الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الحادي عشر : نحو مشروع حضاري لنهضة العالم الإسلامي
 
كلمة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور

كلمة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور

محمد سيد طنطاوى

شيخ الأزهر

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

الأخ الفاضل والزميل الكريم فضيلة الأستاذ الدكتور محمود حمدى زقزوق وزير الأوقاف ورئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والصديق العزيز قداسة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأخ الكريم والصديق العزيز الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد. الإخوة والأبناء الفضلاء.. أخواتى وبناتى الفضليات:

إن ألفاظ اللغة العربية مع اتساعها وعلى غناها لا تكفى للتعبير عما يشعربه الإنسان منا عندما يجد نفسه بين إخوة كرام، وبين أبناء أعزاء، وبين أخوات فضليات، عندما يجد الإنسان منا نفسه بين وفود من أكثر من سبعين دولة جاءوا إلى مصر من مشارق الأرض ومغاربها؛ لكى نتلاقى جميعا لا من أجل متعة فانية، وإنما التقينا والحمد لله من أجل خدمة ديننا ومن أجل خدمة أمتنا، بل ومن أجل خدمة الإنسانية جمعاء.

وهذه اللقاءات لو لم يكن لها من فائدة سوى أنها تقوى اللقاء الإنسانى فيما بيننا وتجدد المحبة والمودة. لو لم يكن لهذه اللقاءات سوى هذه المعانى الكريمة الفاضلة لكفاها شرفا وفخرا.

إن العقول الإنسانية مثلها كمثل تلك الثريات التى تحيط بنا كلما تقاربت وتلاصقت كلما سطع ضؤها وزاد نورها، لا سيما عندما تتلاقى العقول والأرواح على طاعة الله عز وجل، وفى الحديث الشريف: ( الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ). والقرآن الكريم فى كثير من آياته ينادى الناس جميعا ويؤكد أنهم قد وجدوا جميعا من أب واحد وأم واحدة:

( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.... ) (1).

( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم، (2).

تلتقى هذه الوفود المباركة على طاعة الله سبحانه وتعالى، وعلى خدمة الحق والفضائل وخدمة مكارم الأخلاق؛ تلتقى هذه الوفود المباركة من أجل أن تثرى الإنسانية بالمعانى الكريمة، وبالأخلاق الفاضلة، وبالتوجيهات الحكيمة، وبالعمل على نشر مكارم الأخلاق فى المجتمعات الإنسانية.

إن الحضارة فى شريعة الإسلام تشمل كل رقى للإنسانية فى حدود ما أحله الله سواء أكان هذا الرقى رقيا: عقليا أم علميا أم صناعيا أم زراعيا أم اقتصاديا أم ثقافيا أم اجتماعيا. إن الحضارة فى شريعة الإسلام تشمل كل رقى إنسانى يرقى بالإنسانية فى حدود ما أحله الله سبحانه وتعالى.

عندما نجد العالم الإسلامي يرقى رقيا علميا. نجد العالم أيضا يتقدم علميا، وشريعة الإسلام تزكى ذلك وتؤيده وتقويه وتدعمه، ويكفى أن لفظ " علم " هذا اللفظ المكون من ثلاثة أحرف تكرر هو وما اشتق منه فى القرآن الكريم علم، يعلم، ويعلمون، وتعلمون، واعلموا. هذا اللفظ وما اشتق منه تكرر فى القرآن الكريم أكثر من ثلاثمائة مرة.

وعندما فضل الله سبحانه وتعالى أبانا آدم على الملائكة. لم يفضله بقوة جسده، وإنما فضله على الملائكة بأن أعطاه علما لم يعطه للملائكة:

( وعلم أدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا أدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون، (3).

العلم فى شريعة الإسلام لا ساحل ولا وطن له. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (اطلبوا العلم ولو فى الصين )، وظنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يريد بهذا الحديث الشريف أن يقول: اطلبوا العلم مهما بعد مكانه، سواء أكان فى أقصى الشرق، أو الغرب أو فى الجنوب، أو الشمال.

وثبت فى صحيح البخارى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن ثابت أن يتعلم السريانية والعبرية فتعلم إحداهما فى خمسة عشر يوما ، وتعلم الثانية فى سبعة عشر يوما، وهذا يرشدنا إلى أن النبى صلى الله عليه وسلم يريد منا أن نتعلم وأن نأخذ الحكمة من أى وعاء خرجت، هذا ما أكدته شريعة الإسلام، لأن العلم رحم بين أهله والله سبحانه وتعالى. أمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد من العلم:

( فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن  من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدنى علما) (4).

وما أشار إليه قداسة البابا شنودة من وجوب أن ننشر ثقافتنا للأمم وفى العالم نحن نؤيده فى ذلك. نحن فى الأزهر الشريف وكذلك المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ووزارة الأوقاف نعمل بكل طاقتنا لنشر الثقافة الإسلامية وترجمة الثقافة الإسلامية إلى اللغات الأخرى. على سبيل المثال قام المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بترجمة معانى القرآن الكريم إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والروسية والألمانية، وهكذا، وكذلك قامت دول كثيرة فى العالم الإسلامى بنشر هذه الترجمات، وهى تسير على هذا المنوال وتنشر الكثير من الكتب الإسلامية النافعة باللغات العالمية، ونحن نطالب بالمزيد من ذلك. إن الذين يقولون بأن الحضارات تتصادم مخطئون . فالحضارات عند العقلاء لا تتصادم، وإنما تتعاون. هى تتصادم عند الجهلاء ولكنها تتعاون عند العقلاء والعلم رحم بين أهله.

إن الحضارة الاجتماعية فى مفهوم الإسلام تعنى الترابط والتماسك والتعاون على البر والتقوى. لا على الإثم والعدوان، والنطق بكلمة الصدق والبعد عن الكذب والغرور والظلم.

إن الحضارة الاجتماعية فى الإسلام تعنى العفاف والطهارة والصدق والتعاون على البر والتقوى، وأن نكون عادلين فى أقوالنا، وتأمرنا أن نكون عادلين.

إن شريعة الإسلام تأمرنا أن نكون عادلين فى أقوالنا:

( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى) (5)، وتأمرنا أن نكون عادلين فى أحكامنا.

( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)  (6)، وتأمرنا بأن نكون عادلين فى كل شأن من شئوننا حتى فى مجال الصلح:

( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ) (7).

الإسلام يأمرنا بالعدل والصدق مع القريب والبعيد، ومع العدو، كما قال عز وجل:

( ولا يجرمنكم شنأن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" (8).

الحضارة فى شريعة الإسلام هى تلك المعانى الكريمة، والفضائل والعفاف والطهارة والإخلاص. كل المعانى الكريمة التى تسعد الإنسانية باتباعها.

أما الحضارة فى مجال الاقتصاد فى شريعة الإسلام معناها أن نتبادل المنافع فيما بيننا فى حدود ما أحله الله سبحانه وتعالى. وقد نتبادل هذه المنافع مع القريب ومع البعيد، وأن نتبادل هذه المنافع مع الشرق والغرب، ومع الشمال والجنوب، المهم أن يكون تبادل المنافع فى حدود ما أحله الله وفى حدود ما ينفع الأمة لا فى حدود ما يضرها.

من الذى يقول بأن هذا التبادل ينفع الأمة؟ قطعا هم المتخصصون فى مجال الاقتصاد والسياسة والاجتماع والشريعة؛ ذلك لأن القرآن الكريم يأمرنا باحترام التخصص:

(فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) (9).

وبهذا تسعد الأمم عندما يحترم كل واحد تخصص غيره، ويعجبنى فى هذا المقام ما قاله بعض الحكماء: " ما من عالم إلا وهو تلميذ لغير. فى فن أخر " لا مانع أن يكون شيخ الأزهر تلميذا لطبيب فى تخصص الطب، والطبيب أيضا تلميذ لشيخ الأزهر فى تخصص شيخ الأزهر. هذا هو منطق العقلاء. ولا مانع أن يكون شيخ الأزهر تلميذا لأديب من الأدباء فى مجال أدبه وفى مجال تخصصه، والأديب أيضا تلميذ لشيخ الأزهر فى مجال تخصص شيخ الأزهر، وهذا هو الإسلام وأدب الإسلام. فالإسلام يحترم التخصصات، ويحترم الصادقين ويحتقر الكاذبين:

( إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون " (10).

الحضارة فى شريعة الإسلام: عفاف وطهارة وتعاون على البر والتقوى

لا على الإثم والعدوان؛ وتواضع لأن من تواضع لله سبحانه وتعالى رفعه الله. أما المغرورون الكاذبون فمصيرهم إلى النار وبئس القرار.

وعندما تلتقى هذه الوفود إنما تلتقى على الصدق والطهارة لكى تتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا إلى صراطه المستقيم وأن يوفقنا جميعا إلى ما يحبه ويرضاه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..،،

المراجع

(1) النساء: 1.

(2) الحجرات: 13.

(3) البقرة: 31-33.

(4) طه:114.

(5) الأنعام: 152.

(6) النساء:58.

(7) الحجرات: 9.

(8) المائدة: 8.

(9)  الأنبياء:7.

(10) النحل:116.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع