولا
شك أن هناك عوامل متشابكة اجتماعية واقتصادية ونفسية وسياسية وحضارية وعلمية تقف
وراء هذه الظاهرة، لكنها ظاهرة تسهم فى تعويق التنمية بشكل عام، والتنمية التقنية
فى الدول النامية بشكل خاص. ويقدر "زحلان" أنه حتى عام 976 1م تم هجرة (34000) طبيب،
(17000) مهندس، (7700) عالم فى الطبيعيات من العالم العربى إلى أوروبا الغربية
والولايات المتحدة.
وهذه الأرقام تمثل 50%، 23%، 15%، مما هو متاح فى العالم
العربى. ويذكر أن حوالى 50% من حملة الدكتوراه ويقدد عددهم (27000) حتى سنة 1980 م قد هاجروا من الدول
العربية إلى الدول الغربية ولا شك أن هذه الهجرات للعقول العلمية المنهجية المؤهلة
للفكر الابتكاري والاختراع والاكتشاف وتحقيق إنجازات تقنية محلية أو تكييف
التقنيات المستوردة للواقع المحلى، أو تسهم فى تدريب الأيدى والعمالة المحلية على
إدارة وتخطيط وتشغيل وصيانة هذه التقنيات.. إلخ، يسهم بلا شك فى تعويق التنمية
بشكل عام والتنمية التقنية داخل الدول النامية بشكل خاص.
11- وهناك إشكالية
تتصل باتجاه الدول الغربية المتقدمة تقنيا إلى نقل التقنيات الأكثر استهلاكا
للطاقة أو تلويثا للبيئة إلى الدول النامية، وأحيانا تقوم هى باستيراد منتجات هذه
الصناعات، الأمر الذى يعوق التنمية التقنية فى هذه الدول الأخيرة ويجعل لها سلبيات
خطيرة.
12- وهناك إشكالية
تتصل بالثنائية التقنية Technological dualism وهذه ذات بعد
تاريخى يرجع إلى العهد الاستعمارى ، حيث تحرص الدول المتقدمة تقنيا على تحديث
قطاعات معينة فى الدول النامية تتصل مباشرة
بمصالحها مثل زراعات المواد الخام والصناعات الاستخراجية وقطاعات الموانىء،
وهذه ترتبط بمصالح دول أجنبية، أما
القطاعات الإنتاجية التى تخدم أبناء المجتمع فتظل على حالتها المتخلفة نسبيا.
وتظل هذه الازدواجية قائمة فى الكثير من الدول النامية بعد
الاستقلال بحكم الجذور التاريخية وبحكم استراتيجيات الدول المصدرة للتقنيات فى
تعاملها مع الدول النامية.
13- وإذا كانت
التقنيات هى تطبيقات للعلم فى مجالات الصناعة المختلفة، فإنه لا يمكن تحقيق تنمية
تقنية أو صناعية، إلا من خلال الاهتمام بإنشاء مراكز بحوث فى العلوم الأساسية
والتطبيقية، وتحويل نتائج البحوث العلمية إلى منتجات وخدمات وطرق إنتاج، وهذا ما
يطلق عليه "كرم " النقل الرأسى للتكنولوجيا. ويرتبط هذا بطبيعة الاهتمام
بالبحث العلمى فى الدول وما ينفق عليه، وبطبيعة الاهتمام بالتعليم العام والجامعى
وما ينفق عليه من ميزانيات، وبطبيعة المناهج خاصة فى العلوم الطبيعية والرياضية
ومدي مسايرتها للتقدم العلمى، وبطبيعة إعداد المعلم وتقنيات التعليم وطرق التدريس
والأنشطة المدرسية، كما يرتبط بالمناخ الأسرى وطبيعة التربية الأسرية، والمناخ
الاجتماعى والسياسى والظروف الاقتصادية.. إلخ. هل هذه المناخات تسهم فى تشكيل
التفكير الابتكاري وتنميته عند الفرد، وهل تشجع على التفكير المنهجى والبحث العلمى
أم لا؟ ولا شك أن هناك أزمة
فى بناء التعليم والبحث العلمى فى الدول النامية يجعلها تابعة
علميا وتقنيا للغرب من خلال النقل الأفقى للتكنولوجيا باستثناءات قليلة،
ويذكر"كرم" أن 4. 98% من ميزانيات البحث العلمى فى العالم يتم إنفاقها
فى الدول المتقدمة، ويصل حجم الإنفاق على البحث العلمى فى دول الغرب الرأسمالية فى
منتصف السبعينات حوالى ( 80900) مليون دولار، وفى الدول التى كانت تنهج النهج
الاشتراكى (الاتحاد السوفيتى، أوربا الشرقية)
قبل سقوطها حوالى (39400) مليون دولار، أما الدول النامية وهى
الغالبية العظمى من دول العالم فقد بلغ حجم الإنفاق فيها على البحث العلمى ما لا
يتجاوز (1900) مليون دولار.
