من
المقومات الثقافية الإسلامية
مبدأ الجهاد لنهضة العالم الإسلامى
الشيخ/ محمد شهاب الدين الندوى
الأمين العام للأكاديمية الفرقانية
بنجلور- الهند
إن
الإسلام دين كامل من الوجهة الشرعية والأخلاقية والثقافية والحضارية والاجتماعية.
فإنه جاء يحمل سائر ما يحتاج إليه البشر. وللثقافة
الإسلامية جوانب عديدة من العقيدة والسلوك والأخلاق والاقتصاد والآداب والاجتماع
والعلوم والسياسة وما إلى ذلك، وإن الإسلام يرشد فى
كافة هذه المجالات إرشادا صحيحا ويصلح ما كان فاسدا، ليس له نظير فى الأديان الأخرى. وإن القرآن الكريم قد بين فى كل من هذه المجالات مبادئ وأصولا لإرشاد المسلمين. فها نحن
نوضح فى هذا البحث بعض المقومات والتوجيهات الإسلامية التى تتعلق بالجهاد وحقيقته وأقسامه لنهضة العالم الإسلامى.
الإسلام
بناء تام الصنعة
ولكن
قبل أن ندخل فى صلب الموضوع نريد أن نبين بأن الإسلام
ليس دينا روحيا. فقط، عاريا من الحضارة والتمدين، كما
يظن بعض الناس بغير أساس ودليل. بل هو جامع يشمل كل
مجالات الحياة الإنسانية من مهد إلى لحد. يقول الباحث الشهير محمد أسد:
" إننا نعتقد
أن الإسلام، بخلاف سائر الأديان، اتجاها
عقليا روحيا يمكن تقريبه من الأوضاع الثقافية
المختلفة، بل هو فلك ثقافى مستقل ونظام اجتماعى واضح الحدود " (1).
ومن محاسن الإسلام أنه نظام شامل يجمع كافة أركانه المختلفة بصلة
وثيقة وحكمة بالغة، كأنه جهاز كبير من شتى الأجزاء، كلها يعمل لغرض واحد ويجرى إلى
هدف موحد.
يقول
الباحث السالف ذكره " إن الإسلام على ما يبدو لى ،
بناء تام الصنعة، وكل أجزائه.قد صيغت ليتمم بعضها بعضا ويشد بعضها بعضا. فليس هناك
شئ لا حاجة إليه، وليس هنا نقص فى شىء.
فنتج عن ذلك كله ائتلاف متزن مرصوص ". (2)
والمقومات الثقافية الإسلامية كثيرة لا تحصى، منها تحصيل القوة والطاقة
المادية من تسخير الأشياء الكونية. بناء على العلم والعقل والنظر والتجربة، للدفاع
عن الدين والدولة كما قال الله تبارك وتعالى: (وسخر لكم ما فى
السماوات وما فى الأرض جميعا منه ) (3) (وأعدوا لهم ما
استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم
(4).
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر
ومن
أهداف المبدأ إبادة الشرور والسيئات الثقافية والحضارية، وتطهير المجتمع الإنسانى والعقائد والعبادات والأخلاق من الأوثان والأدران
وإفناء الفتن والاضطرابات القومية والجنسية والاجتماعية، السياسية والدولية من
المجتمعات. فإن الشريعة الإسلامية أوجبت على الأمة الأمر
بالمعروف والنهى عن المنكر بهذا الصدد فرديا وجماعيا. كما
قال الله تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)
(5).
وقد
جاء فى الحديث النبوى شرحا
بهذا الهدف: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع
فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (6).
وقال النبى
صلى الله عليه وسلم : ( والذى نفسى
بيده لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه،
ثم تدعون فلا يستجاب لكم) (7).
فبناء
على هذه المبادئ فإن الدرجة الأولى للإيمان إنما تكون باستئصال الشرور والفتن
باليد أو بالقوة والطاقة (8). وهذا الهدف لا يغيبن عن خاطر مسلم فى أى حال، وهذه الغاية لابد أن
تكون منصوبة أمام الأمة الإسلامية دائما، لإبادة الفتن والاضطرابات على المستوى
العالمي ، لتكون أرض الله خالية من الظلم والجور والاضطهاد، ولتكون كلمة الله هى العليا، قال تعالى: ( ثم جعلناكم خلائف فى الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) (9).
