الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الحادي عشر : نحو مشروع حضاري لنهضة العالم الإسلامي
 
بجامثة الإمام محمدبن سعود الإسلأمية

منهج الإسلام

فى بناء الأسرة الراشدة

أ.د/ محمد بن أحمد بن صالح الصالح

الأستاذ بكلية الشريعة

بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

تمهيد

الزواج فطرة:

لا جرم أن الزواج- قبل أن يكون شرعة- هو فطرة أودعها الله الخلق يوم خلقهم: (سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون) (1).

فيوم خلق الله الأرض شاء أن يكون مع مدها ورواسيها من كل زوج بهيج: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج  * والأرض مددناها وألقينا فيها رواسى وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ) (2).

وقد تكررت الإشارة إلى المعنى فى آيات أخرى، قال تعالى: (أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ) (3) وقال تعالى: ( خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم) (4).

وحتى لا يظن ظان أن الزوجية قاصرة على النبات- وإن كنا نحسب لفظ الإنبات عاماً يشير إلى الخلق والإبداع- فقد وردت آية عامة بلفظ الخلق لتشتمل على كل خلق. قال تعالى: (ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (5).

والإنسان أشرف خلق الله، اشتمل على نفس التكوين ذكر وأنثى، وفطر كل شطر بالميل إلى الشطر الآخر ليكون التزاوج ولتكون الحياة.

وعندما خلق الله آدم لم يتركه وحده حتى وهو فى الجنة بل جعل منه ومعه حواء وأسكنهما سوياً: ( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) (6).

لقد عرفت الأديان كلها الزواج وإن تفاوتت درجة فرضيته فمنذ آدم عليه السلام: ( ويا أدم اسكـن أنـت وزوجـك الـجنة فـكلا مـن حـيث شئتمـا ولا تـقربا هـذه الشجـرة فتكونـا مـن الظالـمين) (7).

ومن بعده نوح ولوط عليهما السلام: (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين) (8).

ثم هذا أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام: جاء فى الحديث عنه قوله تعالى:( فأقبلت امرأته فى صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم ) (9).

وفى شريعة موسى عليه السلام: قال الله تعالى على لسان شعيب:( قال إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هـاتين على أن تأجرنى ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدنى إن شاء الله من الصالحين  قال ذلك بينى وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علىَّ والله على ما نقول وكيل ) (10).

وهكذا فقد امتن الله جل وعلا على الأنبياء والمرسلين بأن جعل لهم أزواجاً وذرية قال تعالى:  (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية.)(11).

الزواج فى الإسلام:

الزواج ليس فقط آية من آيات الله الذى نخر له ساجدين ولا نعمة من نعم الله الذى نسبح بحمده شاكرين بل قبل ذلك هو نصف الدين وسبيل إلى مراتب المتقين، ويفتح أبواب الرزق وعقده ميثاق غليظ، أما أنه آية فقوله تعالى:

( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) (12). وأما أنه نعمة فقوله تعالى: ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ) (13).

و"ما أنه نصف الدين فإن به غضّ البصر وحفظ الفرج وبه العون على الطاعة، والتسابق فى الخيرات،. وبه تقام الأسرة التى جعلها الإسلام لبنة المجتمع، ومنه النسل المبارك الذى تباهى به أمة محمد ويباهى به رسول الله صلى الله علية وسلم الأمم يوم القيامة .. ( يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ) (14).

وعن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبى يسألون عن عبادة النبى صلى الله عليه وسلم  فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأصلى الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما إنى لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنى أصوم وأفطر وأصلى وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى)  إلى آخر الحديث (15).

وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تناكحوا تناسلوا فإنى مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ) (16)، وقال تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) (17).

وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم:  ( ثلاثة حق على الله أن يعينهم المجاهد فى سبيل الله، والناكح يريل أن يستعفف، والمكاتب الذى يريد الأداء) (18).

وقال عليه الصلاة والسلام: (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله فى الشطر الباقى) (19).

وعن ابن عباس رضى الله عنه: (التمسوا الرزق بالنكاح) (20).

فوائد الزواج ومزاياه:

إن عقد النكاح يحقق مصلحة كل من المرأة والرجل ويحفظ النوع الإنسانى ويحصل به تحقيق حماية الشرف ومنع ابتذال الجنس وكما أنه يؤدى إلى حفظ الصحة ويتم به سرور النفس وتحصل به اللذة ويحقق المقاصد النبيلة التى شرع لأجلها فإن الاتصال المشروع بالمرأة شرع ابتداء لأمور هى مقاصده الأصلية.

الأمر الأول: حفظ النسل ودوام النوع الإنسانى على وجه البسيطة.

الأمر الثانى : إخراج الماء الذى قد يضر بقاؤه بالبدن.

