خصائص الثقافة الإسلامية
أ. د. أحمد كمال أبو المجد
المفكر الإسلامى ووزير
الإعلام الأسبق
مصر
الإمام
الأكبر شيخ الأزهر.. سادتى العلماء.. فإن الحديث عما هو مقرر ومعلوم يكون إضاعة لأوقاتهم.. وإهداراً للفرصة
الكبرى التى يهيئها مثل هذا اللقاء.. لهذا فإننى أقصر حديثى الذى أعدكم ألا يطول، على ما
أتصوره إسهاماً من شأنه أن يثير مزيداً من الفكر أو أن يفتح أبواباً لمزيد من
البحث والحوا ر.
نحن-
أيها السادة العلماء- نعيش مع الدنيا كلها عصراً لا سابقة له فى تاريخ الإنسان،
فقد تعاقبت على أهل هذا الزمان ثورات علمية حقيقية تتابعت حلقاتها فى سرعة غير
مسبوقة.. ولم يكن للمسلمين- مع الأسف العظيم- دور يذكر فى تحقيق شىء منها.. وإنما
كان قصاراهم أن يقفوا منها موقف المتفرجين الحائرين
المندهشين..
وترتب
على تلك الثورات انهيارات عديدة فى موازين القوى بين الشعوب، وتغيرات كبرى فى
النظام الدولى الذى لا فكاك لنا من الارتباط به والتعايش معه والتأثر بما يجرى
فيه.. كما ترتب عليها سقوط حواجز الزمان والمكان بين الثقافات والشعوب.. فوقفت
الحضارات بعضها أمام بعض فى مواجهة مباشرة غير مسبوقة.
نعم،
غير مسبوقة فى تاريخ الإنسانية منذ فجره إلى يومنا هذا.. وأخذ
الناس يتساءلون أيكون هذا اللقاء لقاء تعاون وتبادل للخبرات أم يكون مدخلا لتنافر
وصراع وسلسلة جديدة من المواجهات؟
وصاحب
ذلك أمر لم يعد خافياً على أحد، وهو توجيه حملة ضارية ضد الإسلام والمسلمين، تشوه
وجه الإسلام المشرق، وتزيف كثيراً من وقائع التاريخ، وتكيل فى تعاملها مع المسلمين
بمكيالين.. أحدهما عادل تتعامل به مع الدنيا كلها والآخر جائر ظالم يتجنى على
المسلمين ويحرص الحرص كله على الإساءة لهم فى أعين الناس أجمعين.
ونحن
المسلمين مدعوون دعوة لا خيار لنا فى أمرها إلى مشاركة الدنيا كلها مسيرتها
الواحدة نحو أهداف يسعى العلماء والساسة إلى تحديدها والاتفاق عليها، تأميناً لهذه
المسيرة من أخطـار الحروب والمواجهات بأسلحة الدمار الشامل التى تأكل الإنسان
وحضارته.. ومن أخطار تدمير البيئة وإفسادها وإفساد مواد الطبيعة التى بها حياة
الناس والأحياء.. فضلاً عن أخطار الأنانية الجشعة وعبادة الذات التى تفضى- لا محالة- إلى مزيد من
سعار العنف والحروب والصراع.
على
أننا لا نستطيع أن نلبى هذه الدعوة، كما لا نستطيع أن نسهم فى هذه المسيرة
الإنسانية المشتركة إلا إذا خرجنا على الدنيا برؤية موحدة لحقيقة حضارتنا ومعالمها
الكبرى.. وبما نستطيع- فى ظل هذه الحضارة- أن نقدمه
للدنيا من خير نسهم به فى ترشيد المسيرة المشتركة نحو
غد أوفى حظاً من العدل والخير وأدنى إلى تحقيق الأمن والرضا والسلام.
ونخطئ ويخطئ العلماء أشد الخطأ إذا تصوروا أن تقديم
هذه الرؤية الموحدة للثقافة الإسلامية أمر سهل أو قريب المنال.. ذلك أن ساحة الفكر
والعمل المعاصرة فى العالم الإسلامى تموج بألوان من الفكر، ونماذج للتصور أو زوايا
للرؤية يتصور أصحاب كل واحدة منها أنها هى وحدها الروية الصحيحة.. وربما دخلوا-
بسبب هذا التصور- فى مساجلات ومواجهات وتبادل للاتهامات
مع أصحاب الرؤى الأخرى.
