الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الحادي عشر : نحو مشروع حضاري لنهضة العالم الإسلامي
 
المشروع الحضارى الإسلامى

المشروع الحضارى الإسلامى

من الصياغة إلى التفعيل

أ د / محمد بشارى

فرنسا

1- الهوية الحضارية: مطلب فى الصميم

أ‌-              المطلب: من هو المواطن إذا لم تكن له هوية؟

هوية تشكل مرجعيته ومنطلقه فى التعاطى مع الذات والآخر... وليس السؤال أن تكون لنا هوية حضارية أم لا؟... ولكن السؤال: ما هى هويتنا الحضارية؟ وعلى أية أرضية تقف؟ وبأى مذاق نذوق الحياة؟ وبأى منظور ننظر الأشياء؟ وما مرجعيتنا حين نتعامل مع الأحداث، مع الأصدقاء مع الحلفاء، ومع الأعداء والخصوم؟

قد يقول البعض من فاقدى الهوية (أو لنقل غربيى الهوية) ممن اختلطت الأمور عندهم.. إن مشكلة الهوية غير مطروحة وإنها مجرد فخ يرهن الإنسان لمعتقدات وتقاليد وثوابت سلوكية أو فكرية ليس هو من اختارها.. ولكننا نعتقد أن هذا الإعداء مجانب للصواب.. وإلا كيف نفسر منازعة الغرب لنا فى هويتنا وأصالتنا؟.. بل قد استدعت تلك المنازعة أن يشن الأمريكيون والكواكب الغربية المرتبطة بهم غارة حضارية على أرض العراق ضد الأمة العربية والإسلامية ليكرسوا نظامهم الدولى الجديد).

القضية، إذن، هى ما هى هويتنا الحضارية التى تمثل إرادة المقاومة لكل أشكال الغزو المادى والمعنوى، كذا أرضية ومنطلق إقلاعنا ونهضتنا؟..

ب- العناصر: الانتماء للأمة العربية والإسلامية

فلاشك فى ذلك.. ونأمل ألا نختصم مع من يعتبر نفسه امتدادا للغرب فى صورة من الصور.

وبهذا الانتماء العزيز.. تكون هويتنا الحضارية واضحة.. ومقوماتها ترتكز على محورين رئيسيين هما: الإسلام واللغة العربية.. ونحن حين نقول الإسلام، فنقصد عقيدة الأمة العربية والإسلامية وشريعتها وروحها ونبضها.. وملكا لعمومها لا حكرا لفئة دون فئة كما حصل فى بلاد الغرب يوم كانت الكنيسة تقوم بدور رجعى تخدر الناس، وتفرق عليهم صكوك الغفران ليجيزوا النهب ويحاربوا التنوير العلمى..

وحين نقول اللغة العربية، فلسنا نلغى مختلف اللغات أو اللهجات القائمة فعلا فى عالمنا العربى الإسلامى فعدد العرب الذين جاءوا مع الفتح الإسلامى ونتيجة له لم يكن يتجاوز عدة آلاف.. وواضح أن الأمازيغ امتصوا القادمين الجدد وانصهروا معهم فى بوتقة الحضارة العربية الإسلامية، وأخذوا منهم وأعطوهم.. حتى أصبحوا هم الجنود والقادة وهم الأصل والفروع، وأعطوا للإسلام قادة خلدهم التاريخ فى مقدمتهم طارق بن زياد كما قال أحد المفكرين الجزائريين...

فما كان مشكل اللغات أو اللهجات قائما فى العالم العربى والإسلامى إلا بعد دخول الاستعمار الذى ارتكز فى عمله على أيديولوجية التجزئة... فحاول مثلا، فى المغرب التفريق بين العرب والبربر من خلال إحياء (الظهير البربرى) ولكن لم يفلح أمام وحدة الشعب المغربى وصموده.. كما أنه لم ينجح فى الجزائر بإثارة مشكلة وهمية تتعلق بالقبائل بسبب اللحمة الحضارية التى وحدت أهل الجزائر ولكنه نجح فى تكوين دولة " طوائفية " فى لبنان دون أن يخدش فى مرجعية اللغة العربية.

إن اللغة العربية لم تكن يوما ما محط جدال، ولكن حين تغيب الهوية الحضارية، حين يتغلغل منطق الاستعمار فى النفوس والعقول فإن التجزئة وغيرها تجد مرتعها الخصب..

وحين نقول إننا ننتمى للأمة العربية والإسلامية، فنحن بهذا نقر الحقيقة.. ونحدد الوجهة... و (لكل وجهة هو موليها). 

وثانيا.. إن هذا الإقرار.. وذلك التحديد.. لا يعنى أبدا الانعزال عن الآخر أو العداء للآخر.. وأهمية تمييز الذات عن الآخر فى إشكالية الهوية لا تنبع من العداء للآخر، ولكن من الحاجة إلى بناء الجماعة ذاتها كفاعل عالمى كما أشار إلى ذلك برهان غليون..

جـ - المشاهد

لقد تفاعلت الأمة الإسلامية مع الآخر إلى الحد الذى سطعت شمس أمتنا على الغرب.. هذا الأخير الذى بدأ إقلاعه التجارى والصناعى متتلمذا على أمتنا ليصبح اليوم شرطى العالم..

