التيارات الثقافية المعاصرة
فى العالم
الإسلامى
أ.د / عبد الرزاق قسوم
أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي- جامعة الجزائر
الجزائر
مقدمة:
لعل
من متطلبات البحث عن خصوصيات الثقافة فى واقعنا الإسلامى، البدء بمحاولة تبيئة هذه
الثقافة كمفهوم، بحيث تفضى هذه " التبيئة" إلى ما هو أشبه بالمسلمات، ومن أهمها التسليم
بحقيقة هامة، وهى أن الثقافة كمفهوم، إذا أطلقت فى
بيئتنا العربية الإسلامية، فإنها تتخذ شمولية تقوم على دعامتين أساسيتين، هما
دعامة الدين كرابطة علوية، سامية، تربط الإنسان المسلم بالسماء ودعامة الحياة
الدنيا، التى تتجسد معالمها فى
ضوء التعاليم الدينية السمحة، ومن هنا لا مجال لفصل الثقافة فى
عالمنا الإسلامى عن جانبها الدينى، الذى يضفى عليها
أبعادا من القيم هى ما جعل الثقافة عندنا تتجاوز
مفهومها اللغوى إلى المفهوم الحضارى،
لتستحيل- حسب تعريفها- إلى ثقافة عربية إسلامية.
إن
هذا الدمج بين الدين والدنيا فى الثقافة الخاصة بعالمنا
الإسلامى، بغض
النظر عن اختلافات الجنس، واللغة، واللون، والجغرافيا، التى
تميز هذا العالم الإسلامى، هو الذى ولد الوحدة
العقلية أو الفكرية لدى إنسان هذا العالم، وسمح بظهور ما يسمى بإشكالية الثقافة فى الفكر الإسلامى.
وتبدأ
إشكالية الثقافة فى الفكر الإسلامى
بمحاولة الإجابة عن جملة من الأسئلة لعل أهمها من وجهة نظرنا ما يلى:
هل
الثقافة الإسلامية، تراث محلى محدود بحدود البيئة الإقليمية، والقبلية،
والتقليدية، مضافا إليها المعتقد، أم أنها عقدية فى
أساسها، تنشد الشمولية، والأممية دون إغفال بعض الخصوصيات المحلية الصالحة؟.
وهل
تمثل الثقافة الإسلامية إطارا مرجعيا موحدا يمكن تطبيقه فى
كل جزء من أجزاء العالم الإسلامى، دون الأخذ بعين الاعتبار محلية ذلك الجزء، أو
إقليميته ، حتى وإن أدى ذلك إلى الصدام بينهما؟.
وإذا
كانت الثقافة الإسلامية تتميز بالشمولية الإنسانية، فهل يمكن لهذه الثقافة أن تنشد
لنفسها اكتفاء ذاتيا، يجعلها تعيش فى استقلالية فكرية
بعيدا عن أى تماس مع باقى
التيارات العالمية والتى باتت تصب كلها فى هذا النظام العالمى الأحادى الجديد، المسمى بالعولمة؟
إن هذه الأسئلة وما شابهها هى
التى تصنع اليوم ما نسميه بالإشكالية الثقافية، والتى تمثل عاملا أساسيا فى بروز
ما هو معروف على صعيد منهج البحث فى الفكر الإسلامى بالتيارات الثقافية فى
العالم الإسلامى. لقد بات من المسلم به أن هذه التيارات
الثقافية التى سوف يعمل هذا البحث على تصنيفها وتفصيل
مدارسها، واتجاهاتها، تتشكل من عملية الاحتكاك بين الخصوصية، والمحلية التى هى المقوم الأساسى للثقافة الإسلامية، وبين الشلال الثقافى
العالمى الوافد، والذى يفرض
وجوده على الآخرين بشتى أنواع الأساليب- وذلك ما سنبينه من خلال المحاور القادمة.
