جذور القيم
المكونة للإنسان المسلم
أ. د/ عبد الصبور شاهين
الأستاذ بكلية دار العلوم- جامعة القاهرة- مصر
الإنسان المسلم هو فرد يمثل وحدة خلقية متكاملة، قابلة لكل
الاحتمالات التى تتصل بالكمال أو النقص، بالخير أو الشر.
و قبل أن يكون هذا الإنسان مسلما، فهو إنسان
ميزه الله عن سائر خلقه بالعقل الذى هو أثر من آثار نفخة الروح الإلهى. وقد خصه الله بتلك النفخة منذ قدر خلقه. وإننى أعتقد أن ذلك التمييز
كان إرادة أزلية خاصة بهذا المخلوق، باعتباره من (بنى آدم)، وهو قوله تعالى:
( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في
البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) (الإسراء: 70)، وباعتباره (إنسانا) يحمل صفات
مشتركة بين جميع أفراده ، وهو ما يقرره
القرآن فى قوله تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا ) (الحجرات: 13).
وللإنسان فى القرآن صفات مشتركة بين جميع أفراد جنسه، فهو
(ضعيف): ( وخلق الإنسان ضعيفا ) (النساء : 28) وهو مسرف متناقض حائر: ( فلما كشفنا عنة ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) (يونس: 12)، وهو
يئوس كفور، وهو ظلوم كفار، خصيم مبين ، عجول، قتور، أكثر جدلا ، جهول، قنوط، هلوع، جزوع ، مغرور، كادح،
يطغيه الغنى ويبطره.
ومن الممكن أن نعزو هذه الصفات إلى
الإنسان فى حالته الفطرية، حين لا يتدخل
عامل آخر يزعه عن غيه، ويصرفه عن مقتضى فطرته، وذلك العامل ليس إلا (الدين) الذى
تتغير به الصفات الفطرية، وتتحول المواقف كما فى قوله تعالى: ( لقدْ خلقنا
الإنسان فى أحْسَن تقويم * ثُم ردَدْناه
أسْفل سَافلين * إلاَّ الذين آمنوا وعمِلو الصَّالحَات فَلهمْ أجَـْر غير ممنُون
) (التين: 4- 6).
وكذلك قوله تعالى: (والعَصر * إن
الإنسان لَفىٍ خُسْر إلاَّ الذين آمنُوا وعمِلُوا الصالِحات وَتواصوْا بالْحقِ
وَتَوَاصوا بالصَّبْرِ[ (العصر1: 3).
ولا ريب أن الإنسان المتحول إلى مؤمن-
إنما تحول بفعل العقل، الذى هو أثر النفخة من روح الله، فلولا العقل أساسا لما
تميز الإنسان عن الحيوان، ولما كان التكليف الدينى، الذى هو مخزن القيم الأخلاقية.
لقد كان الإنسان قبل التكليف الدينى
مخلوقا يعيش على قيم فطرية، هى التى أشرنا إليها من خلال النصوص القرآنية، فلما
هبط التكليف الدينى تعامل مع العقل الذي صار به الإنسان إنسانا حقا، وهنا عرف
الأمل فى مقابل اليأس، والإسلام فى مقابل الكفر، والعدل فى مقابل الظلم، والقناعة
فى مقابل الجدل، والتصالح فى مقابل التخاصم، والتأنى فى مقابل العجلة، والكرم فى
مقابل البخل والقتر، والمعرفة فى مقابل الجهالة، والثبات فى مقابل الهلع، والصبر
فى مقابل الجزع، والتواضع فى مقابل الغرور، إلى آخر السلم الأخلاقى الذى دعا إليه
الدين، وبذلك عاش الإنسان حالة حوار بين النقيضين، أو بين يمين وشمال، فإذا شده
الشيطان إلى الشمال، جذبه الدين إلى اليمين، ولعل من أدل النصوص القرآنية على هذا
الجدل قول الله تعالى: ( إنَّ الَّذِين اتَّقوا إذا مسَّهم طائِف مّنَ
الشَّيْطان تَذكَّروا فَإذا هم مُّبصِرون ) الأعراف: 201).
