التنمية البشرية ضرورة أساسية
للتنمية الاقتصادية
أ. د. أحمد حسن البرعى
أستاذ القانون الدولي بكلية الحقوق جامعة القاهرة
أركز فى حديثي على دور الدولة فى كفالة العدالة الاجتماعية ونحن
مقبلون على القرن الواحد والعشرين، وفى ظل
تحولات عالمية تعرف باسم
" العولمة
"بكل مكوناتها من نظام عالمي جديد، واتفاقية" الجات "،
وأسلوب إنتاجي يفرض نفسه من الدول الغربية على عالمنا الإسلامى،
وأود
أن أحصر حديثي فى موضوع واحد هو ماذا نفعل من
أجل التنمية البشرية؟
وما هو دور الدولة فى التنمية البشرية باعتبارها
ضرورة كبرى وعامل من
العوامل الأساسية فى التنمية الاقتصادية؟
دور الدولة فى توفير فرص العمل:
إن الأساس فى التنمية البشرية هو الإنسان الذي
كرمه الإسلام،
والتنمية البشرية وفقا لمفهومها الحديث تتناول الإنسان فى
تعليمه، وفى
رعايته صحيا، وفى توفير فرصة العمل له.
وسأركز على المصاعب التى ستواجه الأمة
الإسلامية، وبالتالي الإنسان
. المسلم، فيما
يتعلق بمجال العمل، وأود فى هذا الصدد أن أنبه إلى أن
حرية العمل وضرورة العمل ودور الدول فى كفالة العمل
تنقسم فى نظري إلى
ثلاثة أقسام:
أولا: أن الدولة لابد أن تكفل خلال السنوات
القادمة فرصة العمل.
ثانيا: أن فرصة العمل ليست فى حد ذاتها
مطلوبة بقدر ما هو مطلوب من
أن توفر هذه الفرصة دخلا يمكن الإنسان من المعيشة
الكريمة.
ثالثا: فى حالة فقد الإنسان لدخله من عمله
لابد وأن يكون هناك البديل الذي تتكفل به الدولة، وأقصد
به نظام الضمان الاجتماعي المعروف حديثا فى الدول الغربية، الذي هو فى
الأصل معروف بالتكافل الاجتماعي فى الإسلام.
وبالنسبة للمشكلات التى سنواجهها فى الدول الإسلامية فى خلال القرن
المقبل والحلول المتاحة لها أقول:
بالنسبة لتوفير فرص العمل قد تبدو فى بادئ الأمر
شيئا بسيطا
ولكنه معقد، لأنها تعنى وجود أو قيام مشروعات استثمارية من أجل توفير فرص
العمل، وبالتالي فالدول الإسلامية مطالبة بزيادة المشروعات الاستثمارية من أجل
توفير فرص العمل، وفى ظل التطورات الاقتصادية العالمية الحالية فإن الدولة ليست
مطالبة بأن تلحق المواطن مباشرة فى خدمتها، فهناك أسلوب
إنتاجي جديد يفرض نفسه وقد تقبلناه مع هذا النظام العالمى
الجديد.
إذا دور الدولة هو القضاء على القوانين التى
تعوق الاستثمار، وفى القضاء على النظام البيروقراطي الذي يعوق الاستثمار من أجل
توفير فرص العمل.
وإذا كنا نتحدث عن توفير فرص العمل فى عالم
إسلامي فلابد أن نتحدث
عن التضامن بين دول العالم الإسلامى
من أجل وضع استراتيجية للعمل. وأركز فى هذا الصدد على استراتيجية ذات
شقين:
الشق الأول:
الدول الإسلامية فى الداخل مطالبة بألا تنقل
الحلول فى الاستثمار- ونحن نعانى من نقص فى الاستثمار- لكن فى ظل الاستثمارات
المتاحة نحن نعانى من نوع من الاستثمار يطلق عليه الاستثمارات غير الخالقة فرص
العمل ذات التكنولوجيا العالية، ولابد فى دول تعانى من
زيادة فى عدد السكان ونقص فى
رؤوس الأموال من أن تركز على أساليب إنتاجية جديدة، وأدعو هذه الدول إلى النظر فى نقطتين أساسيتين:
الأولى: هى استخدام الحركة التعاونية فى المجال الزراعي والإنتاجي. والثانية: هى التوجه ناحية المشروعات الصغيرة التى
تعتمد أكثر على الأيدي العاملة منها على رأس المال. وهذه الاستراتيجية
على المستوى الإسلامى
تقتضى التعاون بين الدول الإسلامية فيما يتعلق بهجرة الأيدي العاملة وفى ظل
التكتلات الاقتصادية الكبرى فى عالم اليوم لابد للدول
الإسلامية أن تنظر إلى فكرة هجرة الأيدي العاملة كوسيلة من وسائل التكامل
الاقتصادي بين الدول العربية.
لكن للأسف فيما يتعلق بالهجرة بين الدول العربية
والإسلامية نجد أن الهجرة وسيلة من وسائل سد حاجات الدول المستقبلة للعمالة وليست
وسيلة من وسائل التكامل الاقتصادي، وهذه نظرة ينبغى أن
نعيد النظر فيها نظرا لأن العالم اليوم لا يعيش إلا على التكتلات الاقتصادية، ورغم
أن اتفاقية الجات لم تتطرق بعد لمشكلة انتقال الأيدى
العاملة فلابد أن نستخدم كل ما هو متاح فى هذه
الاتفاقية لخدمة المصالح الإسلامية. فالتكتل الاقتصادي حتى فى
حالة فرض شروط متعلقة بانتقال الأيدى العاملة يتيح لنا
فرصة الدولة الأفضل بالرعاية.
كما نود أن تعيد الدول الإسلامية النظر فى
سياسات استخدام الأيدي العاملة المهاجرة.
ويؤسفنى أن ألاحظ أن المسلم المهاجر إلى دولة
من دول الغرب قد يكون
من الناحية القانونية ومن حيث حقوقه الاجتماعية أفضل حالا من زميله المهاجر
إلى دولة إسلامية، ولابد أن نعيد نحن المسلمين النظر فى
هذا، إذا فيما يتعلق باستراتيجية العمل فى المستقبل من أجل مشروع حضارى
يجب أن نركز على إيجاد فرصة العمل بأسلوب يتناسب مع ظروفنا الداخلية وفى ظل تعاون
إسلامي بين الدول الإسلامية، هذه الفرصة لابد وأن تتيح للعامل الحصول على دخل
يكفيه للحياة فى معيشة كريمة، وقد سبق الإسلام الغرب فى معالجة مشكلة الأجر وتحديده.
الحد الأدنى للأجر فى الإسلام:
الشق الثانى:
جاء الإسلام وأقر حد الكفاية وحد الكفاف والتكافل الاجتماعي فى مجتمع الإسلام، وفى المقابل فى
الدول الغربية نجد نظرية الحد الأدنى فى الأجر والأجر
المناسب والأجر العادل، فالحد الأدنى فى الأجر عند
الغرب- المستمد
من الإسلام فى مفهومنا وليس من مفهوم الغرب-
لابد وأن نستعين به وهو ما يطلق عليه حد الدفاع
الاجتماعي، ونحن نريد أن نوضح صورة للعامل الذي لا يستطيع الحصول على الحد الأدنى
للأجر حتى لو كان يعمل، فالحد الأدنى للأجر هو الذي يتيح للعامل أن يحصل على
احتياجاته الأساسية التى لا يمكن أن نطالبه بالتغاضى عن أى منها، فماذا يفعل
من لا يحصل على الحد ا لأدني للأجر؟
من أسباب الإرهاب والانحراف:
إن العامل الذي لا يعمل والذى لا يحصل على الحد
الأدنى للأجر كلاهما سوف يلجأ إلى طرق أخرى ربما غير مشروعة نظرا لأن البطالة وعدم
وجود حد أدنى للأجر هما أخصب أرض ينبت فيها الإرهاب والانحراف، ولذلك علينا أن
نعمل من أجل مستقبل أفضل فى مجال التنمية البشرية لضمان
الحد الأدنى حتى نصل تدريجيا إلى ما هو فوق الحد الأدنى والأجر المناسب والأجر
العادل.
وأخيرا بالنسبة للتأمين الاجتماعي، لا يكفى أن يجد العامل عملا فقط،
ولا يكفى أن يجد العامل عملا يعطيه الحق فى
الأجر، أو الحد الأدنى من الأجر ، بل بالإضافة إلى ذلك لابد أن يكون أمنا على غده
إذا فقد عمله وبالتالي الدخل الذي يحصل عليه من هذا العمل، والدخل هنا نسميه الدخل
البديل، فإذا فقد العامل دخله فلابد من تدبير دخل بديل. هذا الدخل البديل يعرف
بنظرية التكافل الاجتماعي فى الإسلام والتى عرفت فيما بعد بالتأمينات الاجتماعية أو الضمان
الاجتماعي.
وبملاحظة تطبيقات نظم التأمينات الاجتماعية فى
عالمنا الإسلامى والتى
تعرفها أغلب الدول الإسلامية تتلخص المشكلة فى أن
التأمينات الاجتماعية تختلط فى نظرنا كثيرا بفكرة
الضرائب أو الجباية، ولا نصل إلى حد الفصل بين حق المؤمن عليه وبين تحصيل الضريبة.
وأود أن أنبه فى هذا الصدد إلى أن التأمين والضمان هما
حقان من حقوق الإنسان، والضرائب هى حق للدولة، ويتضح
ذلك جليا فيما تواجهه نظم التأمينات والضمان فى الدول الإسلامية
من مشكلات أهمها كيفية استخدام أموال التأمينات الاجتماعية التى
تعتبر جزءا لا يتجزأ من ميزانية الدولة وهو خطأ بالغ، وهى حق ثابت
للمؤمن عليه، والضمان الاجتماعي الذي ينزل كثيرا عن
حد الكفاف المعروف فى الشريعة الإسلامية، وقد أشير إلى
تجربتين عابرتين أتيح لي الإطلاع عليهما- وقد تكون هناك تجارب أخرى- أشير إلى
تجربة التكافل الاجتماعي فى قوانين دولة الإمارات
العربية المتحدة، ودولة قطر، هذان النظامان من نظم الضمان الاجتماعي لابد من
أخذهما فى الاعتبار إذا أردنا إقامة نظام قانوني للضمان
الاجتماعي، وحين أتحدث عن الضمان الاجتماعي أقول:
قانون الضمان الاجتماعي:
إننا فى عالمنا الإسلامى
لا يكفى بالنسبة لنا إقامة تأمينات اجتماعية،
لأن التأمين الاجتماعي مرتبط بالشخص الذي يعمل ثم يفقد عمله لسبب من
الأسباب وهنا يحصل على تعويض، ولكننا فى مجتمعات تعرف
ظاهرة البطالة بكثرة، وبالتالي فإن أغلب الناس الذين يقعون تحت خط الفقر لا يمكنهم
الحصول على تعويضات من التأمينات الاجتماعية. إذا لابد إلى
جانب التأمين الاجتماعي من قانون للضمان الاجتماعي يدعم نظام التأمينات الاجتماعية
وهو ما نسميه شبكة الأمان الاجتماعي.
أهم ثلاث نقاط فيما يتعلق بكفالة حق العمل هى:
كفالة حق العمل، والحد الأدنى فى الأجر، والأجر البديل.
وقبل أن أختم كلمتي أود أن أبدى ملاحظتين أساسيتين:
الملاحظة الأولى:
أغلب الدول الإسلامية أمام التحولات العالمية وانضمامها لاتفاقية الجات
بدأت فى تطبيق نظم اقتصادية جديدة تعرف إما بالتحول،
وإما بإعادة هيكلة الاقتصاد. فى ظل هذه النظم نلاحظ أن
عدد الواقعين تحت خط الفقر فى هذه الدول يزداد وسبب
الزيادة هو انخفاض مستوى معيشة الجماهير نتيجة وبداية لتطبيق نظم الخصخصة وإعادة
الهيكلة بأن تبدأ الدول فى ترك الأسعار لنظرية العرض
والطلب بعد أن كانت الدول تتحكم فى الأسعار بقرار مركزي
بينما الأجور تظل تخضع لقانون القرار المركزى ولا يتصور
أن يحدد مستوى معيشة الناس وفقا لقانونين، فالنظام الرأسمالي له قانونه فى الأجر وفى الأسعار، والنظام الاشتراكي له قانونه فى الأجر وفى الأسعار، فلا يمكن أن نستعير أحد النظم من هذا
النظام، وأخر من نظام أخر، فلابد من التوحيد.
كيف يكون العرض والطلب فى مجال
الأجر؟:
يكون ذلك عن طريق المفاوضات الجماعية، والمفاوضة الاجتماعية
تقتضى
أن يكون هناك نقابات، والسؤال المطروح على الدول
الإسلامية الآن هو هل ستقبل المنظمات الوسيطة التى نسميها
منظمات العمل الأهلى - والنقابات جزء منها- هل
ستقبلها؟- وهذه مسألة سياسية لا أدخل فيها بل أتركها للمستمعين- ولكنى أنبه فى نفس الوقت إلى خطورة كبرى فى
المجال الاجتماعى على المستوى الدولى.
فهذه المشكلات الاجتماعية كانت قائمة من قبل، لكن النظام العالمى
لم يكن يطرحها بالحدة التى تطرح بها
الآن فهى مسألة تتعلق بالمجال الاجتماعى،
ولكن لا تتعلق به مباشرة، إنما باقتصاديات هذه الدول.
أود أن أنبه إلى الإعلان العالمى
لحقوق العمل والعمال الصادر عام 998 ام
من منظمة العمل الدولية- وكل الدول الإسلامية أعضاء فى منظمة العمل الدولية- والذى
تقرر بموجبه أنه من الآن فصاعدا هناك عدة مبادئ أساسية على الدول أن تحترمها حتى
لو لم تكن مصدقة على الاتفاقيات هى: الحرية النقابية،
حق المفاوضة الجماعية، عمالة الأطفال، المساواة فى ا
لأجور، وتحريم السخرة.
وأنبه إلى نقطة خطيرة وهى أنه لم يكن فى الماضى عقوبات على عدم احترام
هذه الحقوق، وفى المستقبل سيكون هناك عقوبات لأن هذا الإعلان هو تطوير لنظرية
الشرط الاجتماعى فى اتفاقية
الجات ويمكن لأى دولة من الدول المستوردة من دولة لا
تحترم هذه المعايير أن تتقدم بشكوى إلى لجنة المنازعات فى
منظمة التجارة العالمية، فنجد أنفسنا وقل خظرت تجارتنا وخظر تصدير بضائعنا، إذأ هناك
عقوبة ستوقع، وإذا كنا نريد مستقبلا حضاريا يجب أن نتنبه إلى أننا لا نعيش منعزلين
عن العالم، ولكن أنبه أيضا إلى أننا جميعا قد وافقنا على هذا الإعلان فإذا كنا قد
وافقنا فلا بد أن نحترم تعهداتنا.