1- التيارات
الثقافية فى العالم الإسلامى
النشأة ، الأسباب ، الخصوصية
، الأهداف
أ- أزمة الانتماء أو صراع
الهوية
يمكن
الانطلاق فى تحديد نشأة التعددية الثقافية فى العالم الإسلامى، كتيارات أيديولوجية، من قاعدة مفاهيم صلبة،
جامعة لكل خصوصيات ومميزات هذه التيارات، وهذه القاعدة هى
قضية الانتماء أو صراع الهوية. فما يوصف بجذور الانتماء، أو تحديد ملامح الهوية،
تيار ثقافى أيديولوجى هو
وليد جملة من التحديات الخارجية تتجسد فى محاولات الغزو
الثقافى، والاستئصال الأيديولوجى،
والاستبدال اللغوى ، وهى محاولات يجمعها ما يسمى
بالنظام الثقافى الأحادى
الجديد، أو العولمة.
ففى مواجهة هذه التحديات نشأت الحاجة فى
العالم الإسلامى إلى البحث عن جامع مشترك أعظم، للأمة
الإسلامية، يكون بمثابة القوة الموحدة، المحصنة لذاتية أبناء الأمة الإسلامية..
إن
هذه الخصوصية التى تطبع الثقافة العربية الإسلامية، هى التى أدت إلى بزوغ مدارس فكرية،
غرضها المشترك- مهما تباينت منطلقاتها- تحديد مجموعة من
الأهداف، لعل فى مقدمتها:
أولا:
التعبير العميق نحو الأفضل، الذى يشمل كل جوانب الحياة
المجتمعية الإسلامية ثقافيا، وسياسيا،
واقتصاديا، واجتماعيا، إما بالاستناد إلى تعاليم الله، أوبتطبيق
مذاهب، وقوانين وضعية.
ثانيا:
إبراز الحضور الفعال، للنخب الثقافية، فى عملية التغيير
المنشودة، بإسلاس القيادة المصيرية، للأمة، لذوى
الكفاءات المتميزين بالإيمان والنزاهة، والإخلاص، وذلك إحياء للدور الإسلامى التاريخى، الذى هو فى أساسه، تاريخ علماء،
وليس تاريخ سلاطين، وبعبارة أدق منح الأولوية للثقافة على السياسة، عكس ما هو
سائد، فى مجتمعنا اليوم.
ثالثا: محاولة ملء الهوة السحيقة، الفاصلة بين
حد الخصوصية المحلية، التى أشرنا إليها منذ قليل، والتى تستوحى قوتها، وروحها من
طموح الجماهير وعمقها الإيمانى، فى
توقانها نحو صنع الغد الأفضل، وبين جاذبية
العولمة، فى
بسطها وبثها- بجميع الوسائل- للنظام العالمى الجديد.
ب- تيار النزعة التأصيلية :
فى ظل المخاض الذى عاشته الثقافة الإسلامية فى
مدها وجزرها، ظهر فى واقعنا الفكرى،
تيار قوى كان وما يزال يفرض وجوده على العقل العربى الإسلامى، إنه التيار التأصيلى الذى يربط كل إبداع، وكل اكتشاف فى
مجتمعنا، بالعودة به إلى الأصل الإسلامى.
وهذا
التيار الاجتهادى، على ما قد يصاحبه من أخطاء، يمكن
وصفه بالتيار الأصلى فى
مجتمعنا. فهو تيار يقوم فى مرجعيته على كل ما هو أصلى فى ثقافتنا من معتقد، وقيم، وتقاليد حتى إنه ليمكن وصف دعاته
- مع بعض التجاوز- بأنهم الذين يصفهم المفكر الإيطالى غرامشى مدعما فى ذلك بالدكتور محمد
عابد الجابرى " المثقفين العضويين الجدد "
(1).