لسنا ضد الغرب كوجود، وإن كنا ضد الصهيونية كوجود.. لآن هناك غربيين إنسانيين حقيقيين لم يتلوثوا بأيديولوجية "التفوق الغربى "..

 ولكننا ضد الغرب يريدنا ملعقة له.. وسوقا لمبيعاته..

وقاعدة عسكرية يضرب منها أمتنا.. وأرضا يجرب فيها أسلحته المدمرة.. نحن ضد منازعة الغرب لنا فى أصالتنا وفى هويتنا ا لحضارية..

إن إقرار الهوية الحضارية ليس إقصاء للخصوصية التى يلزم أن تنفتح على الآخر وتتحاور معه وتتواصل معه.. وتأخذ منه وتعطيه.. ثم إن الأمة الإسلامية ما كانت تجنح للعدوان كما يفعل الغرب اليوم..

(وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) (1).. فالأصل هو التعارف والبحث عن إمكانيات التعاون بل وفتح حوار بين الحضارات..

إن الأمة العربية الإسلامية ذات رسالة خالدة.. تتجاوز الحدود الجغرافية الوهمية.. لتنفتح على الحضارات المختلفة وتتواصل معها.. وعليه، لم تكن الفتوحات العربية الإسلامية (بنازع عدوانى)، بل كانت بسبب رفض الحاكمين فى الحضارات الأخرى الحوار والتواصل.. لقد حملت مشروع الإنقاذ.. فكانت الحروب العربية الإسلامية بذلك بردا وسلاما على كل الشعوب التى وصلتها.. إذن، لقد ظل الإسلام واللغة العربية مصدرا" للتضامن الداخلى والفاعلية التاريخية" على حد تعبير المفكر برهان غليون..

ولهذا.. حين ضاعت معالم هويتنا الحضارية.. ضاعت مقومات صمودنا.. وضاعت إرادة المقاومة فينا.. وأصبحنا نسيا منسيا.. وأضحينا موضوع قرارات الغرب والخصوم عموما ننفذها دون مناقشة ودون كثير جدل..

حينما ألقينا بهويتنا الحضارية على جانب الطريق.. أصبحت الأمة العربية الإسلامية رهينة حكم السفارات، تفعل بها ما تشاء.. وأصبح كل قرار صغير أو كبير تريد أمتنا اتخاذه يخضع لرقابة مسبقة للأجانب.. وحينما فرطنا فى هويتنا الحضارية، ضاع إقلاعنا الاقتصادى والتنموى.. وأصبحنا مدينين للغرب.. وكلما ازداد التفريط فى الهوية، كلما أثقلنا الأعداء بالديون.. حتى صرنا رهنا لهم.. يشترطون علينا.. فننفذ.. وأصبح كل درهم نتلقاه منهم قيدا ينازعوننا فيه أصالتنا.. ويضربون فيه قدرتنا الشرائية.. ويضيقون به أحوالنا.. إلخ.

وحتى الديمقراطية التى يطالبون بتحقيقها فى حياتنا العامة ليست هى ديمقراطية الإنسان، أو ديمقراطية التنمية، أو ديمقراطية الإقلاع الاقتصادى والصناعى، أو ديمقراطية الوحدة العربية الإسلامية بل إنها " ديمقراطية الأمة " فى أبشع معانيها وصورها.. بمعنى استئصال كل محاولة لمقاومة المشاريع المعادية لأمتنا وكذا الحيلولة دون إقلاعنا الاقتصادى والصناعى.. وحينما تركنا هويتنا الحضارية.. ضاعت معالم الحرية الحقيقية.. ضاعت الوحدة الوطنية، ضاعت التنمية وأصابنا القمع والتخلف والجوع والمرض والبطالة.. وكل ما يصيب الأمم المريضة من مصائب وويلات..

وحينما لم يعد للقيم الأصيلة معنى فى حياتنا .. انتشرت الفحشاء فى أبشع صورها.. وشاعت الأمراض والأوبئة.. ودخلنا وهم الملابس والموضة والماكياج.. وماعت القيم فى حياتنا.. فمن يصلح الملح إذا الملح فسد؟.. وكيف سنمارس العمل السياسى السليم فى مثل هذه الأجواء؟. وكيف نحقق الديمقراطية والناس فى لهو يلعبون؟.. وكيف نحلم بغد مشرق عزيز بدون همة المقاومة والإنتاج؟..

وحينما نسينا أصلنا وأصالتنا ضللنا الطريق.. وأصبح الغرب بكافة مكوناته وكواكبه، يتداعى علينا كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.. ليس من قلة بنا.. ولكن لغثائيتنا ووهننا.. كما عاثت الصهيونية فى أرضنا كما تشاء وحين تمسكت الأمة بهويتها الحضارية.. وراحت تقاوم.. فاختارت بذلك أن تعيش عزيزة وكريمة.. لتموت عزيزة وكريمة.. لأنها أدركت أن الذى يعيش لنفسه يعيش صغيرا وذليلا ويموت صغيرا.. فلا نامت أعين الجبناء.