ثالثا: التنمية والخيار التكنولوجى:
إذا كانت التنمية بمفهومها المعاصر تعنى التغير المخطط للمجتمع
بكل مؤسساته وجماعاته ومنظماته الحكومية وغير الحكومية لتحقيق صورة ومستوى المجتمع
المنشود وتحسين مستويات حياة أبنائه فى كل المجالات وتحقيق الأمن القومى للمجتمع
بجميع أبعاده العسكرية والاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية، بما فى ذلك
عدم المركز التنافسى للدولة فى ظل العولمة الاقتصادية (الأسواق المفتوحة والمنافسة
الحرة ومنظمة التجارة والتنمية) والعلمية (الانفجار المعرفى وعصر المعلوماتية
وعلوم المستقبل كالليزر والهندسة الوراثية والاتصال) والإعلامية (السماوات
المفتوحة والتنافس فى اجتذاب المشاهدين فى جميع أنحاء العالم وصياغة أفكارهم
ومفاهيمهم وسلوكياتهم وتشكيل ثقافتهم وفرض الهيمنة الاتصالية والثقافية عليهم)،
أقول إذا كانت التنمية تعنى هذا كله، فإنها تعنى أنها الوجه الآخر للتنمية التكنولوجية
بمفهومها الواسع.
وقد كانت التكنولوجيا تعرف بأنها الجانب التطبيقى للعلم، أو
أنها علم الصناعة، وهذا يعنى أنها لا تشير إلى الأجهزة الآلات فحسب، وإنما تشير
إلى الجهد العقلى الذى يبذله الإنسان وصولا إلى تطبيقات عملية مفيدة للنتائج
والنظريات التى يتوصل إليها العلماء فى العلوم الأساسية (الفيزياء والكيمياء
وعلوم، الحياة والرياضيات..) وهذا يعنى أنها فى النهاية متغير تابع للعلوم
الأساسية أو البحتة. غير أن هذه الفكرة تغيرت تماما منذ النصف الثانى من القرن
العشرين حيث أصبح للتكنولوجيا استقلالها عن العلم وعن الصناعة وعن الاقتصاد وصارت
لها مؤسسات وجماعات لها أهدافها المخططة وبرامجها التنفيذية والبحثية للوصول إلى
هذه الأهداف فى توقيتات محددة.، وبهذا أصبحت التكنولوجيا لها ذاتيتها وهويتها
المستقلة عن العلم والصناعة القادرة على إفراز منتجات لها قيمة تسهم فى إنجاح برامج
التنمية ودعم القدرة الاقتصادية والسياسية والثقافية للدول هو انجاحها فى معركة
التنافسية العنيفة فى مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والثقافية، ومعركة
السيطرة أو الهيمنة على أسواق الدول الأخرى وعلى فكر وذوق وسلوك واختيارات وقرارات
الناس فى كل دول العالم، وهذا يعنى أن المؤسسة التكنولوجية الحديثة هى منظومة تحقق
الالتقاء والتوازن والتفاعل بين منتجات لعلم ومعطيات الاقتصاد والقوة الصناعية
والواقع، ولعل نمو الدول يرتهن بنمو المؤسسات التكنولوجية الجادة داخلها، وبقدرة
هذه المؤسسات على تحقيق المعادلة المتوازنة بين العلوم الأساسية وعلم الصناعة
وتطبيقاتها والاعتبارات الاقتصادية ونسق الأولويات فى المجتمع وواقعه البيئى
بإمكاناته الشاملة، وهذه المؤسسات تدخل فى علاقة جدلية مع النسق التربوى للمجتمع
حيث تفترض نساقا محددا من التربية والتعليم، كما أنها قوة مؤثرة واقعة إيجاد هذا
النسق التربوى.