جـ- تيار النزعة الاستغرابية:
إنها
مدرسة كافرة، فى نهجها وأهدافها بكل القيم والمبادىء، خارج
القيم والأهداف الغربية ودعاة هذه المدرسة، لا ينطلقون- حسب قناعاتهم- من أية عقدة
حضارية، بل هم يؤكدون على أن دافعهم هو التغيير، والنهوض بالمجتمع العربى الإسلامى من هوة التخلف
والسقوط، وبالتالى فهم يعتقدون بأن الخلاص من كل هذا
يكمن فى تبنى المنهج الغربى
وحده شكلا ومضمونا، بدءا من وضع قبعته، وبدلته، وربطة عنقه إلى نزع جلباب التدين
بجميع مظاهره عن الإنسان، والأنساق، كى يتم التقدم، واللحاق بركب المتقدمين.
فالنزعة
الاستغرابية إذن، منهج ثقافى
فكرى هدفه إعادة صياغة العقل المسلم، بإخضاعه لعملية الإخلاء ثم الملء كما يقول
الفلاسفة؛ أى
إفراغ هذا العقل من كل ما ركب فيه منذ النشأة من عوامل التدين، والاتصال
بالله بوصفها- حسب زعم دعاتها- كوابل ومثبطات، إن هى
تركت تحول دون كل انطلاقة، ليملأ العقل بعد ذلك بالقوالب الفكرية الغربية، التى تدع الدين جانبا حتى يغدو هذا العقل فى
انطلاقته فلا حسيب أو رقيب عليه، إلا المصلحة المادية ويصبح بالإمكان فى سبيل تحقيق ذلك استخدام كل الوسائل " فالغاية تبرر
الوسيلة" كما يقولون.
لقد
نشأت عن فعل النزعة الاستغرابية، ورد فعلها ممثلا فى
الاتجاه التأصيلى، نشأت عن ذلك كله هذه المواجهة
العنيفة التى تتجسد فى أزمة
الوجود الحضارى أو ما أصبح يعرف بصدام الحضارات أو
نهاية التاريخ.
إن
الصدام الحضارى الدائر على واقع الساحة الثقافية
والسياسية فى مجتمعنا الإسلامى،
قد تطور ليتجسد سياسيا فى مدرستين تتنافسان على إثبات
الوجود الحضارى للأمة الإسلامية بدءا بالكتاب والسنة
وانتهاء بعلم أصول الفقه، فى حين يخلع عليها خصومها،
نفس التسمية ولكن من منطق تشويهى، لتكون مرادفة للغلو،
والتطرف، والتشدد، والعنف والإرهاب، منعوته فى ذلك كله، بالظلامية التى تحيل إلى" الأصولية الأروسطية
" فى ظلاميتها، وقمعيتها، وانغلاقها، فى معاداتها
لكل ما هو تنوير أو علم، أو تقدم.
أما
ثانى المدرستين فهى
مدرسة" الحداثويين" هؤلاء الذين يرفعون شعار
الحداثة فى مقابل الأصولية التى
هى " تخلف " بأوسع مدلولات التخلف، لا علاج
لأدوائها، إلا بالحداثة.. والحداثة تعنى فى قاموس الحداثويين، استعارة الأدوات المعرفية وما ينجم عنها من
المجتمع الحديث الذى لا يمكن أن يكون إلا الغرب.
أزمة
الثقافة عندنا، بتياراتها المختلفة، أنها تصارع طاحونة الدولة، بحثا عن الأمان
فكانت هذه الإشكالية الصعبة مصاغة فى مثل هذا التساؤل:
هل يستطيع المثقف أن يخترق السياسة لينفذ إلى باطنها فيطهرها من كل أفات الميكيافيلية، والانتهازية، والوصولية، والمحسوبية، ويلبسها
قيم الحق، والعدل، والإنصاف؟
وهل
يسمح الساسة بمثل هذا " التسلل " الذى يخطف
منهم الأضواء ويسحب منهم مقاليد القيادة ويقف حاجزا بينهم وبين مصالحهم التى ألفوها؟
إن
الإجابة عن مثل هذه الأسئلة تبدو بتحديد بعض المعطيات كما يبرزها الواقع المعيش وأهمها:
1- أن السلاح
الوحيد الذى يملكه المثقف فى
مواجهة طاحونة الدولة الأيديولوجية هو القناعة، والضمير وهو فى
معظم الحالات ليس سلاحا فعالا فى مواجهة السلطة السياسية (2).
2- الورطة التى وقع فيها المثقفون هى أنهم
قبلوا بتسييس ثقافتهم.
3- اشتداد الصراع
بين دعاة الأصالة، والحداثة، من خلال تقييم الواقع السياسى
والإسلامى، ويشدد
الأولون بالخصوص على الطبيعة السياسية لأزمة الوجود الحضارى
فى المجتمع الإسلامى والكشف
عن أسبابها فى التحلل الأخلاقى،
والتخلى عن الهوية الثقافية، وتوسيع دائرة الاستلاب
(3).
2- الصياغة العقلية للتيارات الثقافية المعاصرة
أفضت
عملية الاحتكاك، والتماس بين مختلف التيارات الثقافية السائدة فى
الواقع الإسلامى إلى الرسو
على مرفأ البحث عن منهجية لهذه التيارات الثقافية تمثل فى
محاولة إعادة الصياغة للتيارات الثقافية بصبغها بصبغة عقلية تتماشى والمنهجية
الحديثة للبحث.
لذلك
نشأت فى مجتمعنا اتجاهات فكرية، تتخذ العقل كمنطلق لها،
ولكنها تتخذ لهذا العقل منطلق هو الإنسان، والزمان. وهكذا خرج الباحثون عندنا
بمدارس مفاهيمية تغازل معتقدات الناس وتداعب ضمائرهم
وقناعتهم.. من هذه المدارس المفاهيمية " السلفوية الفكرية كتيار دينى، والشخصانية، والعدوية، والمستقبلية
كتيارات فلسفية إسلامية… إلخ.
فما حقيقة هذه المدارس، وقد صنعت لنفسها تيارات متعددة؟
لنحاول
الاقتراب منها بالتحليل والتقويم كى نرسم لها صورة أقرب
إلى الواقع الموضوعى.
أ- السلفوية الفكرية:
يصطدم
الباحث عند تعريف علمى دقيق وعميق للسلفوية،
بمجموعة من العقبات المنهجية، لعل فى مقدمتها، عدم وجود
تعريف للسلفيين أنفسهم يطلقونه على إتجاههم، ثم تعدد السلفيات نفسها، بحيث يمكن القول بوجود
مدارس سلفية، تختلف باختلاف الأمكنة، والمذاهب، والعلماء حتى إنه يصعب إيجاد قاعدة
صلبة يقف عليها الجميع دون حرج أو خلل.
إن
السلفية بالمنظور التاريخى الإسلامى
هى استلهام المعانى والقيم
من المرجعية " فى ظل الإسلام الأول وبذلك يكون
نموذج " السلف الصالح هو عصر
المسلمين الأولين، الذين آمنوا بالإسلام وأووا ونصروا نبى
الإسلام، وخاصة الصحابة، والخلفاء الراشدين منهم.
لكن
هذا التعريف للسلفية، يتهاوى إذا نظر إليه بمنظور العقل الإسلامى
نفسه، فليس من المقبول عقليا أن تسجن الأمة الإسلامية نفسها، وترهن مستقبلها فى نموذج ماضوى سلوكى معين حتى ولو كان النموذج السلوكى
لسلفنا الصالح، ذلك أن سلفنا الصالح، كان قدوة عصره فى
العفة، والإيثار والتسامح، والعدل، يوم كان العالم غارقا فى
جاهلية سياسية، واجتماعية وعقائدية، فكان السلوك السلفى
آنذاك تجسيدا للإسلام الذى هو فى
أساسه ثورة على الجهل، والتخلف، والظلم بجميع أشكاله.
فهل
لو اقتصرنا على ما كان يسلكه الخلفاء الراشدون فى عصرهم
ذاك كنموذج، نكون قد أجبنا على تساؤلات عصرنا اليوم؟
وهل
من العقوق القول بتبنى منهج السلف فى
محاولات فهم العصر بجميع معطياته، واكتشافاته، وتساؤلاته، لينسحب ذلك على تعاملنا
مع قضايا عصرنا اليوم؟!
