الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الحادي عشر : نحو مشروع حضاري لنهضة العالم الإسلامي
 
تعزيز التعاون مع المؤسسات الإسلامية خارج العالم الإسلامى

تعزيز التعاون مع المؤسسات  الثقافية خارج العالم الإسلامى

أ. د/ نادية محمود مصطفى

أستاذ ا لعلاقات الدولية- جامعة ا لقاهرة

مصر

إن عملية التفكير والبحث فى" المجال الثقافى " كأحد مجالات- بل مجال

أول فى الترتيب بين مجالات ثلاثة:  

أولآ: الإطار النظرى

يحدد هذا الإطار النظرى المنطلقات الفكرية والمفاهيمية، ويضع موضوع البحث فى سياقه ونطاقه الأشمل أى المتصل بوضع البعد الثقافى فى العلاقة مع  الآخر (من خارج العالم الإسلامى) من ناحية، والمتصل من ناحية أخرى بوضع البعد الثقافى- مقارنة بأبعاد أخرى وخاصة السياسية- فى مشروع حضارى لنهضة العالم الإسلامى فى عالم يموج بالتحولات و ا لتغيرات.

وينقسم تفكيرنا النظرى، حول الإطار الشامل الذى يحيط بالعلاقة مع مؤسسات خارج العالم الإسلامى بين محاور ثلاثة يقع فى قلبها وفى خلفياتها جميعاً وضع العالم الإسلامى فى النظام العالمى الراهن. ومن ثم فإن هذه المحاور الثلاثة تمثل مدخلاً  ثقافياً لدراسة هذا الوضع وتفاعلاته  تأثيرا  وتأثرا. وتتلخص هذه المحاور الثلاثة كالأتى:

ا- بروز البعد الثقافى الحضارى: الأسباب والمظاهر:

فى مرحلة ما بعد الحرب الباردة وفى ظل تشكيل نظام عالمى جديد، وفى إطار عمليات العولمة، أفرزت التطورات العالمية والإقليمية والوطنية اهتماماً متناميآ- على صعيد الفكر وعلى صعيد الحركة- بالأبعاد الثقافية الحضارية للتفاعلات الدولية يفوق ما كانت تحوزه هذه الأبعاد من قبل فى دوائر الفكر الغربى الدولى.

وتعد الأدبيات النظرية المتنامية-ولو من مداخل مختلفة- حول

العولمة (1) وتجلياتها على الأصعدة المختلفة من أبرز علامات هذا الاهتمام.

ولم يتبلور هذا الاهتمام فى شكل خطى منتظم بقدر ما تبلور فى شكل منظورات متصادمة حول ماهية هذه الأبعاد الثقافية الحضارية ووضعها فى مجال دراسات العلاقات الدولية وخاصة العلاقات بين الشمال والجنوب والتى يقع فى قلبها عالمنا الإسلامى. بعبارة أخرى إذا كانت الأبعاد العسكرية الأمنية التقليدية ثم الأبعاد الاقتصادية- السياسية قد احتكرت من قبل الاهتمامات فى دوائر الدراسات الدولية الغربية، إلا أن عقد التسعينات قد شهد بروزاً للأبعاد الثقافية/ الحضارية يعيد لهذه الأبعاد مكانتها الحقيقية المفقودة فى منظومات التفكير الغربية. وعلى العكس فلقد احتلت دائما هذه الأبعاد مكانتها فى منظومة الفكر الإسلامى.

2- إشكاليات تحديد خريطة مكونات" البعد الثقافى":

تتلخص هذه الإشكاليات فيما يلى:

من ناحية: ما هو البعد الثقافى المعنى؟ هل بالمعنى الحرفى الضيق؟

أى أسلوب الحياة، الفنون، الآداب، والمعمار، اللغة، العادات والتقاليد، أم بالمعنى الأوسع الذى يمثل الإطار الكلى الذى يحيط بالسياسة والاقتصاد والمجتمع والذى يتصل بالتاريخ والتراث وبالمعرفة والعلوم وبالدين، أى الذى يتصل بمكونات وخلفيات البعد الفكرى، ومن ثم فهو يثير أمور أخرى مترابطة: النسق المعرفى، المنظومة القيمية، الإطار المرجعى، المنظور، الهوية.

إذن كيف يمكن أن يحدث التعاون حول أى من هذين المعنيين؟

من ناحية ثانية: من الفاعل ومن المستهدف على صعيد التفاعل الثقافى هل الحكومات أم النخب المثقفة أو الأكاديمية، أم أجهزة الإعلام أم مؤسسات المجتمع المدنى، أم المواطن الفرد؟ وهل يتم التفاعل بمبادرات على المستويات الوطنية أم الجماعية؟ إذن من الفاعل ومن المستهدف فى "التعاون " المطلوب تعزيزه؟  

 من ناحية ثالثة: ما هى آليات إدارة البعد الثقافى؟ بصورة تبادلية

أم استهلأكى فى اتجاه واحد؟ أم حوار أم مواجهة؟ وما المال وما هى شروط النجاح أو الفشل؟

من ناحية رابعة: ما الغاية من إدارة البعد الثقافى؟

هنا تبرز لنا أوجه معضلة العلاقة بين الأنا والآخر، بين الخصوصية والعالمية: هناك اتجاه ثقافة للتغلب على الأخرى وتذويبها؟ أم أن هناك مؤشرات عن حوار قائم على الانفتاح وعدم الانغلاق والنقد الذاتى والتفاعل الحضارى، فى ظل إدراك متبادل واعتراف متبادل بالخصوصيات الثقافية، وصولاً إلى درجة أفضل من الفهم المتبادل وكأساس لتعاون أفضل؟ وأى البدائل مصداقية من الأخرى فى ظل أوضاع الخلل الاقتصادى- السياسى فى موازين القوى بين طرفى العلاقة: نقل واستهلاك ثقافى، هيمنة ثقافية، حوار ثقافى.

ومن ناحية خامسة: ما العلاقة بين الثقافى وبين السياسى والاقتصادى فى العلاقة بين طرفين: هل حالة البعد الثقافى تؤثر على إمكانيات التعاون السياسى والاقتصادى أم أن عدم التكافؤ السياسى الاقتصادى بين طرفين لابد وأن يلقى بظلاله على حالة البعد الثقافى فى العلاقة (هيمنة ثقافية من الطرف الأقوى مادياً وتمسك بالخصوصية الثقافية كآخر خطوط الدفاع من جانب الطرف الأضعف).

2- دوائر الخطاب المهتمة بالبعد الثقافى وقضاياه، ودلالاتها بالنسبة لوضع العالم الإسلامى فى النظام الدولى الراهن:

 العالم الإسلامى يضم الدول الإسلامية (أعضاء منظمة المؤتمر الإسلامى) (2) كما يضم الأقليات المسلمة فى دول غير مسلمة فى أرجاء العالم المختلفة (3). وحول أبعاد " العلاقات الثقافية " لمكونات هذا العالم مع غيره يمكن أن نميز بين دوائر ثلاث للخطاب المهتم بهذه الأبعاد، ويتكون كل خطاب من ثنائية واضحة.

* خطاب التعددية الثقافية /الهيمنة الثقافية ويبزغ الآن فى الغرب ويتصل أساساً بدائرة " المسلمين" (وغيرهم) فى الدول والمجتمعات الغربية (4).

* خطاب: حوار الثقافات- الحضارات/ صراع الثقافات- الحضارات (5). ويتصل أساسآ بدائرة العلاقات الدولية والعلاقات عبر القومية بين المسلمين و الآخرين.

* خطاب: الثقافة العالمية (العولمة الثقافية) الخصوصيات الثقافية (6). ويتصل أساسا بدائرة الهياكل العالمية للتفاعلات وتأثيراتها على

الفواعل الوطنية أو الإقليمية.

ثانيا: الإطار العلمى

نتائج دراسة بعض نماذج التفاعلات الثقافية:

من الممكن رصد نتائج خريطة للعديد من نماذج التفاعلات الثقافية الإسلامية (رسمية- وغير رسمية) وبين غيرها.

