المقومات
الأساسية الثقافية
للمجتمع الإسلامى
السيدة/ سامية * حسين عثمان
رئيس جمعية الحوار المسيحى الإسلامى
سويسرا
منذ
أعوام يراودنى التفكير فى
طرح فكرة مؤتمر حضارى إسلامى
سيتناول موضوعات حضارة الماضى، كما يتناول المشروع الحضارى المستقبلى والتحضر الإنسانى بشكل عام. وها قد أتتنى
الفرصة للمشاركة فى هذا المؤتمر. وسعدت جدا وتحمست
للموضوع. وبدأت فى محاولة تجميع كل ما دار ويدور بخاطرى فى هذا الشأن ، وإذا بى اكتشف أنها عملية عسيرة.. فمن السهل أن ننظم الشعر والنثر
نمجد ونتفاخر بحضارتنا الإسلامية فى القرون الماضية. ونتفاخر
بالمجد الذى وصل شعاعه وسطع نوره حتى أوروبا، وبنت عليه
حضارتها المعاصرة، ومن السهل التذكير بعلمائنا السابقين الذين نبغوا فى علوم الطب والعلاج النفسى
والصيدلة والفلك والرياضيات والفلسفة وفنون العمارة. لكن من الصعب العثور على
إجابة الأسئلة التى تدور بخواطر الكثير منا ألا وهى: هل
واصلنا امتداد هذا الإنجاز عظيم الشأن؟ أين نحن الآن من هذه الحضارة؟ أين مكانتنا فى عالم تحكمه تحديات وتغيرات مستجدة؟ هل ارتقينا بالإنسان
المسلم إلى مرتبة السلوك الحضارى الكامل؟ ما هو السلوك الحضارى؟ وما مدى أهميته فى إقامة
حضارة؟.
إن قواميس اللغة تربط الحضارة بالتحضر وتعرفه بأنه هو الوصول
إلى مرحلة سامية من مراحل التطور الإنسانى، ومظاهر
الرقى العلمى والفنى والأدبى والاجتماعى.
هل وصلنا بالإنسان إلى هذه المرحلة؟! إن المسلم الحق ليشعر
بالحسرة والإحباط، وهو يرى قومه متأخرين فى أمور سبقه
فيها حتى من ليسوا أصحاب دين سماوى. فى حين اقتصر نصيب المسلمين من هذا السبق على الفتات من أمور الحياة.
إن تحضر الإنسان لا يقاس باقتناء السيارات من أحدث الموديلات،
و اقتناء أغلى المجوهرات، وأثمن التحف. وليس امتلاك أطباق الإرسال والتفاخر
بمتابعة نشرات وبرامج n. n. c وغيرها من البث الأجنبى،
وكما أنه ليس امتلاك العمالة الأجنبية التى ليست على
ديننا ولغتنا وأصولنا بشىء وبالرغم من ذلك نعهد إليها
بتربية أبناءنا ثمرة مستقبل أمتنا.
إن الحضارة لا تتمثل فى المنشآت
العظيمة، وإنما هى تتمثل فى
صورة أوضح وأصدق فى صغار الأشياء التى
تقوم عليها حياة البشر.. فالعبرة فى المنجزات التى تكفل للبشر أسباب الاستقرار والأمن.. العبرة فى الارتقاء بالإنسان إلى مرحلة استخدام مواهبه و قدراته فى استغلال الإمكانيات التى سخرها
الخالق لخدمته وخدمة البشرية والحياة واستخدامه فيما يعود بالنفع.. الحضارة هى ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته سواء
المادية أو المعنوية.. لقد خلق الله الإنسان وسلحه بغريزة الحفاظ على بقائه وبقاء
نوعه فبالغرائز وحدها يظل على هيئته التى
فطره الله عليها ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذى
خلقك فسواك فعدلك * فى أى
صورة ما شاء ركبك ) (1). كما زوده بالمواهب مثل العقل ليسخرها لتحسين أحواله (
وهديناه النجدين) (2). يختار أيهما يشاء.
فبحكمة من الله. خلق الإنسان وفى طبيعته هذا الاستعداد
المزدوج لسلوك النجدين. وقد اقتضت مشيئة الله أن تمنحه القدرة على سلوك أيهما شاء.
العلاقة بين المجتمع والفرد:
إن المجتمع يبذل الجهد لوضع الإنسان فى
سن الطفولة فى القالب الحضارى
المناسب والمتناسق للجماعة. فيعلمه قصدا كل ما ترضى عنه وتستحسنه الجماعة. وينهاه عما لا ترضى عنه وما لا يتفق مع قيمها وذلك يكون بداية
من سن الطفولة وحتى البلوغ ومعنى ذلك أن دور الجماعة قائم على التوجيه. وهو الدور الذى يبرزه القرآن كما تبرزه أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لأهميته فى تحقيق
حقيقة هذا الدين. فهو دين جماعة ومنهج جماعة. مع التركيز
على دور الفرد، والمسئولية الفردية فيه تركيزا كاملا.
الإنسان الكامل فى القرآن:
الإنسان هو المخلوق الوحيد الذى
يرتقى ويعمل على تحسين أحوال نفسه بفضل ما وهبه الله له من عقل يرتقى به إلى مرتبة الضمير والتفريق بين ما هو خير وما هو شر، وهو
العنصر الهام فى مراحل تطور الإنسان وبالتالى تحقيق التطور الحضارى.
إن الصورة المرسومة للإنسان الكامل فى
كتابات الشعراء والفلاسفة لم تف بتصوير الإنسان الكامل ولن يتمكنوا من الوفاء بها. فإن القادر على تصوير صورة الإنسان الكامل هو الله
سبحانه وتعالى وحده. خالق الإنسان والعالم بتكوينه
وطبيعة فطرته. وهذا التصوير نجده فى كثير من الآيات
القرآنية وكذلك الكثير من الأحاديث فعلى سبيل المثال نتأمل سورة البلد (لا أقسم
بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد * ووالد وما ولد) (3). ففى
هذه السورة يكون خلق الإنسان مادتها الأساسية، يلفت نظرنا بها
إلى رفعة قدر هذا الطور فى أطوار الوجود، وإلى ما فيه
من بالغ الحكمة وإتقان الصنع، وكذلك نجد فى سورة التين
(وهذا البلد الأمين * لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين *
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) (4). فهنا ليس مجرد خلق
الإنسان ولكن أيضا استعداداته الخلقية.
إننا لن نجد كتابا يحض على الرحمة ( الذين آمنوا وتواصوا
بالصبر وتواصوا بالمرحمة) (5). يحض على الصدق والإحسان وأداء الأمانة ( ادفع بالتى هى أحسن )(6).
( إن الله يأمركم أن تؤدوا
الأمانات إلى أهلها) (7) . الحكم بالعدل ( وإذا حكمتم
بين الناس أن تحكموا بالعدل) (8). لن نجد كتابا يوجه
الإنسان إلى طريق النجاح والنجاة مثل كتاب الله.. القرآن
الكريم.
- الصدق والالتزام
بالكلمة والوفاء بالعهد ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا
عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) (9). (وأوفوا بالعهد إن
العهد كان مسئولا) (10).
- النهى عن
التبذير والإسراف ( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)
(11).
- آداب الزيارة (
يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها
ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون ) (12).
- نبذ الزور
والبهتان ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم و لا
نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم و لا تنابزوا
بالألقاب) (13).
هل هناك مجتمع أفضل، ذو أدب رفيع من المجتمع الذى يقيمه الإسلام؟
مجتمع تصان فيه كرامة الفرد ولا تمس . أليس هذا النظام الروحى
الذى نزل فى القرآن هو جوهر
ودعامة قيام الحضارات إنه حجر الأساس لقيام حضارة يتكامل فيها التحلى
بالنقاء والطهر والبعد عن الدنس وحب الذات وتجنب الانغماس فى
الماديات.
حاجة الإنسان للثقافة الإسلامية:-
هناك حضارات كثيرة قامت ثم وقفت فى
مكانها دون أن تتقدم، لأن الظروف التى قامت فيها تغيرت
ولم يسمح لها إلا بالتقدم اليسير أو ثبطت حافز الجماعة على متابعة التقدم، ولذلك
نجد أنفسنا فى الوقت الحاضر فى
عالم تسوده الصراعات.. عالم ممزق نفسيا أو جسديا، الفرد فيه قلق لا يشعر
بالاطمئنان ولا يستمتع بالأمن والسعادة، عالم الحاجة فيه ضرورية إلى تربية ضمير
الفرد، ولن يتسنى لنا ذلك إلا بالتثقيف الإسلامى( و
ننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة... ( (14).
إن الإسلام جاء ليبنى أمة.. يبنيها لتقوم على أمانة دينه فى الأرض، ومنهجه فى الحياة.
ونظامه فى الناس، والإسلام يمنح
الإنسان قيمة أساسية إذ هو اللبنة الأولى التى يركز
عليها الإسلام لبناء مجتمعه ويعتبر ضمير الإنسان المكان الأول الذى
تنبت فيه العقيدة.
ولم يكن بد أن يبنى نفوس الأفراد والجماعة فى
آن واحد فيغرس فى نفس الفرد بذور الأمن والاستقرار،
والإيمان، وبالإيمان يجعله رقيبا على نفسه وعلى أعماله ويوافق بين متطلباته
وقدراته.
ولا يتنسى بناء الفرد إلا فى جماعة، ولا يتصوره الإسلام قائما إلا فى
محيط جماعة منظمة وذات نظام، وذات هدف جماعى منوط فى الوقت ذاته بكل فرد فيها، هدفه إقامة المنهج الإلهى فى الضمير وفى العمل وفى
الأرض.
إن الإسلام جاء ليحكم حياة البشرية ويصرفها ويهيمن على كل نشاط
فردى وجماعى فى كل اتجاه ومن
ثم فإن آدابه وقواعده ونظمه كلها مصوغة على هذا الأساس،
وحين يوجه اهتمامه إلى ضمير الفرد يصوغ هذا الضمير على أساس أنه يعيش فى جماعة.
خلاصة القول أن البشرية فردا وجماعة تحتاج إلى التحضير الإسلامى لتتخلص من المعاناة ( هو الذى
أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع
إيمانهم ) (15). حتى يؤدى وظيفته فى المجتمع بفاعلية
وضمير ( فتوكل على الله إنك على الحق المبين ) (16). لقد جاءت تعاليم الإسلام
لتثبت للفرد أن الله خصه بالكثير من الرحمة والتكريم له عن باقى
المخلوقات، فهو خليفة استخلفه الله فى الأرض لينطلق
ويؤدى دوره فى خدمة البشرية والكون مستغلا الثروات التى سخرها الله له وأمده بعناصر القوة والحيوية ليكون قادرا
على التواصل مع الأجيال المتعاقبة.
الآداب والأخلاق دعامة السلوك الحضارى:
إن القيم الظاهرة التى يراها الرجال
والنساء فى أنفسهم ليست هى
القيم الحقيقية التى يوزن بها
الناس. فهناك قيم أخرى قد تكون خافية عليهم، يعلمها الله ويزن بها
العباد، ومع ذلك فإن آداب السلوك الظاهر هى عنوان الخلق
الباطن، والآداب وسرائر القلوب هى الأفعال ومنابعها،
وأنوار السرائر هى التى تشرف
على الظواهر فتبدى محاسنها، ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه.. ومن
لم يكن صدره مشكاة الأنوار الإلهية لم يفض على ظاهرة جمال الآداب النبوية.
إن رسول الهدى خير مثال نحتذى به فى آدابه وأخلاقه المأثورة (
لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة ) (17). إن بيان
آداب الرسول لا تعد ولا تحصى، فهو العفو عند المقدرة، والسخى
ذو الجود، المتواضع، الزاهد ذو الشجاعة والبأس. إن أى
أمة سار أفرادها على نهجه علا شأنها وترعرعت حضارتها وسبقت بها
جميع الأمم ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) (18).
مآثر من آداب الرسول:
كان رسول الله كثير الضراعة والابتهال وكان دائما يسأل الله
تعالى أن يزينه بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق، فيدعو رب بقوله ( اللهم حسن خلقى كما حسنت خلقى )، ويقول (
اللهم جنبنى منكرات الأخلاق ) فاستجاب الله وأدبه بآداب
القرآن وآداب الخلق وأثنى عليه بقوله: (
وإنك لعلى خلق عظيم) (19).
وكان
صلى
الله عليه وسلم أحلم الناس، وأشجع الناس،
وأعدل الناس، وأعف الناس،. وأشدهم حياء، لا يثبت بصره فى
وجه أحد ولا يستكبر عن إجابة الأمة والعبد، ينفذ الحق وإن عاد عليه ضرر أمته، يعود
المرضى، يمشى بين أعدائه بلا حارس، وكان أشد الناس تواضعا، وأحسنهم بشرا، يحب
الطيب ويكره الرائحة الرديئة ويكره أن يوجد منه إلا ريح طيبة، كان يجالس الفقراء ويؤاكل المساكين، ولا يحتقر مسكينا لفقره، وكان له عبيد وإماء
لا يرتفع عليهم فى مأكل أو ملبس كان صلى الله عليه وسلم يقبل معذرة
المعتذر إليه، وفى مجلسه يبلغ فى غير تطويل.