فالأتقياء من الناس ليسوا بعيدين عن مس
الشياطين، ولكنهم حين يتعرضون لشيء من هذا المس (طائف من الشيطان) يعصمهم العقل،
ويلهمهم الدين: العقل بالتذكر، والدين بالتقوى (فإذا هم مبصرون)، وحقيقة (التقوى)
هى هذا الصراع بين النقيضين، حين يسفر عن انتصار العقل المؤمن على الشيطان.
وهذه قصة ابنى أدم، ساقها القرآن مثالاً على
الصراع بين النقيضين الخير والشر، يقول تعالى: ( وَاتْلُ عَلَيهِم نَبأ اْبنَى
آدَمَ بالحَقّ إذ قَرَّبا قَرْبانًا
َفتٌقُبل من أحَدِهِما وَلَمْ يُتَقبَّل من الآخرِ قال لأقْتُلنك قالَ إنَّما يُتقَّبلُ الله مِن
الْمُتَّقين * لئِن بَسَطت إلى يَدَك
لتقتُلِنى مَا أَنَا بباسِط يدى إليْكَ لأقْتُلَّنك إنّى أخَافُ الله ربَّ
العالمين * إنّىِ أُريدُ أن تَبُوءَ بإثَمِى وإثمك فَتكُونَ من أصْـحَاب النَّار
وَذَلك جزاء الظَّالمِين فَطَوَّعَتْ لَهُ
نَفْسُةُ قَتْل أخيه فَقَتَلةُ فأصبَحَ مِن الخاسرين * فَبَعثَ اللهٌ غُرابًا يبْحَثُ فى الأرْض
لُيريه كيْف يوارى سوْءَة أخِيِه قَال يَا
وَيَليَتى أعَجزْتُ أن أكون مثْل هَذا الْغُراب فَأُوَارى سَوءَةَ أخىِ فأَصْبَح مِن النَّاِدِمين ) (المائدة:
27- 31).
وفى هذه القصة يبدو الصراع بين النقيضين
على أشده فالتقى فى مواجهة الفاسق الشرير، والعدوان فى وجه المسالمة، والخوف من
الله فى مقابل الاستهانة به وبرقابته، ورب العالمين فى مقابل الوثنية، وجزاء
الظالمين فى النار، وجزاء الصالحين فى الجنة، والخسران مقابل ثواب الله، والندم
مقابل الاطمئنان، وقد أبرزت هذه القصة مجموعة القيم البناءة التى تعمر قلب
الإنسان، حين يكون مسلما، كما نصت على القيم الهدامة حين يخلو القلب من الإيمان،
وحين يغيب العقل عن الإنسان.
وكأن القصة تقول: إنه لا جديد تحت
الشمس، فكل شئ له جذور فى المنابع الأولى للقيم، وما هذه المنابع إلا العقل
والدين.
جذور القيم
بين الجاهلية والإسلام
تعتبر الحياة فى العصر الجاهلى حالة مثلى
يمكن من خلالها فهم قضية الصراع بين النقيضين، فالمجتمع الجاهلى كان قائما على
أساس مجموعة القيم الفطرية التى لم تعرف الدين مصدراً يهدى العقل، أو يغذى السلوك.
وقد
وصف القرآن الحياة الجاهلية بأنها خلو من أية قيمة دينية، فقال: ( لتُنذِر
قوْما ما أنذرآباؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُون ) (يس: 6)، ومعنى ذلك أن مجموع القيم
التى كانت سائدة فى الجاهلية كانت ذات طابع فطرى، ولاؤه الكامل للإفراد الوثنى،
وخلاصة المحصول الأخلاقى لديهم هو ما أطلق عليه القرآن (حمية الجاهلية)، وقد كانت
القبائل تتعايش فى إطار هذه الحمية، وما أملته على فطرة الإنسان العربى من قيم
ساذجة، فيها بعض الخير وبعض الشر، غير أن هذه الفطرة كانت مستأنسة لخليط القيم
الذي استقرت عليه، فالشجاعة والفخر يتعانقان حتى يصلا إلى درجة المستحيل، وهو
متمثل فى كثير من أشعار الجاهلية، من مثل قول عمرو بن كلثوم فى معلقته:
إذا بلغ الرضيع لنا فطاما تخر له الجبابر ساجدينا
وليس لهذا القول ما يصدقه فى واقع أى من
القبائل، مهما بلغ قدرها، وقد كان بنو تغلب قوم الشاعر، وبنو بكر خصومهم يعيشون فى
كنف المناذرة، ملوك الحيرة، وأدي هذا الفخر المجنون إلى مأساة قتل عمرو بن هند ملك
المناذرة لاتهامه بازدراء بنى تغلب.
لقد كانت حمية الجاهلية جماعا لصفات
إيجابية وسلبية فى آن واحد حتى إذا جاء الإسلام كان جهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يفرغ الأنفس من القيم السلبية وأن يملأها بالقيم الإيجابية، ليعتدل الميزان
الأخلاقى، فالشجاعة خلق محمود إذا لم يتجاوز إلى الطيش والغرور، والفخر محمود إذا
كان بالحق، لا بالباطل، والكرم محمود إذا لم يكن إسرافا ورياء وسمعة، وهذا هو
الميزان القيمى الذى بنى به الإسلام شخصية المسلم، وأنذر به النبى قومه الذين لم
يتلقوا عن آبائهم سوي قيم مشوهة أفرزتها الحياة الجاهلية، ولذلك كان موقف الإسلام
من الشعر تجسيدا للمبدأ الأخلاقى الذي يبنى دستور القيم، لقد ذم الشعراء الكذابين،
والمنافقين، لأنهم وباء أخلاقى، وامتدح الشعراء الصادقين المنتصرين بالحق وللحق،
فما كان لأمثال عمرو بن كلثوم أن يقولوا هذا الشعر، أو أن ينشروا فى الناس
تصوراتهم الجاهلية، ولم يعد المجال يتسع إلا لأمثال حسان بن ثابت ممن امتدح القرآن
سيرتهم، ورفع من أقدارهم. وهذه هى الآيات فى سورة الشعراء تصور الموقف الإسلامى
الجديد، أو بعبارة أدق: تقدم حالة الصراع بين النقيضين، يقول الله سبحانه ) والشعراء
يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا
وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا
أي منقلب ينقلبون ) (الشعراء: 224- 227).
لقد فرض الإسلام وضعا جديدا إلى الشعر،
وحدد للشعراء طريق الإبداع الجديد، بحيث استولى القرآن على العقول والقلوب، وكان
اجتهاد الإنسان المسلم فى حفظ آيات القرآن، والتزام تعاليمها وقيمها الأخلاقية
حالة جديدة من تحصيل الثقافة الرفيعة والجديدة، بحيث لم يعد الإنسان المسلم بحاجة
إلى حفظ الشعر القديم أو تمثله، فقد أغناه القرآن عنه، لغة، ومعنى، وتبين للمؤمنين
مدى التناقض بين القيم القرآنية وما يتضمنه الشعر الجاهلى من قيم فطرية مرفوضة
بالمقياس القرآنى الجديد.
وهكذا قدم القرآن للشاعر العربى التزاما
جديدا يتضمن الإيمان، والعمل الصالح، والتوحيد، ومحاربة الظلم، والدفاع عن
العقيدة، والموت فى سبيلها.
وبعد أن كان الشاعر الجاهلى منطويا على
نفسه، يمضغ أحلامه الشخصية ويحترها، صار
الشاعر الإسلامى ذا رسالة عقدية واجتماعية، بل وثورية أيضا.
إنه لم يعد يستمد أخلاقه من إفراز بيئته،
ونوازع شياطينه الشعرية، بل صار له دستور للقيم مستمد من المصادر الدينية، وهى:
القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، لأن الأخلاق صارت عطاء تشريعيا، وبناء سلوكيا
أخلاقيا.
القرآن:
وهو كلمة الله النهائية إلى خلقه، تنطوي
آياته على نظم وتعاليم عقائدية، وسياسية، واقتصادية، واجتماعية، فردية وجماعية،
وكل هذه النظم مؤسسة على الأساس الأخلاقى، فالأخلاق هى قاعدة النظم المختلفة التى
جاء بها القرآن، ولا يمكن فصل أي نظام منها عن قاعدته الأخلاقية، ولنأخذ مثلا:
العقوبات التى تسمى فى شريعة الإسلام بالحدود، فكل حد منها هو جزاء يقابل تجاوز
القاعدة الأخلاقية، فحد السرقة قطع اليد، وهو جزاء لمن خان الأمانة، والأمانة
قاعدة أخلاقية تتحقق فى المحافظة على حقوق الآخرين، فإذا استباح المسلم مال أخيه
فقد خان الأمانة، واستحق تطبيق الحد، وهو قطع يده التى امتدت لأخذ مال، قل أو كثر،
وقد جعل الفقهاء الحد الأدنى لما يوجب قطع يد السارق (ربع دينار)، وليست العبرة فى
القلة أو الكثرة، ولكن العبرة هى فى انتهاك حرمة القانون الأخلاقى.
وكذلك يحمى القصاص الدماء
من أن تستباح، كما يحمى حد القذف أعراض المسلمين من أن تنتهك، وهو ما أشار إليه
حديث الرسول صلى
الله عليه وسلم (كل
المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه).
ولو أننا تتبعنا كل التعاليم السياسية
والاقتصادية والاجتماعية فسنجد أنها قائمة على رعاية القانون الأخلاقى فى مستواه
الأمثل.
السنة
وهى بيان القرآن، ولها مستويان: قولى
وفعلى، ولا ريب أن أخلاق النبوة كانت الوسيلة الوحيدة لتجسيد التعاليم الأخلاقية القرآنية، يقول
الإمام الدكتور محمد عبد الله دراز: والقرآن نفسه قد طلب إلى المؤمنين أن ينقادوا
دون حرج لجميع أوامر النبى صلى الله عليه وسلم متى
أخذوا أنفسهم بالإيمان به، ومن ذلك قوله: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما
شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما((النساء: 65)،
وقوله: )
من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ( (النساء: 80)، وقوله: ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)
(الحشر: 7)، وقوله: ( وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ) (النور: 56) (1).
فكل ما جاء به الرسول باعتباره مبلغا عن
الله فهو واجب الالتزام، وذلك مستفاد من قوله صلوات الله عليه: (إذا أمرتكم بشىء
من رأيى فإنما أنا بشر، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا، فخذوا به، فإنى لن أكذب على
الله ) (2).
الإجماع:
لقد بدأ الإجماع باعتباره سلطة الأحكام
الشرعية- فى عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان من أهم
المسائل التى انعقد عليها الإجماع جمع أبى بكر الصديق للقرآن حين عرض عليه وزيره
عمر بن الخطاب ضرورة هذا الجمع قبل أن يستحر القتل بالقراء فى حروب الردة، فيضيع
قرآن كثير، وذلك على إثر ما وقع فى معركة اليمامة.
وكانت القاعدة الأخلاقية التى قام عليها
هذا الإجماع (أن جمع القرآن خير)، والخير جوهر الأخلاق، وأساس القيم البناءة.
وقد سارت الأمور فيما تلا عهد الصحابة
من عهود على أساس أن الخير هو قائد الجماعة المسلمة ورائدها، فكلما واجهوا أمرا
ليس فيه نص من (الكتاب والسنة)، محققا لمعنى الخير، مطابقا لمصالح العباد، فإذا
القت إدارة المجتهدين عند قرار معين فهو الإجماع المنشود.
ومن الواضح أن معنى الإجماع كان يتحقق
فى تلك العهود بقيادة أئمة المجتهدين من أهل السنة والجماعة، ومن ورائهم جماهير
العلماء والمشتغلين بعلوم الأصول والفقه وسائر الاهتمامات الشرعية.
وفى هذا الضوء جاء اجتهاد الدكتور دراز
الذى تصور الإجماع صادرا عن هيئة تتولى تحقيق
هذا الإجماع، وهو لا يتوقف عند الاعتبارات الشكلية التى تتكون على أساسها
هذه الهيئة، كالتعيين أو الانتخاب، يقول: فجوهر القضية أن يكون كل عضو مدركا
لاستقلاله الأدبي، ولمسئوليته الأخلاقية، وأن يعبر عن رأيه فى حرية، بعد تأمل ناضج
فى المشكلة المعروضة.. وأن تكون له صفة العالم المتخصص فى المادة، أعنى أن يحقق
الشروط المطلوبة فيمن يكون له حق الرجوع مباشرة إلى المصادر ليستقى منها الأحكام
على منهج العلماء، وبعبارة أخري: يجب ألا يقتصر جهد جميع الأعضاء على أن يضعوا تحت
أيديهم الوثائق اللازمة لحل هذه المشكلة أو تلك، بل يلزمهم أيضا أن يكونوا متمرسين
بنقد النصوص.. وأن يعرفوا اللغة معرفة عميقة.. وأن يحسنوا إدراك الأفكار الأساسية
والأفكار الثانوية، وأن يكونوا على قدم راسخة فى تاريخ التشريع الإسلامى للمسألة،
وأن يحيطوا بأسباب النزول، وبالناسخ والمنسوخ إن وجد، وأخيرا يجب أن يتعمقوا روح
الشرع وغاياته التى يهدف إليها من خلال تطبيقاته على عهد النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته (3).
ثم يقول: فالإجماع على هذا أبعد شىء عن
أن يكون تلفيقا لآراء متعسفة ذاتية،
طائشة، ناتجة آليا عن التقليد، أو مدفوعة بروح المحاباة المغرضة، إنه يتجلى
لأعيننا على أنه وحدة اليقين الراسخ وحقيقته، اليقين الذى تفرضه حقيقة الأشياء على
كل الأنفس المستنيرة (4).
القياس:
أما القياس فيمكن إدراجه فى مجموع النظر
فى المصادر السابقة باعتباره اجتهادا، وأسلوبا فى صياغة الأحكام.
وما أجمل ما انتهى به حديث الدكتور
دراز، بعد أن ذكر أن جوهر القضية الأخلاقية هو العدل والخير فى ذاته، وشأنه شأن كل
جوهر، لا نراه مباشرة فى حال كماله، وإنما نلمحه لمحا بفضل ذلك الجزء من النور
المحدود فى امتداده، وفى قوته، والذي نستمده من فطرتنا.
ليس هنالك- إذن سوى نور واحد محض، وغير
محدود، هو الذى يستطيع أن يضم هذا الجوهر كاملا ، وفى ثقة تامة، ولذا كان من حق المؤمنين أن يتخذوا من العقل
الإلهى وسيلة الهداية الأخلاقية الكاملة.
وإذن، ففى فكرة القيمة يكمن المنبع الحق
للإلزام، فهى عقل العقل، وهى المرجع الأخير للحاسة الخلقية (5).
المراجع
(1) دستور الأخلاق فى القرآن- ترجمة د. عبد
الصبور شاهين.
(2)
السابق.
(3)
السابق 45-46.
(4) السابق .
(5) السابق 52 .