الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الحادي عشر : نحو مشروع حضاري لنهضة العالم الإسلامي
 
دور المضمون الإعلامى فى النهضة الثقافية للأمة الإسلامية

دور المضمون الإعلامى فى النهضة الثقافية للأمة الإسلامية

(بحث فى منهجية إلى الله)

أ. د. أحمد عبده عوض

الأستاذ بجامعتى أم القرى، وطنطا

مصر

أولاً: المضمون الإعلامى فى الدعوة الإسلامية:

يتباين الناس فى نظرتهم للأشياء، وفى حكمهم عليها، وفى سلوكهم، واتجاهاتهم باختلاف معتقداتهم وقيمهم الدينية.

ومن هنا تبدو أهمية الإعلام- فى الدولة الإسلامية- إذ يُشكل الوجدان المسلم، ويوجه الفكر الإسلامى، ويكسب الناس القيم الدينية وينميها لديهم، ويتصدى للفكر المناهض، ويقوم بدوره الصحيح فى توعية الناس بالواجبات الدينية، وفى تعريفهم بدينهم، وفى دعوتهم إلى الدين الحق، وهذا ما سنتناوله بالتحليل فيما يلى:

فقد جاءت دعوة الإسلام عامة لكل الناس- مع اتساع مضمون هذه الكلمة- ( قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعاً الذى له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحى ويميت فآمنوا بالله ورسوله) (1). واستوجبت هذه الرسالة المحمدية الجامعة الخاتمة القيام بواجبات التبليغ بصورة فردية، وبصورة جماعية (2) (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) (3). والواضح من هذه الآية اقتران التبليغ بالرسالة. فالرسول الكريم  "صلى الله عليه وسلم" إذا لم يقم بواجبات التبليغ فلن تتحقق الرسالة. ولذا يتضح الملازمة بينهما فى مثل قوله تعالى :

(وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) (4). وتبرز ماهية التبليغ وارتباطه بالخشية فى قوله تعالى: ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله) (5).

وتحدد آيات قرآنية كثيرة مهمة الأنبياء فى التبليغ، منها قوله تعالى: ( وإن ما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ) (6)، وقوله تعالى: (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) (7).

( فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين) (8) ( فإن أعرضوا فإنما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ) (9)( فإن توليتم فما على رسولنا البلاغ المبين) (10).

وحتمية التبليغ والتى هى أساسية فى الرسالات السماوية يُعلنها الأنبياء لأقوامهم( قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به) (11). وذلك بعد أن يستنفذوا كل طاقاتهم، وبعد أن توصد أمامهم عقولهم وقلوبهم ( فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى) (12). وبعد أن يصلوا لقناعة إيمانية أنهم لم يقصروا فى دعوتهم( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم) (13)

 (14).والحتمية السابقة استوجبت جهداً من أنبياء الله تعالى، وصبرأ ومجاهدة، ولا ضير أن يساعدهم فى هذا رجال آمنوا برسالتهم وبغايتهم، يسعون لإعلام الناس بالدعوة الجديدة، ويتحملون فى سبيل ذلك المشاق والمتاعب، والرسالة فى كل مرحلة تحتاج إلى تبليغ خاص، يتفق مع تطورات الرسالة الجديدة.

وتأسيساً على ذلك نجد حرص الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلم" على التبليغ والإبلاغ. أكان ذلك بالاتصال الشخصى عن طريق إرسال الرسل والوفود والرسائل، أم بالاتصال الجماعى بالناس عن طريق مجالس العلم والخطب والوعظ.

وكان هذا التبليغ إيصالا لفكر الرسالة وإعلانا عنها: فقد أرسل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلموفوداً للتعريف بالإسلام، وكان أبرزها وفده إلى النجاشى ملك الحبشة، الذى تحدث باسمه جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وكان للإعلام المناهض رأى آخر " فأرسلت قريش عبد الله بن أبى ربيعة وعمرو بن العاص، حاملين هدايا للنجاشى، وكان من شأنه أن ردها عليهما، وخرجا من عنده مقبوحين.

المتآمل فىآيات القرآن الكريم يجد الدعوة الصريحة للإعلام بالدعوة أوالجهر بها (15) (وأنذر عشيرتك الأقربين ) (16).( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) (17). ثم إنذار العرب جميعاً( لتنذر قوماً ما أنذر أباؤهم فهم غافلون ) (18). ثم بيان إرساله صلى الله عليه وسلم إلى كل العالمين (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (19)( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (20). (تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) (21). ويؤكد القرآن الكريم أن رسالات الأنبياء استوجبت الجهر بالدعوة (إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم) (22). ويُلح أنبياء الله على بيان ذلك( ألا تعبدوا إلا الله إننى لكم منه نذير وبشير) (23).( قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين) (24) (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون) (25) 0 (لتنذر قوما ما أنذر أباؤهم فهم غافلون)(26) ونلمح تشابهاً قرآنياً بين التبليغ والإنذار، فمفهوم الإنذار ينضوى تحت التبليغ، وكلاهما تحقيق للدعوة والإعلام عنها، ولذا نجد الربط بينهما فى قوله تعالى: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به) (27). وكما أن القرآن الكريم قصر مهمة الرسل فى التبليغ- كما تقدم- فقد قصرها هنا فى إنذار أقوامهم( إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون) (28).( إن يوحى إلى إلآ أنما أنا نذير مبين) (29).( قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين) (30).