وبعيدا عن هويتنا الحضارية وأصالتنا التاريخية، جربوا فينا كل صيغة.. وظل الجوهر هو هو.. التبعية للأجنبى وضياع الديمقراطية وحقوق الإنسان..

فى الماضى، وفى عهود أسلافنا المناضلين، لم نكن هزوا بين الأمم..

بل كانت للأمة العربية الإسلامية كلمتها وصولتها وجولتها فى كل الميادين.. واليوم خارت العزائم.. وترعرعت القابلية للأجنبى وللاستعمار الجديد. ولا يكاد يمر يوم دون أن نشم رائحة الأجنبى.. فى السياسة والاقتصاد والاجتماع.. والثقافة والأخلاق والقيم مع السلف..

وبعد):إن مقدمة أى إقلاع نهضوى لن تكون إلا بالوقوف على أرض هويتنا الحضارية منهجا ومرجعية..)

فمتى يطل صباحنا ونعود لأصلنا ونقف على أرضية هويتنا الحضارية؟. ذلكم هو أحد تحديات الأمة العربية الإسلامية الراهنة...

2- المشروع الحضارى الإسلامى

ا- عناصر المشروع

إن مصطلح " المشروع الحضارى الإسلامى. هو مصطلح مستحدث لا نجده فى التراث الإسلامى مما يعبر عن توجه جديد فى كيفية فهم العمل الإسلامى ومهماته، وانطلاقا من ذلك فإن استعمال مصطلح " الحضارى " هو تعبير عن الأزمة التى تعيشها البشرية فى الوقت الراهن بحيث أن هذه الأزمة تشمل جميع جوانب الحياة الإنسانية، مما يقتضى إجابة حضارية على هذه الأزمة، ولهذا كان تعبير المشروع الحضارى الإسلامى يصب فى هذا الاتجاه.

وعبارة" المشروع الحضارى الإسلامى " تعنى نسق التفاعلات بين عناصر البناء الاجتماعى. والبناء الاجتماعى فى التصور الإسلامى يرتكز على عناصر خمسة: الإنسان- الطبيعة- الزمن- العلم- العمل.

وسوف نحاول تحديد موقع كل هذه العناصر فى التصور الإسلامى:

أ- ا لإنسان

إن الإنسان يمثل داخل المشروع الإسلامى، الحلقة المركزية، وذلك لما أوكل له الله تعالى مسئولية قيادة الحياة، ومن خلال ما أودعه فيه الله تعالى من شروط تمكنه من القيام بهذه العملية الضخمة، وأول هذه الشروط نعمة العقل والإرادة والاختيار الحر، حيث أن الله تعالى اعتبر الإنسان المخلوق الوحيد المسئول عن نفسه، وبالتالى سيحاسب عن كل خطواته فى الوقت الذى لم تعتبر المخلوقات الأخرى كلها كذلك.

انطلاقا من الآية الكريمة ( إنى جاعل فى الأرض خليفة) يتضح أن الله سبحانه وتعالى أراد للإنسان أن يكون أداة الله فى الحياة وفى الأرض، بحيث خلق الله تعالى من خلاله كل تلك القيم التى يمكن أن تسمو بالإنسان إلى المرتبة التى أرادها الله تعالى له.

هناك من يطرح الإنسان فى المشروع الإسلامى فى خانة مهملة بحيث أن لا حول له ولا قوة له وأنه ضعيف.. ونحن نرى أن هذا الطرح فيه كثير من الخطأ، بحيث أن ضعف الإنسان أمام الله تعالى يعنى ضعفه أمام القوة التى وهبته سر الوجود، الكل ضعيف أمام الله، الكون والإنسان.. الكون مخلوق من طرف الله تعالى، لهذا، فالله سبحانه أراد الإنسان عبدا له ومن خلال هذه العبودية يستمد الإنسان طاقته ليكون حرا أمام كل الناس والطبيعة.

ب- الطبيعة

إن الإسلام حين تحدث عن الطبيعة، اعتبرها مختبرا للمعرفة لأن معرفتها تجعلنا نكتشف سنن الله فى الكون التى تعبر عن التوحيد داخل الإطار الكونى، فمن خلال اكتشافاتنا داخل هذه الطبيعة نستطيع معرفة وجود الله تعالى. ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار)(2). إن الله سبحانه وتعالى لم يبق قوانين الطبيعة جامدة وعديمة من حيث إمكانية التطور، بل جعلها ثابتة من حيث القوانين والسنن ومتطورة ومتغيرة فى الشكل، وسخر للإنسان إمكانية الكشف عن هذه القوانين، وبالتالى استغلال هذه الطبيعة فى صالحه، لأن الطبيعة والإنسان يكملان بعضهما.

فالمسألة ليست بين قاهر ومقهور لأنها تشبه من يريد فتح باب مغلق فيبحث عن المفتاح فيجده، هذا لا يعنى أنه قهر الباب أو قهر الناس الموجودين داخل البيت، ولكنه وجد الأسلوب الذى يمكنه من الدخول إلى البيت، فكذلك الطبيعة، فهى مهيأة لكل من يمتلك المفتاح.

جـ الزمن

إن الزمن فى المفهوم الإسلامى يمثل الخط الذى تتجسد فيه حركة الإنسان على طول الحياة، لهذا فالزمن فى طرح الإسلام يعتبر مسئولا عنه أمام الله فيما يمكن أن يختزنه من النشاط الإنسانى، بحيث أن الإنسان لابد من أن يجعل من الزمن شيئا إيجابيا من خلال حركاته داخل هذ الزمن الذى هو المعمر بالنسبة للإنسان. انطلاقا من هذه العبارات تتضح أهمية الزمن فى المفهوم الإسلامى، كل يوم يمر على الإنسان إلا واعتبر شاهدا ومراقبا لحركة الإنسان، لهذا جاء فى "دعاء الصحابة رضوان الله عليهم" اللهم هذا يوم حادث جديد، وهو علينا شاهد عتيد، إن أحسنا ودعنا بحمد وإن أسأنا فارقنا بذنب "، هنا يتضح أن اليوم وهو جزء من الزمن يعتبر شاهدا ورقيبا ومحطة لا بد أن يقف فيها الإنسان ليسائل نفسه حول حركته فى ذلك اليوم فإن كانت خطواته خيرا، فيما يمكن أن يسجله من مواقف لصالح قضايا العدل والمستضعفين وفيما يمكن أن يقوم به من عبادات يستغفر الله من خلالها، فسوف يودعه ذلك اليوم بذنب.

إن الإسلام ينظر إلى الزمن على اعتباره خطا تصاعديا، لهذا فإن حركة الإنسان يجب أن تسير على هذا المنوال بحيث يستثمر الإنسان كل وقته الحاضر أكثر من الماضى فى اتجاهه الإيجابى لهذا جاء فى الأدعية: ( اللهم اجعل مستقبل أمرى خيرا من ماضيه وخير أعمالى  خواتيمها، وخير أيامى يوم ألقاك فيه ).

إن الإسلام حين تعامل مع الزمن فى أبعاده الثلاثة: الماضى والحاضر والمستقبل، فإنه لم يرض للأنسان أن يبقى محدقا فى الماضى بشكل انفعالى، أو أن يعيش الأسف على ما فات، أو ليتجمد عند الوجه المشرق الماضى، بل الإسلام يقول لنا بأن الماضى هو عمر الآخرين ولسنا مسئولين عنه، وقال تعالى (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) (3).

أما الحاضر فهو مسئولية الفرد التى لابد له أن يتحملها داخل الزمن، من خلال حركته التى تسعى لتجميع عناصر الغير فى الحياة وللدفاع عن قضايا العدل والمستضعفين وحفظ قيام الإنسانية التى فطر الله عليها الإنسان.

أما المستقبل فهو حركة نحو الزمن القادم، والزمن الذى يمكن للإنسان أن يبدع فيه الجديد، ويمكن أن يصحح فيه أخطاء الماضى.

إذن فالمستقبل بالنسبة للإسلام يجب أن يدرس فى الحاضر والماضى، فإذا جاء المستقبل ولم تستطع تحقيق بعض المشاريع فإنك تكون مسئولا أمام الله عن ذلك كله لأنك وإن لم تكن قادرا فى المستقبل فذلك لأنك لم تحسن استغلال الماضى وجمدت قدرتك على تركيز البداية، لأنه لابد لك أن تخطط لمستقبلك من خلال حاضرك مستعينا بماضيك.

د- العلم

فى المفهوم الإسلامى نستطيع أن نعتبر العلم كان فى البدء بحيث أن الله سبحانه هو العالم بكل شئ ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (4). فالله تعالى تتحرك إرادته فى كل عناصر الحياة والإنسان والكون (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة فى ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين)(5) ثم نلاحظ أن العلم كان حينما انطلق الإنسان ( وعلم أدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء)(البقرة 31) لهذا أراد الله سبحانه للإنسان أن ينطلق لاكتساب العلم تمشيا مع ميزته على باقى المخلوقات بحيث أن الله فضل آدم على الملائكة بعلمه بأسماء لم يعلمها للملائكة. لهذا فإن الله تعالى أراد للإنسان فى ابتهالاته إليه أن يدعو الله بقوله: (وقل رب زدنى علما)(6) إذن فالعلم هو القيمة الإيجابية وهى قمة العلم، والقيمة السلبية وهى قمة الجهل:  (قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون)(7) لهذا فإن الإسلام يدفع الإنسان إلى اكتساب العلم ويحمله مسئولية ذلك، لأن الجهل لا يشكل عذرا للجاهل حول ما يمكن أن يقع فيه الجاهل من انحراف عن خط الله من جراء جهله. بل الله تعالى أراد للإنسان الجاهل أن يتحرك من أجل البحث عن المعرفة وأراد للإنسان العالم أن يتحرك ليعلم الناس ما علمه الله. ومن هنا يمكن أن نلاحظ بعض الكلمات القرآنية التى تعتبر مسألة الكفر مسألة جهل، ومسألة الشرك مسألة جهل، فالله تعالى يعبر عن الذين أشركوا بقوله: (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) (8).

إن إشارة هذه الآية التى ربطت بين الشرك فيها أمر لانتهاج السبيل الآخر، أى سبيل العلم والمعرفة، لأن الله تعالى أراد للإنسان أن ينفتح على العلم والمعرفة فلا يبقى فى الحياة والطبيعة غموض بالنسبة له.

هـ- العمل

عندما نريد أن نتحدث عن العمل فى التصور الإسلامى، أو حينما نريد أن نستعرض موقف الإسلام من العمل، يجب أن نقرر أن العمل فى المفهوم الإسلامى يرتبط بالتصور الفكرى كما يرتبط بالشريعة والأحكام، لأننا حينما نتحدث عن التصور لا نكون بذلك نتحدث عن حالة تجريدية تطوف فى ذهن الإنسان ، ولكننا نتحدث عن إحدى الحقائق التى تحدد علاقة فكر الإنسان بالحياة فى المادة، فالإيمان بالله فى المنظور الإسلامى يختزن فى داخله حركة عملية، ولذلك نجد الحديث مثلا يقول: " تخلقوا بأخلاق الله " وهذا لا يعنى أن يتساوى الله مع الإنسان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ولكن أن نفهم ذلك على أساس أن نعطى لمسألة الإيمان بالله حركاتها فى الواقع من خلال العمل، فالله عادل فيجب أن نكون عادلين، والله رحيم ويجب أن نكون رحماء بيننا، لأن كل هذه القيم السامية دعانا الله تعالى إليها من خلال العمل إلى تحقيقها. فالإيمان فى المفهوم الإسلامى ليس الحالة التى تعيشها فى قلبك، بل هو حالة فى عقلك وتعبير فى لسانك وحركة فى جوارحك، لهذا جاء فى الحديث: ( ليس الإيمان بالتمنى ولا بالتحلى ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل). وعندما نريد أن نحدد العمل فى ميزان القيمة فإننا نجد أن القيمة فى الإسلام إنما هى العمل، فأنت كإنسان تساوى عملك، حتى العلم الذى هو قيمة فى العقل لا يعتبره الإسلام قيمة روحية أو ثقافية إلا إذا استطعت أن تحوله إلى عمل، فالعلم الذى لا يتصل بالحياة وقضايا المستضعفين يعتبر علما أجوف، لهذا علمنا رسول الله أن ندعو: ( اللهم إنى أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع )00.

3- المشروع الحضارى فى الصياغة

(أ)- ماذا نقصد بالمشروع الحضارى؟

المشروع الحضارى هو ذلك التصور النظرى الفلسفى للإنسان ولعلاقاته وتفاعلاته بالاستناد إلى مرجعية واضحة ومحددة.

(ب)- معوقات فى وجه صياغة المشروع الحضارى:

تتطلب صياغة هذا المشروع توفر مجموعة من الشروط الذاتية والموضوعية، غير أن الواقع يبدو معاكسا إلى حد كبير ويمكن حصر المعوقات التى تقف فى وجه صياغة هذا المشروع فيما يلى:

* غموض المرجعية.

* غموض ا لهوية.

* غياب أجواء الحرية والحوار.

لهذا نرى أنه لا بد من مرحلة انتقالية تستهدف توفير الشروط المساعدة لصياغة المشروع  فى أفق تنزيلية.

(جـ) المرحلة الانتقالية:

1- فى المفهوم:

نقصد بالمرحلة الانتقالية تلك الفترة الزمنية الضرورية لتجاوز الصعوبات والمعوقات التى تعترض صياغة المشروع الحضارى وحصول الإجماع حوله.

2- فى الأهداف:

خلال المرحلة الانتقالية يجب العمل على تحقيق ثلاثة أهداف أساسية بدونها لا يمكن الكلام عن صياغة المشروع الحضارى :

الهدف الأول: تحقيق وضوح المرجعية وسيادتها

إن العمل على تحقيق وضوح المرجعية وسيادتها، يتطلب منا العمل فى مستويات ثلاثة:

أ- تصحيح المفاهيم المغلوطة:

ولن يتم تصحيح المفاهيم هذه المفاهيم فى نفوس الأمة الإسلامية إلا بسيادة التوحيد المطلق لله عز وجل والتسليم له فى كل شىء امتثالا لقوله عز وجل: (قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) (9).

 ب- تجديد تمثيل الأمة الإسلامية

إن الإسلام يشمل كل صغيرة وكبيرة فى حياتنا فليس فيه لقيصر أى شئ فكل شئ لله، والإسلام لا ينظم علاقة الأفراد فيما بينهم وينظم علاقتهم بالطبيعة والكون، هذا هو التمثل الذى يجب أن يسود بدلا من التمثيل الذى يجعل الإسلام مجرد شعائر تعبدية لا موقع له فى مجالات الحياة الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية..

جـ تجديد اتجاهات الأمة نحو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:

 انعكس الانحراف الذى طال الجانب العقدى والتمثلى على جانب الاتجاهات، خاصة الاتجاهات نحو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، هذا الانحراف هو فى جزء كبير منه مدبر ومخطط له، ذلك أن التنشئة الاجتماعية عملت على خلق حالة من اللامبالاة تجاه القضايا العامة- لذا يجب العمل على تغيير هذه الاتجاهات وجعل قضايا الأمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها مجال تفكيرها وفعلها اليومى ولا ندعها حكرا على الحمى السياسى.

الهدف الثانى: تحقيق الهوية الموحدة والمستوعبة للاختلاف

إن تشكل الجماعات والأمم لا يتم إلا بوجود هوية جماعية موحدة تشكل مجموع الخصائص المشتركة بين جميع الأفراد- وإن الهوية الحضارية هى الإطار الموحد لجميع الاتجاهات والمستوعب للاختلافات العرقية واللغوية.

ولأن الإسلام هو دين المسلمين ومرجعيتهم فإن الإجماع حوله يعتبر ضروريا لضبط الخلافات وتوجيهها فى اتجاه صياغة وإنجاز المشروع الحضارى.

الهدف الثالث: توفبر أجواء الحرية والحوار

لا يمكن أن نتكلم عن صياغة مشروع حضاري فى ظل الإكراه، صياغة المشروع يتطلب حوارا مفتوحا، والحوار لا يمكن أن يتم إلا فى أجواء الحرية، ومن ثم كان لازما خلال المرحلة الانتقالية أن نناضل من أجل سيادة الحرية التى تضمن حق الجميع فى التعبير عن آرائهم ومناقشتها الشئ الذى سيغنى المشروع الحضارى ويطوره.

3- كيف نحقق هذه الأهداف ؟

إن تحقيق أهداف المرحلة الانتقالية يتطلب فى تقديرنا أمرين اثنين:

أولا: إعادة ترتيب البيت الإسلامى

وهذا لن يتم إلا من خلال مراجعة شاملة للصحوة الإسلامية وتشمل تجلياتها التنظيمية. (الحركة الإسلامية) ومفهوم ا لوحدة وأولوياتها.

أ) مراجعة مفهوم الحركة الإسلامية

فى الثمانينات ظهر فى فضاء الصحوة الإسلامية مفهوم للحركة الإسلامية شكل حالة من وضوح الرؤيا فى تلك المرحلة، هذا المفهوم- الذى ما زال متداولا إلى الآن- عرف الحركة الإسلامية بأنها أداة التغيير ونواة ا لدولة.

ولنا على هذ التعريف ملاحظتان:

* الملاحظة الأولى: هذا المفهوم طرح من أجل تجديد الجهاز المفاهيمى للعمل الإسلامى طيلة فترة الستينات والسبعينات بل ظل مشدودا إليها.

* الملاحظة الثانية: إن هذا المفهوم يخرج الأمة من المعادلة ليختزل المشكل فى صراع على الدولة بين الحركة الإسلامية وأصحاب القرار السياسى. إن الأمة ليست قاصرة فرغم ما لها من تضليل وتهميش تبقى قائمة بالفعل، ووجود الحركة الإسلامية أكبر دليل على ذلك، أليست هذه الحركة جزءا من الأمة؟ ألا يعتبر وجودهم دليلا على أن الأمة ليست عاقرا وإنها تتمتع بقدرة تؤهلها لخوض غمار التغيير؟.

من أجل هذا نقترع مفهوما بديلا للحركة الإسلامية. فالحركة الإسلامية فى نظرنا هى اجتهاد فى دائرة الإسلام وطليعة الأمة فى معركة التغيير وصاحبة مشروع مجتمعى.

إن طبيعة الواقع الذى نتحرك فيه وظروف نشأة وتشكل الحركات الإسلامية واختلاف وسائلها وأولوياتها، كل هذا، يحول دون تحقق هذه الوحدة، لذا نرى، والله أعلم، أن المطلب الوحدوى للحركات الإسلامية يجب أن يكون هو وحدة المشروع، التى نقصد منها الاتفاق على مشروع إستراتيجى يكون هوالعمل الموحد، وتتقاسم الحركات الإسلامية الأدوار فيما بينها مراعية فى ذلك مبدأى التخصيص والتكامل، فنجمع بذلك خصوصيات كل حركة ووحدة الجهود لإنجاز المشروع.

ب) مراجعة الأولويات

نشطت الصحوة الإسلامية بالعالم الإسلامى فى ظروف معينة تميزت بهزيمة 1967 وبتصاعد المد الشيوعى الإلحادى، وكان طبيعيا أن تكون الأولويات والأهداف المرحلية والآليات تستجيب لهذه التحديات غير أننا الآن ونحن على مشارف سنة 2000 استجد من الأمور فى واقع الأمة وحالها ما يتطلب منا إعادة النظر فى أولوياتنا وأهدافنا المرحلية ووسائلنا، ولعل هناك أمرين يحكمان الآن هذه المراجعة:

- انهيار الاتحاد السوفييتى وظهور نظام دولى أحادى القطب.

- استحقاق لحرب الخليج الثانية.

هذه المراجعة نقدر أنها ضرورية ولا بد منها إن أردنا فعلا أن نرتقى إلى مستوى الصراع الحضرى المفروض على أمتنا.