ولا نستطيع أن نضع أمام هذا الجمع الحاشد من علماء المسلمين
تصورنا لما نراه المعالم الأساسية للحضارة الإسلامية.. وهى المعالم التى نقدمها
للدنيا أداء لواجب النصيحة وقياماً بحق الإسلام علينا فى دعوة الناس إليه وتعريفهم
به قبل أن نعرض لتيارات ثلاثة نراها حاجزاً بين المسلمين وبين التوحد الثقافى، كما نراها روافد تبتعد قليلا أو كثيراً عن وسطية
الإسلام والسمت الحقيقى ثقافته وحضارته.. ونحن نعرف أن من غنى الثقافة أن تتعدد فيها الرؤى وأن تتنوع
زوايا الاهتمام..
كما نعرف أن تاريخ المسلمين قد عرف عديداً من روافد الفكر
والثقافة.. وأنها جميعاً قد أسهمت فى تقدم المسلمين وانتفعت بها أجيال منهم بعد
أجيال.. وتلك ظاهرة إنسانية لا ينفرد بها المسلمون ولا
يعفون منها.. فالفكر السلفى المتشدد فى أمور العقيدة..
والتيار الواسع والعميق للفقه الإسلامى، فروعه وأصوله.. والصوفية الصادقة التى لا
تخالف كتاباً ولا سنة..والفلسفة التى تتواصل مع أصول الدين.. وتحاول رد الأمور الاعتقادية إلى أصول منقولة أو معقولة.. والآداب العربية
والفارسية والهندية التى امتزجت بأعراف المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها، وعبرت
عن أشواقهم وعن همومهم، ووصفت كثيراً من أحوالهم.. كل ذلك كان ولا يزال مظهر غنى
وتنوع فى حضارة المسلمين.. وهو فى جزء منه ثمرة مباشرة من ثمرات الوحى.. ولكنه فى كثير من أجزائه تعبير واضح عن إبداع
المسلمين واجتهادهم وعطائهم الموصول للإنسانية.. وهو عطاء إنسانى
يرشده ويحدد كثيراً من معالم هدى الوحى.. وما نزل به من عقيدة وشريعة وقيم وآداب للسلوك وللعلاقات بين
الناس والناس.
ولكن
يبقى أن حاضرنا نحن المسلمين، وهو يعانى آثار التمزق السياسى..
والضعف العسكرى.. والتراجع العلمى.. قد ارتفعت فيه نبرة بعض التيارات الفكرية الجانبية.. التى لا يرى أصحابها
غيرها.. ولا يرون فى الإسلام ما يعدوها أو يجاوزها.. وهى نبرة انعطف بها كثير من
المسلمين عن الجادة.. غلوا أو تفريطاً أو ذهولاً عن المعالم الكبرى للإسلام ومنطقه
العام ومقصده من الدين والشريعة.. ولذلك صارت تنحية التأثير الضار لبعض هذه
التيارات أمراً واجباً لا بد أن يصاحب السعى لعرض الإسلام وثقافته عرضاً متوازناً تلتقى عليه الأمة، لتخرج به على الدنيا، كتاباً تمسكه
بيمينها، تسهم عن طريقه فى حوار الحضارات.. وتشارك- تحت لوائه- فى السعى لبناء مستقبل مشترك لجميع
الناس والشعوب.
أما النموذج الأول:
فهو
نموذج الحرفية أو النصية فى فهم الإسلام كله.. ولابد هنا أن نميز بين هذا التوجه
الذى ننكره أشد الإنكار ونحذر منه وندعو فى غير مجاملة إلى ضرورة صرف الأمة عنه..
وبين السلفية الصحيحة التى تجمع بين الالتزام بالكتاب
والسنة وبين التجديد فى الفكر وفى الفقه ومحاربة
التقليد الذى يسد أبواب المصلحة ويفوت منافع الشريعة
على الناس.
إن
هذا النموذج الذى نسميه نموذج " الحرفية المطلقة" يرفع شعارات محددة، هى- فيما نرى- شعارات حق
أفضت إلى ضرر عظيم.
الشعار الأول:
الإلحاح
على الاتباع دون الابتداع، والوقوف فى وجه محاولات
التجديد فى الفكر وفى الفقه، باعتبارها ذرائع قد تفضى إلى الخروج على ثوابت الدين والشريعة.
الشعار الثانى:
أن
كل صغيرة وكبيرة من أمور الناس وهمومهم ومشاكلهم لها حكم حاضر فى
الإسلام ينبغى البحث عنه فى
الكتاب والسنة وحدهما.
الشعار الثالث:
توجه
الاهتمام إلى التفسير اللغوى للقرآن الكريم وإلى علوم
الرواية فى دراسة السنة وأحاديث النبى
صلى الله عليه وسلم، مع قلة العناية بالعلوم العقلية التى
يمكن وصفها إجمالا بعلوم الدراية.
الشعار الرابع:
التشديد
على النفس وعلى الآخرين، والتوسع فى الأخذ بسد الذرائع،
والاستناد إلى أثر منسوب لأبى بكر رضى الله عنه يقول: كنا على عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم نترك سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع فى
باب من الحرام.
الشعار الخامس:
شغل
الناس شباباً وشيبة بقضايا جزئية على حساب القضايا الكبرى التى
عنى الإسلام بمعالجتها والتى تتصل بأساسيات العقيدة
والشريعة والأخلاق ومصالح الأمة وعلاقات الناس بالناس.
إن
خطر هذا النموذج الذى تعلو نبرته فى جزر متفرقة من عالمنا الإسلامى يكمن فى انقطاع
أصحابه عن مقاصد الشريعة، وذهولهم عن واقع الناس وحاجاتهم الحقيقية، وحبس الإسلام
كله فى ظاهر النصوص، وخلق وهم مستقر لدى المسلمين وغير المسلمين بأن الإسلام نظام تاريخى محبوس فى نصوص، وأنه- لذلك- لايمكن
أن يكون قادراً على التعامل مع المشاكل والحوادث المتجددة للناس والشعوب.. ويصدق على أتباع هذا المنهج أنهم " سدوا على أنفسهم وعلى
الناس طرقاً كثيرة من طرق الحق والخير، ظناً منهم منافاتها للشريعة، ولعمر الحق
أنها لم تناف الشريعة وإنما نافت ما فهمه هؤلاء من الشريعة".. ناهيك عما
يتركه تشددهم وتشديدهم وإسرافهم فى المنع والحظر والممانعة والتحريم من وضع الأمة
كلها موضع العسر والحرج.. مما قد يدفع البعض إلى الإعراض الكلى عن جملة الشريعة.
أما النموذج الثانى- فإننا نسميه
نموذج الغيبية والخرافة:
وهذا النموذج ينبع من خلل أساسى
فى فهم المقصود "بالإيمان بالغيب " الوارد فى مطلع سورة البقرة، والذى هو وصف من أوصاف الحق سبحانه للمتقين (الذين يؤمنون
بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما
أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون) (1)، وهو كذلك ينطلق من خلل فى فهم
معنى "المشيئة الإلهية" غفلة عن
عنصر أساسى من عناصر المنهج المعرفى
الذى أرساه الإسلام، وتصور ساذج لمعنى القدرة الإلهية يجعلها منحصرة فى خرق
النواميس والخروج على السنن، مع أن قدرة الله سبحانه فى السنن الثابتة والنواميس
المطردة أظهر وأدل على المشيئة والقدرة من خرق السنن والنواميس.. وفى القرآن
إشارات وعبارات صريحة دالة على هذا المعنى، فهو سبحانه يمسك السموات والأرض أن
تزولا، وهو سبحانه يعلمنا أن ( و الشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز
العليم * والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغى لها أن تدرك
القمر ولا الليل سابق النهار وكل فى فلك يسبحون ) (2).
إن
هذا النموذج يجعل العالم كله فى عقول العامة وقلوبهم عالماً من الصدف التى لا
يجمعها جامع.. ويجعل مسيرة التاريخ أخلاطاً من الحوادث
تحكمها مشيئة لا يمكن فهمها.. ويجعل الخير والشر كلاهما قدراً مقدوراً لا دور
لأصحابه فى استجلابه، ولا مسئولية عليهم فى دفعه. هذا مع أن علاقة السببية بين الفعل والجزاء، سنة
عقلية وتشريعية من سنن الله، ومع أن القرآن الكريم يعلمنا أنه من يعمل مثقال ذرة
خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وأنه " ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به " والرسول صلى
الله عليه وسلم يعلمنا
(
إنما هى أعمالكم ترد إليكم ).
والذى يقلق وينبغى أن يشغل العلماء
والساسة والمصلحين أن هذا الفهم الخرافى للإسلام يوشك
أن يكون دين العامة.. والعامة هم السواد الأعظم وهم وعاء
الثقافة.. وماعون عمل الأمة.. وأنه
ما لم تتم ثورة ثقافية حقيقية ترد العامة إلى عقولهم، وتعلمهم- من جديد- حقيقة
إسلامهم.. فإن فرصتنا فى اللحاق بالآخرين، ومواجهة
الحضارات المنافسة مع مشارف القرن الجديد لا يمكن إلا أن تكون فرصا ضئيلة وهزيلة.
أما النموذج الثالث- فأسميه نموذج
الغلو والغضب:
وهو
نموذج صنعه اليأس من الحاضر، والإحساس بالعجز عن ملاقاة التحديات واستفزاز حملات
التشويه الموجهة للإسلام والمسلمين، وتقاعس كثير من القيادات الفكرية والسياسية عن
التصدى لإصلاح الحال كما صنعه فى النهاية، بل فى
البداية قصور شديد فى فهم الإسلام ونقص هائل فى العلم بأصول الإسلام الكبرى،
وضوابطه الأخلاقية فى العمل الجماعى.
وأظهر معالم هذا النموذج أمور أربعة:
ا-
المسارعة إلى اتهام المجتمعات الإسلامية المعاصرة بالخروج على الإسلام وإدانتها،
بحكامها ومحكوميها إدانة شاملة مطلقة.. ووصفها- فى غير تحفظ ولا احتياط- بالكفر
أحياناً، وبالجاهلية أحياناً أخرى.
2-
سوء فهم حدود الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، واستباحة اقتحام الحياة الخاصة
والعامة للناس، ومحاولة تغييرها باليد واللسان فى غير
التفات إلى حدود ذلك الواجب الكفائى، وهى الحدود
المستمدة من واقع العيش فى جماعات منظمة تسوسها حكومات
مسئولة، فضلاً عن تلك المستمدة من قواعد
الشريعة ذاتها، وأن المفاسد الكبيرة تدفع بالمفاسد الصغيرة، وأن الأمر بالمعروف
إذا أدى إلى ضياع معروف أكبر فتركه أولى.
3- استباحة العنف والقسوة فى العمل
السياسى والاجتماعى.. وهى
استباحة أدت تداعياتها إلى شر عظيم وأدت إلى تصوير روافد العمل الإسلامى كلها
تصويراً يسىء إليه فى الدنيا كلها، كما يسىء إليه فى عين المسلمين أنفسهم.. ناهيك
عما تسببه هذه الاستباحة من مسلسلا آخر له من العنف والعنف المقابل.. ونسى هؤلاء
أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.. وأن شرف الغاية لا يغنى- فى منطق الإسلام- عن
شرعية الوسيلة.. كما ينسون قول النبى صلى الله عليه
وسلم ( إن الرفق ما دخل فى شىء
إلا زانه وما نزع من شىء إلا شأنه).
4- التشديد على النفس وعلى الآخرين.. وهذه وإن كانت سمة لا ينفرد بها هذا النموذج.. إلا أنها فى كل صورها تضع الناس فى عسر وحرج
فى زمان يحتاج فيه الناس إلى التيسير والتخفيف.
هذه-
أيها السادة العلماء- النماذج الثلاثة - نرى ضرورة الحد
منها وصرف الأمة عنها.. كما نرى فى هذه المهمة ضرباً من
إزالة الأذى والشوك من طريق الأمة الإسلامية فى سعيها
للانبعاث والصحوة والتواصل من جديد مع العالم..
فإذا تم لنا إنجاز هذه المهمة.. بجهود
واعية وموصولة من أهل الذكر الذين يعلمون.. انتقلنا إلى جوهر هذا البحث وهو وصف ما
يمكن أن نسميه تيار الوسطية الإسلامية الذى يجمع
العناصر الأساسية للثقافة الإسلامية، مستمدة من إطارها المرجعى
الذى لا خلاف حوله، وهو كتاب الله مفسراً، وسنة نبيه
صلى الله عليه وسلم محققة وموثقة ومسندة، وسيرته صلى الله عليه وسلم التى تقدم التفسير العلمى لنصوص
الكتاب والسنة.
وحين يقدم المسلمون إلى العالم، كتابهم بيمينهم، وثقافتهم من
ورائهم، وعزيمتهم وصدق نواياهم بين أيديهم وأمامهم فإنهم يستطيعون الاتفاق على
المعالم والخصائص الآتية:
أولاً: أنها ثقافة
إيمانية.. يحتل الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر
مكان القلب من كل شعبها وروافدها.. وتتداعى مع الإيمان معالم عديدة.. فى مجال
الاعتقاد، ومجال السلوك الإنسانى على السواء.. فالإيمان بالله أمان من الاستعلاء
الظالم على الآخرين، وأمان من تورط الأفراد والجماعات فى العدوان والظلم والجور
على الآخرين.. لأن الإيمان يفجر فى الإنسان الفرد وفى الجماعة المنظمة معنى "
المراقبة " ومراقبة الله عصمة للجماعات من صور الطغيان التى تخشى الإنسانية
اليوم من عودتها مع مطلع القرن الجديد فى صور جديدة
(
يا أيها الذين أمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس
الكفار هن أصحاب القبور) (3).
" والله
لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى ليقتص للشاة الجماء
من الشاة القرناء ".
ثانياً: أنها ثقافة عقلانية.. تقوم على العلم، وتعتبر العقل أداة
للمعرفة.. وإذا كان المسلمون قد قصروا فى الالتزام بهذه السمة من سمات حضارتهم،
وتصور كثير منهم، غلطاً ووهماً ونقص علم، أن العقل نقيض النقل، وأن انتصارات العقل
لابد أن تمثل انتقاصاً من الإيمان، فإننا نسأل الله أن نمحو آثار هذه الأوهام
الضارة القاتلة.. وأن نعيد أمتنا من جديد كما أرادها
ربها، أمة علم ومعرفة وحكمة ونهى.. فالعلماء- بشهادة نبينا
صلى الله عليه وسلم هم ورثة الأنبياء.. والأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً
ولكن ورثوا هذا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ومن الأمانة والصدق مع الله تعالى
ومع النفس أن نعترف بأننا نحن المسلمين قد قصرنا أشد التقصير فى تشجيع العلم
والتعلم والإبداع، ولذلك توقفنا وتحرك غيرنا، وتخلفنا وتقدم غيرنا.. وسبقنا- فى
العالمين- سبقاً بعيداً، وما لم نعترف بهذا الخطأ الحضارى
الذى يصل إلى حد الخطيئة، وما لم نُعد العقل المسلم إلى عرشه الذى نحى عنه.. وما
لم نشجع الإبداع والتجديد واقتحام المجهول فى شتى ميادين العلم، فإن الحديث عن
مستقبل مشرق للمسلمين لن يكون إلا أمانى.. وليس للأمانى فى دنيا الناس وزن ولا
قيمة.
ثالثاً: أنها ثقافة إنسانية، ارتفعت من أول يوم فى مسيرتها فوق عوارض
الأصل واللون واللغة
والاعتقاد.. فالخلق كلهم- فى ظلها- عيال الله.. والتكريم الذى قرره
القرآن الكريم تكريم لبنى آدم جميعاً.. والمخالفون حتى ولو كانت مخالفتهم فى الدين
والعقيدة.. لهم دينهم ولى دين.. ولهم فى مجتمع المسلمين
حقوق لا يملك حاكم أو محكوم أن ينال منها ( لا ينهاكم الله عن الذين لم
يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم
وتقسطوا إليهم) (4)، والدعوة عامة موجهة فى إطار
تلك الثقافة لأهل الكتاب جميعاً: ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء
بيننا وبينكم ) (5).
ولقد
دخلت فى الإسلام شعوب ذات أصول عنصرية مختلفة متباينة،
فما وجدوا إلا حرية وكرامة ومساواة كان من ثمراتها أن قدموا جميعاً عطاء ثرياً
غزيراً للحضارة الإسلامية.. لا تزال آثاره موثقة فى أسماء العلماء والفقهاء
والفلاسفة والصوفية الذين تركوا بصمات واضحة بارزة فى الثقافة الإسلامية.. وحسبنا
أن نشير إلى أسماء سلمان وبلال وصهيب من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وأن
نشير إلى أسماء تعاقبت عبر الأجيال فى سماوات العلوم والمعارف المختلفة.. من أمثال
ابن سينا والبخارى وابن رشد وصلاح الدين الأيوبى، والقرطبى وولى الله الدهلوى وكثيرين غيرهم.
رابعاً: أنها ثقافة عطاء قبل الأخذ، تعنى بالواجبات عنايتها بالحقوق،
بل قبل الحقوق.. فالحقوق فى لغة القرآن الكريم تشير إلى الواجبات.. وهى موجهة
أساساً إلى الذى عليه الحق.. بقوله تعالى: (والذين فى
أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم) (6).
ويقول:
( وآتوا حقه يوم حصاده ) (7).
ويقول
النبى صلى الله عليه وسلم ( خذ العفو)، ويقول
للمسلمين: (وأن تعفوا خير لكم ).
وفى
هذا تختلف الثقافة الإسلامية عن أكثر الثقافات القديمة والمعاصرة
.. خلاف له ثمراته الكبرى الفارقة بين الثقافات، ولعل هذه السمة أن تكون
أوضح السمات دلالة على الإسهام
الإيجابى الهام الذى يمكن أن يسهم به المسلمون فى مسيرة الحضارة
الإنسانية المعاصرة.
وبهذا الإسهام.. تتحول الأنانية والجشع الفردى إلى تكافل اجتماعى وإلى تبادل للعطاء.وبه تزكو وتزدهر مؤسستان من أهم
مؤسسات الاستقرار والأمن الاجتماعى، وهى مؤسسة الأسرة ومؤسسة الجوار.
وأخيراً.. فإن الثقافة الإسلامية ثقافة منفتحة على العالم، تعتبر
التعددية سنة واجبة من سنن الله وليست أمراً محدثاً ابتدعه المتحدثون اليوم عن
العولمة وعن ضرورة الحوار بين الحوارات.ذلك ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة
ولكن ليبلوكم فى ما آتاكم فاستبقوا الخيرات ) (8).
سادتى العلماء..
إن
الزمن يتحرك سريعاً بنا وبالدنيا كلها..
ومن
شهادة الحق التى لا يجوز للعلماء أن يكتموها التسليم بما وصلنا إليه من تراجع
حضارى وجمود فكرى. ومن تأخر عن حيازة أسباب القوة،
عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.
فإن
أبى بعضنا إلا المكابرة.. وإلا الجمود على الموجود.. فإن مسلكه هذا لا يلزمنا ولا
يلزم أحداً غيره.. والمسلمون اليوم يحتاجون إلى إحياء
إسلام القوة فى مواجهة إسلام التخاذل والضعف.. وإلى إحياء روح الحركة والانطلاق
والانتعاش فى مواجهة روح السكون والقعود والانكماش. وإلى بعث روح التواصل مع
الآخرين.. فى مواجهة روح القطيعة والعزلة وسوء الظن بكل الآخرين..( يا أيها
الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين
المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون ) (9).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..،
المراجع
(1) البقرة: 3، 4. (2)
يس: 38-40.
(3) الممتحنة:13. (4)
الممتحنة: 8.
(5)
آل عمران: 64. (6)
المعارج : 24-25.
(7)
الأنعام : 141. (8)
المائدة: 48.
(9)
الأنفال: 24.