المرأة المسلمة
والتحديات المعاصرة
أ. د/ يوسف الكتانى
أستاذ
التعليم العالى- كلية الشريعة
جامعة القرويين- المغرب
الإسلام والمرأة:
لقد ظلت المرأة مالئة الدنيا
وشاغلة الناس منذ آدم وحواء، وبدء الخليقة، ظلت تلهم الرجل وتدفعه إلى الخير إلى
العلياء تارة، وتشقيه وتتسبب فى تعاسته تارة أخرى، وظلت بين هذا وذاك سعيدة،
مكافحة، شقية، معذبة، خلال مختلف الأزمان والدهور، تهوى إلى الحضيض عندما تبلغ
حضارة المادة ذروتها، وتفقد شخصيتها وحقيقتها إذا بلغ التأخر مداه، وترتفع قيمتها
وتعلو مكانتها إذا سادت المثل العليا وانتشرت القيم السامية، مما جعل المرأة دوماً
قطب الرحى فى كل المجتمعات وفى كل العهود تكافح وتنافح من أجل إثبات ذاتها ونيل
حقوقها، والحصول على مركزها فى الحياة، حتى إذا بزغ نور الإسلام وجدت فى ظله
ملاذها، ورد إليها اعتبارها، ووضعها فى طريقها الصحيح الذى مكنها من حقوقها
وواجباتها، إذ علمها التمسك بالقيم، والتشبث بالعقيدة، وقيام الحياة على الفضيلة
والمروءة، وجعل سيرتها طهارة وتقوى، ووسيلتها عملاً وجهاداً وهدفها حقا وخيراً.
ولعل موقف الإسلام من المرأة، وتحريرها من قيودها، وصيانة كرامتها، والاعتراف
بإنسانيتها، ورفعها إلى المكانة اللائقة بها فى الحياة، باعتبارها شقيقة الرجل،
وقرينته وشريكته فى بناء الحياة وقيام المجتمع، هو الدليل على التغيير الذى أحدثه
الإسلام فى المجتمع.
النساء شقائق الرجال:
إن المقام الذى وضع الإسلام
المرأة فيه، كفيل بأن يضمن لها ما هى أهل له باعتبارها
شقيقة الرجل، وشريكته فى الحياة، ونصف المجتمع، ولذلك خول لها من الحقوق، وفرض
عليها من الواجبات ما خول للرجل من حقوق، وما فرض عليه من واجبات، اللهم إلا ما
استثنى، وهو ما اقتضته طبيعة كل منهما، ووظيفته فى المجتمع، طبقا للفطرة الإنسانية
التى فطر الله الناس عليها، ومن هنا ضمن لها الحقوق،
بما يحقق التكامل بين الجنسين مصداقاً لقوله تعالى: ( يا أيها الناس إنا
خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم
إن الله عليم خبير) (1).
وقوله جلت قدرته:( من عمل
صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) (2).
ومن هنا كانت الحكمة فى
توزيع المسئوليات بينهما واضحة جلية، لتكون الأسرة سليمة قويمة، والمجتمع راشداً
مستقراً، فقد أعطى الإسلام للرجل مسئوليته ثم أسند إلى المرأة المهمة التى تتفق مع
طبيعتها وتكوينها، وهى الأمومة، من حمل وولادة، وإرضاع، وتربية وغيرها، وهو ما جعل
الحياة الزوجية والعائلية فى الشريعة الإسلامية حياة قائمة على التعاون والتكامل
بين كل من الرجل والمرأة، تأكيداً لهذا المعنى السامى،
والتكامل المثالى بين الزوجين.
الأسرة فى
الإسلام:
الأسرة هى
الخلية الأساسية والنواة الأولى فى المجتمع الإسلامى
ولذلك أحاطها الإسلام بمختلف الضمانات، وحصنها بكل أنواع الفضائل والمكرمات،
واشترط لقيامها وصلاحها أركاناً، وقواعد، وأسساً، لا بد من توفرها لتقوم بدورها،
ولتؤتى ثمراتها باعتبارها الأساس الأول والصالح لبناء الأمة، ومن ثم تكون عناصر
الأسرة فى الإسلام هى:
*
الزوج والزوجة.
*
الأبناء.
ويكون أساسها هو الدين،
المتمثل فى الفضيلة، والمروءة، والخلق الكريم والسكينة الاستقرار.