(وإن تتولوا
يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) (10). حقيقة
الجهاد فى الإسلام
وهذه
من المميزات الإسلامية والأهداف الأساسية الواسعة، وهى مطلوبة على صعيد عالمى من وجهة الخلافة الأرضية، التى
لأجلها خلق الله تعالى آدم عليه السلام وجعله خليفة فى
الأرض. ولذلك فإن الله قد شرع الجهاد، وأوجب على المسلمين أن يجاهدوا ويحاربوا
الفتن والاضطرابات وأعمال الشغب بين المجتمعات والحضارات الإنسانية، للقضاء على
الظلم والبغى والاستبداد، وإقامة العدل والإحسان. وهذا
هو معنى وحقيقة الجهاد فى الإسلام. ولذلك جاء فى الحديث النبوى الشريف: إن الخلق
عيال الله، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله) (11).
فالحاجة
ماسة إلى قوة وقدرة لإجراء هذا الجهاد وإقامة الدين الإلهى ، لأن الأمم
والشعوب المستبدة الباغية لا تعرف إلا لغة القوة ولا تخضع إلا للطاقة المادية
فتطهير أرض الله تعالى من الشرور والمفاسد هو من فرائض هذه الأمة، وهو داخل فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. فإن الله قد قال إن هذه
الأمة (أخرجت للناس) أى للنوع البشرى كله. فلابد إذا أن
تأمره بالخير والصلاح وتنهاه عن الشرور
والمنكرات الأخلاقية والاجتماعية. وهذا نطاق واسع، ليس محصورا فى
الشرعيات ولا يختص بالمجتمع الإسلامي وحده.
إن
العلامة ابن قيم الجوزية قد ألحق الجهاد بالأمر
بالمعروف والنهى عن المنكر، كما يقول: " وأما جهاد أرباب الظلم والبدع
والمنكرات، فثلاث مراتب: الأولى باليد إذا قدر، فإن عجز انتقل إلى اللسان، فإن عجز
جاهد بقلبه " (12).
الجهاد العلمى هو الجهاد الكبير
لقد
شاع سوء الفهم فى بعض الأوساط بأن الجهاد إنما هو حرب
الكفار. والحقيقة أن له مفهوما واسعا فى الدين. فإن
الجهاد فى الإسلام نوعان: نوع يتعلق بالعلم والاستدلال
بالبراهين، ونوع يتعلق بالجهاد فى ميدان العمل. وكلا
النوعين مطلوب لإعلاء كلمة الله تعالى. فإما الجهاد
بالعلم والاستدلال فهو إثبات أصول الدين وتعاليمه بالأدلة العقلية والعلمية
الحديثة لهداية النوع البشرى فى ضوء القرآن الكريم،
وهذا هو الجهاد الكبير من منظور القرآن الكريم. كما قال الله عز وجل: ( ولو شئنا
لبعثنا فى كل قرية نذيرا * فلا تطع الكافرين
وجاهدهم به
جهادا كبيرا ) (13).
إن
الله تعالى أمر النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن يجاهدوا الكافرين والمنكرين بالله
والقرآن الكريم، لما فيه من الحقائق والأدلة العلمية التى
تصلح أن تكون حجة ناصعة فى كل عصر ومصر. وهى اليوم
الحقائق الكونية التى تنكشف بالاكتشافات الحديثة، وهذا
العلم هو الذى يجدر أن يسمى
بعلم الكلام الذى له تأثير كبير فى
محاجة الكفار والجاحدين بالله تعالى فى العصر الراهن.
فالحاجة ماسة إلى تدوين هذا العلم ومبادئه فى ضوء
القرآن العظيم والعلوم الحديثة. وهذه الفريضة ملقاة على عاتق علماء الدين.
ففى هذا الصدد ورد فى القرآن الكريم: (
شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) (14).
(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا
معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) (15) ( وفى الأرض آيات للموقنين * وفى
أنفسكم أفلا تبصرون ) (16).
والغرض
من هذه الآيات البينات أو الأدلة
الكونية العلمية هو إرشاد النوع البشرى وإتمام الحجة على المنكرين والجاحدين بالله
تعالى. لذلك قال تعالى: ( سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى
أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) (17) ( ويريكم آياته فأى
آيات الله تنكرون ) (18).
فإن
هذه فريضة وعلى العلماء أن يتفكروا فى المظاهر الكونية
ثم يتدبروا فى كتاب الله العظيم فيستنبطوا منه الأدلة
العلمية التى تنكشف بمقابلة الاكتشافات الحديثة
والحقائق القرآنية والتى تكون حجة قاطعة على البشر، فلا
يكاد يتسع له مجال الإنكار بالله تعالى. ولذلك قال الله عز وجل يخاطب العلماء
الراسخين الذين هم " أولوا الألباب " فى
القرآن الكريم: ( إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف
الليل والنهار لآيات لأولى الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم
ويتفكرون فى خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا
باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ) (19).