وإذا أضفنا للجهر بالإنذار بالدعوة عنصرآ آخر هو التبشير لاكتمل مفهوم التبليغ- بالإنذار والتبشير- حيث ربط القرآن الكريم بينهما فى خمسة عشر موضعاً. فأهمية التبليغ فى القران الكريم تقوم عليهما ( قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين) (31).( فإنما يسرناه بلسانك لتبشربه المتقين وتنذر به قومأ لداً) (32).( بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون) (33). وماهية التبليغ عن رسل الله تعالى تجمع بينهما ( فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) (34) (  رسلا مبشرين ومنذرين) (35).( وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين) (36). وماهية التبليغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تتحقق بهما معاً( إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً) (37). ( وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً) (38).( يا أيها النبى إنا أرسلنك شاهداً ومبشراً ونذيراً) (39) ( إنا أرسلناك بالحق بشيرأونذيرأ) (40). وحديثنا عن (التبليغ) هو جزء من مفهوم أكبر هو (الدعوة) التى أشرنا إلى أنها ركيزة أساسية فى النظرية الإعلامية فى الإسلام. فماذا عن الدعوة فى المضمون الإعلامى للدين الإسلامى؟.

الحق أن القرآن الكريم يؤكد دوماً أن الدعوة هى سبيل أنبياء الله تعالى لإبلاغ رسالاتهم لأقوامهم وإخبارهم وإعلامهم بها( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى) (41). ورد أقوامهم واضح ( قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواُ قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفى شك مما تدعونا إليه مريب ) (42). ( كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) (43). أما المؤمنون فإن استجابتهم لدعوة الرسل فورية (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) (44). وأنبياء الله يبذلون جهداً مضاعفاً فى دعوة أقوامهم ( قال رب إنى دعوت قومى ليلاً ونهارأ * فلم يزدهم دعائى إلا فراراً * وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم فى أذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارأ * ثم إنى دعوتهم جهارأ * ثم إنى أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارآ) (45)(46)

ثانيأ: سمات منهجه صلى الله عليه وسلم فى الدعوة إلى الله تعالى:

 ونستطيع أن نرصد سمات منهجه صلى الله عليه وسلم فى الدعوة إلى الله تعالى فى النقاط التالية:

الأولى: الدعوة إلى مكارم الأخلاق: يقول الحق تبارك وتعالى( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر) (47). وهذا الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم اشتمل على عدة أخلاقيات حميدة، وأداب عظيمة فى التعامل مع الناس، وفى دعوتهم إلى الله تعالى، ويعضد هذا قول الحق تبارك وتعالى ( لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر وذكر الله كثيراً) (48). فالتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم فى أقواله، وأفعاله، وأحواله، والاقتداء بشمائله " تحقيقاً لإسلأمية الأمة، التى لا يكتمل إيمان أحد منها حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم

وأهم مكارم الأخلاق التى يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم هى التى أوجزها فى قوله:"مكارم الأخلاق عشرة، تكون فى الرجل ولا تكون فى ابنه، وتكون فى الابن ولا تكون فى الأب، وتكون فى العبد وتكون فى سيده، يقسمها الله لمن أراد به السعادة: صدق الحديث، وصدق البأس. وإعطاء السائل، والمكافأة بالصنائع، وحفظ الأمانة، وصلة الرحم، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب، وإقراء الضيف، ورأسهن الحياء " (49).

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لأبى هريرة رضى الله عنه: " أطعم الطعام، وأفش السلام، وصل الأرحام وصل بالليل والناس نيام، تدخل الجنة بسلام " (50). ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لأبى هريرة رضى الله عنه- أيضا- " اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس، ماتحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب "

 ووصاياه الذهبية صلى الله عليه وسلم للصحابة رضى الله عنهم تمثل إطاراً جامعاً لمكارم الأخلاق، فيقول أبو ذر الغفارى رضى الله عنه: أوصانى خليلى صلى الله عليه وسلم  بخصال من الخير: " أوصانى بألا أنظر إلى من هو فوقى، وأن أنظر إلى من هو دونى، وأوصانى: بحب المساكين، والدنو منهم، وأوصانى: أن أصل رحمى وإن أدبرت، وأوصانى ألا أخاف فى الله لومة لائم، وأوصانى أن أقول الحق وإن كان مراً، وأوصانى أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة " (51).

وتتنوع مكارم الأخلاق فى الإسلام لاتساع دائرة الأخلاق الحميدة، التى هى من المضامين الأساسية لدعوة الحق، والإعلام الناس بالقيم التى يدعو إليها هذا الدين العظيم، ولذا كان الرسول الكريم  صلى الله عليه وسلم  يقدم توجيهاته الأخلاقية إلى أصحابه، ودائماً تكون هذه التوجيهات متصلة بالسلوكيات والنصائح والأخلاقيات الإسلامية، وتكون كذلك جامعة لأسس مكارم الأخلاق. فانظر إلى هذه الوصية الجامعة فى قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضى الله عنه "يا معاذ: أوصيك باتقاء الله، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وحفظ الجار، ورحمة اليتيم، ولين الجانب، وبذل السلام، وسنن العمل، وقصر الأمل، ولزوم الإيمان، والتفقه فى القرآن، وحب الآخرة، والجزع من الحساب، وخفض الجناح، وأنهاك: أن تسب حكيماً، وتكذب صادقاً، أو تطيع أثماً، أو تعصى إماماً عادلاً، أو تفسد أرضاً، وأوصيك باتقاء الله عند كل حجر وشجر، ومدر، وأن تحدث لكل ذنب توبة: السر بالسر، والعلانية بالعلانية " (52).