إننا
نتفق هنا مع ما يذهب إليه د/ محمد عابد الجابرى حين
يأخذ من السلفية منهجية العلاقة بين المرجعية الإسلامية وقضايا العصر، ليتجاوز ذلك
إلى تعاملنا نحن بنفس المنهج، وتطبيقه على علوم عصرنا.
فالمسألة
المطروحة اليوم هى معرفة " ما إذا كان المسلمون
اليوم صالحين لزمنهم، أى قادرين على أن يعيشوا عصرهم،
وعلى أن يدشنوا سيرة جديدة تكمل سيرة " السلف
القديمة وتجعل منها واقعا حيا صالحا لأن تستلهمه الأجيال المقبلة فى بناء سيرتها الخاصة " (4).
"وبعبارة
أوضح، إن المعركة الحضارية تدور اليوم بين محاولة التوفيق بين " عصر الخلف
" بتعقيد قضاياه الحضارية، وبين عصر السلف " بمحدودية مسائله، وبساطة
أسئلته.
ب- الشخصانية:
إذا
كان تيار السلفية، كما أسلفنا، هو تيار مرادف للماضوية،
والرجعية، ومعاداة الحداثة، وقد تخصص فى الدعوة إليه،
بصفة أخص بعض أهل المشرق الذين جعلوا منه نظاما فكريا مرجعيا، يعتمد فى بعض الأنظمة السياسية بشقيها السنى
والشيعى، فإن هناك تيارات ذات نظرة حضارية أو مستقبلية هى التى نجدها فى
تيار كل من الشخصانية، والغدوية،
والمستقبلية. وتكاد هذه النزعات الفلسفية الإسلامية تكون من إبداع
ذوى الثقافة الفرنسية عموما.
فالشخصانية الإسلامية التى هى تطور للشخصانية الواقعية التى يشير إليها الفيلسوف المغربى
الدكتور محمد عزيز الحبابى طيب الله ثراه، وشاركه فى الدعوة إليها كل من اللبنانى رونى حبشى والتونسى
محمود المسعدى، والإيرانى
على شريعاتى من خلال دعوة كل منهم إلى تشخيص واقع
الإنسان المسلم الكادح من أجل إثبات شخصانيته أو ذاتيته
أو وجوده (5).
إن
الشخصانية الإسلامية كما بلور فلسفتها محمد عزيز الحبابى، هى فلسفة إنسانية ذات
مكونات محددة للشخص.
جـ –
الغدية أو الغدوية le monde de demain
تقوم
الغدية، وهى
المذهب المستقبلى الذى بشر به محمد عزيز الحبابى أيضا، والتى كانت تطويرا للشخصانية
الواقعية التى طبعت مرحلة إثبات الذات، والشخصانية الإسلامية التى تميزت
بمرحلة العودة إلى الذات الأصيلة والأصولية، تقوم هذه الغدية
أو الغدوية على مبدأ التخطيط لعالم الغد، إزاء عالم يصف
نفسه بالعالم المتقدم صناعيا وتكنولوجيا.
وكمحاولة
لتجاوز هذا الواقع، تسهم الغدية (فلسفة الحبابى)، فى صنع غد أفضل بتحديد
الاهتمام، وإعادة صياغة منهج للتحليل، ثم رسم آفاق مستقبلية باقتراح حلول لتغيير
الواقع مستقبلا.
من
هنا كانت المعادلة التى أقام عليها الفليسوف
المغربى محمد عزيز الجبابى،
مذهب الغدية أو المستقبلية منهجا يقوم على عنصرين هامين
هما:
1- العالم الثالث الذى يسميه الحبابى بالثالثى وأهله بالثالثيين.
2- الغرب كقوة
متقدمة صناعيا، وتكنولوجيا واقتصاديا، وسياسيا، أى
فكريا. وتتميز القوتان المتواجهتان، الأولى بالكم
والثانية بالكيف.
يقول
فيلسوف الغدية، إن التجاوز والتخطى
يتم بالحوار بين الثالثية، والغرب على أساس الندية
" ونبذ كل أنواع التسلط والهيمنة، انطلاقا من مبدأ عام وشمولى
وهو أن عملية التنمية والتقدم، تمثل قضية عادلة، هى ملك
للجميع، ولا مجال فيها لوجود قيادة وتبعية، لصنع حضارة الغد وبناء المستقبل
المشترك.
فلسفة
الغدية أو المستقبلية إذن، نظرية تتخذ من الإنسان
دعامتها، لأن الإنسان هو أمل الغد، وهو بانى المستقبل.
3- المد الحضارى فى الثقافة الإسلامية
أ-
إنسانية الثقافة الإسلامية بعقلنتها:
فى محاولة رسم أبعاد المد الحضارى المستقبلى للثقافة الإسلامية، ينبرى
مفكرون للقيام بهذه المحاولة مقتنعين بأن تحقيق المستقبل الزاهر لهذه الثقافة، لن
يكون خارج " الأنسنة " و " العقلنة" للفكر الإسلامى.
ولعل
فى مقدمة رواد هذا الاتجاه نجد المفكرين من أمثال د/
عاطف العراقى ود/ محمد أركون وغيرهما.
فلو
أخذنا على سبيل المثال الفيلسوف العقلانى عاطف العراقى ، سنجد مشروع نهضة مستقبلية يرسمها من خلال
كتابه" الفلسفة العربية والطريق إلى المستقبل " (رؤية عقلية نقدية) (6).
يتصدى
المؤلف بنفس الجرأة التى عودنا عليها، بحمل معول الهدم العقلى ، ليحدد لنا منهجية الفلسفة العربية للانطلاق نحو
المستقبل فيصرخ فى الجميع قائلا:" غير مجد فى ملتى واعتقادى قيامنا- نحن العرب- بالتغنى بأمجاد الماضى والبكاء على
الأطلال، بحيث نقول باستمرار فى المجال الفكرى ، أمجاد يا عرب أمجاد" (7).
التيار
الإنسانى المستقبلى المنشود
للثقافة الإسلامية لا يمكن تصوره فى نظر د/ عاطف العراقى خارج العقل والنقد" إن العقل هو الذى يميز بين الإنسان وبين الحيوان وما أحوج المواطن العربى إلى التمسك بالعقل، وبالتفكير العقلى.
ويقينى أن العرب لو كانوا قد التزموا بالطريق العقلى منذ مئات السنين لكان الحال قد أصبح غير الحال.. إذ أن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين البشر (8).
فإذا
انتقلنا إلى محمد أركون، فإننا نجده يحذو نفس الخطى فى
محاولة إنسانية الثقافة الإسلامية فى إطار العقل فهو يعمد إلى التفرقة بين ما هو عقل عربى
( قومى) كما يقدمه د / عاطف العراقى، وبين ما هو عقل إسلامى، كما يقدمه دعاة الحركة الإسلامية من النزعة
السلفية إلى تيار الصحوة أو النهضة، أو التمامية كما
يصفها محمد أركون.
يقول
محمد أركون " بماذا يختلف مفهوم العقل الإسلامى عن
مفهوم العقل العربى؟ ".
ويجيب
عن تساؤله قائلا: أن الأول يتقيد بالوحى أو المعطى
المنزل، ويقر أن المعطى هو الأولى لأنه إلهى وأن دور
العقل ينحصر فى خدمة الوحى، أى فهم وتفهيم ما ورد فيه من أحكام وتعاليق وإرشاد ثم
الاستنتاج والاستنباط منه (9).
إن
محمد أركون حين يقوم بعملية التحليل هذه فإنما ليصل إلى حكم إنسانى
فى مسألة الفكر الإسلامى
وينفى بذلك نوعأ من الخصوصية على العقل الإسلامى إذ يقول: " لا ينفرد العقل الإسلامى
بهذا الوضع المعرفى والأنطولوجى،
إذ يشاركه فيه العقل المسيحى والعقل اليهودى... فالعقل قوة إدراكية واحدة يتمتع بها كل إنسان أيا كان جنسه أو مجتمعه " (10).
تلك
إذن هى النزعة الإنسانية التى
ينشدها محمد أركون للفكر الإسلامى، نازعا عنه كل
خصوصية، وكل إبداع خاص.
ب- قومية الثقافة:
إذا
كان للنزعة الإنسانية العقلانية أنصارها ومؤيدوها، الذين يدافعون عنها بكل قوة
وعزم، ويرون أنه لا خلاص للفكر الإسلامى إلا بتبنى منهجها، فإن لقومية الثقافة دعاة، يستعينون بكل ما أمكن
من وسائل، فى دفاعهم عن قومية الثقافة.
فهم يعتقدون بأن وضع الثقافة فى إطارها القومى العربى، هو صمام الأمان بالنسبة إليها، فى
حمايتها من تيارات الإدماج، والإذابة والتشويه والتقبيح.
ذلك
ما يوصف به د/
عابد الجابرى المفكر المغربى
حين يفضل على العكس من محمد أركون استخدام مصطلح العقل العربى
على العقل الإسلامى.
دعاة
القومية الثقافية إذن، لهم منطقهم، ولهم أطروحتهم، التى
يخالفهم فيها ذوو النزعة الإسلامية الاستغرابية كمحمد
أركون، وذوو النزعة الإسلامية العقلانية كعاطف العراقى.
فى خندق قومية الثقافة الذى يقف فيه
محمد عابد الجابرى، نجد أنور عبد المالك هو الآخر يعضده
فى الطرح وإن اختلفا فى
المنطلق والمصب.
إن
التيار القومى فى الثقافة
الإسلامية، تيار قوى جمع على صعيده مختلف التوجهات العربية من يساريين وبعثيين، ووطنيين، يحدوهم فى ذلك دافع
اللغة، والتاريخ، والجغرافيا، والمصير انطلاقا من شعار أمة عربية واحد ة من المحيط
إلى الخليج..
ولعل
هذا الشعار قد فقد محتواه تحت تأثير عوامل كثيرة لعل أبرزها، الهزائم التى قادت إليها زعامات القومية العربية، وتنامى
المد الإسلامى، كبديل للهزيمة والدكتاتورية واللاانسلابية.
جـ- إسلامية المعرفة
هناك
تيار ثقافى آخر فى الثقافة
الإسلامية، وهو تيار إسلامية المعرفة فيبرر هذا التيار كاتجاه يرفض الجمود والغلو الذى ينادى به أصحاب المدرسة السلفوية النصية الجامدة، وأصحاب النزعة الإنسانية العقلانية،
ذات المنحى الاستغرابى، التى
تولى وجهها دوما نحو الغرب بوصفه المنقذ الوحيد من التخلف، والجهل والسقوط الحضارى، والبديل الذى يقدمة أبطال مدرسة إسلامية المعرفة فى
الثقافة الإسلامية، هو شمولية المعرفة الإسلامية التى
تقدم الحلول لكل مشاكل المجتمع الإسلامى، مع تبنى منهج
رائد هدفه تخليص الثقافة الإسلامية من الفوضى الفكرية..
ونقطة
القوة فى مدرسة إسلامية المعرفة، تتمثل فى تنظيم العقل وأسلمته، ليسهم فى
حل قضايا الإنسان والمجتمع، اقتصاديا، واجتماعيا، وسياسيا، وثقافيا.
كما
أن من نقاط القوة فى مدرسة إسلامية المعرفة أنها تستمد
قوتها من الطاقة الإيمانية
"
للجماهير الشعبية الإسلامية التى تجد نفسها حليفة
لأصحاب هذه المدرسة، لأنهم يقدمون لها الإسلام فى طبق
نظيف يرضى قناعتهم، ويطمئن نفسياتهم، ويحل قضاياهم بتقديم الحلول تحت غطاء إسلامى معرفى " (11).
ويمكن
القول بأن مدرسة إسلامية المعرفة مدرسة إسلامية اجتهادية نشأت على ضفاف علوم
وتكنولوجيا الغرب، مع المحافظة على الخصوصية والتميز... مما مكنها من إحداث إشعاع معرفى إسلامى، داخل الغرب نفسه،
ولعل معهد الفكر الإسلامى المعاصر، خير مثال على هذا
الاتجاه الثقافى الإسلامى
المعاصر.
إن
قضايا المجتمع الإسلامى، فى
حاجة إلى كل إبداع عقلى يستمد معالمه وخصائصه من معتقد
وقيم، وروح المجتمع الإسلامى، وسواء أكان هذا الاتجاه
إنسانيا، أو قوميا، أو إسلاميا فإنه سيجد مكانه فى
الواقع الثقافى الإسلامى
المتسم بالتسامح، والانفتاح، والالتزام بقضايا أمته.. وبكلمة واحدة فإن التنوع المعرفى دا خل الوحدة الثقافية
الإسلامية هو أبرز ما تتوق إليه، وتحتاجه أمتنا فى
معركة إثبات وجودها داخل عالم لا مكان فيه إلا للأقوياء.
الخاتمة:
ماذا
يمكن الانتهاء إليه من تحليلنا لواقع التيارات الثقافية داخل المجتمع العربى الإسلامى؟
لئن
سلمنا بوجود مد معرفى اجتهادى
على اختلاف مشاربه، يهدف كله إلى إحداث عملية التغيير الشمولية العميقة، للانطلاق
بالمجتمع نحو الغد الأفضل، ولئن. أثبتنا مدى الجهود التى
يبذلها المثقفون المسلمون اليوم متحدين كل المثبطات، ومتخطين كل الحواجز والعقبات،
فإن هناك جزرا فى عملية النهوض الثقافى،
يوشك أن يعوق هذا المد الحضارى لأمتنا، ومنشؤه محاولات
شيطانية خارجة عن رحم المجتمع، تبث لزرع الشكوك والبلبلة والوهن فى جسم أمتنا.
ويوم
يدرك الساهرون على القضية الفكرية والثقافية عندنا خطورة مثل هذه المحاولات، ويوم
يقومون بتشخيص الداء بحثا عن الدواء، يومها ندرك أن الثقافة الإسلامية، وإن تعددت
تياراتها قد حصنت ذاتها، ذلك أن تشخيص الداء يمثل نصف الدواء، وذلك هو الهدف
المطلوب.
المراجع
(1)
د. محمد عابد الجابرى ؛ المثقفون فى
الحضارة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 995 1م ص 20.
(2) عالم الفكر-
الكويت العدد الثالث يناير- مارس 1999
م أبو على ياسين: المثقفون العرب، من سلطة الدولة إلى
المجتمع المدنى.
(3) د. برهان غليون؛ المحنة ا لعربية: الدولة ضد الأمة، مركزا لدراسات ا
لعربية، بيروت 993 1م ص 210.
(4) د. محمد عابد الجابرى؛ وجهة نظر، نحو إعادة بناء قضايا الفكرالعربى
المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت، 994 1م، ص 46.
(5) انظر بهذا
الخصوص: ثلاثة رجال أراء العبث لرونى حبشى، والشخصانية الإسلامية لمحمد
عزيز الحبابى، والعودة إلى الذات لعلى شريعنى، والمسد لمحمود المسعدى.
(6) د/ عاطف العرا قى،الفلسفة العربية والطريق
إلى المستقبل (رؤية عقلية نقدية) دار الرشاد، القاهرة 1998.
(7) المصدر السابق ص 9.
(8) المصدر السابق ص 32.
(9) محمد
أركون؛ أين هو الفكر الإسلامى
المعاصر؟ ترجمة هاشم صالح، دار الساقى بيروت 1993 ص 17.
(10) نفس المصدر
السابق
(11) د/ عبد الرزاق
قسوم: مدارس الفكر العربى
المعاصر، فى المنطلق.. والمصب،
دار عالم الكتب، الرياض 1997 ص 89.