بسم
الله الرحمن الرحيم
تقديم
أ.د
محمود حمدى زقزوق
الحياة
بطبيعتها فى حركة مستمرة ومتجددة، والإنسان جزء من هذا
الكون الكبير يخضع للنواميس الإلهية فيه. ولكن الله أراد
للإنسان أن ينفرد عن غيره من الكائنات بميزات لا تتوافر لغيره من الكائنات الحية
وغير الحية، وعلى رأس هذه الميزات العقل الإنساني.
ومن أجل ذلك جعل الله الإنسان
خليفة فى الأرض، وكرمه، وكلفه بمهمة إعمار هذا الكون ماديا ومعنويا. وهذا يعنى أن الإنسان- بإرادة
الله- يعد مسئولا عن هذا الكون الذى سخر الله له كل شىء فيه- كما جاء فى القرآن
الكريم: (وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعا منه إن فى ذلك
لآيات لقوم يتفكرون) (1).
والكون مملوء بالآيات الإلهية.
ولكن التعرف عليها ليسر متاحا إلا لمن يستخدم عقله وإمكاناته الفكرية كما تشير إلى
ذلك الآية الكريمة، ولن يكتمل ذلك إلا عن طريق العلم الذى
زود الله به الإنسان حتى يستطيع من خلاله التعرف بطريقة
سليمة على آيات الله الكونية والإنسانية. ويقوم فى
الوقت نفسه بتحمل مسئوليته فى إعمار
هذا الكون وتيسير الحياة البشرية على هذا الكوكب الذي نعيش فيه. والعلم لا حدود
له. ومن هنا كان التوجيه الإلهى لمحمد صلى الله عليه
وسلم أن يدعو ربه الاستزادة من العلم- كما يقول القرآن الكريم:
(وقل رب زدنى علما)(2)
(1)الجاثية:12
(2)طه:114
والعالم من
حولنا يشهد كل يوم تطورات علمية كبيرة كان آخرها فى
الفترة الماضية اكتشاف خريطة الجينات البشرية. ويعد هذا الاكتشاف ثورة علمية جديدة
لا تقل فى أهميتها عن غزو الفضاء وهبوط الإنسان على سطح
القمر. والأمر الجدير بالتأمل أن العلماء كلما توصلوا إلى كشف علمى
جديد تتسع أمامهم مساحة الجهل فيبذلون جهودا مضاعفة للكشف عن المزيد، وما أكثر
مالا يعرفه الإنسان، وقد أراد الله له آن يظل دائما فى
رباط علمى إلى يوم القيامة. وهنا
يتساءل المرء: أين المسلمون من ذلك كله؟ أليسوا مطالبين دينيا بالكشف عن آيات الله
فى الكون وفى الإنسان؟ أين هم من هذا الرباط العلمى الدائم الذى هو جهاد حقيقى فى سبيل الله؟
إن العلم فريضة على كل مسلم
ومسلمة، وهذا يعنى أن طلب العلم يعد لونا من ألوان العبادة لله سبحانه وتعالي. ومن
أجل ذلك تضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع- كما جاء فى الحديث الشريف- والعلماء فى
التصور الإسلامي هم أخشى الناس لله: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (1) لأنهم
الذين يدركون أسرار الخلق وعظمة الكون جلال الخالق.
ومن ذلك يتضح أن المسلمات- من
منطلق تعاليم دينهم- ينبغى أن يكونوا فى مقدمة صفوف كتائب العلم. وإذا كان ذلك أمرا لازما فى أى عصر من العصور فإنه فى عصرنا الحاضر أشد إلزاما ووجوبا وأكثر إلحاحا. فنحن فى عصر من يملك فيه العلم يملك القوة ويحظى بالاحترام، ويكون
أقدر على تحقيق إرادة الله فى إعمار
الكون.
ومن هنا
لا يجوز للمسلمين أن يتخلفوا عن ركب العلم؟ ولا يقبل منهم أى
عذر عن تخلفهم في هذا المجال. وقد أصبحت قضية العلم وتطبيقاته على رأس اهتمامات
العالم المعاصرة وبخاصة بعد ثورة المعلومات والاتصالات والثورة التكنولوجية، وأخيرا
وليس آخر اكتشاف خريطة الجينات البشرية.
وفى خضم هذا الزخم المتواصل
لمسيرة العلم والتكنولوجيا رأينا أن هناك حاجة ملحة لتخصيص حلقة من سلسلة مؤتمرات
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية لبحث قضية العلم والتكنولوجيا فى
العالم الإسلامى. فكان المؤتمر العام الثانى عشر الذى عقد فى النصف الأول من شهر يونيو عام 2000 م تحت عنوان "
نحو مشروع حضارى لنهضة العالم الإسلامى.
الإسلام ومتغيرات العصر".
(1) فاطر 380.
وذلك لإبراز الأهمية البالغة لهذه
القضية التى ينبغى أن تتضافر
جهود الأمة الإسلامية من أجل العمل على ترسيخها فى وعى جماهير
الأمة. فلا يعقل أن تتجه جهود العالم المتقدم اليوم إلى محو الأمية التكنولوجية
بين مواطنيها بينما العالم الإسلامى لايزال يعانى من الأمية الأبجدية. فهذا وضع لا يليق بأمة لها
رصيدها الحضارى الذى يعرفه
التاريخ، ولها من تعاليم دينها وقيمها ما يدفعها إلى التقدم والرقى إلى أبعد
الحدود.
وقد كان علماء الأمة الذين اشتركوا فى هذا المؤتمر عند حسن الظن
بهم. فكان عطاؤهم ثريا، وحماسهم كبيرا
، ومشاركتهم قوية. وكل ذلك سيكون له أثره
من غير شك فى إيقاظ وعى الأمة، وتنشيط ذاكرتها، وحثها
على ضرورة التغيير الذى هو سنة الحياة.
والعلم هو سبيلنا لتغيير أوضاع
الأمة الإسلامية. ويكفى ما ضاع من عمر الأمة، وما تبدد من جهودها فى صراعات ونزاعات شلت فاعليتها وكبلت حركتها. فلا مجال اليوم لانشغال الأمة الإسلامية بقضايا هامشية وخلافات
مذهبية عفا عليها الزمن. وقد كان هذا التوجه واضحا من خلال البحوث التى ألقيت فى المؤتمر والمناقشات
الثرية التى دارت خلال جلساته.
ومن أجل تعميم
الفائدة. وجريا على عادة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فئ المؤتمرات السابقة،
يسرنا أن نقدم اليوم للقارئ الكريم هذا المجلد الكبير الذى
يضم جميع البحوث والدراسات التى تم تقديمها فى المؤتمر العام الثانى عشر
للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
نسأل الله أن يكون فى ذلك كله ما يحرك العزائم، ويحفز الهمم، ويشعل جذوة الحماس فى أوساط الآمة الإسلامية لتنطلق فى
سباق مع الزمن، من أجل اللحاق بركب التقدم العلمى والتكنولوجى الهائل حتى تجد الآمة لنفسها مكانا على خريطة
العالم فى القرن الجديد.
والله من وراء القصد وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
محرم
1422هـ
مارس 2001 م
أ. د. محمود حمدى
زقزوق
وزير الأوقاف