إن مصر وهى تتجه بخطوات ثابتة قوية نحو القرن الحادى والعشرين
بمشروعات عملاقة مثل مشروعات توشكى والعوينات وتنمية سيناء ومناطق القناة حول
السويس وبور سعيد.. فى أشد الحاجة إلى نمو المؤسسات التكنولوجية المزودة بكفايات
فنية على أعلى مستوى، لذلك فإننا بحاجة إلى نمو جماعات التكنولوجيا ونقابات
التكنولوجيا، وهذا يتطلب تنمية الوعى التكنولوجى لدى الإنسان المصرى، وهو أمر يرتبط بالتربية حيث يجب أن تحتوى برامج
التربية فى الحضانات والابتدائى ما يدعم هذا الوعى والاهتمام لدى الأطفال، وعلى أن
يغذى ويصقل فى المراحل التعليمية التالية، وهناك عدة ملاحظات أو التركيز عليها
لتفعيل الدور التنافسى المصرى فى عصر العولمة، وتحويل مصرنا الحبيبة إلى نمو على
ضفاف النيل.
أولا- التركيز فى برامج التعليم من الحضانة إلى الجامعة على
تعليم التلاميذ كيف يفكرون بشكل علمى، وكيف يواجهون المشكلات بشكل منهجى، وهذا
يعنى الكف عن أساليب التلقين والحفظ وهذا يتطلب تطويرا فى بناء ووظائف العملية
التعليمية اعتبارا من الإدارة التعليمية حتى المناهج وطرق التدريس والأنشطة
المدرسية وإعداد المعلم وأساليب التقويم والامتحانات لتنمية القدرة على التفكير
والنقد والابتكار لدى التلاميذ.
ثانيا- غرس الإيمان بقيمة العلم والتكنولوجيا لدى الأطفال
والشباب وتدريبهم عمليا على ممارسة العمل التكنولوجى واطلاعهم على نتائج
التكنولوجيا وآثارها فى تقديم المجتمعات بين حياة الناس.
ثالثا- البدء بنقل واستيعاب التكنولوجيا التى نحتاج إليها من
الدول المتقدمة وتشجيع المؤسسات التكنولوجية والصناعية على تطويرها والإضافة إليها
وتوطينها، وهذا ما يسهم بشكل منطقى فى إبداعه تكنولوجيات جديدة ملائمة لبرامج
التنمية فى مصر خاصة فى المشروعات العملاقة المشار إليها.
رابعا- مع تآكل القوة البشرية فى المشروعات الصناعية بفعل نمو
التكنولوجيا المستوردة والتى تعتمد على الآلية الكاملة full Automation بفعل برامج الخصخصة فإنه يجب توجيه قطاع عريض من الشباب للعمل فى
مؤسسات متخصصة للتكنولوجيا تتبناها الحكومة أو الأجهزة الأهلية.
هذه المؤسسات تؤمن لمصر القدرة على استيعاب وتطوير واستتبات
تكنولوجيات ملائمة للتنمية المصرية وصديقة للبيئة يستفاد منها فى تطوير الاقتصاد
المصرى بكل قطاعاته الصناعية والزراعية والتجارية،
كما يسهم فى تطوير مختلف قطاعات التنمية الأخرى كالتعليم
والإعلام والثقافة والترفيه، هذا فضلا عن القطاع العسكرى.
خامسا- دعم وتنمية مؤسسات البحث العلمى وتخصيص ميزانية أكبر
لها، لأن الإنفاق فى هذا المجال إنفاق استثمارى
وجوهرى لضمان إنجاح برامج التنمية وكسب معركة العولمة والتنافسية والسوق
المفتوحة والأنترنت وسهولة الحصول على
البحوث والاتصال بالمكتبات.