( كتاب أنزلناه
إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ) (20).
الجهاد العملى أو البدنى
وأما
الجهاد العملى فهو الجهد المتواصل فى
مجال النشاطات المختلفة التى تساعد الإسلام والمجتمع الإسلامى للتقدم إلى إقامة الدين الإلهى
وسيطرته على الأمم والأديان كلها، لتكون كلمة الله هى
العليا. فلا يتم هذا الجهاد فى العصر الراهن إلا
بالنبوغ فى العلم والتكنولوجيا.
ثم
إن لهذا الجهاد (أى الجهاد العملى)
له مفهوم عام ومفهوم خاص. فالمفهوم العام هو النشاط العملى
فى جميع الأعمال المدنية والاجتماعية من منظور إسلامى، والتى هى
تساعد المجتمع الإسلامى لمواجهة أعدائه فى الساحة العسكرية، وهذا الجهاد هو الجهاد الدائم المتواصل فى حالة الأمن والخوف وفى حالة العسرة والراحة، فلا مرد له.
وفى هذا الجهاد يقول الله تعالى:
(
وجاهدوا فى الله حق جهاده ) (21).
( يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم
) (22). ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين )(23).. وأما
المفهوم الخاص للجهاد العملى هو القتال فى مواجهة أعداء الدين والمسلمين. وهذا
لابد منه للدفاع عن الدين وعن بلاد المسلمين إذا هجم عليهم العدو وشن عليهم
الغارة. وفى هذا الجهاد يقول الله تبارك وتعالى: ( وقاتلوا فى
سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) (24).
( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) (25).
( وقاتلوا
المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين ) (26) ( الذين
آمنوا يقاتلون فى سبيل الله والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان
ضعيفا ) (27).
استراتيجية الجهاد فى الإسلام
ولكل
نوع من الجهادين مقام خاص ومناسبة خاصة لإنجازه
وتنفيذه. فلا يصلح الجهاد القتالى لكل عصر ومصر إلا إذا
كان المسلمون أقوياء فى هذا المجال ولكن لا ينبغى لهم أن يغفلوا عنه يوما ما. وأما الجهاد العلمى- على العكس- فهو صالح للتنفيذ فى
كل العصور لأنه مطابق وملائم لعقلية العصر الحديث فى
ميدان العلم والبرهان. وعلى كل فإن الجهاد بمفهومه العام لابد أن يجرى ويستمر فى كل عصر وحين إلى يوم القيامة، كما جاء فى
الحديث النبوى الشريف: ( الجهاد ماض منذ بعثنى الله إلى أن يقاتل آخر أمتى
الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل). (28)
فإن
هذا الحديث يلفت النظر إلى هذا المبدأ بأن الجهاد لابد له أن يجرى دائما فى أى شكل كان. وللجهاد
ثلاثة أقسام من وجهة أخرى: الجهاد بالنفس أو بالسيف والجهاد باللسان والجهاد
بالمال، كما قال رسول لله صلى الله عليه وسلم
( جاهدوا المشركين
بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) . (29)
كما
جاء التصريح فى القرآن: ( وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله ) (30). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من
جهز غازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا فى سبيل الله فقد
غزا. (31).
وهذا الإسلام يوجب الجهاد
على كل مسلم، إما أن يجاهد بنفسه أو بلسانه أو بعلمه أو بماله. فلابد أن يكون كل
مسلم فى واحد من هذه الثلاثة. فإن لم يكن فى واحد منها فهو على
نوع من نفاق كما قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : ( من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه،
مات على شعبة من نفاق ) (32) ( من لقى الله بغير أثر من
جهاد لقى الله وفيه ثلمة) .
(33) (وهى الفرجة).
( من لم يغز ولم
يجهز غازيا أو يخلف غازيا فى أهله بخير أصابه الله
بقارعة قبل يوم القيامة). (34)
والمقصود
من الجهاد هو إعلاء كلمة الله تعالى خالصا له من غير شائبة. كما جاء هذا المبدأ فى الحديث: فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل للمغنم، وعن
الرجل يقاتل للذكر وللسمعة وعن الرجل ليرى مكانه، فمن فى
سبيل الله؟ فقال: ( من قاتل لتكون كلمة
الله هى العليا فهو فى سبيل
الله ). (35)
الإسلام دين العلم والبرهان
وإن
من مقومات الإسلام البارزة هو أنه دين العلم والبرهان، ولذلك زين بالأدلة العلمية
الصارمة والحجج القاطعة التى تدحض جميع الأديان
المنحرفة والفلسفات الكاذبة فى ميدان الحجة والبرهان
والاستدلال، كما قال تعالى: (قل فلله الحجة البالغة ) (36).