أما قواعدها التى تقوم عليها فهى ثلاث:
*
أولا: المودة والرحمة.
*
ثانياً: العدالة والمساواة.
*
ثالثاً: التعاون والتكافل فى مواجهة أعباء الأسرة.
الزواج أساس الأسرة المسلمة:
الزواج قوام الأسرة وأساسها
الصحيح، وهو عقد ميثاق به يرتبط الزوج بزوجته ارتباطاً مقدساً، كله حب، ومودة،
وحنان، تطبيقاً للهدى القرآنى الكريم: ( ومن آياته
أن خلق لكم من أنـفسكم أزواجـاً لتسكنـوا إليهـا وجـعل بينكـم مـودة ورحمــة إن فـى ذلـك لآيـات لقـوم يتفكرون) (3).
فهو ميثاق ترتبط به القلوب
وتمتزج به الأفئدة، وتتقارب به الأسر، ومتى انعقد الزواج بين طرفيه أصبح ميثاقاً، أى عهداً كما وصفه ربنا تعالى، مما يجعل الفكاك منه ليس
بالأمر اليسير والهين.
والمقصود من قوة هذا الميثاق
ووصفه بالغليظ، أن تظل الحياة الزوجية مستقرة، متوازنة ليستطيع الزوجان تربية
الأبناء تربية مثالية صحيحة، تحقق الاستقرار النفسى
والطمأنينة فى أسرة صالحة رشيدة كما قال تعالى: ( وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن
فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً * وإن أردتم استبدال زوج مكان
زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً *
وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً )(4).
ولتحقيق تلك الغايات
السامية من الزواج، أوصى الله الزوجين بأن يعاشر كل منهما الآخر بالمعروف والمروءة
والفضل، وأن يراعى كل منهما الآخر، ويتودد له ويحبه، ويحن عليه، ويرحمه.
ولذلك حض الرسول الأكرم أن
نتوخى فى اختيار الزوجة، واختيار الزوج، وأن نجعل المقياس والمعيار هو الدين،
والتربية الصالحة، وكونها من بيئة طيبة طاهرة، أما الغنى والحسب والجمال فأمور
ثانوية تأتى بعد الدين، إذ ما فائدة المال والغنى والجاه والحسب لمن لا تربية لهما
أو دينا مصداقاً لقوله ( تنكح المرأة لأربع، لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها
فاظفر بذات الدين تربت يداك ) (5).
وحرص الرسول الأكرم على
التدقيق فى الاختيار حفاظاً على سلامة الأسرة واستقرارها وسلامتها فقال عليه
الصلاة والسلام: ( تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم ) (6).
وحدد الإسلام لكل من الزوجين
حقوقه وواجباته تبعاً لطبيعته ومسئوليته انطلاقاً من أهداف الزواج وغاياته وهى:
- الإحصان
والعفة.
- الإنجاب وتكثير سواد
الأمة.
-عمارة الأرض.
المرأة المسلمة والتحديات المعاصرة
إن كل من يدرس الإسلام
ورسالته الخالدة بصدق وإخلاص، يجده متفقاً مع الفطرة البشرية السليمة، مستجيباً لتطلعات الناس، قائما على منهج ربانى صحيح، يشمل جوانب الحياة فى بساطة ويسر، ومن هنا كانت
نظرة المسلمين إلى الكون قائمة على التعاون والتكافل، وليس على الصراع والنزاع أو
البقاء للأقوى كما هى عند الآخرين.
