ورقة عمل حول مشروع حضارى
لنهضة العالم الإسلامى
أ.
د. الشيخ/ محمد على الجوزو
مفتى جبل لبنان
لبنان
عندما
نتحدث عن مشروع حضارى لنهضة العالم الإسلامى،
فإن لهذا المشروع شروطه التى يجب أن تتوفر من أجل قيام
نهضة حقيقية تلحق بركب التقدم الذى يشهده العالم اليوم،
وأول هذه الشروط هو وجود الإنسان الذى سيحقق هذه النهضة
من هو؟ وما هى المقومات التى
سيستند إليها فى بناء مشروعه الحضارى
النهضوى؟ وما هى المبادئ
والقيم التى يسير على هديها لتحقيق أهدافه؟ وإلى أى فكر ينتمى وإلى أى تيار عقائدى أو سياسى أو اقتصادى ينتمى؟
ذلك أن العالم الإسلامى تتنازعه عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية شتى، وتحكمه
أنظمة مختلفة الوجوه والألوان، وأوضاعه ليست واحدة.
والإنسان المسلم المثقف يعيش صراعا فكريا عميق الجذور، بين
التمسك بهويته الإسلامية، وبين التبعية لتيارات العصر الوافدة التى تجتاح الساحة
العالمية كلها، والتى تكاد تصبح هى " السائدة " بالنسبة لكافة شعوب
العالم الإسلامى، لأنها لا تملك أسباب المقاومة.. وليست محصنة داخليا
حتى تواجه هذه التيارات.
هناك صراع رهيب يدور على أرضنا بين التيارات الإسلامية
المتعددة، وبين العلمانيين الذين تأثروا بالفكر الغربى
بمختلف أشكاله، فكيف يمكن التوفيق بين هذه
التيارات والتوجهات؟ وهل نستطيع أن نوحد النظرة إلى الأمور، وكل فريق له فلسفته،
وله نظرته لعوامل النهضة، وطريقة تحقيقها
؟!
كل هذه العوامل مجتمعة، تجعلنا نؤكد أن المهمة صعبة وشاقة،
خاصة و أن العلمانيين يحتلون مساحة كبرى فى عالمنا
اليوم، وهم يربطون بين الإسلام والتخلف، ويرون أن الأمة لن تنهض إلا إذا وضعت
الإسلام جانبا وفصلت بين الدين والدولة كما حدث فى
أوروبا.
من هنا فإننا نحتاج إلى وضع القواعد التى
تنقذنا من هذا التشتت والتمزق بتأسيس مشروع ثقافى
يجنبنا سلبيات هذا التشتت وهذا التمزق، ويوحد نظرتنا إلى الأمور، ويحافظ على
هويتنا الثقافية.
إن قيام مشروع ثقافى موحد للتربية الإسلامية، يقرب المسافة بين
هذه التيارات المختلفة، ويجمع بين الأصالة والتجديد، بين بناء الإنسان المؤمن الذى
يستمسك بنهج الإسلام الأخلاقى والإيمانى وبين ثقافة العصر التى تضمن قيام نهضة
علمية حديثة تأخذ بأسباب التقدم العلمى، وما فاتنا من ثورة العصر فى شتى ميادين
الاختراع والابتكار لكى نسهم فى هذا التقدم العلمى، وتنهض بلادنا من جديد، وتسير
فى ركب الحضارة الإنسانية ولا تتخلف.
التغيير ضرورة
يقول الله عز وجل:( إن الله لا يغير ما بقوم
حتى يغيروا ما بأنفسهم) (1).
والتغيير يقوم على مبدأ تأسيس مجتمع إسلامى
جديد، يلتزم بقواعد الإسلام قولا وعملا، لأننا إذا أردنا أن ندرس أحوال مجتمعاتنا
العربية والإسلامية وجدنا أن التربية التى تتصل بالسلوك
العام " تربية عشوائية " لا تستند إلى أى
منهج عملى يمكنه أن يكون شخصية إسلامية مؤهلة لحمل
مسئوليات النهضة التى نرغب فى
الوصول إليها، لأن التربية الإسلامية تأخذ شكل الوعظ، وحفظ الآيات والأحاديث،
ودراسات السير دون أن يكون هناك منهج تربوى يأخذ
الإنسان منذ أن يكون طفلا، وينشئه تنشئة دينية وفكرية حتى يبلغ سن الرشد، وأن يضع
هذا المنهج التربوى أخصائيون يملكون الكفاءة العلمية التى تجمع بين القديم والحديث دون تضارب أو تصادم.
والذى يرصد طريقة تنشئة الإنسان فى الغرب يجد أن الطفل يحاط برعاية الدولة منذ صغره توضع له
البرامج التربوية التى تهيئه لحمل المسئولية، ولكى يصبح عالما متخصصا أو رائدا من رواد السياسة أو الصناعة
والاقتصاد، ولقد كنا نزور مدينة " ميونيخ " الألمانية يوما ما، وإذا بهم
يأخذوننا إلى مدرسة خاصة بالمتفوقين من الطلبة، فتضع لهم الدولة منهجا تربويا
خاصا، وتخصص لهم أساتذة كبارا يعملون على تهيئتهم ليكونوا قادة وروادا فى شتى المجالات العلمية والسياسية ليقودوا البلاد نحو
التقدم.
لا نريد أن نذهب مذهب العلمانيين فى
وجوب الفصل بين الدين والدولة، كشرط من شروط النهضة، بل نود أن نقول: إن الدين
يبنى ويؤسس لتربية إنسان مسلم تربية أخلاقية إيمانية قوية، تجعله يراقب الله فى قوله وعقله، فإذا أخذ هذا الإنسان نصيبه من الدراسات
العصرية، وملك ناصية العلوم الحديثة، جمع بين الحسنيين، ونهض بواجبه على أكمل وجه،
لأنه سيكون محصنا بأخلاقياته الدينية وثقافته العصرية معا.
بين الجمود والتجدد
الإسلام يفتح أبواب الاجتهاد والتجديد فى
أمور الحياة العامة والتى
لا تتعارض مع الثوابت فى العقيدة أو فى الشريعة، فإذا كان
المجتمع الإسلامى فى حاجة إلى التغيير والتجديد .
فإن " مناهج
التغيير هى التى تمثل مسارات
الجماعات وتستوعب فعالياتها وطاقاتها، وكلما كانت مناهج التغيير متقنة ومحكمة
انعكس هذا الإتقان على تنظيم وحركة الفعاليات. والنظرة التقويمية لمناهج التغيير الإسلامى ".
إن إحساس الإنسان المسلم بضرورة التغيير والتجدد يزداد يوما
بعد يوم، لأن أسباب القوة انتقلت إلى غيرنا بفضل واقعيته وإقباله على الأخذ
بالمناهج العلمية والتربوية التى تنشئ أجيالا من
العلماء والقادة الذين يمكنهم قيادة السفينة بنجاح فى
خضم هذا البحر المتلاطم من الدول المتقدمة والمتطورة والتى
تتنافس على اكتساب المعرفة التى تزيد من قدرتها على
المواجهة، و على الدفاع عن كيانها.
يقول الله عز وجل:( وأعدوا لهم ما استطعتم
من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم... ) (2).
والإعداد فى عصرنا هذا، يقتضى أن
نأخذ المبادرة، وأن نعد المناهج التى تنهض بالأمة.
ويجب أن نلحظ فى هذه المناهج التى تهتم أول ما تهتم بتكوين الإنسان القادر على حمل مسئولية
التغيير.
يجب أن نلحظ الآتى:
إن المناهج يجب أن تضع المراحل المتعددة لهذا المشروع والتى تتلخص فى ثلاثة أمور:
أولا: العلم فى بعديه الدينى والمادى.
ثانيا: التربية التى تستفاد من العلم.
ثالثا: التطبيق و التدريب على
النجاح، وتنفيذ ما أخذناه من معلومات ومعرفة.
