المقومات الأساسية للمجتمع الإسلامى
التكافل الاجتماعى
المستشار الدكتور/ محمد شوقى
الفنجرى
عضو مجمع البحوث الإسلامية
ورئيس مجلس إدارة الجمعية الخيرية الإسلامية
مصر
** تمهيد:
1- لعل من أهم ما
جاء به الإسلام فى المجال الاجتماعى
منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، أصل أو مبدأ" الضمان الاجتماعى
"، بمعنى ضمان الحد اللائق لمعيشة كل فرد مما عبر عنه رجال الفقه الإسلامى القدامى بمصطلح " حد الكفاف "الذى هو الحد الأدنى للمعيشة.
2- ومؤدى ما تقدم
أنه يتعين أن يتوافر لكل فرد فى أى
مجتمع يوصف بأنه إسلامى، المستوى اللائق للمعيشة والذى يختلف باختلاف الزمان والمكان كما يختلف باختلاف
الأشخاص، وهو ما يوفره كل شخص لنفسه بجهده وعمله، فإذا عجز عن ذلك لسبب خارج عن
إرادته كمرض أو شيخوخة، فإن نفقته تكون واجبة فى بيت
مال المسلمين أى خزانة الدولة، أيا كانت ديانة هذا
الفرد وأيا كانت جنسيته، طالما وجد فى مجتمع إسلامى قاعدته " ألا يضار أو يضيع أحد".
3- وكلنا يعرف قصة
الخليفة عمر بن الخطاب - رضى الله عنه- مع
الشيخ الضرير اليهودى، حيث ثبت له عجزه وحاجته، فقرر له
راتبا مستمرأ يصرف له من المال. وكان ذلك إعمالا لقوله تعالى: (إنما الصدقات
للفقراء والمساكين) (1) وقوله تعالى: (وفى أموالهم حق للسائل والمحروم )
(2)- وقول الرسول عليه الصلاة والسلام (من ترك دنيا أو ضياعا - أى صغارا لا مال لهم- فإلى وعلى- أخرجه الشيخان البخارى ومسلم، وفى رواية أخرى (من ترك كلأ فليأتني فأنا
مولاه) أى من ترك ذرية ضعيفة فليأتنى
بصفتى الدولة فأنا مسئول عنه كفيل به، وقوله عليه
الصلاة والسلام (من ترك ضياعا فعلى ضياعه).
أولا: حول
مصطلحات "التأمين" أو "الضمان " أو"التكافل الاجتماعى"
يطلق البعض
مصطلحات التأمين الاجتماعى، والضمان الاجتماعى، والتكافل الاجتماعى،
كما لو كانت مترادفة فى حين أن بينها فروقا أساسية:
1-التأمين الاجتماعى
تتولاه الدولة والمؤسسات الخاصة، وهو يتطلب
مساهمة المستفيد باشتراكات يؤديها، وتمنح له مزايا التأمين الاجتماعى،
أيا كان نوعها متى توافرت فيه شروط استحقاقها بغض النظر عن دخله، والأخذ بالتأمين الاجتماعى فى الإسلام وغيره من صور
التأمين المعروفة، هو من قبيل العمل بالمصلحة. وقد ذهب البعض إلى أن الزكاة تغنى
عن التأمين، وهو ادعاء غير صحيح إذ لكل منهما مجاله، ولكل منهما سنده الشرعى، ولكل منهما الحاجة القصوى إليه. بحيث يقوم كل منهما
بجانب الآخر معاونا ومكملا له، دون أدنى تناقض أو اصطدام.
2- أما الضمان الاجتماعى
فهو التزام الدولة نحو مواطنيها، وهو لا يتطلب تحصيل اشتراكات
مقدما، وتلتزم الدولة بتقديم المساعدة للمحتاجين فى
الحالات الموجبة بتقديمها كمرض أو عجز أو شيخوخة، متى لم يكن لهم دخل أو مورد رزق
يوفر لهم " حد الكفاية " أى المستوى اللائق
للمعيشة.
والأخذ بالضمان الاجتماعى فى الإسلام، هو من قبيل تطبيق النص، أى
ما ورد بالقرآن والسنة فيما يتعلق بالزكاة التى هى الركن الثانى فى العقيدة بعد الصلاة، هى مؤسسة
الضمان الاجتماعى فى
الإسلام.
3-أما التكافل الاجتماعى
فهو التزام الأفراد بعضهم
نحو بعض، وهو لا يقتصر فى الإسلام على مجرد التعاطف المعنوى من شعور الحب والبر، والأمر بالمعروف والنهى عن
المنكر، بل يشمل أيضا التعاطف المادى بالتزام كل فرد
بعون أخيه المحتاج. وهو يتمثل فيما يسميه رجال الفقه الإسلامى:
بحق القرابة، وحق الماعون، وحق الضيافة، وحق الصدقة.. إلخ.
ومن قبيل التكافل الاجتماعى " الأوقاف الخيرية
" والتى يرصدها أثرياء المسلمين منذ فجر الإسلام
وحتى اليوم لمختلف أوجه الخير.
والأخذ بالتكافل الاجتماعى فى الإسلام. هو من قبيل تطبيق النص، وهو
ما عبرت عنه الآية الكريمة (إنما المؤمنون أخوة)، وقوله تعالى:
(وتعاونوا على
البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (3).
وقول الرسول عليه الصلاة والسلام ( المؤمن للمؤمن كالبنيان
المرصوص يشد بعضه بعضا )، وقوله عليه السلام (مثل المؤمنين فى
توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )، و تلخيصه عليه الصلاة والسلام الإيمان بقوله
(والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ).
4- ونخلص مما تقد
أن الإسلام هو دين الضمان الاجتماعى حيث التزام الدولة،
وهو دين التكافل الاجتماعى حيث التزام الأفراد
وإن الضمان الاجتماعى ممثلا فى ضمان حد
الكفاية لكل فرد يكون الأساس الذى تقوم عليه مختلف
أحكام الاقتصاد الإسلامى، وهو المحور الذى تدور حوله سائر تطبيقاته، ذلك أن مشروعية الملكية فى الإسلام متوقفة على ضمان حد الكفاية، كما أن هدف التنمية
الاقتصادية فى الإسلام هو توفير " حد الكفاية
" أو ما عبر عنه بعض فقهاء الشريعة بمصطلح " تمام الكفاية " أو
" حد الغنى ".
ثانيا: حول " حد الكفاية " أو " حدا الغنى..
"
مصطلح حد الكفاية أو حد الغنى وإن لم يرد صراحة فى نص من نصوص القرآن أو السنة، إلا أنه يستفاد من مفهوم هذه
النصوص، وقد ورد صراحة فى تعبيرات أئمة الإسلام ومختلف
كتب الفقه القديمة، ومن قبيل ذلك:
أ- قول الخليفة الثانى عمر بن
الخطاب (إذا أعطيتم فأغنوا) (4).
ب- وقول الخليفة الرابع على بن أبى طالب- رضى الله عنه- (إن
الله فرض على الأغنياء فى أموالهم بقدر ما يكفى
فقراءهم)- انظر ابن حزم المرجع السابق.
ج- ويقول الإمام المواردى فى كتابه الأحكام السلطانية صفحة 122 (فيدفع إلى الفقير
والمسكين من الزكاة ما يخرجه من اسم الفقر والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى)، كما
يقول فى صفحة 205 (تقدير العطاء معتبر بالكفاية).
د- ويقول الإمام السرخسى فى الجزء الثالث من كتابه المبسوط صفحة 18 (وعلى الإمام أن
يتقى الله فى صرف الأموال إلى المصارف، فلا يدع فقيرا
إلا أعطاه من الصدقات- أى أموال الزكاة ببيت المال- حتى
يغنيه وعياله، وإن احتاج بعض المسلمين وليس فى بيت
المال من الصدقات شىء، أعطى الإمام ما يحتاجون من
الأموال الأخرى ببيت المال).
هـ- ويقول الإمام ابن تيمية فى
الجزء الثامن من فتاويه صفحة 579 (الفقير الشرعى المذكور فى الكتاب والسنة الذى يستحق من الزكاة والمصالح ونحوها، ليس هو الفقير الاصطلاحى الذى يتقيد بلبسة معينة أو طريقة معينة، بل كل من ليس له كفاية تكفيه
وتكفى عياله فهو من الفقراء والمساكين).
و- ويقول الإمام الشاطبى فى كتابه الموافقات الجزء الأول صفحة 104 (الكفاية تختلف
باختلاف الأشخاص والأحوال). وقد جرى المثل (صيانة النفس فى
كفايتها).
ثالثا: التمييزبين " الزكاة " و " الصدقة، و "
الوقف "
عبر القرآن الكريم والحديث النبوى
عن الزكاة بلفظ الصدقة، للدلالة على الصدق فى مساواة
الفعل للقول والاعتقاد. ومن ثم تعتبر كل زكاة صدقة، ولكن
لا تعد كل صدقة زكاة.
1- وتكون
الأولى أى الزكاة إلزامية ومحددة، وهى تمثل مؤسسة الضمان
الاجتماعى فى الإسلام، بينما
الثانية وهى الصدقة بمفهومها الضيق اختيارية ومطلقة، وهى من قبيل التكافل الاجتماعى فى الإسلام.
وذلك
لأن الزكاة واجبة شرعا، ومحددة مسبقا، كما أن مصارفها معينة سلفا ولا تتجاوزها. فى حين أن الصدقات الزائدة للمحتاجين والتبرعات لأوجه الخير
وغيرها من صور الإنفاق فى سبيل الله، غير ملزمة، ولا
تحديد لها صغرت أم كبرت، ومفتوحة على مختلف صور البر. وأنه مهما بلغ مقدار الصدقة التى يخرجها المسلم حسبة لله، فإنها لا تغنى عن أقل قدر من
المال مستحق للزكاة.
2- أما الوقف فهر إخراج المال من ملك صاحبه إلى ملك الله تعالى، أى حبس أصل العين والتصدق بريعها لأوجه خير معينة كعون
المحتاجين أو لصالح المساجد والمدارس والمستشفيات وغيرها من وجوه البر. والوقف فى أصل وصفه الشرعى، هو صدقة
جارية، وقد عرف فقهاء الشرع الإسلامى بأنه (حبس العين على ملك الله تعالى، والتصدق
بالمنفعة حالا أو مآلا على أى وجه من وجوه البر). أو
كما عبر عنه البعض بأنه (تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة)،
فهو فى جوهره إنفاق فى سبيل
الله وشأنه كالزكاة والصدقة عبادة مالية.
ولقد اعتمدت مختلف صور العمل الأهلى
ومختلف الجمعيات الخيرية وسائر المنظمات غير الحكومية، على نظام الوقف وذلك كمصدر أساسى لتمويلها، وأنه لكثرة الأوقاف الخيرية منذ فجر الإسلام
وحتى اليوم، قامت وزارات الأوقاف فى مختلف دول العالم الإسلامى.
3- والحاصل أن
الإسلام منذ ظهوره منذ أكثر من أربعة
عشر قرنا، قد وجه وهدى المسلمين بل الإنسانية جمعاء، إلى مؤسستين أساسيتين هما
الزكاة والوقف.
ونذكر بأنه مع واقع تخلف العالم الإسلامى
المعاصر، قد لحق هاتين المؤسستين الكثير من الإهمال والقصور. بينما هما فى العالم الأجنبى المتقدم كدول
أمريكا وأوروبا، فى توسع وازدهار، فمن المعروف أن
الأسرة الأمريكية ومثلها الأوروبية، تحرص على أن تخرج أكثر من 2% من دخلها لصالح
الجمعيات الخيرية وسائر المنظمات غير الحكومية التى
تعمل فى الصالح العام، وهو ما يقابل الزكاة الإسلامية. كما أن أثرياء أمريكا وأوروبا يحرصون على وقف بعض أموالهم
للنفع العام. وإن مؤسسات نوبل وفورد وروكفر وروتشلد وكارتر وغيرها بأمريكا وأوروبا ومؤسسة جورباتشوف
بروسيا أشبه ما يكون بالوقف الإسلامى.
رابعا: منزلة الضمان
والتكافل الاجتماعى الإسلامي
1- الضمان
والتكافل الاجتماعى هو جوهر الإسلام:
يعتبر الضمان الاجتماعى ممثلا فى ضمان الدولة لحد الكفاية لكل فرد، والتكافل الاجتماعى ممثلا فى تكافل الأفراد
بعضهم لبعض، هو صميم الإسلام وجوهر الدين، حتى إن مجرد إهمال أو إهدار أحدهما هو فى نظر الإسلام تكذيب لرسالته بقوله تعالى ( أرأيت الذى يكذب بالدين * فذلك الذى يدع
اليتيم* ولا يحض على طعام المسكين) (5)، وقوله تعالى (لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين
الناس..) (6)، وقوله تعالى (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب
ولكن البر من آمن بالله والبوم الأخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على
حبه زوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة
وآتى الزكاة.. ) (7) وقوله صلى الله عليه وسلم (ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره
جائع إلى جنبه وهو يعلم ) - أخرجه الطبرانى والبيهقى، وقوله عليه الصلاة السلام ( أيما أهل عرصة أصبح فيهم أمرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله )-
أخرجه الإمام أحمد فى مسنده والحاكم فى مستدركه.
2- مؤسسة الضمان الاجتماعى فى الإسلام:
ولم يكتف الإسلام بمجرد الدعوة إلى الضمان والتكافل الاجتماعى لتأمين المستوى اللائق
لمعيشة كل فرد، وإنما أنشأ لذلك ومنذ أربعة عشر قرنا - حيث كانت تسود الجاهلية
والضياع- مؤسسة مستقلة هى مؤسسة الزكاة التى هى بالتعبير الحديث مؤسسة
الضمان الاجتماعى فى
الإسلام. إذ لها كيان مستقل عن خزانة الدولة بمواردها ومستحقيها بل والعاملين
عليها، وتتمثل بفرع مستقل فى بيت مال المسلمين.
ولم يقف دور مؤسسة الزكاة منذ نشأتها، على مجرد سد حاجة الفقير
العاجز ، بل أعطاء فرصة العمل للقادر عليه. فكثيرا ما
أعطى الفقير ما يمكن أن نسميه برأسمال ليبدأ تجارة ينميها أو ليشترى آلات لصناعة
يعرفها. كذلك لعبت مؤسسة الزكاة فى العهد الإسلامى الأول دورها فى تخفيف
الأعباء العائلية، من ذلك ما قرره سيدنا عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- بإعطاء كل
مولود مائة درهم ويزيد العطاء كلما نما الولد.
3- طبيعة الحق
الناشئ عن الضمان أو التكافل الاجتماعى:-
ويعتبر الحق الناشئ عن الضمان أو التكافل الاجتماعى،
هو حق الله الذى يعلو فوق كل الحقوق، ومن ثم فهو حق
مقدس يلتزم به كل مجتمع إسلامى سواء كان ممثلا فى حكومة أو أهالى، ولو أدى الأمر فى مجتمع فقير تشح فيه الموارد والثروة ألا يحصل أحد على أكثر
من حاجاته الضرورية. وهو ما عبرت عنه الآية القرآنية بقوله تعالى: ( يسألونك
ماذا ينفقون قل العفو) (8)، أى ما زاد عن الحاجة
بمعنى الكفاية. وعبر عنه الرسول عليه الصلاة والسلام
بقوله: (من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد
فليعد به على من لا زاد له ).
ومن هنا كان الحكم الإسلامى فى تنظيم العلاقة
الاجتماعية بين أفراد المجتمع، ومعالجة الخلل فى
التوازن الاقتصادى، بقوله صلى الله عليه وسلم : (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ). وقد أجمع على ذلك أئمة الإسلام بقولهم (المال مال الله، والبشر
مستخلفون فيه) استنادا إلى قوله تعالى: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)
(9). وللإمام الشافعى عبارة فقهية دقيقة مشهورة عنه
بقوله (إن للفقير أحقية استحقاق فى مال الغنى، حتى صار
بمنزلة المال المشترك بين صاحبه وبين الفقير).
4- الإسلام ومشكلة الفقر:-
ساوى الإسلام بين الفقر والكفر، ولم يستعذ الرسول من شىء بقدر استعاذته من الفقر، فيقول عليه الصلاة والسلام ( كاد
الفقر أن يكون كفرا )، ويقول:( اللهم إنى أعوذ بك من
الكفر والفقر).
وقال رجل أيعدلان قال (نعم)- رواه أبو داود والنسائى والبيهقى والطبرانى والسيوطى، وقد روى عن
السلف قولهم (إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذنى
معك)، ويذكر سيدنا على بن أبى طالب بأن (الفقر أشبه بالموت) ويقول (لو كان الفقر
رجلا لقتلته) (10).
لقد أدرك الإسلام منذ البداية، أن مشكلة الفقر لن يحلها
الإحسان الفردى ولن تتداركها الإجراءات الإصلاحية التى تستهدف تسكين الآلام أو تخفيف الحرمان، بل لابد من حل جذرى.
ومن هنا كانت نقطة البداية فى
الاقتصاد الإسلامى، بالإضافة إلى الحث على العمل
وإتقانه وزيادة الإنتاج ورفع التنمية الاقتصادية إلى مرتبة العبادة، ما قرره من
ضمان حد الكفاية لا مجرد الكفاف لكل فرد، أى المستوى
اللائق لمعيشته بحسب ظروف وإمكانيات مجتمعه، تكفله له الدولة عن طريق مؤسسة
الزكاة، وذلك إذا لم تمكنه ظروف الخاصة من مرض أو شيخوخة أو عجز أيا كان عن تحقيق
هذا المستوى اللائق. فالإسلام لا يتصور الثروة والغنى،
إلا بعد القضاء على الفقر بتوفير الحاجات الأساسية لكل فرد. ومن هنا كان للإسلام
سياسته الخاصة فى التوزيع والتى
قوامها أن لكل حد الكفاية أولا كحق إلهي مقدس، ثم لكل تبعا لعمله وجهده مهما بلغ
بعد ذلك مقدار ما يحصل عليه من ثروة أو دخل عملا بالحديث النبوى
( لا بأس بالغنى لمن اتقى )- أخرجه الحاكم والنيسابورى فى مستدركه على صحيح البخارى.
ولقد لخص الخليفة عمر بن الخطاب سياسة التوزيع فى الإسلام أدق تلخيص بقوله: ( ما من أحد إلا و له فى هذا المال حق، الرجل وحاجته.. والرجل وبلاؤه) وقوله ( إنى حريص على ألا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض،
فإذا عجزنا تآسينا فى عيشنا
حتى نستوى فى الكفاف ) (11).
خامسا: حول التطبيق
بين التصور النظرى والواقع الفعلى
1- إلزامية ومحلية الزكاة:
الأصل فى الزكاة أنها مسئولية
الدولة تحصيلا وتوزيعا، ومنذ فجرالإسلام ولها كيانها
المستقل، ليس فقط بمواردها ومصارفها، وإنما أيضا والعاملين عليها، ويعاقب شرعا من
يمتنع أو يهمل أداءها بعد استحقاقها، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام ( من أعطاها مؤتجرا فله أجره ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله ) أى نصف ماله تعزيرا و تأديبا.
وقد سار العمل منذ العهد الإسلامى
الأول على تفريق الزكاة فى مكان تحصيلها، فكان السعاة
يرجعون إلى المدينة المنورة لا يحملون شيئا غير أحلاسهم
التى يتلفعون بها أو عصيهم التى
يتوكأون عليها. أو حسبما أورده شيخ الإسلام ابن تيمية فى صفحة 27 من كتابه الحسبة (وليس معهم إلا السوط)، تأكيدا
لصفة القهر أو صفة الدولة فى تحصيلها وأولوية توزيعها فى أماكن جبايتها. ذلك لأن أهل كل بلد أولى بزكواتهم حتى يستغنوا عنها، فلا تحمل من أهل البلد إلى غيره
إلا أن تكون فضلا عن حاجتهم وبعد استغنائهم عنها. إذ الأمر كما عبر عنه الإمام ابن
قدامة فى صفحة 682 من الجزء الثانى من كتابه المغنى (إن المقصود بالزكاة إغناء الفقراء
بها، فإذا أبحنا نقلها أفضى ذلك إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين).
2- مقدار حصيلة
الزكاة المستوى المصرى:
وعلى الرغم من مسئولية الدولة شرعا عن تحصيل وتوزيع الزكوات، إلا أنها شأن الصدقات وكافة سبل الإنفاق فى سبيل الله تتركها اليوم الدولة لاختيار وضمير الأفراد.
والواقع أنه ما من مصرى مسلم إلا ويحرص على إخراج
الزكاة بدافع من شعوره الدينى، وإبراء لذمته أمام الله
خوفا من عقابه وطمعا فى ثوابه.
ولا توجد إحصائيات دقيقة عن مقدار الزكاة التى
تؤدى تلقائيا على المستوى المصرى. وفى تحقيق صحفى موسع لجريدة الأهرام الصادرة فى
14 يناير سنه 1998، قدرت أموال الزكاة الاختيارية بنحو عشرة مليارات من الجنيهات
المصرية سنويا. ولا شك أنه لو نظم تلقى وإنفاق هذه المليارات من الزكوات الاختيارية، لأمكن الإفادة منها وكان لها مردود
محسوس، بل للعبت دورا كبيرا فى مواجهة الفقر التى تعانى منها نسبة كبيرة من الشعب المصرى.
3- تعدد الجهات
المتلقية والمنفقة للزكاة فى مصر:
المشاهد فى مصر، تعدد الجهات
المتلقية والمنفقة للصدقات عموما الزكوات خصوصا. فعلى
مستوى الدولة أى الرسمى نجد
وزارة الأوقاف التى تقدم معوناتها عن طريق صندوق القرض
الحسن بها، ووزارة الشئون الاجتماعية والتى تقدم
معوناتها من خلال عدد " 1700 " ألف وسبعمائة وحدة اجتماعية تتبعها، ووزارتى التربية والتعليم العالى
اللتين تقدمان خدماتهما عن طريق صندوق كفالة طلبة المدارس وصندوق كفالة طلبة
الجامعات، وبنك ناصر الاجتماعى الذى
يقدم خدماته من خلال عدد " 5000 " خمسة آلاف لجنة للزكاة تتبعه وتغطى
مختلف أنحاء جمهورية مصر. كما نجد على المستوى الشعبى
أو الأهلى البنوك الإسلامية ومختلف الجمعيات الخيرية
والبالغ عددها المسجل حتى اليوم طبقا لقانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة أكثر من
عدد " 14000" أربعة عشر ألف جمعية منتشرة بأنحاء جمهورية مصر. كما نلقى
على المستوى الفردى مؤسسة ليلة القدر للمرحوم مصطفى
أمين، وتجربة المهندس صلاح عطية الناجحة فى قريته
"تفهنا الأشراف " حيث استطاع بمفرده أن يبعث روحا جديدة فى أهلها مكنته من أن يعبد طرقها وينشىء
بها مصانع ومصحات ويقيم بها مدارس لغات إسلامية، بل وفرع لجامعة الأزهر على نفقة
ومساندة أهالى بلدته.
وأغلب هذه الجهات رسمية كانت أم أهلية، وسواء كانت متلقية أو
منفقة لأموال الزكاة الاختيارية، لا تعلن عن المبالغ التى
تحصلها سنويا ولا عن كيفية أو أوجه صرفها، كما لا يوجد عليها رقابة حقيقية،
فاستمرارية الوضع القائم على نحو ما سبق بيانه، يؤدى إلى نتائج وخيمة لعل أبرزها:-
أ- بعثرة أموال الزكاة فى أوجه
استهلاكية، واستحالة أو صعوبة الاستفادة منها فى أوجه
إنتاجية تعود بالنفع الحقيقى والدائم للمستحقين.
ب- انخفاض قيمة المساعدة، وقصور
منحها لمن استحقت لهم.
ج- ازدواجية أو تكرار المساعدة بتحايل البعض فى الحصول عليها من أكثر من جهة وبالتالى
حرمان حالات فى أشد الحاجة للمساعدة.
سادسا: ضرورة التنظيم و التنسيق :
1- دور الدولة فى المرحلة الحالية:
إذا كان الثابت لنا أن المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب، سواء فى مصر أو سائر العالم الإسلامى،
يخرجون تلقائيا زكواتهم بحكم الوازع الدينى لديهم، وأن هذه الزكوات على
مستوى مصر وحدها تتجاوز اليوم المليارات من الجنيهات. ولكن لانتفاء التنظيم
والتنسيق بين الجهات المتلقية للصدقات والمنفقة لها، لا يستفاد من هذه الأموال
الضخمة استفادة حقيقية، تحقق فعاليتها بالاستخدام الأمثل لها. وذلك بسبب هذه
الحرية العشوائية فى التحصيل والتوزيع، وعدم وجود هيئة
مركزية أو جهة محددة تكون مسئولة عن التنظيم والتنسيق وتحقيق التعاون والتكامل بين
مختلف الجمعيات أو الجهات المتلقية والمنفقة للزكوات
الاختيارية وسائر التبرعات.
ومن الطبيعى أن هذا التنظيم أو
التنسيق يقتضى العلم والالتزام، وهذا لا يتأتى إلا بتدخل ولى الأمر أى الدولة. وإذا كان الأصل فى
الزكاة أنها إلزامية وأنها مسئولية الدولة تحصيلا وتوزيعا، إلا أنه لظروف مجتمعنا المصرى الحالية ومثله سائر المجتمعات الإسلامية، نرى كمرحلة
أولية أن يظل تلقى الزكوات من المواطنين اختياريا،
ويقتصر دور ولى الأمر أى الدولة على مجرد التنظيم
والتنسيق لما هو قائم، بهدف الاستخدام الأمثل لأموال الصدقات والحيلولة دون تحايل
البعض على الاستفادة منها دون وجه حق.
2- قوام التنظيم والتنسيق
ومن المسلم به أن قوام هذا التنظيم والتنسيق، هو توافر وتكامل
المعلومات بشأن الزكوات الاختيارية وسائر المساعدات
الاجتماعية، سواء من حيث الجهات المتلقية أو الفئات المستحقة أو نوعية وكيفية
مساعدتها، وهذا يعود بنا إلى تقرير سبق عرضه على المجلس القومى
للخدمات والتنمية الاجتماعية فى مصر بجلسته المنعقدة فى 23/4/1994، والذى انتهى إلى
ضرورة إنشاء نظام معلومات مركزى متكامل للرعاية
الاجتماعية على المستوى القومى، باستخدام الحاسبات
الآلية، ويعتمد على قاعدة معلومات موحدة تتضمن ما يلى:-
أ- حصر شامل للجهات التى تعمل فى مجال الرعاية الاجتماعية وتقوم بمنح معاشات أو مساعدات
دائمة أو مؤقتة، سواء كانت هذه الجهات حكومية أو أهلية مع التعرف على أكبر قدر من
المعلومات عنها سواء من حيث، مجالات عملها أو نطاقها الجغرافى
أو أنواع المزايا التى تقدمها أو الاعتمادات المالية
المتاحة لديها لتلبية طلبات المساعدة.
ب- التعرف على الفئات التى تحتاج
إلى خدمات الرعاية الاجتماعية مسبقا، وفق معايير محددة، بدون انتظار تقديم طلبات
الحصول على الخدمة، ويراعى تنوع المساعدة بحسب ظروف كل حالة سواء كانت هذه
المساعدة فى صورة مزايا عينية أو مزايا نقدية، وسواء
كانت المزايا النقدية فى صورة معاشات أو مساعدات دفعة
واحدة أو مؤقتة أو مستمرة.
ج- إلزام كافة الجهات التى تقدم
الرعاية الاجتماعية بجميع صورها، بإخطار مركز معلومات الرعاية الاجتماعية المقترح،
بكل المعلومات التى تطلب منها، سواء كانت عن هذه الجهات
وميادين عملها، أو عن أسماء المتعاملين معها وأوضاعهم وما يحصلون عليه من مزايا
نقدية أو عينية، وذلك لمراقبة وضمان كفاية المساعدات وفقا للاحتياجات الفعلية
للمستحق، ولعدم تكرار أو ازدواج تقديمها لذات الشخص من جهة أخرى مما يحرم شخصا آخر
أكثر احتياجا.
د- أن يكون لمركز المعلومات المقترح، والذى
يمكن بالنسبة لمصر إسناده لوزارة الشئون الاجتماعية أو لمركز المعلومات ودعم
القرار بمجلس الوزراء، نظام يحدد بمقتضاه الخطوات والإجراءات والمسئوليات التى يتم على أساسها تبادل المعلومات وتحديثها بالنسبة لكافة
المستحقين للمساعدة. وأنه يمكن الاعتماد فى هذا الصدد
على الرقم القومى الجديد لدى وزارة الداخلية، كمدخل
للتعامل مع قواعد بيانات المنتفعين التى يتضمنها نظام
المعلومات المركزى المقترح.
3- هيئة أو لجنة عليا للزكاة والرعاية الاجتماعية
واضح مما سبق أن المواطنين فى مصر،
وكذا سائر المجتمعات الإسلامية، يخرجون الزكاة تلقائيا بوازع من ضميرهم الدينى، وأن حصيلة هذه الزكاة من الضخامة بقدر كبير للغاية
وأنه تتعدد الجهات المتلقية للزكاة الاختيارية دون رقابة دقيقة لما تحصل عليه ودون
أية متابعة لأوجه إنفاقها، مما ترتب عليه بعثرة أموالها الضخمة دون الاستفادة
الحقيقية منها، وهنا تكمن المشكلة التى تتطلب وقفة
متأنية وحلا واقعيا. كذلك أوضحنا ضرورة إنشاء نظام معلومات مركزى
متكامل يتم بمقتضاه، حصر كافة الجهات التى تعمل حاليا فى الرعاية الاجتماعية وتتلقى الزكوات
الاختيارية وسائر التبرعات، وكذا التعرف مسبقا وفقأ لمعايير محددة لكافة الفئات
والحالات التى تحتاج إلى خدمات الرعاية الاجتماعية، ثم
تبادل المعلومات بين المركز وسائر الجمعيات لفعالية المساعدة وعدم تكرارها أو
ازدواجها ولتزويد الفقراء القادرين على العمل بأدوات إنتاجية تغنيهم عن مد يد
العون.
لذلك تأتى الخطوة الثانية المستهدفة من دراستنا الحالية، وهو
إنشاء هيئة أو لجنة عليا للزكاة والرعاية الاجتماعية، يتبعها أو يعينها مركز
المعلومات المركزى المقترح، وإنه يمكن بالنسبة لمصر أن
يصدر بهذه الهيئة أو اللجنة العليا قرار. جمهورى يمنحها
الشخصية الاعتبارية المستقلة، ويهيأ لها مقر معلوم، ويحدد لها صلاحيتها
واختصاصاتها ومواردها، وبحيث تكون مستقلة عن الجهاز الحكومى،
وإننا لا نستهدف بذلك سوى التنظيم والتنسيق بين مختلف الجهات المتلقية حاليا للزكوات وسائر التبرعات، سواء على مستوى المدينة أو المحافظة
أو القطر، وبحيث تكون سياستها عدم الاقتصار على مساعدة المستحقين علي نحو استهلاكى، وإنما تمليك ذوى المهن منهم وسائل الإنتاج أو إنشاء
مؤسسات إنتاجية يعملون فيها ويحصلون على عائدها، حتى يغنيهم الله بفضله ويتحولون
من مستحقين للزكاة إلى مخرجين لها.
ونحن بهذا الاقتراح لا نصادر ما هو قائم ، خاصة وأن بعضها فى مصر كتجربة بنك ناصر الاجتماعى،
وتجربة ليلة القدر، وتجربة الجمعية الخيرية الإسلامية وغيرها، جديرة بالتقدير
والدعم. وإنما نستهدف أساسا- من خلال كل من مركز المعلومات واللجنة العليا
المقترحين- التنظيم والتنسيق بين مختلف الجهات المتلقية للزكوات
والتبرعات والعاملة فى الحقل الخيرى
التطوعى، تحقيقا للاستخدام الأمثل للموارد المتاحة على
كل من المستويين المحلى والوطنى، ووصولا بالزكاة إلى
مستحقيها، وتنشيطا لبرامج الرعاية الاجتماعية بتيسير أدائها للمستحقين لها على وجه
منضبط فعال.
المراجع
(1) التوبة: 60.
(2)الذاريات: 19.
(3)المائدة:2
(4) انظر ابن حزم فى المحلى الجزء السادس صفحة 221.
(5)الماعون: 1- 3.
(6) البقرة: 177.
(7) النساء: 114.
(8)البقرة: 219.
(9) الحديد: 7.
(10) انظر نهج
البلاغة للشريف الرضى جزء4 صفحة 41.
(11) تاريخ عمر بن
الخطاب لابن الجوزى، المطبعة التجارية الكبرى بالقاهرة
بدون تاريخ، صفحة 101 و ما بعدها.
كلمة ختامية
ولا شك أنه من خلال هذه الآلية الجديدة المقترحة، ممثلة فى كل من مركز المعلومات واللجنة العليا، لا نضبط أو نرشد
الضمان والتكافل الاجتماعى وكافة أوجه النشاط الخيرى الذى يحض عليه ويستلزمه
شرعنا الإسلامى، وإنما أيضا نحول دون تسلل الجمعيات
الضرار التى تقوم عادة فى
موازاة الجمعيات السوية بهدف الاتجار بالعمل الخيرى
تحقيقا لمنافع خاصة.
كذلك سيكون من مهام كل من مركز المعلومات واللجنة العليا
المقترحين، معالجة القصور فى أداء الجمعيات العاملة فى حقل العمل الخيرى التطوعى، وتسليط الأضواء على الجمعيات الناجحة، وتيسير تبادل
الخيرات فيما بينها، وتوعية المواطنين بكافة سبل الإعلام المقروء والمسموع
والمنظور بأهم مقومات المجتمع الإسلامى وهو منظومة
التكافل الاجتماعى وضرورة العمل الخيرى
والتطوعى، خاصة وقد اتسع اليوم دوره وتأكد أثره فى الدول المتقدمة كالولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا.
ألا هل بلغت... اللهم فاشهد.