ونقتصر فى هذا الموضع من الدراسة (وكما سبق التوضيح فى المقدمة) على نموذج انتقائى يتصل بالبعد الثقافى للشراكة المتوسطية الأوروبية (1995-1997م)، وتقدم الدراسة التفصيلية عن هذا النموذج (7) الكثير من الخبرات والنتائج حول الإشكاليات النظرية التى تم طرحها عالمياً.

ولعل أهم هذه النتائج تتلخص فى أن الغاية من الحوار ومضمونه يختلفان اختلافاً بينا بين الطرفين الأوروبى والمتوسطى العربى.

1- الطرف الأوربى :

يتضح من تحليل نموذجين متكاملين الأول يعبر عن جماعة من الصفوة الفكرية والأكاديمية والثانى تطرحه مؤسسة أوروبية جماعية، يتضح أن منهج " الحوار" الثقافى يقع فى قلب النموذجين باعتباره السبيل لدعم الفهم المتبادل الذى هو أساس النجاح فى التعاون السياسى والاقتصادى على صعيد المشروع المتوسطى.

والنموذج الأول: يبرز من ثنايا كتاب فرنسى هام صدر فى بداية التسعينات (8) ويدافع الكتاب عن فكرة" المتوسطية" كنواة لمشروع متوسطى.

والشرط المسبق لهذا المشروع فى نظر محرر الكتاب، هو أن  يتوقف كل من هذين العالمين (العالم العربى وأوروبا) عن اعتبار الآخر تهديداً لهويته.

والنموذج الثانى: يعبر عن اهتمام أحد المراكز المنبثقة عن منظمة أوروبية، وهى مجلس أوروبا council of Europe والمركز هو " مركز الشمال الجنوب: مركز أوروبى للاعتماد المتبادل والتضامن العالمى " ومقره برشلونة. ومن بين برامجه برنامج ."عبر المتوسط"transmed (9). يهتم بالحوار بين الثقافات dialogue Intercultural كأساس للتعاون.

 وتتلخص هذه الأسس كما جاءت فى هذه الدعوة كالآتى:

 إن البعد الثقافى والاجتماعى والإنسانى فى إعلان برشلونة من أجل

إرساء منطقة رخاء واستقرار فى المتوسط- لا ينفصل عن البعدين السياسى والاقتصادى، وإن  حواراً بين الثقافات لا ينفصل عن هذا البعد الثالث للشراكة، فهو، أى الحوار، يمثل أساسا لا غنى عنه لتحقيق الأهداف الاقتصادية والأمنية المختلفة. ويهدف هذا الحوار- كما تنص هذه الدعوة- إلى الاهتداء إلى سياسات للتعاون بين مواطنى المتوسط تتخطى الاختلافات الثقافية الاجتماعية وتتعدى التفاوتات الاقتصادية، كما يهدف إلى التغلب على الأحكام المسبقة والتحيزات التى تراكمت عبر التاريخ على جانبى المتوسط. ويرى هذا الاتجاه أن نجاح التعاون السياسى والاقتصادى بين ضفتى المتوسط يجب أن يدعمه معرفة حقيقية بثقافة الآخر ومجتمعه ودينه وذلك من خلال"رؤية إيجابية للاختلاف " لذا- بالنسبة لحوار الأديان- فإن هذا الاتجاه يرى أنه لا داعى لتكرار القول إن الأديان السماوية الثلاثة ذات قاعدة ثقافية مشتركة وإن الصراعات بين " جماعة" كل منها قد اندلعت بفعل عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية عبر مراحل التاريخ المختلفة وليس بفعل انشقاق rifts حول الرسالة الروحية.