لقد كرم الله الإنسان، كرمه بالعقل، وكرمه بالفكر، وكرمة بأن
جعله خليفة له فى الأرض.
يقول الله عز وجل: ( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن
خلقنا تفضيلا) (3).
ويقول جل من قائل:( إن فى خلق
السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب * الذين يذكرون الله
قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السموات
والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) (4).
ويقول جل وعلا: ( وما خلقنا السماء والأرض
وما بينهما لاعبين ) (5).
ويقول الله عز وجل: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا
ترجعون) (6).
كل هذا يؤكد أن الإنسان لم يخلق عبثا، وأن عليه أن يفكر فى خلق السموات والأرض، وفى اختلاف الليل والنهار، وأن يتأمل فى عظمة هذا الكون ليصل إلى المعرفة وأن يدرك حقائق الوجود.
وإذا كان العالم يتقدم اليوم، فذلك أنه
استفاد من دراسة الظواهر الكونية دراسة علمية، فسخر معرفته بهذه الظواهر من أجل
التقدم والتفوق والسيطرة.
وإيماننا بالله عز وجل يزداد مع التقدم العلمى
واكتشاف الحقائق الكونية. ومن هنا تكون المعرفة ذات بعدين:
معرفة الله، ومعرفة أسرار الظواهر الكونية.
واستخدام ذلك من أجل النهوض بالشأن الإنسانى،
وتقديم مشروع حضارى يجمع بين الإيمان والعلم فى أن واحد.
الخطة والتخطيط
لقد علمنا الإسلام أن نضع الخطط التربوية
الناجحة من أجل تحقيق أهدافنا التربوية.
وكان التوحيد دعوة للتحرر من عبادة الوثن والصنم، وتكريم العقل
والسمو به عن الخرافة والدجل.
وكانت العبادات تربية عملية لقيام إنسان يراقب الله فى نهاره
وليله، وهذه المراقبة هى التى تصنع الضمير المؤمن المتصل بالله، وهو الأساس لبناء
الأخلاق الكريمة، والتى تنعكس إيجابا على أعمال الإنسان وسلوكه.
وكان التنظيم الجماعى فى العبادات، لأن يد الله مع الجماعة، ولأن المسئولية يجب أن
تكون جماعية أمام الله، وأن تكون كذلك فى إدارة شئون
الحياة، لكى يحمل كل واحد تبعاته أمام الله وأمام
المجتمع.
الصلاة تدريب عملى على الإيمان
بالله وتقوى الله، والصيام حياة إيمانية كاملة تهذب النفس وتقربها من الله.
هذه هى التربية النفسية..
وهى خطة عملية لتدريب الإنسان المسلم على أن يعيش الإسلام كما
أراده الله.
كذلك التخطيط للنهوض بالأمة والحفاظ على حضارتها وتقدمها
ورقيها هو نوع من العبادة لأنه يدخل فى إطار الإعداد
والأخذ بأسباب القوة والتقدم. إن العمل الجماعى فريضة
إسلامية.
يقول الله عز وجل:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته
ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة
الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا
حفرة من النار فانقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته
لعلكم تهتدون ) (7).
وهذه دعوة للاتحاد والتعاون
والتضامن بين المسلمين، لأن الاتحاد قوة، ويساعد على النهوض، ومن واجب العالم الإسلامى أن يضع خطة عصرية للاستفادة من طاقاته وخبراته من
أجل السير فى ركب الحضارة العالمى،
ولا يجوز لنا أن نظل مفككين ممزقين، كل يغنى على ليلاه، لأن التفرق والتمزق أضعفنا
ومكن الآخرين منا فسيطروا على مقدراتنا وعلى قرارنا وعلى مستقبلنا.
يقول الله عز وجل:( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) (8).
المراجع
(1) الرعد: 11.
(2)الأنفال:
60.
(3)الإسراء:70.
(4)آل عمران: 190- 191 .
(5) الأنبياء : 16.
(6) المؤمنون:115 .
(7) آل عمران: 102-103.
(8) الأنفال:46.