الأمر الثالث: قضاء الوطر والتمتع بالنعمة.

وهو يؤدى إلى غض البصر وكف النفس ويعف عن الحرام وهذه أمور مشتركة بين الرجل والمرأة.

فمن ثمرات الزواج:

الولد: لأن الزواج وسيلة العاقل فى إبقاء نوعه وتخليد ذكراه بالتوالد والتناسل، وعمارة الكون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال الله تعالى: ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون).

ومن مصالح الزواج أيضاً كسر الشهوة لما يؤدى إليه من غض البصر وتحصين الفرج وتدبير المنزل وكثرة العشيرة، قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر أنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (21). ومنها مجاهدة النفس والقيام بما يجب للزوجة والولد.

وهو بعد ذلك مصدر سعادة الطرفين:

لأن فيه سكناً وفى السكن طمأنينة وفى السكن راحة وفى السكن سكون للنفس.

ولأن فيه مودة والمودة خلاصة المحبة، وتبقى إن غابت المحبة حينا أو فترت.. تبقى فيها المجاملة وفيها حسن العشرة وهى أبقى لرابطة الزوجية من العواطف الهوج التى تمضى سريعا كما تمضى الرياح الهوج.

ولأن فيه رحمة والرحمة عاطفة من أسمى العواطف وأدومها وخلق يتخلق به المسلم يقتبس فيه من رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، والزواج بين الزوجين بلسم لكل جراح ودواء لكل ما يستعصى من مشكلات ومذيب لما يتراكم بين الزوجين من تقادم السنين والأعوام وإنه الشىء الذى يبقى إن نضبت سائر العواطف أو خفت ، ليطبق معه قول الله تعالى. ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) (22).

الصفات المطلوبة فى المرأة:

تلك كانت بعض جوانب الحكمة فى شرعة الزواج يكملها ما جاء خاصة بمواصفات الزوجة الصالحة.

وقد وردت إشارات إليها فى القرآن فى مثل قوله تعالى: ( عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا) (23). فجعل تلك بعض مواصفات الخيرية: المسلمة، المؤمنة، والقانتة، التائبة، العابدة، السائحة. فعدد لست صفات قد تتوافر فى الزوجة فتكون خيراً من غيرها لأنه جعل هذه الصفات سببا لخيرية هؤلاء على زوجات الرسول عليه السلام أمهات المؤمنين.وفى آية أخرى، قال تعالى:

 ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً) (24).

وفى آية ثالثة يقول الله تعالى: ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع وأضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا ) (25).

ففى هذه الآيات (تسع عشرة صفة) منها صفات مشتركة مثل الإسلام والإيمان والقنوت والحفظ.

وفيها صفات تفردت مثل: الصدق، والصبر، والخشوع، والتصدق، والصوم، وذكر الله.

والأربع الأولى :  الإسلام، والإيمان، والحفظ، والقنوت.. جامعات، والست الأخريات: عمد وأسس داخل الأربعة الأولى.. والله أعلم.

وفى السنة:

جاءت أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام بصفات أخرى بعضها جامع وبعضها مفصل، مثال الأولى: قوله عليه الصلاة والسلام: ( تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ) (26).

وقد أمر النبى الزوج أن يجتهد فى حسن اختيار الزوجة فقال فيما روته عائشة رضى الله عنها: ( تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء)  (27).

وقوله عليه الصلاة والسلام:( لاتنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة سوداء ذات دين أفضل ) (28) .

الصفات الواجب توافرها فى الرجل:

وكما وجهت الشريعة الرجال لبذل الجهد عند اختيار المرأة وجهت المرأة وأهلها أن يبذلوا قصارى جهدهم فى اختيار الرجل الكفء. حيث قال عليه الصلاة السلام: ( إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته أو خلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير )(29).

ولقد كانت عناية الشريعة الإسلامية بالزواج أكبر وأوسع من أى شريعة أخرى، إذ جعله الله سبحانه وتعالى من آياته فى خلقه وعدَّ من نعمه على عباده وفى هذا يقول الله سبحانه وتعالى  ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) (30) وبهذه الأركان الثلاثة الواردة فى الآية (السكن والمودة، والرحمة) تتحقق السعادة الزوجية.

وقد تولى الله جل وعلا بيان من تحل ومن تحرم من النساء وأحاط عقد الزواج بأوثق الضمانات التى تكفل سعادة الزوجين وتأتى بالخير لأسرتيهما. وأوجب فيه مهراً جعله من حق الزوجة لها شخصية كاملة بالنسبة لما لها فى الملكية والتعامل والتصرف. وحرم على الزوج وغيره أن يأخذ منه شئ إلا بحقه وطريقه المشروع، قال تعالى: ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شئ منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً )(31).

وجعل لكل منهما حقوقا نحو الآخر وواجبات يؤديها له وطالبهما بحسن العشرة والاعتدال فى المعاملة والتعاون على الحياة المشتركة بينهما ورسم الطريق القويم لعلاج ما قد ينشأ بينهما من خلاف أو يظهر من مشكلات وشرع الطلاق للخلاص حين تستعصى على الزوجين إقامة حدود الله والوقوف على ما رسمه الشارع للسير فى علاقة الزوجين.

وكان عقد الزواج من أخطر العقود التى يتعامل بها الإنسان فى الحياة، وقد وصفه القرآن الكريم بأنه ميثاق غليظ.

ووصف النبى عليه الصلاة والسلام عقد النكاح بقوله: ( إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ) (32). والميثاق يجب الوفاء به وتقديره وأمانة الله واجبة الرعاية وكلمة الله واجبة التنفيذ والاحترام وما دام الزواج بهذا القدر من الرفعة والسمو فقد عنى الفقهاء بشأنه على مر العصور بعد ظهور الإسلام فقعدو القواعد، ووضعوا الأسس التى تكفل الحياة الكريمة للزوجين على هدى الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة.

ولا أدل على ذلك من عناية القرآن الكريم بالأسرة وبنائها، حيث تحدث القرآن الكريم عن الأسرة وقضاياها فيما يزيد على (ثمانين وثلاثمائة) آية ومن ذلك ما جاء فى سورة النساء.

المجتمع الإسلامى فى سورة النساء:

إن سورة النساء باتفاق المسلمين نزلت فى المدينة، والوحى النازل فى المدينة يتجه غالباً إلى المجتمع الإسلامى يرسى دعائمه، ويبين معالمه ويقيم أركانه ولما كانت الأسرة أساس كل مجتمع صالح كان لابد أن تتحدث السورة فى صفحات عديدة وآيات كثيرة متوالية من (الآية الأولى إلى الآية السادسة والثلاثين) ثم تأتى آيات متفرقة فى ثناياها، وتختتم السورة بالحديث عن الأسرة وقضاياها، والسورة قد تولت توضيح فقه الأسرة توضيحا ينطوى على كثير مما لابد من بيانه وكشفه.

فالإسلام أوجب النكاح حينا واستحبه أحيانا ويسره ودعا إليه ورغب فيه، وهو يفعل ذلك لأمور منها:

1- بقاء مواكب الإنسانية مواصلة السعى والنشاط على ظهر الأرض ولا يوجد طريق محترم لبقاء الإنسانية ممتدة على مر السنين إلا بالزواج.

2- إن بناء الأسرة يقوم على التراحم والسكينة النفسية.

لذلك فإن الغريزة الجنسية فى نظر الإسلام ليست رجسا من عمل الشيطان ولم يكن من أهدافه سحقها أو القضاء عليها بل احترمها حيث عدها جزءا من منطق الفطرة التى هى الصفة الأولى للإنسان فى الإسلام والاعتراف بها كما هو أساس لاضطراد الحياة على ظهر الأرض فهو أساس لإقرار العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) (32)هذه الملابسة وهذا الاتصال وهذا الالتصاق يجعل من الزواج ضرورة دينية وضرورة مدنية.

وسورة النساء عندما تحدثت عن الأسرة وبينت أحكامها وقضاياها وكيف تقام الأسرة وكيف تعالج مشكلات الزوجية: ( واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان علياً كبيراً ) (33)، وتحدثت أيضا عن الطلاق فقال العلماء فيه وهو رأى علمى دقيق لكثير من الباحثين إن الأصل فى الطلاق الحظر لقوله: ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان علياً كبيراً). أى ما دامت المرأة مطيعة فإن الإساءة إليها جريمة ولا معنى لهذه الإساءة، ثم إذا حدث أن تغيرت العاطفة فإن الرجل ينبغى أن يتهم نفسه كما أمر الله: ( فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ) (34).

وعندما استشار أبو أيوب رضى الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تطليق امرأته أم أيوب قال عليه الصلاة السلام: ( إن فى طلاق أم أيوب حوباً ) أى إثماً. وجاء رجل إلى الخليفة الراشد عمر رضى الله عنه وقال له: أريد أن أطلق امرأتى. قال له: لم؟ قال: لأنى لا أحبها. قال له عمر: ويحك أو كل البيوت بنيت على الحب فأين التجمل والوفاء؟ أين العهود والأخلاق والحياء؟ إن الإنسان ينبغى أن يكون فى هذا تقيا.

والقصد من هذا أن الإسلام يريد فعلاً أن تبنى البيوت على أنها محاضن وليست فقط متنفساً للغريزة الجنسية فى جو طهور مقبول، بل وليست محاضن فقط بل إنها مدرسة يربى فيها الولد ابناً كان أو بنتاً تربية دينية تجعل مستقبله ينشأ فى جو عف، وخلق كريم، يتعلم فى البيت الآداب والصلاة، والاستئذان، وستر العورات، يتعلم فى البيت الكثير من القيم والأخلاق والمثل العليا.

حقوق الزوجية

إذا تم عقد الزواج مستوفياً لشروطه وأركانه فإنه يرتب حقوقاً للزوجين وهذه الحقوق منها ما هو خاص بالزوجة، ومنها ما هو خاص بالزوج، ومنها ما هو مشترك بينهما.

أولاً: حقوق الزوجة :

تستحق المرأة بعقد الزواج حقوقاً مالية وهى المهر و النفقة، وحقوقاً غير مالية وهى: عدم الإضرار بهاً، والعدل بينها وبين غيرها " فى حالة تعدد الزوجات ". وفيما يلى تفصيل هذه الحقوق:

1-  المهر: وهو المال الذى تستحقه الزوجة بالعقد عليها، أو الدخول بها، ويسمى الصداق، والفريضة، والأجر، والنحلة، لقوله تعالى: (  وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)

 (36) وقوله: ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) (37).

2- النفقة: وهى كل ما تحتاج إليه المرأة من طعام وشراب وكسوة ومسكن وفرش، ودواء وزينة، وكل ما يلزم لمعيشتها بالمعروف، لقوله تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ) (38)، وقوله عز وجل: ( لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسراً) (39)، وهذا إن كان قد ورد فى حق المطلقة فهو للزوجة من باب أولى.

3- عدم الإضرار بالزوجة: فمن حقوق المرأة على زوجها عدم الإضرار بها، وذلك بأن يعدل فى معاملتها، ولا يضرها بقول أو فعل، قال تعالى:

( فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ) (40).

ولما كان الرجل هو صاحب الكلمة العليا والسلطان الأقوى والهيمنة فى البيت وإرادته نافذة، فعليه تقع مسئولية إقامة العدل فى المنزل، ولا سيما أن له حق الطاعة والتأديب، والمنع من الخروج إلا لحاجة، والعدل المطلوب هو الذى تطيب به النفس، ويرتاح إليه القلب، وتصان به الحقوق، وعلى الزوج معاملة امرأته بما يجب أن تعامله به، وهذا حق مفروض لها.

قال تعالى: (ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة) (41).

وقال تعالى: ( وعاشروهن بالمعروف.. ) (42).

ويقول عليه السلام:  ( استوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع أعوج وأعوج ما فى الضلع أعلاه فإن رحت تقومها كسرتها وكسرها طلاقها، وإن استمتعت بها استمتعت بها على عوج ) أو كما قال (43).

ففى الحديث إشارة إلى أن فى خلق المرأة عوجاً طبيعاً، وأن محاولة إصلاحه غير ممكن، وأنه كالضلع المقول لا يقبل التقويم ومع ذلك فلا بد من معاشرتها على ما هى عليه، ومعاملتها كأحسن ما تكون المعاملة، وعليه أن يوازن بين صفاتها الحسنة وصفاتها الأخرى فينظر إلى مزاياها وفضائلها، وإذا رأى منها ما يكره فإنه سيجد فيها ما يحب.

وعلى الزوج أن يحمى المرأة ويصونها ويحافظ عليها من كل ما يخدش شرفها، ويثلم عرضها ويمتهن كرامتها، ويعرضها لقالة السوء، وعليه أن يتقى الله فيه ويوفيها جميع حقوقها المستحقة لها بالعقد الذى يوجب لها المهر، ويثبت لها الحق فى الاستمتاع بقدر ما يحصل به عفافها، ويقدر كفايتها، وهو لا يقل أهمية عن حقها فى النفقة والكسوة.

4- العدل بين الزوجات: إذا كان العدل والإحسان والعشرة بالمعروف واجبة للزوجة الواحدة، فإن هذه الأمور واجبة أيضاً فى حالة التعدد، فيجب على الزوج أن يعدل بين زوجاته فى الأمور الظاهرة كالنفقة والكسوة والمبيت، فيقضى مـن الوقت عند الواحدة بقدر ما يقضى عند الأخرى، لا فرق بين القديمة والجديدة، والبكر والثيب فيما عدا سبع ليال للبكر بعد الزفاف، وثلاثاً للثيب ثم تجب التسوية بعد ذلك.

وعليه حسن المعاملة ولطف العشرة، حتى لا يجمع بإحداهن الغيرة التى تسبب الحقد والكراهية، وتلزم التسوية بينهن حتى لصاحبة العذر من طمث ونفاس وغير ذلك ؛ لأن المقصود الاستئناس بالصحبة والإقامة  وذلك حق لكل منهن على حد سواء. حتى إذا مرض الزوج فليس له أن يقيم عند إحداهن إلا باستئذان الأخريات، فقد استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أن يكون فى بيت عائشة- رضى الله عنها- فى مرضه الأخير (44).

والواجب أن يعدل الزوج بين زوجاته فيما يملك فيسوى بينهم فى جميع المعاملات الظاهرة، أما ما لا يملك، وهو ميل القلب، فلا يكلف المساواة فيه ؛ لأنه لا تكلف نفس إلا وسعها، وهو المراد بقوله سبحانه وتعالى

( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ) (45).

فالعدل المشرط لإباحة التعدد هو القدر المستطاع من المساواة، والذى نفيت استطاعته هو المثل الأعلى من العدل، والمساواة فى كل شىء بغاية الدقة بلا نقص أو زيادة فيه حتى فى الود القلبى

(46).

ثانياً: حقوق الزوج:

يرتبط الزوجان كلاهما بالآخر بطائفة من الحقوق والواجبات المتبادلة فكل حق لأحد الزوجين على زوجه يقابله واجب يؤديه إليه (فهما وجهان لعملة واحدة) وإلى تبادل هذه الحقوق والواجبات يرجع الفضل فى تحقيق التوازن بين الزوجين، واستقرار حياة الأسرة واستقامة أمورها (47).

فإذا أوفى الزوج زوجته مهرها، أو ما شرط تعجيله منه، أو ما جرى العرف بتعجيله لأمثالها، وجب له حق الطاعة عليها فى كل ما هو أثر من آثار عقد الزواج، فله حق الدخول بها. وأن تمكنه من نفسها فى حدود الاستمتاع المباح، وأن ينتقل بها إلى بيته متى وفر لها السكن المناسب- ما لم تشترط هى أو وليها خلاف ذلك- وعليها القيام بخدمة زوجها بتنظيف البيت وإعداد الطعام، وما يقضى به العرف من الأعمال التى تقوم بها المرأة فى بيت زوجها.

ومن حقه أيضاً أن تطيعه فى كل ما هو من شئون الزوجية، مما ليس فيه معصية لله تعالى، وعليها لزوم رعاية النشء وتربيته، وعليها أن تحفظ غيبته وسره وبيته وماله، فلا تمكن أحداً من دخول بيته إلا بإذنه، ولا تنفق من ماله إلا بإذنه، وعليها أن تصون فراشه وتحافظ على شرفها وعفتها وأن تحسن عشرته.

ومن حقوقه أيضاً، السفر بها متى كان مأموناً عليها وذلك بأن يرعى حرمة الله فيها، والحكم فى هذه المسألة تبع لما يجرى به العرف. مع مراعاة حال الزوج ومقدرته، وما تقضى به طبيعة عمله أو وظيفته مع توافر الأمن فى الطريق وفى البلد الذى يريد الإقامة فيه.

1- حق الطاعة: وجوب طاعة المرأة لزوجها يعتبر قمة التعاون بين الزوجين يقول تعالى. (الرجال قوامون على النسـاء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) (48).

فهذا الجزء من الآية يثبت للزوج على زوجته حق الطاعة ؛ لأنه جعله قيماً عليها، ولا قوامة بدون طاعة من الطرف الأخر. 

وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة تحض المرأة على طاعة زوجها منها:

1-      ما أخرجه ابن حبان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها ، وحفظت فرجها ، وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها ) (49).

2-            ما أخرجه الترمذى وابن ماجة عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال ( أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة ) (50).

3-      روى أن أسماء ابنة يزيد (51)- من بنى عبد الأشهل- جاءت إلى النبى صلى الله عليه وسلم  وهو بين أصحابه، فقالت: بأبى و أمى أنت يا رسول الله. أنا وافدة النساء إليك، إن الله عز وجل بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معشر الرجال فضلتم علينا بالجمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد فى سبيل الله عز وجل، وإن الرجل إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مجاهداً، حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفلا نشارككم فى هذا الأجر والخير " فالتفت النبى نمط إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مسألتها فى أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا  رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدى إلى مثل هذا، فالتفت النبىr  إليها فقال: افهمى أيتها المرأة وأعلمى من خلفك من النساء، أن حسن تبعل المرأة لزوجها وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته يعدل ذلك كله. فانصرفت المرأة وهى تهلل(52).

2- القرار فى البيت: ويتبع حق الطاعة حق آخر وهو حق القرار فى البيت، فيجب على الزوجة الانتقال مع زوجها إلى منزله الملائم لها إذا طلبها، ولم يمنعها عذر كالمرض أو كون المنزل غير صالح للسكنى، فمتى وفر الزوج السكن المناسب المأمون لزم زوجته الانتقال إليه، ما لم تشترط هى أو وليها خلاف ذلك.

وله منعها من الخروج من منزله إلا لضرورة، وله منعها من السفر، وعليه أن يمنعها من الخروج متعطرة فى حالة تؤدى إلى فتنتها أو الافتتان بها.

قال تعالى: (وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) (53).

على أن هذ الحق لا يكون للزوج إلا بشروط (54).

1- أن يكون قد أوفى الزوجة صداقها، أو ما شرط تعجيله منه، أو ما جرى العرف بتعجيله لأمثالها.

2- أن تكون الدار التى أعدها الزوج لائقه بحال زوجته، مستكملة لجميع ما تحتاج إليه فى معيشتها.

3- أن تكون هذه الدار مأمونة بحيث تأمن الزوجة فيها على نفسها ومالها، فلا تكون بمنأى عن الجيران حتى لو استغاثت لنازلة وجدت من يغيثها.

4- أن يكون الزوج مأموناً عليها، يرعى حكم الله فيها، ويقيم حدوده.

فإذا توافرت هذه الشروط وجب على المرأة الانتقال إلى بيت زوجها والقرار فيه وثبت للزوج حق منعها من الخروج إلا بإذنه.

5-حق التأديب والتوجيه على هدى قول الله جل وعلا:

( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيراً * وإن خفتم شقاق بينهما فـابعثوا حكمـاً مـن أهـله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يـوفق الله بينهمـا إن الله كـان عليمـاً خبيراً ) (55).

ثالثاً: الحقوق المشتركة بين الزوجين:

وهى حق الاستمتاع وحسن المعاشرة، وحرمة المصاهرة، وثبوت التوارث بينهما:

1- حق الاستمتاع: وهو أن يحل لكل واحد منهما أن يستمتع بالآخر فى الحدود التى رسمها الشارع، حيث ضبط الدين غريزة البطن والفرج، فأمر بغض البصر وحفظ الفروج، وأكل الحلال، والالتزام بحدود الله، قال تعالى فى صفات المؤمنين: (والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) (56)

فلكل من الزوجين حق الاستمتاع بالآخر، وهذا أمر تدعو إليه الفطرة ويتوقف عليه التناسل، فعلى كل منهما أن يلبى داعى الفطرة البشرية، ولا يمتنع عن الآخر، ما لم يكن هناك مانع شرعى يمنع من ذلك كالحيض لقوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله)(57). ويلحق به النفاس وكذلك المرض الشديد (58).

وقد اتفق الفقهاء على أنه يجب على الزوج أن يعف زوجته حتى لا تقع فى الحرام، متى كان قادراً على ذلك، وأن هذا الواجب دين، أى فيما بينه وبين الله تعالى، فيحرم عليه أن يشتغل عنها بعمل أو عبادة وقته، لأنه يعرضها بذلك للفتنة (59).

2- حسن المعاشرة: ففى الزواج معاشرة وتعاون وتكامل، وقد حث الإسلام على حسن العشرة بين الزوجين، ونفر من الظلم والتظالم بينهما.

فكل من الزوجين مطالب بحسن صحبة الآخر، وذلك بأن يسعى كل منهما إلى ما يرضى الآخر من لين المخاطبة، واحترام الرأى والتسامح، والتعاون على الخير ودفع الأذى، والبعد عما يجلب الشقاق والنزاع (60).

وفى مجال الحث على حسن المعاشرة أكثر القرآن الكريم من استعمال كلمة " المعروف " وهى ما عرف عن الشرع حسنه، وما تعارف الناس عليه، واعتبر من الآداب العامة ومكارم الأخلاق (61) قال تعالى: (وعاشروهن بالمعروف ) (62). وقال: ( ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف) (63). فإذا فعلا ذلك تحقق بينهما السكن، وتوافرت المودة، وكان الزواج رحمة لهما كما أخبر المولى سبحانه فى قوله: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) (64). فالزواج الرشيد تقوم الحياة فيه على أركان ثلاثة:

الأول: السكون النفسى الجنسى، وهو تعبير بليغ عن شعور الشوق واللذة، والحب الذى يجده كل منهما باتصالهما، والملابسة بإفضاء أحدهما إلى الآخر، والذى به تتم إنسانيتهما فتكون منتجة أناساً مثلهما، وبه يزول أعظم اضطراب فطرى فى القلب والعقل، ولا ترتاح النفس وتطمئن فى سريرتها بدونه.

وإنما تكون المحافظة على هذا الركن بما أرشد إليه كتاب الله تعالى من قصد الإحصان فى النكاح، وهو أن يقصد به كل من الزوجين إحصان الآخر، أى إعفافه وحفظه من صرف داعية النسل الطبيعية إلى المسافحة أو اتخاذ الأخدان لأجل اللذة فقط، وقصارى هذا الإحصان أن يقصر كل منهما هذا الاستمتاع على الآخر، ويقصد حكمته أى وسيلة النسل وحفظ النوع البشرى على أسلم وجه وأفضله.

والركن الثانى: المودة، وهى خلاصة المحبة والتى يظهر أثرها فى حسن التعامل والتعاون، وهى مشتركة بين الزوجين وأسرة كل منهما.

والركن الثالث: الرحمة التى لا تكمل للإنسان إلا بعواطف الأمومة والأبوة ورحمتهما لأولادهما. فيكون لكل البشر أو الأحياء حظ من هذه الرحمة الكاملة (65).

ومن تفكر فى هذه الأركان الثلاثة حق التفكر علم أن عليها مدار السعادة الزوجية التى هى جل سعادة الإنسانية، ولذلك قال تعالى بعد بيانها: (إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون)(66).

3- حرمة المصاهرة: فيحرم على الزوج التزوج بأصول زوجته وفروعها، كما يحرم عليها التزوج بأصوله وفروعه.

وحرمة المصاهرة وإن كانت فى ظاهرها حق الشارع؛ لأنها حكم من أحكامه، إلا أن ثمرتها تعود على الزوجين على السواء ؛ لأن ثبوتها يدفع الأذى عنهما فيما لو أبيح لكل منهما أن يتزوج بأقرب الناس إلى الآخر بعد فصم عرى الزوجية بينهما (67).

ثبوت التوارث بينهما: بأن يرث كل منهما الآخر بعد وفاته، ولو كانت قبل الدخول، ما لم يوجد مانع يمنع منه من قتل أو اختلاف الدين ؛وذلك لأن عقد الزواج لما أحل المتعة والعشرة بينهما فقد أوجد صلة تربط بينهما كصلة القرابة، فتبع ذلك ثبوت التوارث لهذه الصلة (68).

من مفاخر الإسلام أن تعاليمه مبنية على الرحمة والرأفة، وتشريعاته تقوم على المواساة، وجبر الخاطر، وتفريج الكرب، وإيناس الوحشة، وعزاء المصاب وتهوين الفاجعة، ومصداق ذلك قول الله تبارك وتعالى فى صفة نبيه عليه الصلاة والسلام: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (69). ولذلك قيل- بحق وصدق- إن الإسلام دين الرحمة والشفقة والرأفة ومن الأمثلة الواضحة على تحقيق هذه المعانى فى تشريعات الإسلام، تشريع المتعة للمطلقة الذى ورد فى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ولذلك فقد شرع الإرشادات والتوجيهات التى تكفل عدم إيقاع الطلاق إلا فى حالة الضرورة، ومن هذه الإرشادات والتوجيهات ما يلى:

أولاً: تنفير المسلمين من الطلاق، حيث اعتبره الشارع أبغض الحلال إلى الله، فقال عليه السلام:

( أبغض الحلال إلى الله الطلاق ) (70).

ثانياً: حث الأزواج على الصبر وتحمل ما يبدو من المرأة من قصور أو اعوجاج ما دامت لا تمس الشرف والدين، فقال تعالى: (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) (71).

(لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً سره منها آخر) (72).

ثالثاً: رتب للمطلقة حقوقاً مالية كبيرة وكثيرة لدى الزوج، حتى تجعله يتريث ويفكر ملياً قبل إقدامه على إيقاع الطلاق، وهذه الحقوق هى:

1-على الزوج أن يوفيها مؤخر الصداق.

2- يلزمه نفقتها من مأكل وملبس وسكن ما دامت فى العدة.

3- إلزام الرجل بدفع أجرة الرضاع وأجرة الحضانة لمطلقته. قال تعالى ( فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ) (73).

تعريف المتعة شرعاً:

المتعة فى الشرع هى" اسم لمال يدفعه الرجل لمطلقته التى فارقها، بسبب إيجاشه إياها بفرقة لا يد لها فيها غالباً " (74).

ونستخلص من هذا التعريف ما يأتى:

أولاً: أن المتعة مال يدفعه الرجل لمطلقته، ويشمل النقدين "الذهب والفضة" والأوراق النقدية، وكل ما يتقوا بمال سواء كان عقاراً أو منقولاً أو منفعة كسكنى دار أو خدمة أدمى أو نحو ذلك.

ثانياً: إن سبب المتعة هو ما يصيب المرأة من وحشة بسبب طلاق الزوج لها فتكون المتعة جبراً لخاطرها، ورأباً للصدع الذى ألم بنفسها،" تضميداً " للجرح الذى أصابها، ومسحاً لدمعها ولرأسها وتخفيفاً لما لحقها من الآلام حين تركها زوجها بعد رغبته فيها واختياره لها، وهذه المواساة هى حكمة مشروعية المتعة.

أدلة مشروعية المتعة:

أ- من القرآن الكريم:

1- قال تعالى:(لا جنـاح عليكـم إن طلقتـم النسـاء مـا لـم تمســوهن أو تفرضــوا لهن فريضة ومتعوهـن علـى الـموسع قـدره وعـلى الـمقتر قـدره متاعـاً بالمـعروف حقـاً علـى المحسنين ) (75).

2- قال تعالى: ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين) (76) .

3- قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً ) (77).

4- قال تعالى: ( يا أيها النبى قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً ) (78).

ب- المتعة فى السنة المطهرة:

أخرج البخارى فى صحيحه بسنده عن سهل عن أبيه وأبى أسيد قالا: تزوج النبى  e أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين.

تقدير المتعة:

اختلف الفقهاء فى كيفية تقدير المتعة، هل يعتبر فى تقديرها حال الزوج، أو حال الزوجة، أو حالهما معاً ؟.

- فذهب بعضهم إلــى أن المــعتبر فـى تقـدير المتعة حال الزوجة لقوله تعالى: (متاع بالمعروف ) (79) فليس من المعروف أن تلبس المرأة الغنية ثياباً خشنة أو تقوم بخدمة نفسها، بل لابد لها من خـادم.

- وذهب بعضهم الآخر إلى أن المتعة تقدر حسب حال الزوج لقوله تعالى: ( على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره ) (80). فلو كان ذلك واجباً على قدر حال المرأة لكان الكلام: ومتعوهن على قدرهن.

فصريح الآية يجعل تقدير المتعة على حسب حال الزوج، لأنه هو الذى سيكلف بها، ولا يكلف الله نفس إلا ما آتاها.

- وذهب آخرون إلى أن المعتبر فى تقدير المتعة هو حال الزوجين معاً، لأن الله تعالى فى الآية الكريمة قد أعتبر أمرين:

أحدهم: حال الرجل فى يساره وإعساره، فقال الله تعالى: (على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره) (81).

ثانيهما : أن يكون مع ذلك بالمعروف، فقال تعالى ( متاعاً بالمعروف حقا على المحسنين).

فملاحظة هذين الأمرين تجب ملاحظة حالهما (82).

إذ ينبغى عند تقدير المتعة مراعاة حال الزوج المالية وظروفه  الخاصة، مع مراعاة ما يقضى به العرف، على أن يوضع فى الاعتبار ما لحق بالمرأة من ضرر نتيجة للفرقة، ويكون الرجوع إلى الحاكم عند المشاحة.

المراجع

(1) يس: 36.                                                                 (2) ق:6-7.

(3) الشعراء: 7.                                                  (4) لقمان :10.

(5) الذاريات: 49.                                                           (6) البقرة: 35.

(7) الأعراف: 19.                                                           (8) التحريم: 10

(9) الذاريات: 29.                                                           (10) القصص: 27-28.

(11) الرعد : 38.                                                           (12) الروم :21.

(13) النحل : 72.                                                          

(14) البخارى: الجامع الصحيح.6/ 117.

(15) ابن ماجه فى السنن.

(16) صحيح على شرط مسلم: المستدرك للحاكم: 2- 161.

(17) النور: 32.                                                 (18) منتخب كنز العمال.

(19) منتخب كنز العمال.                                       (20) منتخب كنز العمال.

(21) الحجرات: 13.                                                        (22) النساء:19.

(23) التحريم: ه.                                                 (24) الأحزاب :35.

(25)النساء:34.                                                              (26) أبو داود: 1- 472. الى هنا

(27) أخرجه ابن ماجه (1- 362) رقم 1976 0،، الدار قطنى فى التعليق المغنى3/299

 بلفظ مختلف، الحاكم فى المستدرك 1/163.

(28) ابن ماجة 1/596.

(29) الجامع الصحيح للترمذى (3- 394- 395) رقم 84 10 83 ، 1085، ط  دار الكتب

 العلمية 1408 هـ، وابن ماجة فى كتاب النكاح (1/362، رقم 1975) مع اختلاف فى الألفاظ.

(30) الروم :21.

(31) النساء : 4.

(32) أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله (3/344) ومعرفة السنن والآثار (10/74، رقم 13712)

(33) البقرة: 187.

(34) النساء:34.

(35) النساء:19.

(36) النساء :4 .                                    

(37) النساء :24.

(38) الطلاق :6  .                                  

(39) الطلاق :7 .

(40) البقرة :231.                                  

<