الثانية:(الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة: يقول الحق سبحانه( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) (53). واستوجبت هذه الحكمة الصبر على قومه والأخذ بأيديهم إلى رحاب الله، وضرب الأمثال لهم .، لتقريب الفهم، والداعية الحق هو الذى ينتهج حكمة وعقلانية وموضوعية فى دعوة الناس.

وتعضد هذه الحكمة والرشاد- التى تكون بالأمر بالأخلاق الحميدة والنهى عن الصفات الرذيلة- بشىء مهم هو الأخذ بالموعظة الحسنة فى الدعوة، وذلك بعدم التشديد على الناس، وعدم التعسير عليهم، والرفق معهم، وفتح باب الرجاء أمامهم وهذا ما تؤكده سلوكياته صلى الله عليه وسلم فى التيسير على من يدعوهم، ومن يطلبون الهداية، وكان لهذا النمط الأخاذ من المعاملة بالرفق الأثر العظيم فى دخول كثير من الكفار وأهل الكتاب فى دين الله تعالى. بل تجده صلى الله عليه وسلم يتسع صدره لأخطاء الناس ويحاورهم بأسلوب رقيق، ليدركوا أخطاءهم بأنفسهم دون الموعظة المباشرة، ومن ذلك أن غلاما شاباً أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبى الله أتأذن لى فى الزنا؟ فصاح الناس، فقال النبى صلى الله عليه وسلم قربوه، ادن فدنا حتى جلس بين يديه فقال النبى صلى الله عليه وسلم أتحبه لأمك؟ فقال: لا جعلنى الله فداك قال كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم.. أتحبه لأختك؟ وزاد ابن عوف حتى ذكر العمة والخالة وهو يقول فى كل واحدة: لا، جعلنى الله فداك، وهو: يقول صلى الله عليه وسلم : كذلك الناس لا يحبونه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال: "اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه، فلم يكن شىء أبغض إليه منه، يعنى الزنا "  (54).

وهكذا نجد حكمته الفريدة  صلى الله عليه وسلم فى محاورة هذا الرجل الذى استولت الرذيلة على نفسه، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يٌبدل تعلقه بالذنب، وطلبه الترخيص له بالزنا إلى دعاء صادق بطهارة القلب، ومغفرة الذنب، وتحصين الفرج، مما جعل الرجل يتحول إلى بغُض لها ا ونفور منها بعد أن استخلص الرسول الكريم وساوس الشر وجذور المعصية من قلبه وعقله وبدنه.

ولك أن تتأمل معى فى قصة هذا الشاب فلو أن الرسول الكريم أغلظ عليه فى القول وشدد عليه فى النكير، وأمر بإخراجه لأنه شيطان مارق، لأدى هذا إلى قنوط الشاب من رحمة الله، وقد ينغمس فى شهواته، آخذاً اتجاهاً سلبياً مادام داؤه قائماً، وعلته موجود ة، وآخذة فى الاستفحال والكبر.

ونجد تصديقاً نبوياً آخر لما تقدم، فى رفقه صلى الله عليه وسلم بالجاهل، وتعليمه فى أناة وصبر من غير تعنيف وتسفيه، ومن غير زجر وشدة، ولنستشهد على ذلك بهذا الحديث الصحيح الذى رواه أنس بن مالك رضى الله عنه: بينما نحن فى المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابى فقام يبول فى المسجد، فقال أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم: هه.. هه.. فقال الرسول الكريم: (لا تزرموه (لا تقطعوا عليه بوله) دعوه، فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشىء من هذا البول ولا القذر، وإنما هى لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القرآن، ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم  رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه (أى صبه على موضع النجاسة) (55).

وهكذا تركه الرسول الكريم حتى ينتهى الموقف، ثم يعلمه فى رفق وأبوة، ولربما قطع الرجل بوله مخافة الناس فأضر نفسه، ولعله كان سينجس مواضع أخرى من المسجد إذا أخذ فى التحرك للخارج وهو يبول، ولعله كان سينجس بدنه كذلك، وتنتشر النجاسة.

وهذه المواقف تمثل درساً تعليمياً قوياً فى توجيه الناس، وتبصير الدعاة بكيفية الدعوة بالحسنى، والتعامل مع أمراضهم وعللهم وأخطائهم بالحكمة السديدة.