إنه مما لا شك فيه أن بين
الرجل والمرأة اختلافاً فى طبيعة التكوين الجسدى والنفسى، يستتبع- لا محالة- تفريقاً فى بعض الأمور والأحكام،
إذ أن الله جعل لكل منهما وظيفة مهمة تتناسب مع تكوينهما، فالرجل أصلب عوداً، وأشد
شكيمة، وأقوى على تحمل المشاق، والمرأة أرق عاطفة، وألين عريكة، وأشد حساسية،
ولذلك اختلفت بعض الأحكام والمسئوليات فى شريعتنا، بالنسبة لكل منهما، تبعاً
لاختلاف الطبيعة والتكوين، وذلك أمر إلهى، لأن الذى خلق المرأة والرجل أعلم بما فيه مصلحتهم وخيرهم. ونجد من
هذه القضايا والأحكام التى بنيت على ذلك الاختلاف فى
التكوين و الطبائع:
·
أولاً: القوامة الشرعية:
·
قوامة الرجل على المرأة ليست
امتهاناً للمرأة:
من القضايا التى حجب حقيقتها
عدم الإلمام بالإسلام، وشوهها الغرض والهوى والانقياد، قضية القوامة : قوامة الرجل
على المرأة والأسرة. التى حسب الناس أنها بخس لقيمة المرأة وانتقاص لحقوقها، أو
جبر لها وحجر عليها، واستبداد للرجل وتحكم فى أمر الأسرة، وأنها سيف مسلط فى وجه
المرأة والأبناء، وسياسة لهم بالرهبة والسطوة والاعتداء، وأنها عصا غليظة ترفع فى
وجوههم كلما هموا بأمر، أو أرادوا ممارسة حياتهم وحقوقهم، وأعلن هنا صراحة أن
الإسلام برىء من هذا المعانى
التى لا تتفق مع أهداف السامية فى شىء.
معنى
القوامة
القوامة فى شريعتنا هى قوامة الرجل على المرأة فى الأسرة، وتستمد سندها من كتاب
الله عز وجل فى قوله تعالى: ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على
بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) (7).
أى أن الرجال أهل
قيام على نسائهم فى تأديبهن، والأخذ على أيديهن وفيما يجب عليهن، بما فضل الله
الرجال على النساء، وبما يقدمونه من مهر ونفقة، وكفاية المئونة (8) ويعتبر هذا
تكريماً للمرأة، لأن درجة القوامة هنا تكليف، ومنحها للرجل اعتباراً لتكوينه،
ولتحكمه فى عواطفه ومشاعره، وهذا قبل كل اعتبار أو دفاع، اختيار إلهى لا مراجعة فيه ولا تغيير، خاصة وأن سياق الآية وختمها
قوله تعالى: ( إن الله كان علياً كبيراً) (9) يوجه الرجل ويبين له ألا
يستعلى أو يستكبر فى قوامته على المرأة، لأن الكبر والعلو من صفات الله تعالى
وحده.
ومن هنا تكون
القوامة حماية ومدافعة، لا بخس فيها ولا انتقاص، والمراد بها هنا رئاسة الأسرة
وذلك يعنى الإرشاد والمراقبة، وليست القهر وسلب الإرادة، رئاسة لها تكاليف يتحملها
الرجل بحكم طبيعته.
وهى رعاية لها بالإنفاق،
والتربية الحسنة، والقدوة الكريمة، والسلوك الحميد، لتعيش الزوجة والأولاد فى كنف
الأسرة آمنين مطمئنين، وذلك مناط صلاح الأسرة.
والقوامة شورية وليست استبدادية، لذلك كان على الرجل أن يستشير زوجته
فى جميع الأمور، كما كان يفعل الرسول الأكرم مع أزواجه أمهات المؤمنين.
ولا تعنى حرماناً لها من حق
صلة الرحم والخروج لحاجتها، ورعاية أبويها إن كانا محتاجين إلى رعايتها وعنايتها.
ولا هى
احتقار للمرأة والنظر إليها بازدراء، باعتبارها دون الرجل قيمة أو درجة، ولا تعنى
ترك أمور البيت كلها على كاهلها وحدها.
وقد أسند الإسلام إلى المرأة
مقابل ذلك مهمة شريفة نبيلة هى الإنجاب، بما تتحمله من
حمل وإرضاع ونفاس وغيرها، ولما اختص به الرجل من الكسب، والسعى،
والعمل والإنفاق، ولو أنفقت المرأة على نفسها إذا كانت غنية، فهذا لا يعفى الرجل
من حق القوامة التى تعنى فى شريعتنا قيام الرجال على
النساء بالحماية والرعاية أى أن يكون الرجل من خلالها:
-
قدوة صالحة.
-
وراعياً أميناً لبيته.
وهـذه القـدوة والرعـاية تستلزم
منه الـحرص على حقوق الأهـل بقدر حرصه على واجباتهم نحوه.
