إعادة نهضة
الأمة الإسلامية
سماحة الشيخ / عكرمة صبرى
المفتى العام للقدس والديار الفلسطينية
الأخ الفاضل الإمام الأكبر شيخ الأزهر- حفظه الله.
الأخ الفاضل معالى وزير الأوقاف/ رئيس
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية- حفظه
الله
الأخوة العلماء الأجلاء- أيها الحشد
الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
من رحاب المسجد الأقصى المبارك، أنقل
لكم تحيات الشعب الفلسطينى المرابط فى بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، كما أنقل
تحيات سيادة الرئيس ياسر عرفات- حفظه الله- إلى سيادة أخيه الرئيس محمد حسنى
مبارك- حفظه الله. وأتحدث أمام مؤتمركم العتيد- المؤتمر الثانى عشر- لأحييكم تحية
طيبة ولأثمن جهودكم المباركة فى إعداد مشروع حضارى لنهضة العالم الإسلامى بل
لإعادة نهضة العالم الإسلامى من جديد لأن العالم الإسلامى كان ناهضا فى العصور
الذهبية الزاهرة، ثم بدأ المسلمون فى العد التنازلى وذلك حينما تخلت الأمة عن
التجديد فى فهمها للإسلام، وحينما دبت فيهم الفرقة والخلافات، وحينما أهملت اللغة
العربية التى هى لغة القرآن الكريم وأداة الإسلام العظيم. 1- أما النقطة الأولى
فقد ورد فى الحديث النبوى الشريف: قال رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل
مائة سنة من يجدد لها دينها" (1).
والمراد من هذا الحديث الشريف أن المجدد أو
المصلح يعيد النظر فى فهمه للدين على ضوء المستجدات التى طرأت فى المجتمع ويزيل
الشوائب والتراكمات التى تعلق فى أذهان الناس مع الأيام.
2-
أما النقطة الثانية فإن الفرقة والخلافات قد حذرنا الله عز وجل منها بقوله: ( وأطيعوا الله ورسوله
ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) (2).
ويقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم : "عليكم بالجماعة، وإياكم والتفرقة،
فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم
الجماعة" (3).
ولا يخفى عليكم فهناك عشرات الآيات
الكريمة والأحاديث الشريفة التى تحث على الوحدة والتآلف والتعاون والتضامن.
3-
أما النقطة الثالثة: فإن دراسة اللغة العربية واجبة، ولا نستطيع فهم القرآن الكريم
إلا بها، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب فلا أداء للإسلام ولا دور له فى
المجتمع بدون هذه الأداة. كما أن دراسة اللغة العربية هى عبادة من العبادات وأن
لغة أهل الجنة هى العربية.
وعليه فإنى أوصى لمؤتمركم العتيد بما
يأتى آملا أن تلاقى آذانا صاغية وقلوبا منفتحة.
-
مطالبة وزارات التربية والتعليم، والرياضة والشباب، والثقافة والإعلام بالاهتمام
باللغة العربية الفصيحة التى هى لغة القرآن الكريم، وتقوية المحادثة بالفصيحة لدى
الطلاب والطالبات فى الصفوف المدرسية على مختلف مراحلها، كما هو الشأن بالنسبة للغات الأجنبية الأخرى، فمن باب أولى
أن يطبق ذلك بالنسبة للغة العربية، وأن يزاد عدد الحصص الأسبوعية المقررة لهذه
اللغة إن اقتضى الأمر.
2- ترغيب الناس والجماهير كافة فى مدارسة اللغة
العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم وباعتبارها حافظة لتراثنا وحضارتنا وتاريخنا
وذلك من خلال أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.
3-
تنشيط دور المجامع الفقهية والبحوث الإسلامية القائمة فى العالم الإسلامى لإعطاء
الحلول والمعالجات الشرعية للقضايا المستجدة، كما أطالب بفتح باب الاجتهاد الجماعى
من خلال هذه المجامع، وذلك لمتابعة رياح التغيير التى تهب على دول وشعوب العالم فى
هذه الأيام.
4-
مطالبة الأنظمة الحاكمة فى العالم الإسلامى ومنه العالم العربى بالانفتاح على
بعضها البعض بحيث تتوفر حرية الحركة والانتقال بين الأقطار العربية والإسلامية دون
عوائق، وما يحصل الآن بين الدول الأوروبية ليس عنا ببعيد، وأن الأوروبيين ليسوا
بأولى منا فى هذه الخطوة، وكان المسلمون ينتقلون بين الأقاليم دون قيد ولا شرط قبل
الحرب العالمية الأولى أى قبل سقوط الدولة العثمانية.
أيها الإخوة العلماء الأفاضل..
لا أستطيع أن أترك هذه المنصة قبل أن
أشير إلى مدينة القدس، القدس اليتيمة، القدس الأسيرة، القدس المحتلة والتى يحاصرها
التغريب والتهويد فى محاولات مبيتة ومدروسة لإبعادها عن جذورها الإسلامية العربية
الممتدة فى أعماق التاريخ، وأنه لا مجال لإعادة نهضة الأمة الإسلامية من جديد، ما
دامت هذه المدينة المقدسة محتلة.
إننا ندق ناقوس الخطر ونقول: إن القدس
فى خطر، فيجرى إلحاقها مكرهة بلغة لم تكن لغتها فى يوم من الأيام، كما يجرى طمس
وجهها الحضارى الإسلامى، وطرد سكانها الأصليين منها، ففى العام الماضى تم سحب
(1260) هوية من السكان، وفى هذا العام تم سحب ما يقارب من ألف هوية وهكذا دواليك
ففى كل عام يقل عدد السكان العرب من هذه المدينة، كما تم هدم العشرات من البيوت فى
هذا العام فى حين تقام المئات بل الآلاف من المساكن والمستوطنات لليهود القادمين
الجدد من أقطار العالم. ويشير الإحصاء إلى أن السلطات الإسرائيلية قد أقامتا مائة
ألف وحدة سكنية لليهود فى مدينة القدس بينما لم تقم أية وحدة سكنية للعرب فيها.
ولابد من أن نعلنها واضحة وصريحة بأنه
لا سبيل إلى إنفاذ مدينة القدس المقدسة المباركة ولا سبيل إلى إنهاء الاحتلال
الإسرائيلى إلا بتكاتف الأمة حتى تتمكن من المحافظة على ما تبقى من إسلاميتها وعروبتها،
لأن بقاء الاحتلال الإسرائيلى يحول دون تقدم الأمة ولأنه يعيق نهضتها.
أيها الإخوة العلماء..
هذا أوان الجد، وهذا أوان العمل، فليخرج
مؤتمركم العتيد بتوصيات جادة عملية حول القدس اليتيمة وحول المسجد الأقصى المبارك
الأسير، ولا نريد أن نكون متشائمين، ولأت ساعة مندم، بل نصر على بقاء النداء
الخالد، الله أكبر على مآذن المسجد الأقصى المبارك وعلى أسوار هذه المدينة
المباركة المقدسة. اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
المراجع
1-
أخرجه أبو داود والطبرانى عن الصحابى الجليل أبى هريرة رضى الله عنه ، وأخرجه
الحاكم من حديث ابن وهب وصححه.
2-
سورة الأنفال: الآية 46.
3-
رواه الترمذى والنسائى والحاكم عن الصحابى الجليل عبدالله بن عمر- رضى الله
عنهما-.