ومن الموعظة الحسنة لديه صلى الله عليه وسلم التزام منهج محدد فى التيسير على الناس، وكلماته صلى الله عليه وسلم فى ذلك أوضحت صورة ناطقة بيسر الإسلام، ففى حديث أنس رضى الله عنه يقول الرسول الكريم"  يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" (56)، والأحاديث التى تنطق بعدم الغلو كثيرة ومنها قوله صلى الله عليه وسلم فى بيان الفطرة الصحيحة "الكل عمل شرة، ولكل عمل فترة، فمن كانت فترته إلى سنتى فقد اهتدى " (57)، ولذا كان النبى الكريم صلى الله عليه وسلم ينكر على هؤلاء الذين يعتقدون أن الإفراط فى العبادة أمر محبب إلى الله تعالى، فأوضح سنته لهؤلاء النفر الذين قدموا إلى منزله صلى الله عليه وسلم فسألوا السيدة عائشة عن عبادته صلى الله عليه وسلم فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فأقوم الليل كله، وقال الثانى: أما أنا فأصوم الدهر كله، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء، فإذا به صلى الله عليه وسلم يخرج إليهم قائلا: " أنتم الذين تقولون كذا وكذا، أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وهذه سنتى فمن رغب عن سنتى فليس منى" (58).

وكان منهجه صلى الله عليه وسلم فى أمر أصحابه ألا يكلفوا أنفسهم فوق طاقتها، لأن الله تعالى لا يمل حتى يملوا، وأحب العمل إلى الله تعالى أدومه وإن قل، فعن أنس بن مالك رضى الله عنه: " دخل النبى صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا بحبل ممدود بين الساريتين فقال: ما هذا الحبل، قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "لا. حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد" (59).

 ونلتمس توجيهاً كريماً منه صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه ابن عباس رضى الله عنه يقول: سمعت عبد الله بن عمرو رضى الله عنه قال: قال لى النبى صلى الله عليه وسلم "ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: إنى أفعل ذلك. قال: إنك إذا فعلت ذلك هجعت عينك، ونهقت نفسك، وإن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك حقاً، فصم وأفطر، وقم ونم " (60).

وإنك لتجد مواقف أخرى تؤكد حرصه صلى الله عليه وسلم على الموعظة الحسنة فى عدم إثقاله على الصحابة بالموعظة ، مخافة الملل 00والسأم، وهذا إدراك شامل لطبيعة النفس البشرية، فيقول ابن مسعود رضى الله عنه، كان النبى صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة فى الأيام كراهة السآمة علينا (61).

الثالثة: الموازنة فى أمور الدعوة: كما أن الدعوة إلى الله تعالى تكون بالحكمة والموعظة الحسنة فإنها كذلك تراعى ظروف المتلقين وأحوالهم مما يستلزم فقهاً فى الدعوة، وذلك بالبدء بالأهم، وتقديم الأساسيات على الفرعيات، بل وترك الأمر بالمعروف مخافة وقوع الناس فى الفساد، ونجد تأكيد ذلك فى الأحاديث النبوية الكريمة، وفيما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ترك الرسول الكريم قواعد الكعبة المشرفة كما هى، ولم يشأ إعادتها إلى قواعد الخليل إبراهيم عليه السلام مخافة وقوع فتنة بين الناس، خاصة أن الإيمان لم يستقر فى قلوبهم بعد (62). فعن ابن عمر رضى الله عنهما عن السيدة عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: " ترى أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم، قلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت "(63)، ويقول لها أيضا صلى الله عليه وسلم ( لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت، ثم لبنيته على أساس إبراهيم "عليه السلام" فإن قريشاً استقصرت بناءه، وجعلت له خلفاً (64).

وهكذا ترك "رسول الله صلى الله "عليه وسلم إنكار المنكر خشية الوقوع فى منكر أشد، وهو قيام فتنة بين الناس، وظنوا أنه صلى الله عليه وسلم يريد بهذا أن يفضلهم، ويفخر عليهم. ذلكم أنهم- قريشاً- كانوا يعظمون الكعبة، وهى مصدر قوتهم وسلطانهم ولم يكن لهم قبول أى تغيير فيها، ولن يقفوا سلبيين إزاء ذلك، وهذا ما أدركه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بفكره الثاقب، وسلوكه القويم.

وهذه الموازنة فى أمور الدعوة والتى رأينا تأسيساً لها فى فكره وسلوكه صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون موجودة لدى كل داعية يتعامل مع الناس، فيبدأ بالأمور الأهم فى شئون الدعوة، ولا يدخل بهم فى تفريعات فقهية وفكرية، ولا يلج بهم فى أمور خلافية ومذهبية إلا بعد أن يستوفى الأصول الرئيسية من الإيمان والفرائض والقواعد، فإذا ما أشرب الناس ذلك وفهموه وطبقوه واهتدوا به، أخذهم بعد ذلك إلى الفروع وليس إلى الخلافات التى تعكر صفو الحياة الدينية، وتجعل النفوس غير مطمئنة (65). ويمكن القول إن هناك سمات أخرى لمنهجه صلى الله عليه وسلم فى الدعوة إلى الله تعالى، نكتفى بالإشارة إليها فقط هنا، وذلك مثل: التزام القدوة الحسنة، ومعاودة الدعوة لمن يعارضها والجمع بين الترغيب والترهيب، والالتزام بالصدق فى الدعوة، والإخلاص والتجرد لله تعالى، ومواجهة الأفكار المنحرفة، والحرص على تبليغ الدعوة، واستخدام القصص والأمثلة فى توضيح الأمور للمتلقين. إلخ. وهذه السمات فى مجموعها أفضت  إلى وجود قاعدة إعلامية نبوية، كان من نتائج نجاحها أن أظهر الله الحق ومحق الباطل ( وقل جاء الحق وزهق الباطل) (66). ودخل الناس فى دين الله أفواجاً فرحين بنور الله تعالى الذى فتح رسول الله  صلى الله عليه وسلم أبوابه لهم بدعوته المتميزة إلى الله تعالى والتى أثنى عليها الحق جل وعز ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) (67). ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين) (68).