وبدون التوقف الآن لمناقشة بعض المنقولات السابقة فيكفى القول

إن هذا النموذج كسابقه ينطلقان من ضروريات المصلحة المشتركة المتوسطية لمواجهة مصادر تهديد للأمن أى ينطلقان من "المتوسطية " كمشروع سياسى لتحقيق أهداف أوروبية، ومن ثم فإن المقترحات العملية للنموذج الثانى، وكما عبرت عنها مناقشات بعض المشتركين فى ندوة مالطا فى نوفمبر 1997م (10). تتمحور حول توطيد فعالية قنوات المعلومات المتبادلة- سواء مراكز معلومات، مؤتمرات وندوات، برامج إعلامية وخاصة تليفزيونية مشتركة- حول قضايا حقوق الإنسان، الهجرة، البيئة، وحول الفنون والآداب، السياحة الثقافية، تعاون الجامعات حتى يمكن اكتشاف الإرث المشترك بين الثقافات المختلفة وحتى يمكن إشراك المواطنين فى تقييم أفكار ومعان جمالية فى ظل التمييز بين خصوصيات الثقافات.

2-الطرف الصرى :

فإذا كان يتبين من تحليل رؤى أكاديمية وفكرية مختلفة المصادر مدى التنوع فى المنظورات (القومية، الليبرالية، الإسلامية) حول هل هناك حوار ثقافى أم صراع ثقافى وحول إمكانيات وقيود وفرص وتجليات كل من هذين البديلين (11) إلا أنه يتبين من تحليل تعبيرات رسمية (الخارجية المصرية- الجامعة العربية) حول البعد الثقافى للشراكة الأوروبية المتوسطية أن الهدف والغاية هو تحسين صورتنا لدى الآخر (12).

وهنا يمكن أن أتوقف عند ثلاثة محاور يمكن من خلالها عرض ما أمكننى ملاحظته أو رصده من سلوك قولى أو فعلى حول البعد الثقافى للشراكة، وهو مسبقاً قليل الوزن عديم التكرار بالمقارنة بين البعدين السياسى و الاقتصادى.

فمن ناحية: بالنسبة للرؤية عن وضع البعد الثقافى- الاجتماعى- الإنسانى على صعيد مفاوضات الشراكة: فهناك، كما عبر عن هذا السفير هانى خلاف نائب مساعد وزير الخارجية المصرى للشئون الأوروبية، هناك ازدواجية فى المعايير المطبقة على اتفاقيات دول جنوب المتوسط، خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحقوق الملكية الأدبية والفكرية، وحقوق المواطنين العاملين فى دول الاتحاد الأوروبى والمقيمين بصفة شرعية، ولقد بينت الدبلوماسية المصرية فى أكثر من مرة الاختلافات بين مشروع الاتفاقية المصرية واتفاقيات أخرى "إسرائيل و تونس" المغرب. "حول هذه ا لأمور.

ومن ناحية ثانية: ظهرت مواقف حول دوائر التعاون الممكنة التى يمكن أن تقود إلى فهم متبادل، أى التى تترجم الحوار الثقافى لتحسين الفهم المتبادل وتصحيحه، وخاصة تصحيح الأفكار المغلوطة فى الذاكرة الأوروبية عن الغرب والمسلمين.

ولقد كانت نظرة الغرب إلى المسلمين أو تصور الغرب للإسلام وحوار

الحضارات، أو الحوار العربى الإسلامى- الأوروبي، أو الفهم الصحيح من جانب الغرب للإسلام، هى المفردات التى وصفت بها (الصحافة المصرية). اهتمامات هذه الملتقيات (إلى جانب الاهتمامات السياسية والاقتصادية المعتادة). وإذا كانت هذه المفردات تدخل فى نطاق البعد الثقافى للمتوسطية، إلا أنه من الواضح أنها لا تعكس إلا رؤية دفاعية اعتذارية تبريرية حول الإسلام والمسلمين تهدف إلى تحسين الصورة لدى الآخر، ولكن لا تتطرق إلى ما يحيط بصورة هذا الآخر لدينا أيضاً. كما لم تتطرق (على ضوء ما هو منشور عنها) إلى العلاقة بين البعد الثقافى والبعدين السياسى والاقتصادى.

 ومن ناحية ثالثة: وبالنسبة لقنوات الاتصال العربية- الأوروبية بمبادرات عربية، وعلى مستويات رسمية وشبه رسمية، وتتجه إلى النخبة أو المواطن، يمكن أن نذكر فيما يلى:

المؤتمرات العربية- الأوروبية، مثل التى عقدت فى بروكسل ودبى ومارسيليا خلال النصف الأول من 1997م ، وحضرها أمين عام جامعة الدول العربية، نشاط جمعيات الصداقة العربية الأوربية فى تعزيز العلاقات المشتركة، ونشاط مراكز البحث والدراسات المهتمة بهذه العلاقات مثل مركز الدراسات العربى الأوروبى فى لندن، ولقد نبه البعض إلى أهمية نشاط مثل هذه المراكز وجمعيات الصداقة هذه لفتح آفاق جديدة للحوار.

لذا لابد هنا وبفرض قبول إمكانية الحوار الثقافى وفوائده أن نطرح السؤالين التاليين:

هل ما هو قائم على الصعيد المؤسسى هو من قبيل الحوار؟ وهل هو سبيل لدفع التعاون السياسى الاقتصادى المتوسطى لصالح العرب؟. وبصدد السؤال الأول: أود أن أحيل إلى التقييم الذى قدمه السفير هانى خلاف لمسار ومناهج معالجة ما يسمى حوار الحضارات أو الثقافات وتتلخص هذه الرؤية فيما يلى: (13).

من ناحية: لا يوجد تحت عنوان " حوار الحضارات أو الثقافات الذى يعد بمثابة موضة فكرية، أبعد من الدعاية المسطحة فيما يشبه المونولوج.

ولا ينبغى أن يقتصر الحوار الحقيقى على مجالس يؤمها رجال الدين المسيحى وعلماء الإسلام لاستعراض وجوه التسامح فى الديانتين، كما لا ينبغى أن يقتصر على مناظرات أكاديمية تكشف مدى سبق كل من الثقافتين العربية- الإسلامية والغربية.

ومن ناحية أخرى: ينبغى أن يتصدى الحوار لرصد وتحليل نوعية الصور المرسومة عن الشعوب وحضاراتها فى أذهان الآخرين وإمكانيات تطوير هذه الصور، ثم طرح الصور البديلة. حيث أن الحوار ليس حواراً سياسياً بين أطراف ذات مصالح متعارضة فهو يجب أن يشمل رؤية كل منا للآخر كما تبدو فى الآداب والفنون والإعلام والدعاية ومقررات الدراسة.

 ومن ناحية ثالثة: لا ينبغى أن يستخدم الحوار كمدخل لإذابة الفوارق والخصوصيات الذاتية لأى من أطرافه ولا لعولمة ثقافة ما أو تعديل الأنساق القيمية للآخرين بما يتفق ومعايير أنساق هذه الثقافة. لأن الهدف من الحوار ليس إدماج الثقافات ولكن تعويد الشعوب والمؤسسات على احترام الاختلاف وكيفية التعايش رغم الاختلاف.

أما بصدد السؤال الثانى: فلابد وأن أطرح التصور الذاتى التالى (14):وهو ينطلق من أن الخلل فى ميزان القوى الاقتصادية والسياسية بين طرفين لا يسمح بإمكانية حوار ثقافى بمعناه الحقيقى، أى الحوار الذى يؤدى ليس إلى تحسين صورتنا لدى الآخر فقط ولكن أن نصل إلى عرض صورة الآخر فى ذهننا. ومن ناحية أخرى: فإن الخبرة التاريخية تبين كيف أن الأداة الثقافية- بأوسع معانيها- كان لها وزنها بين أدوات الغرب الأخرى فى إدارة صراعه مع المسلمين فى القرون الأخيرة، أى منذ أن بدأ منحنى القوة الإسلامية فى الهبوط.

ثالثاً: البعد الثقافى فى العلاقات مع المؤسسات خارج العالم الإسلامى

بين التحديات وبين أنماط الاستجابة الإسلامية المطلوبة

1- أستطيع أن أقدم المنطوق التالى عن هذه التحديات على النحو التالى:

 فى قلب هذه المرحلة الراهنة- من مراحل تطور الهجمة الغربية الصهيونية على الإسلام والمسلمين فى العصر الحديث- فى قلب هذه المرحلة الراهنة فى نهاية القرن العشرين والتى تتم فى ظل تحولات عالمية خطيرة، فى قلب هذه المرحلة ومن طياتها يبرز البعد الحضارى الثقافى للهجمة على نحو غير مسبوق.

ومن ثم تحتل التحديات التى تواجه هذا البعد مرتبة متغيرة. فلقد أضحت ساحة الثقافة والحضارة آخر ساحات الهجوم. "علينا" وآخر خطوط دفاعنا:

* فإذا كانت التحديات السياسية والاقتصادية والعسكرية التى تبرز من إطار سياسات العولمة إنما تمثل درجة متقدمة ومتطورة من الخطورة التى سبق وواجهتها الأمة (لو فى ظل سياقات أخرى للتدخلات الخارجية) إلا أن المجال الذى اكتسب أبعادأ متطورة وخطيرة هو المجال الثقافى الحضا رى.

* وإذا كان البعد الحضارى الثقافى العقدى يعد بعداً محورياًً فى صراع القوى، ففيه تكمن المداخل إلى ساحات الصراع الأخرى، وإليه ونحوه تصب نتائج الصراع فى هذه الساحات الأخرى لذا فبقدر ما أضحت الساحة الثقافية الحضارية تواجه من أخطار بقدر ما تحوى من فرص وإمكانات لانبعاث جديد من خلال تجديد ثقافى حضارى يكون بمثابة المنطلق نحو مغالبة التحديات المادية فى أبعادها المختلفة. هكذا يرشدنا سلم منظومة القيم الإسلامية وآفاق تشغيل فعاليتها، فهو يرشدنا إلى أولوية الأبعاد غير المادية- ولكن من دون انقطاع عن الأسباب المادية.

وعلى ضوء المنظومة السابقة فإن التحديات الثقافية الحضارية تبزغ على مستويين مستوى الداخل ومستوى الخارج وكلاهما يتطلب استجابة حالية وضرورية.

إن التحليل فى هذا البحث إنما يسعى للتأكيد على بعض الأمور وهى:

من ناحية: تعزيز التعاون حول " حوار ثقافى " بشروط ومضامين تجعله سبيلا للتعارف الحضارى الحقيقى، ومن ثم تنأى به أن يكون سبيلا لتمكين ثقافى لطرف على طرف آخر، أو أن يكون قناة للاعتذار والدفاع والتبرير فى مواجهة الاتهامات " المتعددة للإسلام والمسلمين.

من ناحية أخرى: يقدم رموز الفكر الإسلامى المعاصر أطروحات متكاملة حول* البعد الثقافى " فمن المقارنة بين القيم الإسلامية والقيم الغربية (15) إلى تقديم الرؤية عن الدلالات الثقافية المعاصرة فى إطارها السياسى الراهن (16) إلى تحليل العلاقة بين العولمة والهوية ودور الأديان (17) إلى التمييز بين العالمية والعولمة، إلى البحث فى الأبعاد الثقافية السلوكية للمسلمين فى ظل ضغوطات العولمة وما بعد الحداثة (18)، إلى الحديث عن حقوق الإنسان كضرورات وليس مجرد حقوق (19).

هذه ليست إلا نماذج، على سبيل المثال وليس الحصر، وهى تعنى، فى نظرى، نماذج على " المبادرة الثقافية وليس" الاعتذار" الثقافى، نماذج تدفع للتقدم نحو صياغة رؤية إسلامية وتشارك فى هذه الصياغة.

فإذا كان الجميع يتفقون إلى أن هناك أزمة عالمية ذات بعد قيمى- ثقافى واضح الدلالة يستوجب مراجعة المنظورات، فإن الإسلام قادر على أن يقدم رؤية تساهم فى تقنين الرؤية الجارى صياغتها للعالم.

بعبارة أخيرة نحن فى حاجة لخطاب غير اعتذارى، غير دفاعى، نحن فى حاجة لخطاب ينطلق من الذات الإسلامية وخصائصها" وبمبادرة" تجاه الآخر، وذلك حتى يتحقق التوازن فى الرؤية الذى هو أساس الفاعلية.

ولذلك فإن الرؤية الاستراتيجية المطلوبة يجب أن تنطلق من عدة أسس وتنبنى على بعض الأسس الأخرى، فليس هناك حوار ثقافى حقيقى بين غير أكفاء من الناحية المادية، كما أن الحوار فى ذاته ليس السبيل لحل مشاكلنا مع الآخر أو لديه.

ومع ذلك، فانطلاقا من وسطية الإسلام وانطلاقا من رؤيته عن التعارف الحضارى فإن هذا التعارف الحضارى يمثل السبيل للتجديد الحضارى لدينا من ناحية ولمشاركة الفكر الإسلامى فى عملية التجديد الحضارى العالمية من ناحية أخرى.

فبالرغم من إدراك خطورة أدوات السيطرة والهيمنة ومنها الثقافية الآن،إلا أن التجارب التاريخية جميعها تؤكد أن هناك أيضآ تفاعلات ثقافية- إنسيابية هادئة تحقق الاحتكاك بين الحضارات. وهذا الاحتكاك لا يكون دائما فى اتجاه واحد. فحتى الحضارة الضعيفة ماديا بمقدورها أن تترك آثارها على الحضارات الأقوى ماديآ، وإذا كانت حضارتنا الإسلامية- بمعايير القوى المادية- قد تراجعت الآن إلا أنه مازال للعملة وجه آخر أكثر أهمية وأكثر حيوية وهو منظومة القيم فى الإسلام ورسالته للعالمين.

المراجع

(1) انظر على سبيل المثال. هانس بيتر مارتين، هارالد شومان: فخ العولمة، ترجمة د. عدنان عباس على، عالم المعرفة 1998م.

Steve smith john Baylis : GIobalization of World Politics (1997)

Philip G Cerny : Globalization and other Stories: The Search for a new Paradigm for inernational relations. International Journal , Autumn 1996.

The Amrican Journal of Islamic Social Sciences Vo. 15. No, 3, Fall 1998

انظر أيضا أحد آعداد المجلة الأمريكية للعلوم الاجتماعية الإسلامية والمخصص للعولمة وولالتها بالنسبة للعالم الإسلامى والمسلمين.

(2) حول إشكاليات تعريف الدول الإسلامية المعاصرة ومعايير تحديدها انظر: د.. محمد السيد سليم: العلاقات بين الدول الإسلامية، الرياض، 1992م.

(3) حول اختلاف أنماط الأقليات المسلمة فى العالم وفقأ لمعايير متعددة، وحول اختلاف أنماط مشاكلها والاستجابات المطلوبة تجاه ما تواجهه من تحديات انظر- د. نادية محمود مصطفى:

(4) تكررت الإشارة- من جانب المثقفين، ومن جانب الساسة الغربيين إلى. "التعددية الثقافية " واختلفت عليها الأقلام وعلى آثارها با لنسبة للمجتمعات الغربية.

فيتحدث هانتنجتون عن أثارها السلبية على الديمقراطية الأمريكية وعلى السياسة الخارجية الأمريكية: انظر هانتنجتون: إن لم تكن الحضارات فماذا تكون: شئون/ الأوسط، يونيه 1994م ص 50- 58. ونقلا عن: التعددية الثقافية" مصطلحات فكرية، الأهرام- الملحق الثقافى 19/3/1999م  ص 11 انظر أيضا: الكتاب الذى أصدره عالما الاجتماع البريطانيان جليف جوردان وكريس ويدون السياسات ا لثقافية. الطبقة والجيش والعرق وعالم ما بعد الحداثة، 1995م.

(5) انظر خريطة واسعة من الاتجاهات المتفاعلة حول هذه القضية فى : مجموعة باحثين: ملخصات أبحاث مؤتمر العولمة وقضايا الهوية الثقافية، المجلس الأعلى للثقافة والعلوم والفنون 2 1- 16 /4/98 القاهرة.

انظر أيضا: المجمع الملكى لبحوث الحضارة الإسلامية: المسلمون وحوار الحضارات فى العالم المعاصر، عمان، 1995م.

روجيه جارودى: من أجل حوار بين الحضارات ترجمة ذوقان قرقوط، بيروت، دار النفائس 1990م

 (6) انظر على سبيل المثال.

John Bird and others ( edts) : Mapping the futures: local cultures and global change Routledge,London,1993.

- Malcolm Waters : Globalization, Routledge, London,1995 (ch, The new world

chaos : cultural Globalization).

د. محمد عابد الجابرى مصطفى: ا لعولمة والهوية الثقافية، المستقبل العربى، العدد 228، فبراير

(7)  د : نادية محمود مصطفى: البعد الثقافى فى الشراكة الأوروبية المتوسطية (فى) د. سمعان بطرس فرج ا لله (محرر) أعمال ندوة: مستقبل الترتيبات الإقليمية فى منطقة ا لشرق الأوسط وتأثيراتها على ا لوطن ا لعربى، معهد البحوث والدراسات العربية، جامعة ا لدول العربية 1998/ ص 457-484.

(8) Paul Balta(ed)La Mediterannee reinventee,realites et espoirsde La  Cooperation 1992.

(9) Center Nord-sud, consil de L Europe, programme Transmed

(10) شاركت د. نادية محمود مصطفى فى أعمال هذا الملتقى ببحث مكتوب كما شاركت فى صياغة تقريره النهائى.

(11) انظر تحليل نماذج من هذه الرؤى والأعمال الأكاديمية فى د. نادية محمود مصطفى مرجع سابق ص 467-472.

(12) مرجع سابق ص 272-474

(13) هانى خلاف: حوار الحضارات بين أوروبا والعالم العربى.. رؤية فى مناهج المعالجة، الأهرام 20/4/1997م

(14) ينبنى هذا التصور على نتائج بعض أجزاء مشروع العلاقات الدولية فى الإسلام: انظر د. نادية محمود مصطفى: مدخل منهاجى لدراسة التطور فى وضع ودور العالم الإسلامى فى النظام الدولى (فى) د. نادية محمود مصطفى (إشراف) مشروع العلاقات الدولية فى الإسلام، المعهد العالمى للفكر الإسلامى 1996م الجزء7 ص 67- 70.-

د. نادية محمود مصطفى العصر العثمانى: من القوة والهميمنة إلى بداية المسألة الشرقية (فى) المرجع السابق جزء11.

من الجهود ا لتى ساهمت فى بحث خبرة ا لعلاقات الأوروبية- الإسلامية- انظر:

- د. محمد ا لأرناؤوط، د. محمد صفى الدين،.

حمدى عبد ا لرحمن (محررون) أوروبا والإسلام، أوراق المؤتمر ا لدولى

الثانى، يونيه 1996م، منشورات جامعة آل ا لبيت:

(15) Ali Mazroui:Islamic  values and western values.Foreign Affairs vo.76,No.5,1997

(16) طارق البشرى: الإسلام والعصر: ملامح فكرية ومنهجية (فى) طارق البشرى: فى المسالة الإسلامية المعاصرة، الملامح العامة للفكر السياسى الإسلامى فى التاريخ المعاصر، دار الشروق 1996م ص 47-61.

(17) طارق البشرى، مفهوم المعاصرة بين العالمين الغربى والإسلامى (فى) طارق البشرى فى المسألة الإسلامية المعاصرة، ما هية المعاصرة، دا ر الشروق 1996م ص 48- ه 6.

(18) د. أحمد كمال أبو المجد :العولمة و الهوية ودور الأديان، بحث مقدم إلى ندوة العولمة، الأكاديمية الملكية المغربية 1997.

انظر أيضا: د. سيف الدين عبد الفتاح. القيم: مدخل منهاجى لدراسة العلاقات الدولية فى الإسلام (فى) د. نادية محمود مصطفى (إشراف) مشروع ا لعلاقات الدولية فى الإسلام، مرجع سابق الجزء الثانى.

(19) Akbar Ahmed, Hosting donnan: islam globization and postmoderity, routledge Jondon 1994.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع