كلمة
أ. د. عبد الصبور مرزوق
نائب رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
ومقرر عام المؤتمر
الإخوة الأعزاء ضيوف مصر..
السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته..، وبعد
فحين
التقينا فى مثل هذا الموعد من عام مضى (فى المؤتمر العاشر) رغبت إلى حضراتكم
أن تختاروا لأنفسكم وعقيدتكم وأمتكم موقف
الإباء والاعتزاز الذى اختاره الله لكم فى قوله العظيم: ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) (1).
كما
رغبت إليكم أن تطرحوا " الوهن " الذى حذركم
منه الرسول صلوات الله عليه والذى كان وما يزال سبب
تراجعنا عن دورنا الكبير كخير أمة أخرجت للناس وسبب سقوطنا فى
مستنقع الفقر والعجز والتخلف فأصبحنا نعيش حالة" غثاء السيل ".
واليوم
ونحن نفتتح (بسم الله) أعمال مؤتمركم الحادى عشر والذى يقدم مشروعا حضاريا لنهضة العالم الإسلامى
أو بعبارة أخرى يقدم مشروعا لإعادة ترتيب
البيت الإسلامى من داخله.
ورغبة
فى تحقيق نتائج أكثر واقعية وإيجابية فقد كانت محاور
المؤتمر بين ثقافية واجتماعية واقتصادية.
ومجىء المحور الثقافى فى طليعتها يعكس مدى أهمية هذا الجانب فى
تحديد الأسس وترتيب الأولويات.
وأهم
الأسس والخطوات الثقافية فى إعادة البناء الصحيح للبيت الإسلامى هى استعادة الوعى بقوانين الله وسننه فى قيام
الدول وسقوطها وازدهار الحضارات واندثارها تطبيقا على أوضاع المسلمين مقارنة بين حالهم يوم كانوا أمة موحدة
معتصمة بحبل الله، فاقهة لسنن الله وقوانينه فى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصور الراشدين، وما أحرزته
من قوة وتمكن استطاعت به فى زمن قياسى أن تكون دولة عظمى
تحطمت أمامها الدولتان العظميان على عهدها وهما دولة الفرس ودولة الروم.
ثم
بين ما آلت إليه حالها يوم ابتليت بالفرقة والتنازع، وأصابها الترف والاسترخاء
فذهبت ريحها، وأصبحت طعمة لكل طامع، ثم مضت تتراجع من
هزيمة إلى هزيمة حتى انفرط عقدها وتبعثرت حباته بانهيار آخر خلافة إسلامية (زمن
بنى عثمان).
فلتكن
أولى الخطوات فى مشروعنا الحضارى
أن نستعيد الوعى بقوانين الله وسننه التى أمرنا فيها أن نعتصم بحبله، وحذرنا فيها من السقوط وذهاب
الريح بسبب الفرقة والتنازع .
ومتابعة لسنن الله وقوانينه فلنعمل وبكل الإخلاص والتجرد وبعيدا عن
الأنانيات الضيقة وشهوات الحكم والسياسة.
لنعمل
على رأب كل الصدوع والشروخ القائمة بين أقطار الأمة وأخطرها وأكثرها استعصاء على الحل هو ذلك الصدع
القائم بين الشيعة والسنة.
على
أن يكون تلاقينا فى إطار القاعدة الذهبية الشهيرة
" نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه ".
فمن
غير المعقول ولا المقبول استمرار ذلك الحاجز البغيض بين الفريقين استمرارا لماض لم
تشارك أجيالنا فى صنعه ومن الظلم أن تبقى أمتنا تكتوى بلظاه..
سنن الله فى العدل الاجتماعى:
الإخوة الأعزاء ضيوف مصر:
وأما
عن سنن الله وقوانينه فيما يتصل بالمحورين
الاجتماعى والاقتصادى. فالمطلوب فيهما وبإيجاز هو تقريب الفجوة القائمة فى ديارنا بين أهل الشمال وبين أهل الجنوب، فإذا كان الغنى فى بعض
بلاد أمتنا كبيرا فإن الفقر أكبر وأخطر.
وإذا
كان العالم المعاصر يقوم على التفاوت الهائل بين الشمال والجنوب فإن سنن كتابنا
وقوانينه لا تقيم العلاقة بينها على آليات السوق ومعطياته وإنما تقيمها على معطيات
الأخوة الإنسانية التى يأخذ فيها كل خلق الله أنصباءهم من رزق الله حتى ولو كانوا غير مسلمين ما داموا فى دولة الإسلام.
ورضى
الله عن ثانى الراشدين عمر بن الخطاب حين رأى شيخا
يهوديا يتكفف الناس فأخذ بيده وضرب له سهما فى بيت مال المسلمين .
وإذ
أستشعر هذا الاعتزاز بعظمة الإسلام وإنسانيته راجيا حضراتكم
أن تكون مبادئه هى الدليل والمرشد فإنى
آمل أن ترتبوا البيت لتجعلوه بيت الإنسانية جميعها ومهوى
أفئدة الملايين المطحونة والباحثة عن العدل والحرية والحق فى
مختلف أنحاء العالم والتى لن تجد خلاصها إلا فى الإسلام.
الإخوة الأعزاء ضيوف
مصر:
وليست
قضية التكافل وحدها أهم ما فى المحورين الاجتماعى والاقتصادى من محاور
المؤتمر لأن ثمة قضية أخرى أظهر وأخطر، أعنى بها الحالة
المحزنة والمخزية معا لهذا التآكل المتنامى فى قضية الولاء
والانتماء للإسلام والعروبة.
فلقد
طغت علينا حالة من الاستلاب الحضارى ومن التآكل المتنامى لأصالتنا وقيمنا وتقاليدنا فى
المطعم والمشرب وفى طرائق التفكير والتعامل مع الأحداث والقضايا.
بل
حتى لغة القرآن الكريم (التى هى
وعاء تراثنا وعنوان هويتنا) لم تسلم من هذا البلاء فأصبح ينظر إليها على أنها لغة
المتخلفين والتى يجب هجرانها والبعد عنها.
إنها
حالة مخيفة من الانهزام النفسى أمام الغزو الثقافي
الطامع فينا.
وأعجب
أن يحدث هذا الانهزام وكتاب الحق سبحانه يدعونا إلى الإباء والشموخ حين يقول لنا:
( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) (2)..
فليقف
مؤتمركم طويلا أمام هذه الحالة لتخرجونا منها،، وتردوا لأمتكم اعتبارها، وتعيدوا
لرسالة الإسلام دورها الذى لن يجد العالم خلاصه من طوفان
الماديات إلا فيها.
وهنا
يكون من غير المقبول ولا المعقول أن يكون حجم التجارة البينية بين أقطار أمتنا لا
يجاوز فى أحسن أحواله نسبة 10% من حجم التجارة
الخارجية. أما التسعون بالمائة فهى مع الآخرين خارج
ديار الإسلام والعروبة .
والترجمة
التعبوية لهذه الأرقام تعنى أن 90% من دماء الإسلام والعروبة تضخ فى الشرايين الغربية
حيث لا يبقى للجسد الإسلامى والعربى
إلا العشر الضئيل.
وفى
هذا يكون التفسير الواقعى لحالة الهزال والفقر القائمة
بيننا والتى تدمر المواقع والمواقف أيضا كما تدمر
التاريخ والجغرافيا وتدمر معهما الإنسان والحيوان.
فلم
نستبقى هذه الأوضاع المرفوضة؟ ولم لا نعدل هذا الميزان
المقلوب؟.
الإخوة الأعزاء:
على
أن ترتيب البيت الإسلامى ليس وما ينبغى
أن يكون هدفا لذاته بقدر ما هو سبيل لغاية أكبر وأقدس وهى التمكين فى أرض الله لرسالة الإسلام ولعطائه وخدمته للإنسان والذى لن يجد العالم خلاصه إلا فيه كما قلت وأقول: نعم لن تجد
البشرية خلاصها إلا بالإسلام.
ليكن
ما ينتهى إليه مؤتمركم هو المدخل والمقدمة للتعريف العلمى برسالات الإسلام حتى يصغى العالم إلينا وبدون الإسلام وعطائه العظيم ليس لديكم ما
تقولونه.
فلتقدموا الإسلام إلى الناس ففيه ذكركم وشرفكم، وفيه ماضيكم ومستقبلكم،
وإذا استمسكتم به لن تهونوا. والله
معكم..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..،
المراجع
(1) المنافقون: 8.
(2) آل عمران: 129.