(
هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين
كله ولو كره المشركون ) (37).
وهذه
الغلبة والاستيلاء مطلوبة فى كل من مجال العلم والبرهان
ومجال العسكر والسياسة، كما صرح به المفسرون. فقال القرطبى: (ليظهره على الدين كله) أى
بالحجة والبراهين، أى ليظهر الدين، دين الإسلام على كل
دين (38)
فإن
هذا وعد من الله تعالى وبشرى عظيمة تحث المسلمين جميعا على أن يستعدوا له ويجاهدوا
فى سبيل الله تعالى بكل حماسة وحرارة لغلبة الدين الإلهى على الأديان كلها بالحجة والبرهان وبالسيف والسنان.
فإن كان الجهاد القتالى
جديرا من حيث أهلية المسلمين فى الميدان العسكرى فهو، وإلا فلا مندوحة عن الجهاد العلمى،
لأن واحدا منهما لابد له يستمر على الدوام
بلا انقطاع. وهذا هو مطلب الإسلام.
وعلى
كل، فإن الجهاد العلمى هو الملائم فى
هذا الزمان نظرا إلى أحوال المسلمين السياسية. فلابد أن
يكون الجهاد مستمرا ومتواصلا لتكون سوق الاستدلال قائمة بكل روعة وجلال. وبهذا
الجهاد نستطيع أن نوسع نطاق الإسلام بغير أهراق الدماء.
النهضة الإسلامية والجهاد
المتواصل
وعصارة القول أن مداواة جروح الأمة الإسلامية وعلاجها هو الجهاد فقط
لا غير. وهذا هو الحل السليم للمشاكل والقضايا التى
تحيط بالأمة من كل جانب. وهذا الجهاد هو الجهاد العلمى
والجهاد الاستدلالى والجهاد العسكرى
والجهاد الحضارى والجهاد الاقتصادى
والجهاد المدنى والجهاد السياسى
بكل روح ومعنى. وبذلك نستطيع أن نقاوم
الحضارة المادية والإلحادية ونهزمهما فى ساحات العلم والحضارة والاجتماع والسياسة، ونرفع راية
الإسلام على آفاق العالم. فبهذا العمل الجذرى تتحقق
النهضة الإسلامية الحديثة. وهى تحتاج إلى جهد متواصل وجهاد كامل بكل جدية وواقعية.
فلا تتحقق بمجرد الأمانى والأحلام. فقد قال الله تبارك
وتعالى:
( وإن تتولوا
يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم " (39).
( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (40).
فلسفة الخلافة الأرضية
لقد
خلق الله الإنسان خليفة على الأرض وكرمه بـ " علم الأسماء " أى
علم المظاهر الكونية لهذه الخلافة (وعلم آدم الأسماء كلها)، لإقامة دينه الخالد
وإظهاره على الأديان والفلسفات المنحرفة كلها فبهذا المنظور أيما أمة تخلفت فى التسلح بهذا العلم قد خابت فى
هذه الساحة.
وهذه
هى العبرة فى قصة آدم عليه
السلام. (41)
وللخلافة
جناحان: جناح روحى وجناح مادى
، فلإكمالها لابد من التوافق والاتصال بينهما. وبالتفريق والانفصال بينهما- على
العكس- يفضى إلى اختلال التوازن. ولذلك أيما أمة برزت على عرش الخلافة متزينة
بالمادية فقط عارية عن الروحية فهى ترقص رقصا شيطانيا
كما هو حال الغرب. وأيما أمة اختارت من هذه الخلافة
جناحها الروحى فقط مجردا عن المادية،
لا
تستطيع أن تذلل الشياطين. فلا مندوحة عن القوة المادية
للسيطرة على القوى الشيطانية. وهذه هى فلسفة الخلافة.
الخلافة الأرضية وشروطها
فإن
هذه الخلافة ابتلاء وامتحان للأمة الإسلامية، ولا تحصل بالأمانى
والأحلام
إلا بالكد والمجاهدة الشاقة، كما أنها تقتضى الإيمان الكامل بالله تعالى عز وجل.
ولقد قرر الله هذا المبدأ فى كتابه المجيد بقوله تعالى:
(
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى
الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى
ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا
يشركون بى شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون
)(42)
وفى هذه الآية الكريمة وعد
الله المسلمين بثلاثة وعود وهى مشروطة بشرط. فأما ما وعده فهو استخلافهم فى الأرض أى جعلهم خلفاء الأرض،
وتمكين دينهم وهو الإسلام، وتبديل خوفهم من الأمن، أى
تبديل الخوف من جانب أعدائهم وإيصالهم إلى الأمن والسلام. فإن الخلافة لا تتم إلا
بتثبيت الدين من كل وجه فى جميع ساحات الحياة من غير
خشية الأعداء والحاقدين على الإسلام. وهذا هو المطلوب من الخلافة. وأما الشرط لهذه الخلافة فهو العبادة الخالصة لله وحده وعدم الإشراك
به تعالى. أى مخلصين له
الدين ولا يطيعون غيره.
الحاجة إلى استراتيجية إيجابية
وإن
هذه الغلبة والانتصار على ألد الأعداء لا تتحقق ألا بالجهد المتعب المتواصل ولا
ينجح المسلمون فى هذه الأهداف السامية إلا بعد التضامن
الكامل للعالم الإسلامى والتكافل بين شتى الجبهات
والأحزاب المسلمة، فلابد له من تخطيط شامل واستراتيجية
إيجابية لتغيير الأوضاع الراهنة لجميع نشاطات المسلمين فى
إطار نصوص الكتاب والسنة النبوية. ولابد لتمهيد السبيل من التشاورات
والتداولات بادئ ذى
بدء، ثم الإجراءات والمبادرات العملية إلى المرامى
المطلوبة من ميدان العلم والصناعات وإعداد المجتمع لمواجهة الأحوال القاسية وتحصيل
الاكتفاء الذاتى فى الأدوات
والتجهيزات المدنية والعسكرية. يقول الله تعالى فى هذا
الصدد:
( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين
قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين
الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) (43)...
(وأمرهم شورى بينهم )
(44).
( وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا
تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم
تتقون " (45).
( إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله
صفا كأنهم بنيان مرصوص) (46).
وعصارة
القول إن الجهاد لا يتم اليوم إلا بالنبوغ والتمهر فى العلم والتكنولوجيا لمقتضيات العصر الراهن.
الخطوات الحاسمة فى مجال الخلافة
وبناء
على هذا فلابد من التقدم فى مجال العلم والتكنولوجيا
بكل عزيمة وتخطيط شامل لجميع أعمالنا ونشاطاتنا بالخطوة الأولى. لأن للتخطيط
والتصميم أهمية خاصة فى العصر الحالى.
فلا يتم عمل ولا إجراء إلا بعد خطة. وبالخطوة الثانية يحتاج إلى جمع المهندسين
والعلماء النابغين فى العلم والتكنولوجيا والصناعات
الحديثة من المسلمين فى العالم، لهذه المرامى والأهداف. وبالخطوة الثالثة لابد من إنشاء المعامل
والمصانع للصناعات المختلفة للتقدم فى المجالات المدنية
والعسكرية. وبالخطوة الرابعة لا مندوحة عن إقامة سوق مشتركة إسلامية للعالم الإسلامى لتبادل الإنتاجات
والضروريات بين الدول الإسلامية، ليقل الاتكال على الأجانب. وبهذه الخطوات الحاسمة
المباركة نتقدم نحن فى ميدان الخلافة يوما فيوما حتى سننتهى إلى الغاية المنشودة، وأحسبنى
على حق حين أزعم أن هذه الخطوات ليست ضرورية لتغيير أوضاع المسلمين فقط، بل هى
لازمة وملحة من الوجهة الشرعية أيضا، لإعداد المجتمع الإسلامى
على الخصوص، لمواجهة أعداء الإسلام والدين فى ميدان
الجهاد. وهذا هو روح القرآن الكريم، التى تطالبنا أن
نكسب هذه المعركة على كل حال ونسيطر على الأوضاع بالصمود والثبات فى جميع ساحات الحياة بعواطف الجهاد. يقول الله تبارك وتعالى فى هذا الصدد: ( والعصر * إن الإنسان لفى
خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (47).
( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا
ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) (48).
( ولا تنازعوا فتفشلوا
وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع ا لصابرين ) (49).
( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم
والصابرين ونبلوا أخباركم ) (50).
هذه
هى الأهداف والمقومات الدينية فى
ساحات الجهاد والصبر والثبات المطلوبة فى ميدان
الخلافة. فإن الإسلام لين نشيط، يقود المسلمين إلى الجهد
والعمل ويحرضهم على التقدم والحركة. فعلينا أن نصغى إلى
التوجيهات والمقومات الإسلامية لنهضتنا.
الخاتمة
إن
الثقافة الإسلامية هى أسمى ثقافات العالم، كذلك النظام
الإسلامي هو أرفع الأنظمة التى عرفها البشر. فإن العالم
الشهير محمد أسد يقول فى هذا الصدد:
نحن
نعد الإسلام أسمى من سائر النظم المدنية، لأنه يشمل الحياة بأسرها: إنه يهتم
اهتماما واحدا بالدنيا والآخرة، وبالنفس والجسد، وبالفرد وبالمجتمع، إنه لا يهتم
فقط لما فى الطبيعة الإنسانية من وجود الإمكان إلى
السمو، بل يهتم أيضا لما فيها من قيود طبيعية، إنه لا يحملنا على طلب المحال ولكنه
يهدينا إلى أن نستفيد أحسن الاستفادة مما فينا من استعداد، وإلى أن نصل إلى مستوى
أسمى من الحقيقة- حيث لا شقاق ولا عداء بين الرأى وبين العمل (51).
وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المراجع
(1) الإسلام على مفترق الطرق، تأليف محمد أسد، ترجمة: د. عمر فروج ، ص18، بيروت،
1947.
(2) نفس المرجع: ص 15.
(3) الجاثية:
13
(4) الأنفال : 60.
(5) آل عمران:
110
(6) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، 1/69 طبعة
الرياض.
(7) نفس المرجع: باب تحريم الظلم، 4/1996
م.
(8) انظر أحكام القرآن، للجصاص، 2/30، دار الكتاب العربى
بيروت.
(9)
يونس: 14.
(10)
محمد: 38.
(11) رواه الطبرى.
(12) زاد المعاد: 3/11، طبعة مؤسسة ا لرسالة، بيروت.
(13) الفرقان: 51- 52.
(14) البقرة: 185.
(15)
الحديد: 25.
(16)
الذاريات: 20- 21.
(17)
فصلت:53.
(18)
غافر:81.
(19)
آل عمران: 190- 191.
(20)
ص:29.
(21)
الحج.: 78.
(22)
المائدة: 54.
(23)
العنكبوت: 69.
(24)
البقرة: 190.
(25)
البقرة: 193.
(26)
التوبة 36.
(27) النساء: 76.
(28)
رواه أبو داود فى كتاب الجهاد: 3/40 ، ط حمص ، 1391 هـ.
(29) رواه أبو دواد 3/22- 23 والنسائى
6/7 دار الكتاب العربى بيروت، والدارمى
2/213 بيروت، و أحمد 3/124 بيروت، وابن
حبان 8/104، والحاكم 2/81 دار المعرفة
بيروت.
(30) التوبة: 41
(31) رواه البخارى فى
كتاب الجهاد: 3/214 ط استانبول 981 1م، ورواه مسلم فى
الإمارة: 3/1507 ط الرياض 1400 هـ، ورواه أبو داود: 3/26، والترمذى:
4/169 دار إحياء ا لتراث العربى، والنسائى: 6/46
بيروت.
(32) رواه مسلم و أبو داود والنسائى.
(33) رواه الترمذى فى
فضائل الجهاد: 4/189.
(34) رواه الدارمى: 2/ 209، بيروت.
(35) رواه البخارى فى
كتاب الجهاد: 3/206، ورواه مسلم فى الإمارة 3/1512.
(36) الأنعام: 149.
(37) التوبة : 33 ، والصف : 9 .
(38)
الجامع لأحكام القرآن ، للقرطبى : 8 / 121.
(39)
محمد : 38.
(40)
الرعد : 11.
(41)
انظر بتفصيل هذا المبدأ كتابنا ( نهضة العالم الإسلامى فى ظلال القرآن ) من منشورات الأكاديمية الفرقانية
، بنجلور ( الهند )
(42)
النور : 55 .
(43)
آل عمران : 103 .
(44)
الشورى : 38 .
(45)
الأنعام: 153.
(46)الصف:4.
(47)العصر:1-3.
(48) آل عمران: 200.
(49) الأنفال:46.
(50) محمد:31.
(51) الإسلام على مفترق الطرق ص 110.