ثالثاً: أهمية الكلمة فى الإعلام الإسلامى:

يؤكد القرآن الكريم دوماً على خطورة الكلمة فيقول الحق سبحانه ( ألم تر كيف ضرب الله مثلآ كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء  تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون * ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار * يثبت الله الذين أمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة) (69). وقوله عز وجل( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) (70).

كما يدعو إلى القول الكريم الحسن المسئول فيقول سبحانه( وقولوا للناس حسناً) (71)، ويقول( فقل لهم قولا ميسوراً) (72)، (يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً) (73).

ويحذر من القول دون العمل بكلام مُرسل يجافيه السلوك العام والخاص للفرد دون إقدار لمسئولية الكلمة فيقول الحق سبحانه(إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ) (74)، ويقول عزت قدرته ( وأنهم يقولون ما لا يفعلون) (75)، ويقول تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) (76).

وفى مواضع كثيرة من القرآن الكريم يتكرر النداء ذاته بإقدار الكلمة وضرورة توجيهها للخير والصلاح( وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم) (77)، (ولا يغتب بعضكم بعضاً ) (78)، (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (79)، (وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين * يعلمون ما تفعلون) (80).

وفى الأدب النبوى نجد توجيهات النبى الكريم  صلى الله عليه وسلم  بضرورة الحرص على القول الحسن، وعدم إطلاق الكلمات إلا فى الخير فيقول صلى الله عليه وسلم( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) (81)، ويقول أيضاً "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقى لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لايلقى لها بالأ يهوى بها فى جهنم " (82)، وعن سفيان بن عبد الله رضى الله عنه قال: " قلت يا رسول الله: حدثنى بأمر أعتصم به قال: (قل ربى الله ثم استقم) قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف على؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: هذا " (83). وفى حديث معاذ " وهل يكب الناس فى النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم " (84). وجمع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم النجاة فى ثلاث، قالها صلى الله عليه وسلم لعقبة بن عامر رضى الله عنه: " أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك " (85).

وأمانة الكلمة تقتضى عدم كتمها، والتصريح بها، وإعلانها، فيقول صلى الله عليه وسلم " أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" (86)، ويقول أيضا "من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار " (87)، والمعنى ذاته فى قوله صلى الله عليه وسلم" نضر الله امرأ سمع منى شيئاً فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع " (88).

وفى المجتمع المسلم تتأكد خطورة الكلمة، وما يتبعها من مسئولية وتبعات ، فالكلمة الصادقة تفتح أبوابا للخير والفلاح لدى المتلقى، وتكون بمثابة النور الذى يفتح العيون على رسالة الحق، ومن هنا يتأكد لنا ضرورة الالتزام بالتوجيهات القرآنية فى القول الحسن، والقول السريد، والقول الميسور، والالتزام بصدق العمل مع صدق القول.

فالكلمة هى مناط التفاهم، وطريق الوصول إلى الحقيقة، ومدار الحوار، ومدار النقاش، وفى الإعلام الإسلامى لا تكون الكلمة للخداع أو الضغط أو الإكراه، وإنما هى وسيلة للإقناع، وسبيل للمواجهة، وميدان للتدبير والتفكير، وهى دعوة إلى الوصول إلى الحقيقة، والانتفاع بالعلم النافع، دون تأثير عارض مفتعل، يزول بزوال السبب وإنما يبقى كشجرة طيبة وارفة، يمتد فرعها إلى السماء، فأصولها ثابتة قوية.

وفى المقابل فإن الكلمة السيئة الخبيثة فيها تضليل وإضلال وتزييف للحقيقة، ولا تستند إلى الحق، وفيها ترويج للإشاعات، واتهام للآخرين، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم" أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة، وهو منها برىء، يشينه فى الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه فى النار، حتى يأتى بإنفاذ ما قال "(89)، ولذا وجب التصدى لمثل هذه الأباطيل المكذوبة، وتصحيحها، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقاً على الله أن يقيه النار " (90).

فالرسالة الإعلامية فى المجتمع المسلم تقوم على نشر كلمة الدين الصحيحة، عن وعى وبصيرة، والدعوة إلى إعلاء كلمة الحق والصدق والعدل يقول سبحانه( قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى) (91). وذلك بالتواصى بالخير والتناهى عن الشر ( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) (92)، وكذا المعارضة بأسلوب كريم، فيه الأدب والإحسان، ودفع السيئة بالحسنة " يقول تعالى( ادفع بالتى هى أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون) (93). فدفع السيئة بالسيئة ينقص من قيمة الحق، وقيمة الداعية، وإنقاص قيمة القدوة لديه، وبذا يصبح داعية سوء، لا يقد ر أهمية الكلمة، وأهمية الرسالة.

ولما للرسالة والكلمة من أهمية وفاعلية فإننا نلتمس أقدار الصحابة رضوان الله عليهم لذلك، ويقينهم أن الخير فى أن نقول الكلمة أمينة صادقة، ولا نمنع الآخرين من قولها، فانظر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب" رضى الله عنه "يدور حوار بينه وبين أحد الناس، ويتمسك الآخر برأيه، ويقول لأمير المؤمنين: اتق الله يا عمر! ويكررها مرات كثيرة، ويزجره أحد الصحابة قائلا: صه، فقد أكثرت على أمير المؤمنين، ولكن أمير المؤمنين يقول له: " دعه " فلا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها".

وهو رضى الله عنه يوجه أصحابه إلى عدم كتم النصح له، وتوجيهه بالرأى الصواب الذى يختلف مع رأى عمر "رضى الله عنه " فتأمل قوله الصريح المجرد عن الهوى: " لا تقولوا الرأى الذى تظنونه يوافق هواى، وقولوا الرأى الذى تحسبونه يوافق الحق،، ونجد تأكيدا على ذلك فى حواره مع حذيفة "رضى الله عنه" عندما يجد عمر بن الخطاب مهموماً، فيسأله: ماذا يا أمير المؤمنين؟! فيجيب عمر: إنى أخاف أن أخطئ فلا يردنى أحد منكم تعظيماً لى. يقول حذيفة، فقلت له: "والله لو رأيناك خرجت عن الحق لرددناك إليه " فيفرح عمر، ويستبشر، ويقول: " الحمد لله الذى جعل لى أصحاباً يقوموننى إذا اعوججت.

وهكذا نرصد فهمآ راقياً للكلمة الناصحة، وللمعارضة المستنيرة التى حدد عمر بن الخطاب مواصفات لها، فليس بالضرورة أن الأراء المعارضة توافق رأيه هو، فالرأى الحر الصحيح يبتغى به وجه الله، وليس إرضاء الحاكم، فموافقة الحق هو الأساس، ولصاحب الحق مقالة.. ولذا يسر عمر عندما يجد من يقومونه، ويردونه إلى الصواب عندما يعوج.. وكان يحزن لأن الناس قد يمتنعون عن رده ونصحه تعظيماً وإجلاًلاً، فإذا بهم يدركون دورهم، ويعلمون أمانة التوجيه، وفرضية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

ولعل الطريف هنا أن أمير المؤمنين عمر هو الذى يستحث الناس على معارضته، ويجعل الخير فى أن يقولوها صريحة مدوية، وعليه هو أن يسمعها ويستجيب لها، بل ويجعل من فضل الله عليه أن قيض الله له فى هذه الأمة من يقوم اعوجاجه، ويرده إلى الحق.

وإذا كانت الكلمة- كما أوضحنا- لها أهميتها فى الإعلام الإسلامى والدعوة إلى الله تعالى فإن هناك حواساً أخرى تستقبل الكلمة ، وتستقبل غيرها لها دور عظيم فى تلقى الإعلام الإسلامى، وهذا ما نوضحه فيما يلى: استقبال المسلم للمادة الإعلامية يعتمد فى درجة كبيرة على حواسه التى يتلقى بها، وعلى توظيفه الجيد لتلك الحواس، فالسمع والبصر نافذتان يتعامل بهما قلب المرء فى العالم الخارجى، وعليهما مسئولية عظيمة فى ذلك ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) (94). ( إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) (95).ودورهما الرقابى التنظيمى لتلك المؤثرات يتعاظم هذه الأيام لكثرة ما يحيط بنا من مرئيات ومسموعات، مما يراه المسلم ويصل إلى أذنيه من صنوف اللهو والفحش واللغو، فإذا ما مرت هذه الأشياء عبر الأذن أو العين فإنها تأخذ طريقها إلى القلب مباشرة، وعندئذ قد يفسد صاحبه، وقد يختم الله على قلبه لكثرة مداخلة المعاصى إليه، وخاصة عندما لا ينكر قلبه هذه الموبقات، بل يتألف معها، ويستأنس بها، حتى يرنو على قلبه( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (96)، ويصاب القلب بالمرض والقسوة والزيغ والحسرة والريبة، وكل هذه المعانى عبّر عنها القرآن الكريم باعتبارها مظاهر لفساد القلب، وفى المقابل عبر عن صلاحه بالطهارة والتقوى والاطمئنان والتأليف والتثبيت والخشوع ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ) (97) (98).

وتتأكد بعد ذلك سيادة القلب فى توجيه المرء، فالقلب هو الملك، والأعضاء جنوده، وهو المضغة التى يتوقف عليها صلاح الجسد أو فساده ، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم" ألا  وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب " (99).

فمداخل الصلاح أو الفساد إلى القلب قد أضحت واضحة ومتأثرة بنقاء البيئة من عمل الشيطان أو تلوثها به، ولأن هذه المداخل من السهل فك رموزها، فقد أدرك أعداء الإسلام أن الكلمة (السمع) والصورة (البصر) عليهما دور عظيم فى إفساد قلوب الأمة وسمعها وبصرها، وتحول بينها وبين سبيل الهدى وذلك بالضرب على أوتار الشهوات، وإلهاب الغرائز. أكان ذلك بالكلمة المسموعة أم بالصورة المشاهدة، وبإغراق الأمة فى الملذات، وفنون العبث والمجون والخلاعة.

ويحزن المرء عندما يجد أن البيئة المسلمة قد لوثت إعلاميا من داخلها،وبيد أبنائها، قبل وبعد أن غزيت من خارجها بالكلمة المسموعة والصورة المنحرفة المضللة.

رابعاً: سمات الإعلام الإسلامى الذى نرجوه:

ولمواجهة هذا الغزو القوى فلابد من وجود إعلام إسلامى مستنير، يتعهد الطفل منذ ولادته، وحتى مماته، فلأ خدش للحياء العام، ولا انتهاك للأخلاق والآداب، ولا نشر للأدب المكشوف، ولا إعاقة لعملية الإنتاج، ولا ملء لفراغ الناشئة باللهو.

 فالخطاب الإعلامى الإسلامى يكون له مردود تعليمى إرشادى دفاعى، يتصدى للغزو الثقافى ولملوثات الأفكار والقيم، ويجمع كلمة المسلمين، ويرشد الصحوة الإسلامية القائمة فى أنحاء العالم الإسلامى، ويقدم ما يخدم الإسلام والمسلمين، وينشر الدعوة الإسلامية، ويبرز دور الحضارة الإسلامية فى مختلف فروع العلم والمعرفة فى إثراء الحضارة الإنسانية، ويبتعد عن مجالات الجدل الدينى، ويعدل سلوك الجماهير ليتلاءم مع جوهر الإسلام، ويقضى على المعتقدات الباطلة بين البعض، ويناقش القضايا الإسلامية المعاصرة، ويصحح صورة الإسلام فى أذهان العالم، ويواجه الحملات الإعلامية المضادة للإسلام، ويُعرف الرأى العام العالمى بموقف الإسلام من ذوى الأديان الأخرى. كما أنه يعرف بالعقيدة الإسلامية كعبادة ومنهاج حياة، ويؤكد على القيم الإسلامية، ويناقش أحوال المسلمين، ويذيع أخبارهم، ويبرز دور الشخصيات الإسلامية فى جميع المجالات ويفند الدعايات الكاذبة والافتراءات المغرضة  التى يشنها أعداء الإسلام، ويقدم الحلول لمشكلات المسلمين، ولا يخضع لسيطرة الإعلام الغربى، ولا ينساق وراء الشعارات، ولا يخدع بالإشاعات، ولا يشغل بسفاسف الأمور، ولا بتوافه الأحداث والموضوعات (100).

وبعد.. فإن تناولنا المتقدم للجانب الإعلامى ومضامينه فى الإسلام أردنا به إبراز جانب مهم من مضامين الحضارة الإسلامية، الذى يؤهلهم لدور نهضوى عظيم، ويعد أحد منطلقات البعث الحضارى المنشود، وهذا الجانب يعكس تكامل الرؤية الإسلامية فى الإعلام، والتبليغ، والدعوة، وفى شمولية المنهج الإعلامى فى الإسلام مما لا نجد له نظيراً فى الديانات والشرائع الأخرى.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وأنفعنا بما علمتنا، وتقبل منا ياذا الجلال والإكرام.. وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المراجع

   (1)الأعراف: 158.

    (2) وردت الإشارة إلى ا لتبليغ والبلاغ للرسالة فى أربع وعشرين آية فى ا لقرآن الكريم، مثل قوله تعالى ( أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم )الأعراف: 62. أما البلوغ الزمنى والمكانى - الأجل والمقام- فقد وردا فى ثمان وأربعين آية فى القرآن الكريم مثل ( ولما بلغ أشده. آتيناه حكماً وعلماً )يوسف: 22. وقوله تعالى:( لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين) الكهف: 60.، وأما البلاغة- أى حسن البيان وقوة التأثير- فقد أشير إليها فى أربع آيات فقط مثل( فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فى أنفسهم قولاً بليغاً) النساء:63. وقوله تعالى:( حكمة بالغة فما  تغنى النذر) القمر:5

     (3)المائدة: 67.

     (4) النور:54، العنكبوت: 8 1.

     (5) الأحزاب: 39.

     (6) الرعد: 40.

     (7) النحل: 35.

     (8) النحل 82.

    (9) الشورى: 48.

    (10) التغابن: 12.

    (11)الأحقاف: 23.

   (12)الأعراف: 93.

    (13)الجن: 28.

   (14) يقول الإمام القرطبى فى تفسيره (3 / 2485): " وتبليغ القرآن والسنة مأمور بهما، كما أمر النبى صلى الله عليه وسلم بتبليغهما فقال تعالى ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك). وفى صحيح البخارى عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم" بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". وفى الخبر أيضاً " من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذ به أو تركه"، وقال مقاتل: " من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له، وقال القرطبى: من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمد صلى الله عليه وسلم وسمع منه ".

   (15). وردت الإشارة فى القرآن الكريم إلى الإنذار بالدعوة بصورتيه الإسمية والفعلية فى (124) موضعا تأكيداً لأهمية التبليغ بالإنذار، واعتبار ذلك جزءا من إعلام الناس بالدعوة، فالصيغ الفعلية وردت فى (45) موضعاً، بينما وردت الصيغ الإسمية فى (79) موضعاً،

ونجد الثراء والتنوع فى التناول فى تلك الصيغ من الأفعال المضارعة والأمرية والماضية ومن المفرد والجمع، ومن اسم الفاعل واسم المفعول وصيغة المبالغة.

    (16) الشعراء: 214.

   (17) الحجر: 94.

    (18) يس: 6.

   (19) الأنبياء107.

   (20) سبأ: 28.

  (21) الفرقان: 1

  (22) نوح 0 1.

  (23) هود: 2.

 (24) الحج: 49.

 (25) القصص.46.

 (26) يس :6.

 (27) إبراهيم: 52.

 (28) الأعراف: 188.

 (29) سورة ص: 70.

 (30) الملك : 26.

 (31) الكهف: 2.

 (32) مريم: 97.

(33) فصلت: 4.

(34) البقرة: 213.

(35) النساء: 165.

(36) الأنعام48.

(37) البقرة 119.

(38) الفرقان: 56.

(39) الأحزاب: 45.

(40) فاطر: 24.

(41) يوسف:108.

(42) هود: 62.

(43)الشورى: 13.

(44) النور: 51.

(45) نوح: 5-9

(46) الملاحظ فى الآية الكريمة أنها جمعت بين أمور متعددة فى قضية الدعوة وقوة الداعية، فهناك ضرورة ومواصلة الدعوة، ومقابلة ذلك بتباعد الإيمان من قوم نوح عليه السلام، وتعبيرهم عن ذلك بوسائل الرفض المختلفة وذلك بعدم استماعهم، وإعراضهم، وانصرا فهم، واستكبارهم. ورغم ذلك فنوح عليه السلام حريص على معاودة الدعوة وإظهارها، تارة بالجهر بها، وأخرى بالصياح، ثم بالإصرار، وإتيانهم فى منازلهم،أى أنه لم يبق مجهودا إلا فعله.

(47) آل عمران: 159.

(48) الأحزاب: 21.

(49) رواه الحاكم والبيهقى عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها.

(50) رواه أحمد وابن أبى الدنيا وابن حبان والحاكم عن أبى هريرة رضى الله عنه.

(51) رواه الترمذى عن أبى هريرة رضى الله عنه.

 (52) رواه البيهقى فى الزهد، وأبو نعيم فى" الحلية" عن معاذ بن جبل رضى الله عنه.

(53)النحل 125

(54) أخرجه الإمام أحمد بإسناد جيد عن أبى أمامة رضى الله عنه.

(55) الحديث أوردته كتب الصحاح عن أنس بن مالك رضى الله عنه- ولفظ البخارى- رحمه الله: بال أعرابى فى المسجد فقام الناس ليعوا فيه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم  بوله سجلا(دلواً) من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين ".

(56) أخرجه البخارى عن أنس بن مالك رضى ا لله عنه.

(57) أخرجه البخارى، والشِرة أى الجدة وبلوغ الحد الأقصى، والفترة هى الفتور والتراخى،

 (58) أخرجه البخارى عن السيدة عائشة رضى الله عنها.

 (59) أخرجه البخارى عن أنس بن مالك رضى الله عنه

 (60) أخرجه البخارى عن ابن عباس رضى الله عنه، وهجعت أى ضعفت، ونهقت: أى كلَّت

 (61) أخرجه البخارى عن ابن مسعود رضى الله عنه.

(62) لمزيد من الشرح يمكن الرجوع إلى تفسير قوله تعالى( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ) البقرة: 127- وذلك فى تفسير الإمام ابن كثير، وتفسير الإمام القرطبى، وتفسير الفخر الرازى.

(63) أخرجه البخارى عن السيدة عائشة رضى الله عنها.

(64) أخرجه البخارى عن السيدة عائشة رضى ا لله عنها.

(65) ولعل تدرج القرآن الكريم فى تحريم الخمر- على ثلاث مرات- ما يؤكد المنهج الإسلامى السابق الذى نفذه صلى الله عليه وسلم فى دعوة الناس ثلاثة عشر عاماً إلى توحيد الله تعالى فإذا ما أدرك الناس ذلك وتحول ذلك إلى سلوك أخذت آيات الأحكام تنزل عليهم فى مدينة النور- المدينة المنورة- ويعلمهم رسول الله ذلك، وهذا من فقه الدعوة الإسلامية.

(66) الاسراء: 81.

(67) آل عمران: 159

(68) الأنعام :90

(69) إبراهيم: 24-27.

(70) الكهف: 5.

(71) ا لبقرة: 83.

(72)الإسراء: 28.

(73) الأحزاب: 70.

(74)النور: 15.

(75) الشعراء: 226.

(76) الصف: 2-3.

(77) الإسراء: 53.

(78) الحجرات: 12.

(79) سورة ق: 18.

(80) الانفطار:.10-12.

(81) حديث متفق عليه رواه أبو هريرة رضى الله عنه.

(82) أخرجه الإمام البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه.

(83) رواه ا لترمذى وقال: حديث حسن صحيح.

(84) رواه الترمذى وقال حديث حسن صحيح،

(85) رواه ا لترمذى وقال: حديث حسن.

(86) رواه أبو دا ود والترمذى عن أبى سعيد الخدرى رضى  لله عنه.

(87) رواه أبو داود والترمذى عن أبى هريرة رضى لله عنه.

(88) رواه الترمذى عن ابن مسعود رضى ا لله عنه.

(89) رواه البيهقى فى " شعب الإيمان " من حديث أبى ذر الغفارى رضى الله عنه.

(90) أخرجه الإمام أحمد وابن المبارك فى (الزهد) والطبرانى فى (الكبير) وأبو نعيم فى "الحلية" عن أسماء بنت زيد رضى الله عنها.

(91) يوسف :108.

(92)