وعندما حاد الناس عن هذا
التوجيه الإلهى الكريم، واختلط الأمر عليهم، انفرط عقد
الأسرة، ودب فيها الانحلال، وساءت أحوالها، وأصبح كل طرف يعيش بعيداً عن الآخر، وانعدم
الاحترام بين أفراد الأسرة، وتعانى المجتمعات الأوروبية وبعض المجتمعات الإسلامية-
التى فرطت فى توجيهات دينها، والتأسى برسولها- الأمرين
من ذلك، ولا منجاة إلا بالرجوع إلى هدى الإسلام وأحكامه وقيمه، ليعود إلى
المجتمعات استقرارها واطمئنانها وفضلها (10).
·
ثانياً: تعدد الزوجات
لم يشرع الإسلام تعدد
الزوجات بل وجده نظاماً قائماً وعادة منتشرة، فعمد إلى تنظيمه وتقنينه انطلاقاً من
مقاصده، وغايته الحكيمة، واعتباراً لطبائع الناس وما يصلحهم ويزكيهم، ومراعاة
ضرورات الفرد والجماعة والحفاظ عليها، وهى المعتبرة فى الشريعة الإسلامية.
الأسباب الداعية
إليه:
ولذلك كان تعدد الزوجات فى
الإسلام تشريعاً يحل مشاكل العقم، وكفاية ازدياد الرغبة عند بعض الناس، وتعويض جنس
الرجال بسبب ما يفقد منهم فى الحروب، وتحقيق التوازن بين الجنسين عندما يطغى عنصر
النساء على الرجال، وغيرها من الظروف الحياتية التى
تدعو إلى التعدد ولا مناص منه فى أحوالها، وإضافة إلى ضرورته للقضاء على حالات
الزنا وانتشار الفاحشة، ولذلك أباحه الله وشرعه للناس كما جاء فى القرآن الكريم: (
و إن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع
فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) (11).
ومن هنا كان التعدد فى
الإسلام خيراً وصالحاً للمجتمع، وحفاظاً على كرامة المرأة، وطهارة الأمة، وتحقيقاً
للمقاصد الشرعية السامية التى توخت قيام المجتمع على
أساس العفة والاستقامة، وحفظ الأنساب، ولذلك حمل الإسلام على كثير من العادات
القبيحة التى عرفتها الجاهلية، وبقية الأمم الأخرى، والتى عادت اليوم فى عصر المادة، وفى صور المخادنة،
وانتشار الرقيق الأبيض، والتجارة فيه، والشذوذ الجنسى،
وكل معاشرة بين رجل وامرأة خارج النطاق الشرعى والفضيلة
مما يأباه الإسلام.
إن نظام التعدد كما شرعه
الإسلام وأقره وقننه هو فى صالح المرأة والمجتمع أكثر مما هو فى صالح الرجل، لأنه
يحمى النساء من البوار، والإباحية، والرذيلة، ويعصم الأمة من أولاد الزنا، واختلاط
الأنساب، ويحمى المجتمع من العلاقات الجنسية غير المشروعة التى تؤدى إلى الإباحية
وعدم الاستقرار.
ضابطه وشرطه
وإذا كانت الشريعة الإسلامية
أباحت تعدد الزوجات بأربع لدواعيه المشروعة، وأسبابه المذكورة، فإنها أحاطته
بأحكام وضمانات وشروط تحفظ للمرأة كرامتها، وتصون حقوقها، خاصة وأنه جائز ومباح،
وليس فرضاً ولا إلزاماً، وإن الذى يستطيع أن يعف نفسه،
ويحمى أعراض الناس، ولا يستطيع الزواج.. فله ذلك، ومن هنا كان التعدد مباحاً
بالشرط الذى شرطه القرآن الكريم، والسنة النبوية
الشريفة، وهو العدل، فهو وحده ضابط التعدد.
فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة
وفى قوله تعالى فى نفس الآية: (ذلك أدنى ألا تعولوا) (12) أى لا تجوروا ولا تظلموا، وهو مصداق ما جاءت به السنة النبوية
فى قوله r فيما رواه أبو هريرة
( من كانت له امرأتان فمال
إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل) (13).
فمن خاف أن يظلم الزوجات أو
إحداهن، أو لا يعدل بينهن، فلا يتزوج الثانية أو الثالثة، ولايعدد
تجنباً للظلم وعدم العدل. أى الاكتفاء بزوجة واحدة فى حالة الخوف من الانحراف عن
العدالة (14) وقد حدد الرسول الكريم العدل المطلوب فى حالة التعدد، وهو العدل النسبى
كما جاء فى الحديث الشريف عن
عائشة رضى الله عنها عن الرسول r ( اللهم هذا قسمى فيما
أملك فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك ) (15) وهو
العدل بين الزوجات فى القسم العادل فى المبيت، والإنفاق، والقرعة بينهن إذا أراد
السفر، والرعاية حتى لا تشعر إحداهن بالغمط فى حقوقها،
وعدم العناية بها، أو الميل عنها أكثر من غيرها كما أشارات الآية الكريمة: ( فلا
تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ) (16).
ثالثاً:
الطلاق
ولماذا
كان بيد الرجل أصلا ؟
لقد جعل الإسلام الطلاق
علاجاً لمرض لا شفاء بدونه، وحلا لحياة عائلية أشرفت على الانهيار، ووصلت إلى
الطريق المسدود وجعله مخرجاً من شقاء مستمر، وإنقاذاً للأبناء من تعاسة الخلاف
والشقاق المستمر بين الأبوين، حتى لا يكونوا ضحاياها، ولعل الحديث الشريف يصور.
حقيقة الطلاق ويبينها بقوله عليه الصلاة والسلام: ( أبغض الحلال إلى الله
الطلاق)(17) اعتباره ضرورة لابد منها، غير أن هذه الضرورة تقدر بقدرها، أى هو كالدواء المر الذى يتحمل
المريض مرارته من أجل شفائه ولكنه لا يتناوله إلا عند الحاجة، وفى حالة المرض.
وبالرغم من ذلك فقد جعله
الإسلام على مراحل ثلاث المرة تلو المرة، إنقاذا للحياة الزوجية ورعيا للمروءة،
ورعاية وتذمما، ورفقاً بالأبناء حتى لا يحرموا من رعاية الأبوين، ويربوا بعيدا عن
أحدهما، لما فى ذلك من الآثار النفسية والسلبية على تربيتهم وسلوكهم وحياتهم،
لقوله تعالى: ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) (18).
وقوله ( وإن يتفرقا يغن
الله كلا من سعته ) (19).
أما لماذا جعل الإسلام
الطلاق بيد الرجل أصلا وفى أغلب الأحوال؟ فذلك راجع إلى
طبيعة كل من الرجل والمرأة وما خص به كل منهما، خاصة وأن الرجل أكثر تحكما وضبطا
لعواطفه وأحاسيسه، والمرأة رقيقة الشعور،شديدة الإحساس، أكثر عاطفة من الرجل،
وأسرع إلى التأثر والانفعال، وإن وضع الطلاق فى يد الرجل أولاً، تحصين للمرأة من آثار
العاطفة المتقلبة والانفعال والتقلب السريع، وضمان لاستمرار العشرة، إذ لو كان
الأمر وكل أصلا إلى المرأة لتعرضت حياة الزوجين دوماً إلى الشقاق والنزاع، ولحصل
الطلاق فى كل وقت وحين.
وإذا كان الإسلام جعل الطلاق
فى يد الرجل أصلاً، فإنه طلب منه أن يكون أمينا على زوجته يرعى هذه الأمانة، بفعل
إيمانه بالله وبرسوله، واستجابة لتوجيهات القرآن فى هذا المجال
( فأمسكوهن بمعروف أو
سرحوهن بمعروف ولاتمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك
فقد ظلم نفسه) (20).
فيقدم تقوى الله والخوف منه،
ومراعاته فى تعامله مع زوجته، فى الصبر
عليها كما وجه إلى ذلك
الرسول الكريم فى قوله: ( أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله،
استوصوا بالنساء خيراً) (21).
لقد آن الأوان لنعود إلى الإسلام، نستكشف فيه الحقائق
النفسية والاجتماعية، التى تعالج كثيراً من المشكلات
الزوجية، الأمر الذى جعل الكنيسة المسيحية، تعود عن
خطئها بتحريمه، والعودة إلى إقرار الطلاق كحل ضرورى
للعلاقات الزوجية التى يستحيل استمرارها ودوامها (22).
·
رابعاً: لماذا كان ميراث
المرأة نصف ميراث الرجل
الميراث حق قرره الله
فى كتابه وجعله فريضة محكمة لا يلحقها تبديل ولا تغيير ووصى به المؤمنين كما جاء
فى القرآن: ( يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)، (23).
وأشار فى الآية نفسها على
أنه مبنى على علمه وحكمته فقال سبحانه: ( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب
لكم نفعاً ) (24) وقوله تعالى: ( فـريضة مـن الله إن الله كـان عليمـاً
حكيماً ) (25).