- ما شتم رسول
الله صلى الله عليه وسلم أحدا، وما لعن امرأة قط، فقد كان عليه الصلاة
والسلام يقول ( إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعانا ) ما خير بين أمرين إلا اختار
أيسرهما، وما كان يأتيه حر أو عبد أو أمة إلا قام معه فى
حاجته. وفى حديث عن أنس: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت من المدينة فى حاجتها،
ولا يأنف ولا يستكبر أن يمشى مع الأرملة والمسكين حتى يقضى لهما حاجتهما.
- كان مجلسه وحديثه لطيفا يتوجه للجالسين إليه فى
حياء وتواضع وأمانة ويدعوهم بما يستميل قلوبهم بصدد ذلك
وذلك فى قوله تعالى: ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو
كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين )
(20).
وكان أبعد الناس غضبا وأسرعهم رضا،
فيقول (صلى الله عليه وسلم) ( إن بنى آدم هم. خيرهم بطىء الغضب سريع
الفيء ) ولم تكن الأصوات ترتفع فى مجلسه، وإذا تحدث كان
أفصح الناس منطقا وأحلاهم كلاما وأو جزهم بلاغا وعن
عائشة رضى الله عنها، كان كلام النبى،
كلاما فضلا يفهمه كل من سمعه، وأخيرا كان النبى صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تبسما وضحكا فى
وجوه أهله وأصحابه ولربما ضحك حتى تبدو نواجذ..
الثقافة الإسلامية وعصرنا الحاضر:
لقد وقع تغير كبير داخل الأمة الإسلامية يستوجب ترتيب العقل الإسلامى من جديد، فالأرض الإسلامية اليوم فى أمس الحاجة إلى قواعد من التربية والتثقيف تنهض على أصول
دينية ثابتة تشد النفوس وتجذب القلوب.
إن الظروف الحالية و متغيراتها تواجهنا بتحديات عنيفة.. تختبر
فيها قدراتنا وقوتنا وكفاءتنا على التحدى، وتقتضى أن
نثبت جدارتنا وقدراتنا على التطور والتواصل الحضارى فقط
بالإيمان والعلم نقوى على مواجهة تحديات العصر ومواجهة الجولة الحاسمة لإثبات
قدراتنا وكفاءتنا.
لقد حرر القرآن الإنسان من الأغلال التى
تعوق تحقيقه لإنسانيته المكرمة أو تقيد مسعاه الطامح إلى ما سخر له الله كل ما فى السموات وما فى الأرض.. إن
قواعد الإسلام وفروضها التى نزل بها
الوحى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هى قواعد سامية بلغت فى سموها ما
لم تبلغه أى حضارة أخرى، وتصل بالإنسان إلى غاية
الكمال، فعلى رجال الفقه وعلماء التربية أن يهبوا وينهضوا لمواجهة تحديات العصر،
ويجب عليهم ألا يجمدوا على القديم فإن الجمود من سمات الموت. فلابد إذن من تطوير
الفقه الإسلامى للوفاء بحاجة الأمة الإسلامية
ومتطلباتها العصرية.
إن التربية الإسلامية الصحيحة تقوم على فقه واسع فى الحياة والإحياء ونحن لدينا ثروة طائلة من نصوص الكتاب
والسنة تكون رصيدا لأية محاولة للإصلاح.
إن الإسلام يترك للعقول حرية التصرف والاختيار ويحث على
التجديد، بل إنه يزيح العوائق التى تحد من نزوع الأفكار
إلى الابتكار شرط أن يلتزم بالنظر الثاقب وحسن القصد و الإخلاص لله رب العالمين
وشرط تسخير نتاج الابتكار بما يعود على البشرية بالخير والبر.
نحو مستقبل ثقافى وحضارى إسلامى:
إن التربية الثقافية لابد وأن تنبع من ظروفنا ومن أصولنا
الإسلامية، ولهذا فنحن نحتاج إلى تعبئة المؤسسات التربوية جميعا من أجل تحقيق هذا
الهدف ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) (21). فالمراد إذن من تشريع الخالق هو التعليم والإرشاد وقد قال (صلى الله عليه وسلم) ( من تعلم بابا من العلم ليعلم الناس أعطى ثواب سبعين
صديقا). إن المسلم المتعلم قد حمل أمانة عظمى يسأل عنها يوم الموقف العظيم، لقد
وضع العلم والتعليم فى منزلة الجهاد.. وقد اعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فدية لفك رقبة الأسرى فى
غزوة بدر وتعليم العلم صدقة، وأنس فى الوحدة، ومنار
سبيل الهدى، بالعلم يرفع الله أقواما وأمما فيجعلهم فى
الخير قادة هداة، فالعلم حياة القلوب ونور الأبصار.
إن دور المؤسسات التعليمية سواء المدارس
أو وسائل التعليم والتثقيف السمعية والمرئية تقع عليها مسئولية عظمى، وهذا يتطلب
من أولى الأمر أن يولوها عناية ومتابعة دقيقة، ومدروسة ومتطورة على منهج متناسق
تماما مع طبيعة البيئة وأحوالها الجلية والخفية.
( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (22).
دور مؤسسات التربية فى البعث الثقافى:
ا- الأرض الإسلامية اليوم فى أمس
الحاجة إلى قواعد من التربية تنهض على أصول دينية ثابتة، ولابد للمدارس والمعاهد
من تطوير مناهجها وطرق التدريس والخروج بها من النطاق
المقتصر على التدريس النظرى إلى نطاق الربط العملى بحيث يربط الدارس بين مادة الدرس وبين التطبيق العملى فى مجالات الحياة، فهناك
فرق كبير أن نعلمه نظريا " إن الله جميل يحب الجمال" وبين أن يلمس هو
بنفسه هذا الجمال والإبداع الإلهى حين يقوم هو بذاته
بغرس نبتة يتابع مراحل نموها وتطورها، وهناك فرق أن ندرس له آيات الرحمة والمودة
داخل حجرات الدراسة وبين أن يسمح له فى إطار المنهج الدراسى لمعايشة هذه المعانى
السامية معايشة واقعية من خلال زيارات ميدانية للمؤسسات الاجتماعية ليشارك على
الطبيعة فى تقديم الخدمات لذوى الحاجة ويكتسب خبرة حية
تقوى من تنمية هذه المشاعر فى وجدانه.
وكلما بدأنا بالدارس منذ صغر السن تأصلت هذه القيم فى سلوكه، فيمكن حث الأطفال فى دور
الحضانة على رسم اللافتات التى تجعل فى طياتها التعبير عن القيم القرآنية.
2- الدين الإسلامى دين يمجد العقل، ويوقر العلماء، ويدعو إلى التأمل فى ملكوت السموات والأرض، وعلى هذه الأسس لابد وأن يقوم منهج
إعداد الدعاة بحيث يشمل الإلمام الواسع بالعلوم الطبيعية والفلسفة وعلم النفس
والاقتصاد، وكذلك آراء العلماء المسلمين والمستشرقين الأجانب.
3- الأسرة هى المهد الذى ينشأ فيه الفرد، وهى
اللبنة الأولى لتكوين المجتمع وأول حلقة فى سلسلة
المجتمع وعليها تبنى قاعدة المجتمع السليم الآمن. ولذا يجب أن تنظم دورات إجبارية
للمقبلين على الزواج يتعرفون من خلالها على الأسس والمبادئ الإسلامية للأسرة، وعلى
وظيفة وحقوق وواجبات كل فرد فى إطار التشريع القرآنى.
4- لم تعد وسائل
الإعلام السمعية والمرئية مجرد وسيلة ترفيهية فحسب، بل وبإجماع علماء النفس
والتربية والاجتماع أصبحت هذه الوسائل فى السنوات
الأخيرة ذات نفوذ وسيطرة لا يستهان بها
فى التأثير على إدراك وسلوكيات الأفراد من كافة
الأعمار، والوسيلة التى يستمد النشء منها رموز تكوين
شخصيته وسلوكه، ولذا لابد من مراجعة النظر فى المواد التى تقدم بها، وتقنينها بدقة وبذل
الجهد لتطوير العاملين فى هذا الحقل بالصورة والأسلوب الذى يضمن مراعاة ظروف المجتمع الشرقى
ومتطلباته.
المراجع
(1) الانفطار: 6-8 .
(2)البلد:10.
(3)البلد: 1-3.
(4)التين:3-6.
(5)البلد:17.
(6) المؤمنون: 96. ، فصلت: 34.
(7)النساء:58.
(8) النساء : 58
(9)الصف:2-3.
(10) الإسراء :34.
(11) الأعراف: 31.
(12) الشورى : 27
(13) الحجرات: 11.
(14) الإسراء: 82.
(15)الفتح:4.
(16) النمل: 79.
(17) الأحزاب: 21.
(18) التوبة: 128.
(19) القلم: 4.
(20) آل عمران: 159.
(21)آل عمران: 187.
(22) الرعد:11.