سادسا- إذا كان مواكبة العالم فى نظمه التكنولوجية المتقدمة
أصبح اليوم أمر يتصل بالأمن القومى بمعناه الشامل، فإنه يجب على المسئولين ترشيد
الخيار التكنولوجى ويجب ألا ننسى أن جرى الاتحاد السوفيتى وراء التفوق فى مجال
الفضاء والاستراتيجية العسكرية مع إهمال القطاعات الأخرى كان أحد العوامل المهمة
فى سقوطه وتفككه.
ويجب على الخبراء فى مصر عدم الجرى وراء التكنولوجيات الدقيقة
البالغة التقدم مثل بعض تكنولوجيات الفضاء والسلاح لأنها لن تحقق لنا تميزا، إلى
جانب ما تمثله من عبء ضخم على مواردنا دون طائل. وهذه لن تخدم خطط تنميتنا ولن
تسهم فى تحقيق الاستقلال الاقتصادى. وهذا الجرى لن يمكننا من كسب معركة التنافسية
مع دول أكثر عراقة وتقدما، وربما تكون الدعوة إلى الدخول فى هذا المعترك مقصود به
استنزاف مواردنا، ونحن فى حاجة إلى نوعية من التكنولوجيا المتقدمة فى مجال الإنتاج
الصناعى والزراعى والطاقة التى تمكننا من زراعة الصحراء ومضاعفة الإنتاج الزراعى
وترشيد استخدام المياه واستخراج المعادن وتصنيعها مثال هذا تكنولوجيا استثمار
الطاقة الشمسية فى توليد الطاقة، فى مجال الصناعات الغذائية والملابس والأجهزة هذا
إلى جانب تكنولوجيا البرمجيات. هذا ما نطلق عليه ترشيد الخيار التكنولوجى، أو
تحديد ملامح المشروع التكنولوجى فى مصر بما يتفق مع ظروفنا وبما يحقق أهدافنا
الواقعية وبما يخدمنا فى معركة التنافسية فى بعض الميادين التى يمكن أن يكون لنا
تميز وحضور فيها.
رابعا: التنمية التكنولوجية فى الفكر الإسلامى:
إن التنمية التقنية ليست قضية أجهزة وأدوات تخترع وتستورد
وإنما هى قضية فكر وقيم واتجاهات وأطر موجهة للاستخدام، وقد أرسى الإسلام منطلقات
عقائدية وقيمية وتشريعية تحمل الإنسان رسالة الخلافة عن الله فى الأرض. وهذا يتطلب
أن يكون هو الأقوى ماديا على مستوى العصر، ولاشك أن الأخذ بالأسباب ومنها التنمية
التقنية اختراعا وتطبيقا واقتباسا وتوطينا، من أهم أسباب القوة المادية فى كل عصر
وقد أكد الإسلام أهمية التفكير فى الكون والإنسان والمجتمع والتاريخ، وأهمية
اكتشاف السنن الإلهية، وأهمية الانتفاع وبما سخره الله للإنسان، ولن يتحقق هذا إلا
من خلال العلم النظرى والتطبيقى وأعلى درجات التنمية التقنية. وكذلك أكد الإسلام
على بناء القوة المرهبة لأعداء الإسلام كى تردعهم عن التفكير فى الاعتداء على
المجتمع المسلم، وتؤمن أداء هذا المجتمع لرسالته السامية. ولن تتحقق هذه القوة إلا
بالعلم والتقنية فى أرقى صورها. كذلك فقد أكد الإسلام على عزة المؤمنين وأهمية
استمتاعهم بالطيبات والزينة المشروعة فى إطار متغيرات العصر، وهذا يعنى ضرورة تفوق
المجتمع المسلم إنتاجيا لإشباع حاجات أبنائه وعدم اللجوء إلى أعداء الإسلام
للاقتراض أو طلب المعونة منهم... إلخ. ولا يتأتى ذلك إلا بالتنمية الفكرية
والعلمية والتقنية على أعلى مستويات العصر.. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التنمية
الفكرية والعلمية والتقنية توظف فى المجتمع الإسلامى فى خدمة الأسس العقائدية
الإيمانية، وفى خدمة نشر دين الله والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومحاربة الكفر
والفساد والتسلط، وفى خدمة تحرير الإنسان من عبادة غير الله إلى عبادة الله وحده.
وتحقق العدل والإخاء والمساواة، وفى خدمة إعلاء قدر الإنسان- مطلق إنسان- ذلك
الكائن الذى كرمه الله وأسجد له الملائكة واستخلفه فى الأرض وجعل له العزة، وفى
خدمة خير الإنسان دون نظر إلى المعايير الوضعية، عرقية أو لونية أو طبقية أو
شعوبية أو فئوية... إلخ.
المعيار الأساسى الذى يتمايز به البشر هو التقوى والعلم والعمل
الصالح الذى يوظف فى خدمة الإسلام والمسلمين فى كل أنحاء أرض الله.
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن التنمية التقنية تعنى تنمية العلوم
الأساسية مجالات الفيزياء والكيمياء والفلك والإنسان،.. إلخ. والوقوف على سنن الله
الماضية فيها، ثم تحويل خلاصة هذه البحوث إلى تطبيقات صناعية تتمثل فى منتجات أو
سلع وخدمات وطرق إنتاج. والعلوم الأساسية والتطبيقية تستند إلى المنهج التجريبى
الذى أفرزه العقل المسلم، كذلك فإن هذا العقل هو الذى أسس دعائم العلوم التطبيقية
من خلال العلماء المسلمين. وهذا الإنجاز المذهل الذى أنجزه العقل المسلم هو الذى
نقلته أوروبا فى عصر النهضة، وبنت عليه التنمية العلمية والتقنية الهائلة التى
يعيشها العالم اليوم. وقد انطلق المسلمون فى اكتشاف المنهج العلمى ودراسة العلوم
التطبيقية من التوجيهات القرآنية إلى النظر فى الآفاق وفى الأنفس والتاريخ
والإنسان والمجتمع ومعرفة السنن والانتفاع بها فى بناء المجتمع القوى إيمانيا
وماديا والقدرة على أداء رسالته.
وقد سبقت الإشارة إلى أن الحضارة الإسلامية هى التى قضت على
الازدواجية التى سادت قبل هذه الحضارة فى أغلب المجتمعات، وهى التركيز على الوسائل
وأساليب الإنتاج دون استناد إلى منهج علمى، وإما التركيز على العلمية والمنهجية
دون توظيفها فى خدمة الإنتاج وأساليب التطبيق.
وقد استثار الإسلام أقوى الدوافع فى المؤمنين للانطلاق فى
البحث العلمى والتطبيقى وتنمية القدرات الابتكارية والإبداعية لديهم اكتشافا
وتخطيطا وتنظيما.. إلخ.
حيث جعل هذا البحث النظرى
والتطبيقى عبادة الله يستهدف تحقيق منهجه سبحانه فى الأرض ، ويستهدف بناء
المجتمع القوى القادر على أداء هذه الرسالة، وقد جعل الإسلام التنمية وإعمار الأرض
فرض كفاية لابد من تحقيقه.
وقد نظر المسلمون إلى الحقائق الواردة
فى القرآن فوجدوا قوله تعالى: (هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا) (6).
وكما يقول صاحب الظلال فإن كلمة جميعا تدل دلالة قاطعة على أن الله خلق الإنسان
لأمر عظيم ليكون "مستخلفا فى الأرض، مالكا لما فيها، فاعلا مؤثرا فيها"
له دوره الإيجابى فى تطبيق المنهج الإلهى فى هذا الكوكب. وآيات التسخيركثيرة فى
القرآن الكريم ومنها قوله تعالى: (وسخر لكم الليل والنهار) (7)، وقال
تعالى: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض ) (8)، وقد
وجه هذا التسخير المسلمين إلى الانتفاع بهذه المسخرات والنعم الإلهية، وأدركوا أنه
لن يتأتى ذلك إلا من خلال البحوث العلمية، والتطبيقات التقنية.
فهذا "ابن الهيثم " أسس علم البصريات سنة 1029م قبل
نشأة علم الفيزياء على يد "جاليليو" سنة 1642م، ونيوتن سنة 1727م. وهذا
"جابر بن حيان " أسس علم الكيمياء سنة 813 م، قبل "لافوازييه
" سنة 894 1م فى أوروبا وهذا "أبو بكر الرازى" بحث وأبدع فى مجال
التشريح والطب وعلم الحياة، قبل نشأة علم التشريح على يد "فيسالليوس "
سنة 1564م، وقبل نشأة علم الطب على يد "باراسلوس " سنة 1541م، وقبل ظهور
علم الأحياء على يد "كلودبرنار" سنة 878 1م فى أوروبا، كذلك فقد أبدع
"ابن سينا" فى دراسة الطب 47 0 1م وأبدع "أبو القاسم الزاهراوى
" سنة 013 1م فى فن الجراحة، وأبدع "ابن النفيس " فى اكتشاف الدورة
الدموية الصغرى سنة 288 1م قبل أن يتوصل علماء أوروبا إلى هذه الأمور، وقبل ظهور
علماء مثل "هارفى" وغيره. كذلك اكتشف كل من "أبو معشر البلخى"
سنة595 م، و ابن يونس المصرى" سنة 008 1م، و"البيرونى" 048 1م
الكثير من علم الفلك قبل اهتمام الغربيين بهذا العلم وقبل ظهور"كوبرنيكوس
"سنة 1543م، و جاليليو"سنة 1642م... هذا قليل من كثير يبرز بشكل لا يرقى
إليه الشك أن العقل المسلم هو الذى أبدع المنهج العلمى واكتشف العلوم التجريبية
وتوصل إلى تقنيات تستند إلى بحوث علمية نظرية، قبل الغرب بمئات السنين.
والقرآن الكريم وهو كتاب هداية وعقيدة ومنهج، احتوي على إشارات
أكدت أهمية التنمية التقنية فى حياة المسلم ومجتمعة، منها قوله تعالى: (وأنزلنا
الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ) (9). ولا شك أن حضارة البشرية فى المجالات
المادية تستند على تقنيات المعادن بشكل عام، وتقنية الحديد بشكل خاص، وقال تعالى
وهو يمن على نبيه داود عليه السلام (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم
فهل أنتم شاكرون ) (10). فقد علمه الله صناعة الدروع بشكل خاص لوقايتهم
المعارك ضد الكفر.
وحتى عندما تحدث القرآن الكريم عن الأقوام السابقة الكافرة
التى استحدثت بعض التقنيات ووظفتها فى الشر والظلم والاستعلاء فى الأرض ولم تشكرا
لله عليها، كان هذا توجيها للمؤمنين بضرورة الانتفاع بمثل هذه التطبيقات وغيرها
وشكر الله عليها وتوجيهها فى خدمة إعلاء كلمة الله فى الأرض وتطبيق منهجه ونشر
دينه ومحاربة أعدائه..، ومن هذا قوله تعالى: (أتبنون بكل ر يع آية تعبثون ،
وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ) (11). وقوله تعالى: (أتتركون فى ما ها هنا
آمنين ، فى جنات وعيون ، وزروع ونخل طلعها هضيم ، وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين
، فاتقوا الله وأطيعون ) (12).
كل هذا يعنى أن الإسلام يعلى من قيمة العمل الصالح وقيمة العلم
سواء علوم الدين أو الدنيا، وسواء العلوم الأساسية أو التقنية حتى يكون المجتمع
المسلم هو الأقوى، وتكون له القيادة والريادة والقدوة فى كل عصر، وحتى يكون قادرا
على أداء رسالته. والإسلام يضع العلوم المادية والتقنية فى مكانها الصحيح.
فالحضارة الحقيقية ليست حضارة آلات وأدوات وماديات، ولكنها حضارة قيم عليا وحضارة
إرساء منهج، وحضارة أداء رسالة، الحضارة الحقيقية هى التى تبنى الإنسان والمجتمعات
انطلاقا من الوحى، تستهدف تحرير الإنسان ونشر العدل والحق وتحقيق العزة للمؤمنين،
ونشر دين الله وتحقيق الأخوة الإيمانية، وإطلاق الطاقات الإبداعية فى الإنسان فكرا
وعلما وتطبيقا وتقنية وفنا وأدبا.. وتوظيفها فى خدمة إرساء منهج الله والدعوة فى
دينه الحق وتطبيق شرعه، والتفاعل الإيجابى مع كل الحضارات الأخرى أخذا وعطاءا فى
إطار الضوابط والقيم الإنسانية، فنقل التقنيات أمر جائر وقد أقره الرسول صلى الله
عليه وسلم فى بعض المواقف مثل حفر الخندق حيث أقر رأى سلمان الفارسى والذى يتصل
بحفر الخندق، وهو تقنية دفاع لم يكن للعرب عهد بها من قبل، واستمر هذا الانفتاح
الفكرى طوال عهد الخلفاء الراشدين والعصور التالية، ومن أبرز الأمثلة على هذا
تدوين الدواوين فى عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.
والحضارة التى يطالب المسلمون بنشرها، حضارة العدل والحق
والحرية والإخاء والقوة المادية والإيمانية، حضارة توحيد الله وإعلاء كلمته وتنفيذ
شريعته، حضارة إعمال الكتاب والميزان ) لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم
الناس بالقسط ( (13). وهذا الميزان الإلهى هو الضمان الوحيد لقيام الحضارة
بمعناها الصحيح، لأنه الميزان الوحيد الذي يحقق العدل المطلق والحق المطلق
والمساواة الصحيحة، ويحرر الإنسان من كل ألوان الذل والاستبعاد والظلم والقهر
والفساد. فكم من الجرائم الأخلاقية والاجتماعية ترتكب باسم الحضارة، وكم من مذابح
تنصب باسم الحضارة، وكم من حقوق تنتهك باسم الحضارة، وأمامنا نماذج سافرة فى
عصرنا. المسلمون فى البوسنة والهرسك يذبحون وتنتهك أعراضهم باسم الحضارة الغربية
وفى ظل هيئات دولية وإقليمية تدعى الدفاع عن حقوق الإنسان، ونفس الأمر يحدث
للفلسطينيين فى وطنهم المحتل وفى كشمير والفلبين وغيرها، والزنا والخمور والسفور
واللواط.. إلخ أمور تقر قانونيا فى دول الغرب باسم الحضارة والحرية، وتسخر تقنيات
العصر فى تكريس المذابح والمسكرات والزنا.. إلخ، كما تسخر هذه التقنيات فى تكريس
تخلف الدول الساعية للتنمية والتقدم، وتكرس التقنيات لإبادة الجنس البشرى من خلال
إبادة شعوب كما حدث مع الهنود الحمر السكان الأصليين لأمريكا الشمالية وكما حدث
للشعب المسلم وفى البوسنة والهرسك وفلسطين وغيرهما من المناطق. فالضمان لصدق
الحضارة وتوظيف التقدم العلمى والتقنى فى خدمة الإنسان وصالحه، وهو إعمال المنهج
الإلهى الذي لا يحابى أحدا ولا يقيم وزنا للمعايير العرقية أو الطبقية أو
الاقتصادية أو اللونية أو الشعوبية بين الناس والمجتمعات، وما أحوج العالم اليوم
إلى فهم واستيعاب هذه الحقيقة. فالإسلام يرسى أساس حضارة تحقق التوازن الدقيق بين
أقصى درجات التقدم التقنى والمادى، وبين المنطلقات الإيمانية والقيمية الحاكمة
والموجهة الموظفة لهذا التقدم فى خدمة دين الله ثم فى خدمة مصالح الإنسان الحقيقية
فى الدنيا والآخرة. ويجب التأكيد فى هذا الصدد أن الإسلام والحضارة الإسلامية
مستهدفة من قبل الحضارات المادية العلمانية الوثنية إذا جاز لنا أن نسميها حضارة.
وقد ظهر فى هذا الصدد نظرية حديثة أطلقها "هنتنجتون " أستاذ العلوم
السياسية فى جامعة هارفارد، وهى نظرية الصراع الدموى المحتمل بين الحضارات خلال
القرن القادم، أكد فيه على أهمية التعاون بين كل دول الغرب والدول التى تسايرها فى
النظم المنتمية إلى حضارته، وعلى أهمية تحقيق التعاون الاقتصادى والإقليمى بين دول
الحضارة الواحدة، وعلى الحد من التوسع الإنمائى والعسكرى للحضارات التى تنبثق من
مشروعات حضارية مصادمة لحضارة الغرب وفى مقدمتها الحضارة الإسلامية وهذا يعنى
محاولة وضع تقدمها العلمى والتقنى تحت السيطرة، لأن الإسلام هو العدو الحقيقى
للحضارة الغربية. وهم يحاولون تشويه الإسلام من خلال رميه بالتخلف والعنف
والإرهاب.. إلخ ويطلقون عليه مصطلح الأصولية ويحذرون من انتشارها.
ولا شك أن هذه دعوى واضحة الفساد. فالإسلام دين السلام والإخاء
والمساواة بضمن وحدة الأصل البشرى، وهو دين العزة والقوة بضمان قول الله تعالى: ) ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ( (14). وهو دين العدل والميزان وهو الدين الذى يجعل العلم فريضة
ويجعل التنمية فريضة، ويحتم على المجتمع المسلم تملك زمام التفوق والإبداع والقوة
العلمية والتقنية حتى يحقق رسالته. وهو دين تحرير الإنسان من كل أنواع الظلم والذل
والقهر والوثنية وعبادة غير الله، تحريره عقيدة وفكرا وسلوكا، دين يؤكد توظيف
وتوجيه القوة والرخاء المادى فى خدمة قيم عليا. وهذا هو مفهوم الحضارة الصحيح.
ولهذا كان الصراع على مدى التاريخ بين الإسلام وأعدائه هو صراع الحق ضد الباطل،
والإيمان ضد الكفر، والحرية فى مقابل التسلط، والعدل بميزان الله فى مقابل العدل
بمفهومه الوضعى الذى هو تكريس للظلم والاستبعاد.. إلخ. وإذا كانت الشعوب الإسلامية
اليوم تعانى من التخلف والتبعية، فإن هذا يرجع إلى ابتعاد المسلمين عن دينهم
وتخليهم عن رسالتهم ويتم هذا وفق سنن الله فى التاريخ. وهذا يعنى أن التخلف لا
يرتبط بالإسلام، كما يدعى أعداء هذا الدين، ولكن بتخلى المسلمين عن واجباتهم
العقائدية والقيمية والفكرية والسلوكية، وواجبهم فى الجهاد. ويكمن الحل فى العودة
إلى الالتزام بهذا الدين عقيدة وقيما وأخلاقا وسلوكا، فهذا هو الضمان لتحقيق أسمى
أنواع التنمية وبناء أقوى مجتمع إيمانى بمعايير الإسلام، ماديا (علميا وتقنيا
واقتصاديا..) بمقاييس العصر.
المراجع
1- راجع ملف الوسطى بمجلة أحوال مصرية – العدد الأول . صيف 1998م – ص 58- 127 (مقدمة محمد السيد سعيد )
2- ماهر شوقى ، سامر سليمان : تشريح
اقتصادى . اجتماعى للطبقة الوسطى . أحوال مصرية . العدد الأول – صيف 1998م 0 ص 65 وما بعدها .
(3)
معتز سلامة: مستقبل الطبقة الوسطى (ندوة)- أحوال مصرية. مصدر سابق- ص 125.
(4) رمزى زكى: الطبقة الوسطى: تأملات فى الثورة الصناعية
الثالثة والليبرالية الجديدة.
(5) وهى الشركات كبيرة الحجم ولها فروع أنشطة فى عدة
دول، وتوجه أعمالها وخططها من الدولة الأم التى يوجد بها المركز الرئيسى.
(6) سورة البقرة:29.
(7) سورة إبراهيم:
33
(8) سورة لقمان:
20
(9) سورة الحديد:
25.
(10) سورة
الأنبياء: 80.
(11) سورة
الشعراء:28 1-29 1.
(12) سورة
الشعراء: 146- 150.
(13) سورة الحديد:
25.
(14) سورة المنافقين: 8.