وقد بين الله أن أحكام الإرث
ومقاديره هى حدوده حدها لعباده، ولا يرضى اعتداء عليها،
أو تغييراً لها، مصداقاً لقوله تعالى: (تلك حدود الله) (26).
ومن هنا بين لنا الله كيفية
توزيع الإرث، وتعيين أنصبته للمستحقين مخافة الزيغ والضلال وعدم العدل فيها،
قائلاً فى كتابه الكريم:(يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شىء
عليم)(27).
إن تقسيم التركة
وتحديد أنصبتها والمستحقين لهـا، تشريـع إلهـى سمـاوى تولاه الله، ولا خيار فيه للمؤمنين إلا بالطاعة
والاتباع والالتزام، كما جاء القرآن صريحاً فى ذلك بقوله تعالى:
( ومـا
كـان لمـؤمن ولا مـؤمنة إذا قضى الله ورسـولـه أمـراً أن يكـون لهـم الخـيرة من
أمرهم )
(28).
وهكذا جعل الإسلام حظ الذكر مثل حظ الأنثيين، كما نص على
ذلك كتاب الله: ( يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) (29).
وقد أثارت هذه القسمة
الإلهية أعداء الإسلام، والجاهلين بأحكامه ومقاصده، فزعموا أنه لم ينصف المرأة حيث
لم يسو بينها وبين الرجل فى الإرث، إذ جعل نصيبها نصف نصيب الرجل، ونرد عليهم بأن
الإسلام أول دين جعل للمرأة نصيباً فى الميراث، بعد أن كانت محرومة منه.
(
للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون
مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً) (30)
ومرد هذا التفاوت فى نصيب كل من الرجل والمرأة، يرجع إلى
أن الرجل هو المسئول عن نفقات الأسرة زوجة وأولاداً وكذلك الأقارب الذين لا مال
لهم، كما فرض الإسلام على الرجل المهر والكسب والعمل، ولم يكلف المرأة بشىء، بل إن نفقتها على غيرها قبل الزواج وبعده، فأعباؤها
قليلة، وأعباء الرجل كثيرة، ومن هنا جاء تشريع الإرث تطبيقاً لقاعدة
" الغرم بالغنم " ناهيك وأن هناك حالات قد ترث
فيها المرأة أكثر من الرجل أو تتساوى معه حسب صلة القرابة للمورث، ولا علاقة
لاختلاف الجنس فى ذلك هذا زيادة على أن المرأة لا تأخذ نصف ميراث الرجل دائماً بل
إنها فى حالات كثيرة من أحوال الميراث تأخذ مثله تماما كما هو الحال: فى ميراث
الابن، تأخذ الأم مثل نصيب الأب كما أكد ذلك القرآن:( ولأبويه لكل واحد منهما
السدس مما ترك إن كان له ولد ) (31).
والأخوات يأخذن
مثل الأم: ( فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) (32).
غير
أن المسألة تختلف فى الأخ والأخت، لأن الإسلام لاحظ المقياس الاقتصادى،
وهى الأعباء التى يتحملها الرجل، لكونه مسئولا وملتزما بالإنفاق، فى حين أن المرأة
غير ملتزمة بشىء ولا تجب عليها نفقة زوج ولا أولاد ولا
ذوى الأرحام، لأنها محمية مكفية، إما فى الزوج أو
الأبناء أو الأعمام أو فى الإخوة (33).
وقد راعى الإسلام
فى المرأة أنها قد تفقد عائلها والمنفق عليها، أبا أو زوج أو عماً، ولا سلاح لها
فى الحياة إلا أنوثتها، فحماها وأعطاها نصيبها فى الميراث، مما تحتاج إليه فى
أحوال الحاجة، ويمكن أن يكفيها خاصة وهى غير مسئولة إلا عن نفسها، حتى إذا ما
جاءها عائل وفرت ميراثها، بل وأكثر من ذلك فإن الإسلام فرض نفقتها على زوجها ولو
كانت غنية، ولو كان هو فقيراً، فإن عليه أن يقترض لينفق عليها، ولها أن تستدين
عليه إذا كان غير قادر (34).
ولهذا كان الإسلام فى قضية
الإرث مع المرأة لا ضدها كما زعموا- جهلاً وافتراء- لأن قضايا الإسلام لا تؤخذ
فيها قضية دون أخرى، كما ذهب إلى ذلك الشيخ محمد متولى الشعرواى
خاصة وقد جعلت المرأة هى المقياس فى الإرث عند النص القرآنى على إعطاء الرجل ضعف المرأة، ولم يعكس الأمر، مثل حظ
الأنثيين.
وأما ما يدفع به بعضكم من
كون المرأة أصبحت اليوم تعمل وتجد، وتكسب، وتشارك فى الحياة الزوجية وأعبائها
وتنفق على قرابتها فهو أمر نادر لا تتعدى نسبته فى الواقع خمسة فى المائة، والتشريع
والقوانين توضع للأحوال العامة وليست للحالات النادرة أو الخاصة.
وهكذا تنهار جميع الاعتراضات
الباطلة أمام هذه القسمة الإلهية العادلة، والحكم الربانى
الذى راعى المرأة حق الرعاية، معتبراً أعباء الرجل ومسئولياته الكبرى تجاه أسرته
وأقاربه، وما أحسن أن نستشهد هنا برأى العالم الفرنسى
المنصف " جوستاف لوبون" إن مبادئ المواريث التى نص عليها القرآن على
جانب عظيم من العدل والإنصاف، والشريعة الإسلامية منحت الزوجات حقوقاً من المواريث
لا نجد مثلها فى قوانيننا (35).
إذن كيف يمكن للمرأة بعد هذا
أن تختار غير ما اختار الله لها، خاصة وأن المسلمة فى حياتها وسلوكها وسيرتها هى ليست كغيرها، وإن التحدى الكبير
الذى يواجه المسلم والمسلمة، يتمثل فى التخلى عن ظاهرة التقليد الأعمى لكل ما هو أجنبى، والتحرر من ضغط الواقع، وما لا يتفق مع الإسلام
والإيمان، وما يعارض الالتزام، وينبغى ألا تقيس المرأة
المسلمة حياتها بحياة المرأة الأوروبية، فى عريها، وإباحتها، وتفسخها من كل قيمة
وخلق، وفى عدم تدينها، لأن الإسلام يأبى هذا الاتجاه فى السلوك والسيرة، وينزه
المرأة المسلمة عن مثل هذه الحياة الرخيصة اللاهية.
وعليها أن تتجه للأقتداء بأمهات المؤمنين اللائى جعل منهن الرسول صلى الله
عليه وسلم أمثلة كاملة، ونماذج حية،
للمرأة المسلمة، وكيف ينبغى أن تكون، علماً وتربية، سيرة وسلوكاً، خلقاً ومروءة،
عملا واجتهاداً، تفوقاً ونبوغاً، وهن اللائى قال فى حقهن القرآن الكريم.
( إنما يريد الله ليذهب
عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) (36).
اقتراحات
تصحيحا لمسار الصحوة
الإسلامية وتدعيماً لها، وتحقيقاً لاستقرار المجتمع الإسلامى
وانتظامه، نقترح عدة اقتراحات نراها كفيلة بحل مشاكل الأسرة وقضاياها وهى كما يلى:
1-
مدونة حقوق المرأة وواجباتها:
وذلك بالعمل على وضع هذه المدونة
التى أصبحت ضرورة قائمة، لبيان حقوق المرأة وواجباتها
كما نص عليها القرآن والسنة النبوية، وإبراز مدى عناية الإسلام بالمرأة ورعايته
لها، بعد ما ظلمتها الأنظمة والدول، وإن الإسلام هو أول دين جعل المرأة شقيقة
الرجل، وشريكته فى بناء المجتمع وتحمل المسئولية، ووضع آداباً وأحكاماً فى حسن
معاملتها، والحفاظ على إنسانيتها وكرامتها.
2- مجلس الأسرة:
نظراً للمشاكل التى تقوم فى الأسرة بين الزوجين، والتى
تقتضيها طبيعة الحياة، وظروف العيش، حتى لا تؤدى إلى الفرقة والشقاق، وضياع
الأبناء، وسوء تربيتهم، فإننى أدعو إلى تكوين مجلس
الأسرة: من الأب والأم، أو الوصى أو المقدم، وأربعة
أعضاء من بين الأقارب والأصهار، تسند رئاسته إلى كبير العائلة المتمتع بالاحترام
والتقدير، ويختص بالتحكيم لإصلاح ذات البين فى قضايا الطلاق والنفقة، وغيرها من
شئون العائلة، وإن من شأن قيام مجلس للأسرة، المحافظة على كيانها وتدعيم روابطها
(37).
3- جمعية الترغيب فى الزواج
وتيسير مؤنه:
نظراً لضعف الوازع الدينى فى بعض النفوس، وانحسار دور التربية الإسلامية فى بعض
الدول وعدم الإلمام بفقه الإسلام وآدابه فى هذا المجال ولإعراض الشباب عن الزواج،
بسبب المغالاة فى المهور، وارتفاع مؤنه، مما يؤدى إلى الانحلال، وعدم الاستقرار،
ندعو إلى تكوين جمعيات للترغيب فى الزواج، وتسهيل أمره، وبيان مقاصد الإسلام فيه.
ودعوة الآباء إلى عدم المغالاة فى المهور والشروط.
4- القضاء على بدعة الحرمان
من الميراث:
نتيجة للغزو الفكرى لبلاد الإسلام انتشرت فى بعض مجتمعاتنا بدعة حرمان بعض
الورثة من الميراث، أو تفضيل بعض الأبناء على بعض فى العطايا والهبات، بتفضيل
الذكور على الإناث، أو حرمان بعضهم أحياناً مما يؤدى إلى الكراهية والبغضاء بين
أفراد العائلة الواحدة، وقد يؤدى إلى جرائم خاصة وأن الإسلام جعل فى الوصية بالثلث
مندوحة عن ذلك، لذا ينبغى القضاء على هذه البدعة،
بتبيين مقاصد الشرع فى الإرث، وحكمته فى توزيع الأنصبة، وهو حكم إلهى لا ينبغى مخالفته، أو تجاوزه،
أو الاجتهاد فيه.
المراجع
(1)
الحجرات :13.
(2)
النحل: 97.
(3)
الروم :21.
(4) النساء:
19- 21.
(5) أخرجه البخارى فى صحيحه- كتاب النكاح 6/123.
(6)
رواه ابن ماجه- كتاب النكاح- باب الأكفاء1/633م/1968
(7)النساء:34.
(8)
انظر تفسير الإمام الطبرى للآية الكريمة:7/531- 541.
(9)النساء:34.
(10)للتوسع
فى الموضوع راجع " القرآن والمرأة " للشيخ محمود شلتوت ص 56 دار الطباعة
المحمدية سنة 1960 "والإسلام دين
حقوق الإنسان" للدكتور يوسف الكتانى.
(11)النساء:3.
(12)النساء:3.
(13)
رواه الإمام أحمد فى المسند، والترمذى فى السنن 2/404 ،
وابن حبان فى صحيحه 6/367، والنسائى فى سننه 2/157.
(14) تفسير الطبرى 7/531-541.
(15)
رواه الدارمى فى السنن 2/144، و أبو داود فى سننه 2/226
والترمذى 3/446 والنسائى
2/157 والحاكم فى المستدرك 2/57.
(16) النساء:129.
(17)
رواه ابن ماجه فى سننه 1/650، و أبو داود فى السنن 2/255.
(18)
البقرة: 229.
(19)
النساء: 130.
(20) البقرة:
231.
(21)
انظر نص الوصية كاملة فى حجة الوداع- صحيح البخارى
6/145.
(22)
منهج السنة فى الزواج للدكتور الأحمدى أبو النور ص 450.
(23)
النساء:11 .
(24) النساء
:11 .
(25) النساء:11.
(26) النساء:13.
(27) النساء: 176.
(28) الأحزاب: 36.
(29)
النساء: 11 .
(30) النساء:7.
(31) النساء:
11.
(32) النساء11.
(33) الرجل والمرأة "
للشيخ محمد متولى الشعرواى " ص 101 و 102.
(34) شرح الهداية: 2/31.
(35)انظر تفصيل ذلك فى كتابه
"حضارة العرب ".
(36)الأحزاب :33.
(37) لقد كان المغرب سباقاً
فى هذا المجال و أصبح مجلس الأسرة قائماً بنص قانونى،
راجع الظهير الشريف (المرسوم) رقم 193347 بتغيير وتتميم بعض فصول مدونة الأحوال
الشخصية بتاريخ 1/9/93 (المادة الثانية الفصل 156 مكرر).