دور المرأة فى المجتمع
أ. د. عبد الرحمن عباد
الناطق الرسمى لهيئة العلماء والدعاة
فلسطين
مدخل:
أتناول فى هذة الدراسة
الجوانب المضيئة فى تاريخ المرأة لا الجوانب المعتمة، من أجل البرهنة على أن
الإسلام قد ارتقى بالمرأة وأوصلها إلى الدرجة الإنسانية التى يجب أن تصلها.
لقد
قرر سبحانه وتعالى تساوى الخلق وذلك فى محكم كتابه الكريم:
( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس
واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساَءٍ ) (1). ونحن نضع خطاً
تحت قوله تعالى ( الذى خلقكم من نفس واحدة ) لأن التساوى فى الخلق يحمل معه
بالضرورة التساوى فى الحقوق والواجبات، فما من أمر صدر إلى الرجال دون النساء
لأنهن شقائق الرجال (2)، ولا خلاف بينهما فى التكاليف الشرعية، فالمرأة تصلى وتصوم
وتحج وتزكى مثل الرجل، ولا خلاف فى التكاليف الشرعية ولا فى الواجبات والحدود،
إنما يقع الخلاف فى الاختصاص، فالله سبحانه وتعالى خلق الرجل وحدد له وظائف يقوم
بها تتناسب مع ما أعطاه من قدرات، كما حدد للمرأة وظائف مثل الحمل والولادة
والإرضاع ورعاية الأطفال فى سنواتهم الأولى، فالنساء فى هذه الأمور صاحبات اختصاص.
ويحمد
للإسلام ويحفظ له أنه صحح نظرة الناس إلى المرأة، إذ عدها الرومان والأثينيون
رجساً ونجساً من عمل الشيطان، ورآها اليهود أمر من الموت، وشك فيها الفرنسيون
وتساءلوا أهى إنسان أم لا ؟، وهل لها نفس كالرجل أم لا ؟ (3) فجاء الإسلام ليعلن
بصريح العبارة ( الذى خلقكم من نفس واحدة ) فهى نصف شقى النفس الواحدة،
التى يخرج منها النصف الآخر وكلمة (زوج) تعنى النظير المساوى بدون زيادة أو نقص،
ولهذا كان الرجل زوج المرأة وكانت المرأة زوج الرجل، هذا الاستواء حتى فى الدلالة
اللغوية.
إن
القرآن الكريم- هو دستور المسلمين الأول- قد أعطى المرأة ما هو أعظم من جميع
الحقوق الشرعية التى كسبتها وذلك حين رفع عنها لعنة الخطيئة الأبدية ووصمة الجسد
المرذول، فكل من الزوجين قد وسوس له الشيطان، واستحق الغفران بالتوبة والندم،
فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه
( فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ما ورى
عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو
تكونا من الخالدين ) (4).
التمييز
الإيجابى:
لقد
منَّ الإسلام على المرأة بأن سهل لها كثيراً من الأعمال، وكافأها على أعمال أخرى
بأكثر مما كافأ الرجل، وهذا من باب الرحمة بها وتكريم عملها، ومن هذه التسهيلات
والامتيازات:
-أنه
لم يشترط عليها لوناً أو زياً معيناً مثل الرجال خلال فترة الإحرام فى الحج،
فلباسها هو لباسها العادى بغض النظر عن الألوان.
-
أعفاها من الصيام
عند الحمل أو الإرضاع إن هى خافت على وليدها، كما أعفاها من الصلاة نفساء أو حائضة
دون إعادة.
أعفاها من الإنفاق على الأسرة أو البيت، فهى ليست مكلفة حتى وإن كانت ذا
مال، فإن أعطت شيئاً من مالها لزوجها كان صدقة.
-
ميزها القرآن كأم عن الأب حين قال : ( ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته
أمه كرهاً ووضعته كرهاً) (5).
- ميزها الرسول أماً وجعل طاعتها مقرونة بالجنة حين
قال: "الجنة تحت أقدام الأمهات"
وميزها
بنتاً حين قال: ( من كان له ثلاث بنات
أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن فله الجنة ).
لقد
أطلق الإسلام الحريات، وكانت المرأة ضمن المجموع الحر الذى حاز على هذا الحق، ولكن
عهود التخلف والانحطاط هى التى جعلت المرأة حبيسة البيت، وذلك يعود لأسباب
اقتصادية
واجتماعية وسياسية متعددة، ليس للإسلام دخل فيها على الإطلاق، وإنما هى
أهداف ومصالح تصب فى خدمة القوى الحاكمة المستغلة (6)، فقد أبعدت القوى
الاستعمارية والمتحالفة معها المرأة عن القيام بدورها السياسى والاقتصادى
والاجتماعى حتى لا يؤثر على حركة الاستعمار، وحتى لا تتاح للشعب فرصة أكبر للكفاح،
وحتى تختصر قوى المجابهة.
إضافة
إلى تحكم العادات والتقاليد المغرقة فى الرجعية، والتى جاء بها الاستعمار ورسخها
فى الأذهان (7) لتصير مع الزمن قانوناً ثقيلاً على أعناق الجميع دون استثناء،
فعندما تظلم المرأة، يُظلم المجتمع كله معها، فمشكلة المرأة هى مشكلة الرجل، لا
يمكن الفصل بينهما (8).
ماذا
أخذت المرأة بالإسلام:
- إضافة إلى ما تقدم، فقد حرر الإسلام المرأة من
سيطرة الرجل على مالها الخاص، فمنحها الحرية التامة فى التصرف بمالها وأملاكها، إذ
ليس عليها أن تتقيد برأى زوجها فى معاملاتها الاقتصادية، فلها أن تبيع أملاكها أو
تؤجرها، أو ترهنها وفق ما تراه مناسباً لمصلحتها الشخصية الذاتية (9)، قال تعالى:
( للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن) (10)، ولا يشترط على
المرأة فى هذه الحال إلا ما يشترط على الرجل من العقل والرشد.
- أعطاها الحق فى تقرير مصيرها فيما يخص الزواج رفضاً
أو قبولاً، فقد رفضت سكينة بنت الحسين الزواج من الخليفة عبد الملك بن مروان بعد
استشهاد زوجها مصعب، ورفضت أم الدرداء الصغرى هجيمة بنت حيى الزواج من معاوية بن
أبى سفيان ورفضت أم كلثوم أخت عائشة أم المؤمنين الزواج من عمر بن الخطاب فقالت
لها عائشة: أترغبين عن أمير المؤمنين؟ فأجابت: نعم، إنه خشن العيش شديد على النساء
ولا طاقة لى بذلك (11).
أشركها
فى أنبل مهمة وهى حفظ القرآن وتعليمه، عملاً بقول الرسول عليه الصلاة والسلام
" خيركم من تعلم القرآن وعلمه " فهذه
أم عاصم بنت عاصم أم الخليفة عمر بن عبد العزيز تعلم ولدها القرآن وتحفظه كتاب
الله فى فترة قصيرة وتنشئه على التقوى والصلاح والورع فينشأ نشأة العلماء الأتقياء
ويسلك سيرة الصالحين الأولياء.
ومن
راويات الحديث المكثرات سيدتنا عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها فقد روت (0 221)
أحاديث، أخرج لها فى الصحيحين (297) حديثاً فهى تأتى بعد أبى هريرة وعبد الله بن
عمر بن الخطاب وقيل عبد الله بن عباس الذى روى (1660) حديثاً، وقد روى عنها
كثيرون، منهم عمر ابن الخطاب وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعرى وأبو هريرة وعبد
الله بن عباس وكثيرون من جلة الصحابة (12).
ولا
يتوقف هذا الأمر على السيدة عائشة، فإن أمهات المؤمنين جميعهن قد شاركن فى فضل
إذاعة الحديث النبوى ونشره، ولولاهن لضاع كثير من أحكام هذا الدين المتين، وقد
أحصى محمد بن سعد ما يزيد على سبعمائة امرأة روين الحديث عن الرسول e ، ويكفى أن
نذكر أن الحافظ المشهور والمؤرخ الكبير
الإمام ابن عساكر المتوفى عام (571هـ) وهو أوثق رواة الحديث وأصدقهم حديثاً حيث
لقب بحافظ الأمة، كان له من شيوخه وأساتذته بضع وثمانون من النساء.. وقد روى مالك
بن أنس مع ما له من مكانة لا تدانى فى الفقه وعلوم الحديث، روى عن عائشة بنت سعد
(13).
عمل
المرأة:
هيأ
الإسلام المرأة للعمل الشريف فصان لها كرامتها وحقها سواء داخل البيت أو خارجه،
ولم يمنعها عملاً أو يحجبها عن آخر فلها أن تعمل فى الفلاحة والحصاد والمعامل
والمصانع، عند الحاجة لجهدها أو عقلها، شريطة أن يكون ذلك برغبة منها ورضا، على أن
تأخذ كامل أجرها، فهذه فرنسا بلد الديمقراطية العريقة كما يسمونها، تتعامل مع
النساء فى مسألة الأجور بأقل من الرجال بنسبة تبــلغ 30% وفى ظــروف عمل سيئــة،
ومهــام تكراريــة وتقويـــم اجتمــاعى يعــادل الصفر (14)، فأين المساواة وأين
العدل، وأين احترام الحقوق التى نادت بها أم الحريات؟.
إن
الثقافة الغربية لا ترى فى المرأة إلا وسيلة إنتاج بشرية، رغم ما تقوم به من جهد،
وهذه النظرية بديهية، بسبب طبيعة الواقع الاقتصادى الغربى القائم على التمييز
الطبقى والجنسى، ونتيجة الهيمنة الاحتكارية والاستغلال وهذا ما يؤكد أن تحرر
المرأة ونيلها لحقوقها لا يمكن أن يتم بصورة منفردة لأنها جزء من المجتمع، حريتها
وحقوقها بحريته وتقدمه (15).
مجالات
عملها:
إذا
أردنا أن نركز على الجوانب المادية فى المجتمع، فهذا يعنى أننا يجب أن نستغل كل
طاقاته دون استثناء، بعمل المرأة والرجل معاً حتى نلحق بالغرب ونسير على منهجه،
بما فى تجربته من دموية وفساد وترهل وانحلال، أما إذا أردنا أن نحمى مجتمعنا
ونصونه من السقوط بجانبيه النفسى والمادى، فعلينا أن نتقدم وفق معاييرنا وقيمنا، فنعطى
لكل صاحب اختصاص ما يناسب اختصاصه، يعمل وينتج ويبنى شخصيته بالعمل المفيد، كان من
حق المرأة أن تمتلك مثل هذا الشعور الذى يبنى الثقة بالنفس ويعزز الوجود والانتماء
(16).
ومن
المجالات التى يستحب للمرأة أن تعمل بها:
التربية
والتعليم:
فبالتعليم
والتربية يصل المرء إلى هدف مزدوج، وهو السعادة فى الدنيا والآخرة، إذ دعا الإسلام
إلى الصدق فى القول والإخلاص فى العمل وإلى ضبط النفس وإلى التعاون والبذل
والمفاداة، كما مجد الحرية والمساواة، فعاشت الأمة الإسلامية مكرمة مرهوبة الجانب،
محبة للنظام، تعمل وتبذل (17).
الطب
والقبالة والتخصص فى الأمراض النفسية:
فالمرأة
تطمئن إلى المرأة ولا تشعر بالخجل فى مصارحتها، بعكس الحال مع الطبيب، ولهذا كان
من الخير أن تقوم المرأة على تمريض وتطبيب النساء ويحبذ أن تكون المرأة متخصصة فى
طب الأطفال أيضاً، وهذا لا يتعارض مع دور الرجل فى هذا المجال، فإنهما يكملان
بعضهما بعضاً، إذ أن المرأة تمتاز عن الرجل بالطابع الخاص الذى تتجلى فيه رقة
العواطف والحنان وحدة الذكاء وشدة الحساسية (18).
الحياكة
والعمل المنزلى:
ما
يحتاجه المسلمون بعامة والمرأة المسلمة بصورة خاصة هو القدوة الصالحة، ولا تكون القدوة
مؤثرة إلا إذا كانت من الراعى، الأب أو الأم أو الحاكم أو الإمام، فإذا كان الحاكم
قدوة فى عمله اقتدت به الرعية، وإن كانت الأم مستهترة كانت تربيتها فاسدة منعكسة
على أبنائها، فلو شعرت المرأة المسلمة ورأت أن زوج الخليفة تعمل بيدها، لأصبح
العمل عندها مقدساً، فهذه فاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوج الخليفة عمر بن عبد
العزيز تعمل بيدها وتخيط ثيابها وتساعد زوجها فى إصلاح البيت.
الوعظ
والإرشاد:
إذ
من السهل على المرأة أن تسأل أختها دون حرج فى كل شأن من شئون دنياها ودينها، وقد
عرف عن السيدة عائشة رضوان الله عليها أنها كانت تجلس للفتوى، كما عرفت بها نساء
كثيرات أخريات منهن: سمراء بنت نهيل، التى كانت تمر فى الأسواق تأمر بالمعروف
وتنهى عن المنكر، وكذلك ميمونة بنت شاقولة، وخديجة بنت محمد البغدادية.
الدراسة
والتدريس:
فرض
الإسلام تعلم العلوم على كل مسلم ومسلمة، وأكد النبى e على ضرورة
تعليم البنات لما لهذا التعليم من صلة بالفتاة نفسها ومستقبلها من جهة وما يتركه
من أثر على الذين تعلمهم وتربيهم بعد ذلك، فالتعليم الذى يركز جل اهتمامه على
القراءة، هو شكل مفرغ من محتواه، ولهذا ركز الإسلام على التربية بالتعليم. فالذين
يتربون تربية عشوائية لا هدف لها ولا غاية يتحولون إلى أشخاص سذج أو منحرفى السلوك
(19). وليس أدل على صدق هذا الرأى إلا ما نشاهده من انحراف الشباب الغربى وانكبابه
على الملذات واجتراح المعاصى بكل ما فيها من شذوذ جنسى وسواه، قاد كثيرين إلى
الانتحار، لأن الحياة فقدت معناها لديهم واستحالت إلى مجرد نزوات.
وخير
من يُعنى بالتنمية العقلية للناشئة هى المرأة ؛لأنها تتعامل مع عقول الأطفال دون
أن تنسى عواطفهم، ولهذا كان من واجب الأم، والأم فقط أن تعنى بأبنائها قبل إرسالهم
إلى المدرسة، حتى إذا دخلوها كانوا أصحاء نفسياً واجتماعياً، لم ترع شئونهم خادمة
مأجورة، بل أم حنون رؤوم تراهم مستقبلها وقرة عينها وفلذة كبدها، فإذا دخلوا
المدرسة تلقتهم أيدى النساء المتعلمات أيضاً ليكملن طريق الأم وهدفها، بعد أن صلب
عود الطفل واشتد، ولهذا وجب أن تكون التربية المستدامة نهجاً إجبارياً لجميع الفتيان
والفتيات حتى نهاية المرحلة الثانوية، فإن تنشئة جيل صحيح الجسد عفى الروح لا تكون
إلا بمزيد من التربية والتعليم، والمرأة أقدر على تحمل هذه الرسالة من الرجل،
ويبدو هذا بيناً من خلال الإقبال الشديد على التعلم والالتحاق بالجامعات، حيث أن
نسبة الفتيات الجامعيات فى فلسطين تصل إلى 56% بينما نسبة الذكور تصل إلى 44% فقط.
المرأة
والعمل السياسى:
ليس
العمل السياسى مفصولاً عن العمل الاجتماعى أو سواه فى الإسلام، فالعمل فى العقيدة
الإسلامية نوع من العبادة، إن أداه الإنسان على ما ينبغى عليه أن يكون، وقد شاركت
نساء كثيرات فى خضم العمل السياسى، فالسيدة عائشة كان لها موقف معروف فى قضية مقتل
عثمان ابن عفان، وكانت ترجمة هذا الموقف عملياً فى معركة الجمل، منذ ذلك التاريخ
والمرأة المسلمة تشارك بشكل أو بآخر فى مجريات الأمور، حسب موقعها من دواليب
النظام الحاكم، فقد عرف الإسلام نساء مثل شجرة الدر وزبيدة والخيزران وسواهن، ممن
كن فى قمة الهرم السياسى فى التعامل مع صناع القرار.. واليوم تشهد البلدان
الإسلامية حركات نسائية نشطة فى مجال الجمعيات التعاونية، والمؤسسات النقابية
والحزبية، وهناك كثيرات من النساء قد وصلن إلى مقاعد الوزارة ومجالس الشورى أو
البرلمان، وصرن مدرسات فى الجامعات وعميدات كليات، وشاركن فى الإرشاد الزراعى
والحضرى والصحى والتدريب على أعمال الدفاع المدنى والإسعاف الأولى والإغاثة
والتوجيه المعنوى والتموين وتعمير المساكن والمرافق والمدن والأنشطة والفعاليات
الطلابية، والتطوعية والعامة (20).
المرأة
والعمل الأدبى:
المرأة
إنسان رقيق حساس، ويظهر هذا الأمر جليا فيما قالته وتقوله فى هذا المضمار، وقد
كانت نساء مسلمات شهيرات من آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام، يقلن الشعر
ويستمعن إلى الشعراء، وكانت لهن مكانة أدبية ونقدية متميزة، بحيث تهيأن للحكم بين
الشعراء دون أن يرد أحد حكمهن أو ينقضه، ومن هذه النسوة السيدة سكينة بنت الحسين،
التى كان الشعراء يفدون إلى مجلسها من كل حدب وصوب (21).
المرأة
والعمل الحربى:
الحرب
نقيض السلم وقد رأينا أن المرأة قد شاركت فى كل الأعمال التى يمكنها أن تعمل فيها،
وذلك بتحقق شرط الأهلية والحماية، ولما كانت الحرب تستدعى تجميع طاقات الأمة، فإن
عمل المرأة يصبح فرضاً فى حماية المجتمع فى جانب من جوانب الحياه، حيث تسد مكان
جندى أو تكون جندية إلى جانبه فهذه أم الحزم الرفيصاء بنت ملحان تركب البحر وترافق
زوجها فى غزو
قبرص،
زمن الخليفة معاوية وتكتب لها الشهادة فى تلك الغزوة، وهذه صفية بنت عبد المطلب،
وخولة بنت الأزور تشاركان فعليا فى القتال فى اشتباكات دموية مع العدو بالسلاح،
وهذه الخنساء وقد كبرت سنها تحض أولادها على القتال وكذلك زوجها، وهذه الزرقاء بنت
عدى تفعل ما يفعله الرجال فى الحروب (22).
إذ
لا يوجد عمل مقصور على الرجال، فالمرأة فى الأعمال كلها شريك له ومساو، تأخذ إن
قاتلت سهما يعادل سهمه.
وقد
تتخذ المرأة قرارا يخالف القرار الذى يراه الرجل، كما فعلت سلمى بنت خصفة زوج سعد
بن أبى وقاص فى معركة القادسية، إذ أنها فكت قيود أبى محجن الثقفى، وأعطته فرس
زوجها وسلاحه، ودفعته إلى المعركة مما كان له الأثر الواضح فى سيرها نحو النهاية
لصالح المسلمين، وبعد أن عرف القائد (زوجها) ما فعلته زوجته، أقرها الرأى وأخلى
سبيل أبى محجن، الذى عاهد الله أن لا يعود إلى معاقرة الخمر التى كان حبسه بسببها
(23).
وبعد
فإن ما قلناه عن حق المرأة فى التعلم والعلم ليعد هدفاً أعلى يسعى الإسلام إلى
تكريسه بالممارسة لا بالقول، وقد شاهدنا على ذلك أمثلة حية مفعولة، إلا أننا نعيد
التأكيد على أن هناك عملاً خاص لا يستطيع القيام به إلا المرأة، ولا ينبغى إناطته
إلى سواها، وهو الخاص بالتربية والإرضاع والرعاية على النشء، لأن الأم صانعة
الأمة.
إن
انعتاق المرأة وتحررها لا يكونان إلا بالعلم ؛العلم النافع الذى يخدمها فى نفسها
ومستقبلها، كالعناية التربوية بالأطفال ومعرفة مراحل نموهم البدنى والذهنى، وكيفية
تطوير التعامل مع الطفل حتى يشب، وكذلك العناية بالمنزل بطرق علمية مدروسة.
فالعمل
المنزلى عمل مشرف ولا يمكن اعتباره نوعاً من أنواع العبودية للمرأة.
بعد
هذا العرض السريع لأهم الأعمال التى تقوم بها المرأة فعلياً، نسأل ما هو دور
المرأة فى المجتمع؟ وهل يتوقف عند تلك الأعمال القديمة والحديثة التى قامت بها وما
تزال تقوم؟ وللإجابة عن هذين السؤالين أقول: إن على المرأة الآن دوراً محورياً
ينبغى أن تضطلع به وهو دور ريادى يقوم على تنبيه شقيقاتها المسافرات معصومات
الأعين وراء الحضارة المادية الغربية وقشورها.
إن
القيادات النسائية مدعوات جميعهن إلى الالتفات نحو تاريخهن المجيد وتراثهن الخالد
والاستمداد منه، لا حذفه، ووصله بالحاضر، لا قطعه، فما من أمة تتنكر لتاريخها
وماضيها وتراثها، إلا وسقطت فى أعين الآخرين، وهانت لأنها قد جلبت لنفسها الهوان.
وما
يؤلم فى هذا السياق أن المرأة المسلمة خارج البلدان العربية تؤسس حركتها على أسس
من الشريعة الإسلامية، أما نحن العرب الذين نزل القرآن بلغتنا فإن نساءنا يلهثن
وراء سراب الحضارة الغربية الآيلة إلى السقوط،ويعتبرونها صورة التقدم
المأمول(24)
ونتوقع من المرأة المسلمة
أن لا ينحصر اهتمامها فى البحث عن الذات، ذاتها، بل أن تتخطى حدود الذاتية وأن
تسهم فى إنجاز المشاريع التنموية العامة، أسوة بأمها وجدتها العربية المسلمة، التى
لم تقبل عيش الترف والبذخ خلف الستائر المخملية، بل انطلقت تتحسس مطالب الناس،
وتعمل على تلبيتها، فهذه زبيدة بنت جعفر بن المنصور المرأة الجليلة ذات اليد
الطولى، تأمر بإنشاء عين ماء كى ينتفع بها أهل مكة وحجاج بيت الله الحرام، فيتم
إنشاؤها، ويسيل الماء فيها ساقياً جموع الناس على امتداد جريانها الذى زاد عن ستة
عشر كيلو متراً، وكان جملة ما أنفق على هذا المشروع العام مليوناً وسبعمائة ألف
دينار، كما انشأت مجموعة من المساجد والبرك والآبار والمنازل والمصانع وجعلتها
للنفع العام، وهذه فاطمة بنت محمد الفهرى تبنى جامع القرويين بفاس، وهذه أم العزيز
بالله نزار تقيم جامع الأولياء ومدرسة منازل العز، وهذه أم حسام الدين ست الشام
تشيد مدرسة وتربة بالعونية على الشرف الشمالى من دمشق وتوقف عليها أوقافا كثيرة،
وهذه أغل خاتون بنت محمد القازانية تبنى مدرسة فى القدس هى المدرسة الخاتونية قرب
باب الحديد جوار المسجد الأقصى المبارك وتجعلها وقفاً إسلاميا، وتفعل أصفهان شاه
خاتون الشئ نفسه، حين توقف المدرسة العثمانية بالقدس أيضاً، وهى الواقعة بباب
المتوضأ وما تزال هذه العمائر مأهولة ومسكونة ومستخدمة (25).
يقول
جان جاك روسو: يكون الرجال كما تريد النساء، فإذا أردت أن تجعل الرجال من ذوى
الهمة والفضيلة، فعلم النساء الهمة والفضيلة فهذا دور للمرأة، أن تعلمه للمرأة
وللرجل معاً، فإنها مسئوليتها. إن دور المرأة فى المجتمع يكمل نصف الدائرة التى
يعمل الرجل فيها، فليس الرجل فى المجتمع الإسلامى خصماً للمرأة، ولا هو عدوها،
فإنهما يلتقيان على الألفة والمودة، ويكمل أحدهما الآخر، فليكن عملها التعليمى
متوجها نحو الطرف الآخر، كما أراده الله، وأرادته الشريعة السمحاء، لا كما هى حال
النساء الغربيات مع رجالهن المستغلين.
للمرأة
ما تفعله وهو كثير، وللمرأة ما تقوله وهو كثير، ولكن ليكن ما تفعله موصولا
بحضارتنا وتراثنا وليكن ما تقوله موصولا بعقيدتنا وأخلاقنا، حينها تكون المرأة قد
أدت دورها على أحسن ما يكون الأداء، فخدمت نفسها ومجتمعها، وأرضت خالقها وحازت
رضاه.
المراجع
(1)
النساء: 1.
(2) سنن أبى داود، كتاب الطهارة الحديث رقم 204 وسنن
الترمذى الحديث رقم 105.
(3) د. عبد الأمير منصور الجمرى، المرأة فى ظل
الإسلام، ط: 4 دار مكتبة الهلال، بيروت 1986م ، ص 68.
(4)
الأعراف: 20.
(5)
الأحقاف: 15.
(6)
ليلى حسين معروف، واقع المرأة العربية، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت ط 1: 1993م ص 31
(7)
المصدر السابق ص 24- ه 2.
(8)
د. سلوى الحماس، المرأة العربية والمجتمع التقليدى المتخلف، دا ر الحقيقة: بيروت
ط 3، 1981م المقدمة.
(9) د. محمود بن الشريف، القرآن ودنيا المرأة. دار
ومكتبة الهلال، بيروت ص 108.
(10) النساء: 32.
(11) أحمد خليل جمعة،
نساء من عصر التابعين. ج 2، ط 2، دار ابن كثير،
دمشق 1998 م، ص 14.
(12) عمر رضا كحالة/ المرأة فى عالمى العرب والإسلام ج 2، مؤسسة الرسالة
بيروت 1982م، ص 11،12.
(13) المصدر نفسه ص: 72.
(14) روجيه جارودى ، فى
سبيل ارتقاء المرأة- ترجمة جلال مطرجى: دار الآداب بيروت 1982م ، ص 10
(15) ليلى حسين معروف، واقع المرأة
العربية، ص: 28.
(16) عزيز السيد جاسم، حق
المرأة، المؤسسة العربية للدراسات، ط10 بيروت
1980م. ص: 68.
(17) عمر رضا كحالة، المرأة فى عالمى العرب والإسلام، مؤسسة الرسالة بيلان
1982م،
ص 112.
(18) مجلة الرسالة، القاهرة، العدد 11، 1933 م.
(19) د. محمود بن الشريف،
القرآن ودنيا المرأة، دار ومكتبة الهلال، بيروت ص: 77.
(20) د. سامية محمد فهمى: المرأة فى التنمية، دار
المعركة الجامعة، الإسكندرية 1992
م
ص 122-138.
(21)
ابن عبد ربه الأندلسى: العقد الفريد، مراجعة أحمد أمين، ج 5 لجنة التأليف والترجمة
ط 3- 1963م، ص373.
(22) د. خليل أحمد خليل، المرأة العربية وقضايا
التغيير، ط 2. دار الطليعة بيروت 1982
م.
ص 54-60.
(23)
المصدر السابق ص 102.
(24)
د. رؤوف شلبى، استوصوا بالنساء خيراً، ط 10، مطبعة عيسى البابى الحلبى، القاهرة،
المقدمة.
(25) عمر كحالة، المرأة فى عالمى العرب والإسلام ص 88-101