ثانيا: إقامة دولة حقوق الإنسان

ا) العدل قضية مركزية فى التصور الإسلامى:

إن استقراءنا لسير الرسل عليهم الصلاة والسلام يكشف لنا حقيقة أساسية وهى أن جميع الرسالات قامت على ثابتين اثنين: التوحيد والعدل، وكان ثابت العدل يعالج طبيعة الانحراف الذى طال المجتمع الذى أرسل إليه الرسول، فهذا شعيب يدعو إلى عدل اقتصادى، وهذا لوط يدعو إلى عدل أخلاقى وهذا موسى يدعو إلى عدل سياسى.. إلى أن أرسل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الذى دعا إلى العدل فى كل مناحى الحياة ذلك لأن رسالته خاتمة الرسالات وأنه أرسل إلى الناس كافة.

2) الميثاق السياسى، مدخل لدولة حقوق الإنسان

نظرا لطبيعة الظروف التى تجتاز أمتنا، ونظرا للقطيعة التى كانت تعيشها مكونات المجتمع المدنى ومكونات المجتمع السياسى ومن أجل توفير ضمانات حقيقية لقيام حقوق الإنسان، نرى أنه لا بد من ميثاق سياسى يجمع هذه الأطراف على أرضية مشتركة ويؤطر الخلافات الموجودة بينها قصد انخراطها مجتمعة فى معركة إقامة دولة حقوق الإنسان.

3) دولة حقوق الإنسان فضاء لمناقشة المشروع الحضارى

لأن دولة حقوق الإنسان ستوفر أجواء الحرية والحوار وحق الجميع فى التنظيم بغض النظر عن الخلفية الإيديولوجية فإن هذه الأجواء ستمكن من مناقشة وإغناء المشروع الحضارى باعتباره مشروع الأمة بكاملها.

4) دولة حقوق الإنسان طريقنا نحو دولة الإسلام

لأنه لا إكراه فى الدين فلا يمكننا أن نكره أحدا على نموذج مجتمعى بعينه، لذا فنحن بحاجة إلى أجواء الحرية والحوار التى تمكننا من عرض مشروعنا المجتعى على الأمة لتقول كلمتها فيه قبولا أو رفضا.

مضمون المشروع الحضارى

ليس الهدف هنا هو الطرح الدقيق لمضامن المشروع الحضارى، بل تحديد المحاور العامة لهذا المشروع  التى نحصرها فى أربعة محاور:

المحور الأول ، المفاهيم :

إن المشروع الحضارى سيستعمل بالضرورة مجموعة من المفاهيم، هذه المفاهيم بحاجة إلى تناول نظرى وتحديد إجرائى.

إذ الإشكالية المفاهيمية إشكالية أساسية يجب التصدى لها. فالوضوح المفاهيمى سيكون مدخلا لوضوع المشروع الحضارى، وفى تقديرى هناك ثلاثة أنواع من المفاهيم يجب التعاطى معها:

* مفاهيم تراثية أو مفاهيم أصلية ارتبطت بالنسفية الإسلامية، كالشورى مثلا.

* مفاهيم أجنبية، كالديمقراطية مثلا، هذه المفاهيم يجب أن نعمل على الانتقال بها من أنساقها الأصلية إلى النسق الإسلامى.

* مفاهيم مستحدثة، ذلك أننا أمام التحديات الذاتية والموضوعية سنضطر إلى استحداث مفاهيم جديدة تستجيب لمتطلبات صياغة المشروع الحضارى.

المحور الثانى، التاريخ:

يتناول هذا المحور المراحل التاريخية لتشكل المسار الإسلامى والمنعطفات التاريخية التى مرت منها، مع التركيز على التاريخ الحديث.

لن يكون الهدف من هذا المحور عرض الأحداث ووصفها وتجميعها بل يجب أن يتجاوزه إلى استخلاص العبر والعظات من مسارنا التاريخى واستنتاج القوانين التاريخية التى حكمته.

المحور الثالث،رصد الواقع المحلى:

ثمة سمات تطبع واقع الأمة، فهو واقع منفتح على مؤثرات خارجية وإقليمية عالمية، وهو واقع مركب تتداخل فيه مجموعة من العوامل وتتفاعل فيما بينها، وهو أيضا واقع يشهد حركة دائبة ومستمرة تتفاوت من جانب لآخر حسب طبيعة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى يمر منها المجتمع الإسلامى.

لذا فإن هذا المحور يجب أن يتناول الإنسان المسلم كفرد وكجماعة من منظور دينى يرصد تجليات علاقته وتفاعلاته التنظيمية والسياسية والثقافية وغيرها.. مستهدفا تحديد المنحى العام للتغيرات التى يشهدها الإنسان المسلم والاتجاه العام لمساره.

المحور الرابع : الإطار العام للنهوض الحضارى المنشود

يستهدف هذا المحور تحديد إطار نظرى عام. قصد:

أ- التصدى للهزيمة الحضارية التى نعيشها.

ب- النهوض الحضارى المنشود.

ولن يكون الهدف منه إيجاد أجوبة دقيقة أو إجرائية للمشاكل التى يعيشها المجتمع المسلم فهذه مهمة مرتبطة بمرحلة التنزيل والتفعيل.

(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) (10)،

قضية حقوق الإنسان: بين الخطاب والمرجعية

إن البحث فى إمكانيات تطور حركة تطور الإنسان بالوطن العربى والوصول بها إلى مستويات من التحقق والإنجاز الفعلى والملموس مشروط بتقيم ومراجعة شاملة لواقع هذه الحركة التى لا تزال هامشية، ولا تكاد تتجاوز دوائرها الضيقة، إلا بفعل اعتبارات دولية تنبع أساسا من الطابع الكونى لقضية حقوق الإنسان وبفعل تزايد الاهتمام بها، هذه المرحلة من التحولات الاستراتيجية فى السياسة الدولية.

وما ينبغى الإشارة إليه هنا هو أن مدلول حقوق الإنسان قد تعمق عبر ثورات لاحقة بقدر ما كانت هذه الثورات ترابطه بأصول فلسفية أخرى، أو على الأقل تكون مستوعبة لمقولة الحق الطبيعى ومتجاوزة لها فى نفس الوقت.. وعلى الطرف الآخر هناك اتجاه يرى أن " عمومية حقوق الإنسان وطبيعتها الإلزامية ليست موضوع نزاع غير أن الخاصية المميزة لتجربة الإسلام التاريخية هى أنه ينتمى إلى منطقة نجد فيها أن الحق فى الحرية حق فردى وجماعى فى آن واحد".

وعلى مستوى الأصول الفلسفية يطرح هذا الاتجاه الفطرى فى مقابل القانون الطبيعى: (فطرة الله التى فطر الناس عليها جميعا)  التى هى ملكة تجعل فى إمكان المرء الاهتداء إلى موضع الحق.

ويمكن أن نتساءل الآن عن دلالات نشأة حركة حقوق الإنسان بالوطن العربى فى السنوات الأخيرة وعلى الأصول التى ينبنى عليها خطابها الحقوقى، إن هذا الظهور فى حركة حقوق الإنسان بالوطن العربى كظهور يشد إليه الانتباه، هو من حيث الدلالة السياسية مشدود إلى التغيرات التى طرأت على علاقة السلطة بالمجتمع، كعلاقة لا تقوم إلا على منطق العنف وآليات الإقصاء الدولى، وآليات الاحتواء السياسى والثقافى لكل تعبيرات المجتمع المدنى.. فمع انهيار مشاريع الدولة الوطنية للتنمية والتحرر تحولت السلطة إلى مشروع فى حد ذاتها يتطلب الحماية والتمدد فى النسيج الثقافى والاجتماعى وقد استدعى انحطاط السلطة سياسيا وأخلاقيا بروز ردود فعل من داخل المجتمع تأخذ شكل التحام بمجالات هى من حيث الطبيعة والجوهر ممتنعة ومعاندة لآليات تسلط الدولة، كالأخلاق والدين، ومحرجة لها فى الوقت نفسه، فالأخلاق بمعناها العام هى أساس حقوق الإنسان، وعندما يعود المجتمع إلى الأخلاق ليعلن من خلالها عن حقوقه الفردية والجماعية فى شكل مطالب حرة داعية لاحترام حقوق الإنسان، فإنه بذلك ينتقل فى مجال صراعه السياسى والاجتماعى العام إلى منطقة حياد أيديولوجى تسمح له بوجوده فى شكل مقابل للسلطة ومفارق لها، وبذلك نكون أمام مجتمع يطالب بحقوقه كسلطة تبلورها شبكة من الرموز

 المتداخلة فى مقابل سلطة سياسية مترددة بين الاحتواء، التراجع أو القمع.. وبهذا المعنى فحركة حقوق الإنسان فى المجتمع العربى هى التعبير الأول، والمظهر الأساسى لانبثاق المجتمع المدنى، الذى ينطلق تلقائيا بشكل يتجاوز الفاعلين الاجتماعيين وفى الوقت الذى تعتقد فيه السلطة أن لا وجود إلا لمؤسساتها وظلالها التى تستوعب الواقع كله.. لكن ألا يعنى هذا- أى الأولوية التى تحظى بها قضية حقوق الإنسان وهيمنة خطابها- فشلا للمشروع السياسى على تعدد مضامينه، وانحصارا للأيديولوجى على تعدد منطلقاته، واعترافا بأن- السلطة المدججة بوسائل القمع لا يمكن فرض التراجع عليها إلا بجعلها أمام حقيقة: أن الإنسان يستمد قيمته وكرامته من مصدر علوى إلهى: ( ولقد كرمنا بنى آدم...) ومن ماهيته كفرد وكجماعة وكقيمة فى ذاته، وبالتالى فمعيار الشرعية ليس هو (النهضة العمرانية) بل هو احترام حقوق الإنسان، وإخضاع  السياسة للأخلاق والحق.

المراجع

 (1) الحجرات: 13 

(2) أل عمران: 191.

 (3)البقرة: 134.

(4)الملك:14.

(5)الأنعام:59.

(6) طه:114

(7) الزمر: 9.

(8) البقرة: 113.

(9)لأنعام: 162 -163.

(10) التوبة: 105.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع