الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الحادي عشر : نحو مشروع حضاري لنهضة العالم الإسلامي
 
الإسلام و العولمة

الإسلام و العولمة

التحديات على الهوية الثقافية

أ. د/ أسعد السحمرانى

مسئول الشئون الدينية بالمؤتمر الشعبى

 لبنان

( 1 ) مقدمة : -

تجتاح العالم بأسره فى هذه الأيام موجات دعائية تتمركز كلها حول شعار العولمة،  بحيث بات معظم المتحدثين أو السائلين فى الملتقيات والمنتديات واقعين تحت سيطرة هذا الشعار الغامض.

فإذا كان الحديث عن الشأن السياسى أو الاقتصادى أو العسكرى أو العلاقات الدولية أو عن التربية والإعلام والفن وغير ذلك نسمع ونقرأ عن ربط لهذه الشئون كلها بالعولمة ربطا عشوائيا، وهذا الربط العشوائى يحكمه أحد ثلاثة مواقف:

1- موقف متخاذل يفترض صاحبه أن أمريكا هى المهيمنة وأن العولمة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية باتت هى الصيغة التى تحكم العالم والعلاقات الدولية، وما على كل شعب أو أمة إلا أن يبحثوا عن مكان لهم فى إحدى عربات قافلة العولمة حتى لا يخرجوا من المعادلة، وهذا موقف ذيلى يصدر عن عمالة أو ضعف وكلاهما خطر.

2- موقف منفعل يكيل الشتائم، ويرفض كل ما حوله تحت شعار الأصالة والمحافظة على الهوية دون أن يميز بين الحفاظ على الشخصية والهوية مع الانفتاح على الأمم الذى كان ولا يزال ضرورة أملاها الإسلام كما يمليها واقع حركة الأمة فى مسيرة التاريخ، وبين الجحود والتزمت بدعوى المحافظة وهذا موقف يعبر عن عدم ثقة بالنفس ، وفوق ذلك فإنه لا يقوى على رد هذه الغارات من الغزو الثقافى والتحديات  التى تعترض الأمة.

3- موقف فاعل يلتزم ثوابت الشخصية والهوية، وينفتح على العالم بأسره بكل ثقة بالذات الحضارية متفاعلا مع حضارات الأمم يأخذ منها ويعطيها من موقع الندية، هذا الموقف هو الأكثر جدوى وواقعية وموضوعية.

لكن مع هذه المواقف يطالعك الإعلام وعناوين المؤتمرات والكتب بالقرن الحادى والعشرين وكأن عقرب الساعة لحظة تجاوزه منتصف ليل اليوم الأخير من العام الألفين للميلاد سيكون أشبه بخاتم سحرى تتبدل معه الوقائع والأحداث والتحديات، مع أن مجريات الأمور الحضارية وحركة الأمم فى التاريخ لا تعرف القفزات الفجائية أو الحركات غير المحسوبة وإنما الأحداث تنتج دوما من خلال معطيات وظروف، وتتأثر بالخصائص الحضارية والقاعدة فيها ارتباط ورباط متين بين التاريخ والحركة الحضارية.

إن من يدقون طبول العولمة يبدو أنهم لم يقرأوا التاريخ الذى يشكل ذاكرة الشعوب ومصدر العبر والدروس، ولم يعوا أن التقدم الحضارى والثقافى نتاج لتراكم معرفى تلتقى فى حاضره عبر الماضى وتراثه مع التطلعات المستقبلية .

إن العولمة- الأمريكية التى تسوق للاستهلاك الذى يروج الكاوبوى والهمبرجر وإعلام  CNN  وما تنتجه هوليوود، لها محدداتها التى لا تناسب هويتنا العربية- الإسلامية، وفى الوقت عينه لا تناسب هويات لمناطق كثيرة فى العالم، يضاف إلى ذلك أن الشعوب لم تعرض وطنيتها ودولها وحضاراتها فى سوق أو مزاد مباح للولايات المتحدة الأمريكية أو سواها، كما أن محاولة نسخ الهوية ليست المحاولة الأولى فى التاريخ، وإن الأمريكى أسعد حظا من سابقيه.

(2) بين العالمية والعولمة

إن معركة التضليل بشأن المفاهيم والمصطلحات من الأساليب التى يعتمدها أصحاب الأهواء أفرادا كانوا أم دولا سعيا لتمرير مخططاتهم فى غفلة من الضحايا، وأمريكا التى بدأت تحضر للانفراد بالقرار العالمى تحت شعار العولمة مرة أو تحت ستار النظام العالمى الجديد تارة وأخرى وهكذا دواليك تمارس هذا التضليل كى تسلم لها الشعوب القيادة.

ومن يتحدثون عن العولمة ويخلطون بينها وبين العالمية عن قصد أم عن غير قصد يضللون الرأى العام خاصة عندما يدعون أن وسائل الاتصال المتقدمة اختصرت المسافات، وبات التعبير المستخدم هو:  " أن العالم قرية صغيرة " ، وهذا التعبير سلاح ذو حدين:

1- إذا كان المقصود به أن التواصل بين الشعوب، ونقل المعلومات والمعارف بات متيسرا وسهلا فبهذا المعنى لا اعتراض.

2- أما إذا كان المقصود أن الإعلام ووسائل الاتصال المتقدمة سيدفعان إلى إلغاء الآخر، وتوحيد القيم وفق النظرة الليبرالية الغربية العلمانية التى تتزعم التسويق لها أمريكا فى محاولة للإمساك والانفراد بالقرار العالمى،  فإن هذه أطروحة تحتاج لنقاش، ومن غير الصحيح التسليم بها، فالواقع القائم والتجارب وعبر التاريخ تؤيدها.

العالمية بمعنى انفتاح الأمم على بعضها فى إطار التواصل الحضارى ، وتبادل المعارف والاكتشافات، وصياغة علاقات تقوم على أساس من الاحترام والحرية والتعددية كل هذه أمور مقبولة، وقد أرشد إليها النص القرآنى فى قوله تعالى  ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) (1).

هذه العالمية دعا إليها الإسلام وحض عليها الناس شعوبا وقبائل وتنوع ألسنتهم ومفاهيمهم وأممهم، والإسلام دعوة للعالمين ورسول الله  صلى الله عليه وسلم أبلغه ربه سبحانه ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (2). لكن المطروح حاليا هو العولمة  globalisation  وهى سعى لهيمنة ثقافية واقتصادية، هى سعى من أجل إلغاء الآخر لا إقرارا بقبوله ولا إقرارا بوجوده وبخصائصه، وهذا النمط الاستعمارى المتستر بالعولمة ليس جديدا أما ، الاستعمار الأوروبى الغربى فى مراحل التاريخ كافة كان ديدنه إلغاء الآخر وفرض أنماط عقدية وحضارية فى مختلف جوانب وميادين الحياة

وإذا تجاوزنا الماضى لنتحدث عن الحالات المعاصرة نتعرف على منهج العولمة من إجراءات فرنسا لفرنسة الجزائر وتنصيرها يوم كانت تستعمرها إلى فرض السوفييت النظام الماركسى على ألمانيا الشرقية عندما أخضعوها لنفوذهم بعد هزيمتها فى الحرب العالمية وغير ذلك كثير. والولايات المتحدة الأمريكية تحاول جاهدة أن تحقق عولمة تملى من خلالها على الأمم  والشعوب ما عندها، وما يحقق لها مصالحها وأطماعها، أى أنها تعمل لأمركة الكثير من وجوه الحياة إن استطاعت إلى ذلك سبيلا. مما يدفعنا إلى القول: العالمية ضرورة إنسانية من أجل التبادل والتواصل الحضارى، ومن أجل التراكم والتطور المعرفى والعلمى، وهى التي تحقق التلاقى الفكرى الذى يولد الحركة الفكرية الثقافية، ويعزز دورتها بشكل سليم.

أما العولمة فهى ليست أكثر من مشروع استعمارى أمريكى يتخفى وراء شعارات متنوعة كى يخفى على الناس حقيقة عدوانيته.

فالعولمة فى جوهرها إلغاء للتعددية، وعدم اعتراف بالآخر، الآخر الثقافى والاقتصادى والإعلامى والاجتماعى... إلخ، وهذا الإلغاء من وجهة نظر صناع مشروع العولمة سيكون إن استطاعوا لصالح الأمركة. فالعولمة هى تعميم للنمط الغربى الليبرالى الرأسمالى الذى تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وبذلك تكون العولمة المطروحة مشروعا استعماريا لكن طرحه يتم بشكل يخفى حقيقة المضمون كما حصل فى أوائل هذا القرن عندما استعمرت دول الحلف الأمة العربية وقسموها مناطق نفوذ بناء على اتفاقية سايكس بيكو وغلفوا الحقيقة الاستعمارية بستارة اسمها الانتداب.

كذلك الأمر بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التى تسعى هذه الأيام للهيمنة على مقدرات الشعوب العربية والإسلامية منها خصوصا تحت ستار العولمة.

وإذا أردنا ربط  ( المشروع- المؤامرة ) بعنوان البحث، أى بالتحديات والمخاطر على الهوية الثقافية فإننا نصل إلى القول بأن العولمة تبشر هنا بعالم واحد تسوده ثقافة واحدة تحمل مفاهيم وقيما واحدة من شأنها القضاء على مشكلة التمايزات الثقافية والحضارية بين الأمم المختلفة... فالقول بسيادة ثقافة واحدة من خلال ثورة الاتصالات لن يعنى شيئا سوى سيادة وهيمنة الثقافة والقيم الأمريكية على العالم كله... والخطر هنا شديد الوضوح فالدعاوى السابقة ستقضى على أبرز ما يميز كل أمة عن غيرها وهو التمايزات أو الخصوصيات الثقافية لها... كما أن القول بعولمة ثقافية يهدد بصورة أكبر دول العالم الإسلامى الذى تسوده ثقافة وقيم تختلف تماما عن تلك التى تسود فى الولايات المتحدة التى تعكس فى أغلبها قيم الانحلال الدينى والأسرى، وتروج لقيم المصلحة الذاتية قبل كل شىء " (3).

 (3)- العولمة مشروع أمركة

بعد سقوط الاتحاد السوفييتى السابق، وتوقف الحرب الباردة بين الحلفين: الأطلسى الأمريكى، ووارسو السوفييتى والتى استمرت أربعة عقود من الزمن زالت الثنائية العالمية، وكان قد سبق ذلك تراجع فى واقع معسكر الحياد الإيجابى وعدم الانحياز بعدوفاة رموزه ومؤسسيه جمال عبد الناصر وجواهر لآل نهرو وجوزيف بروزتيتو، هذه الظروف الدولية مع امتلاك الولايات المتحدة لمناطق نفوذ فى العالم أو الإمساك بقرارها كحالة دولة العدو الإسرائيلى، أو كحالة تركيا الخاضعة للقرار الأطلسى أو بريطانيا التى تخضع بالكامل للإدارة الأمريكية، زد على ذلك الشركات، ووسائل الإعلام المهيمن على التوجيه فيها، كل ذلك حفز الولايات المتحدة على طرح ما أسمته. "النظام العالمى الجديد" . ومن ثم " العولمة" ولعل تردى الأوضاع العربية وتراجع التضامن، وتردى الأوضاع فى مواقع كثيرة فى العالم كان- كذلك- الدافع للولايات المتحدة الأمريكية كى تطرح مشروعها، ذلك المشروع " الذى يصل إلى درجة التعصب للنموذج الغربى، وتعميمه، وفرض سيطرته وهيمنته، مع السعى إلى اختراق خصوصيات الغير وطمس القسمات التى تشكل منها شخصيات الأمم والشعوب الأخرى، وخاصة المستضعفة منها، وهو- أى النموذج الغربى المدعوم بالتفوق المادى والثقافى- يسخر من أجل هذا كل إنجازاته العلمية والتقنية، وقدراته إلاقتصادية، وإمكاناته الإعلامية، بل وقوته العسكرية إذا اقتضى الأمر، ليفرض تصوراته الخاصة عن السلام والأمن والحرية وحقوق الإنسان، وغير ذلك من المفاهيم التى عند كل أمة" (4)

إن العولمة أو الكوكبة من "المنظور الأمريكى هى الغربية أو الأمريكية،وهى تعمل لتحقيق السيادة التامة لمفاهيمها وقيمها المادية التى تعتمد لغة الكم والمقدار، ولا تقيم وزنا للكيف ولا للإنسان، كما أنها تسوق مقولات تقوم على منطق الاستهانة بحضارات الآخرين وفى مقدمة من يقللون من شأنهم، ويناصبونهم العداء الإسلام.

يصرح صمويل هانتنجتون بهذا قائلا:" الحكومات السعودية والليبية وغيرها استخدمت ثرواتها النفطية لاستثارة وتمويل عملية الإحياء الإسلامى، والثروة الإسلامية أدت بالمسلمين إلى أن يتحولوا بسرعة عن الافتتان بالثقافة الغربية إلى الانغماس العميق فى ثقافتهم والاستعداد لتوكيد مكانة وأهمية الإسلام فى الدول غير الإسلامية. ومثلما كان ينظر إلى الثروة النفطية كدليل على تفوق الإسلام، الذى صنعه الارتفاع الشديد فى أسعار النفط هبط فى الثمانينات، ولكن النمو السكانى كان قوة دافعة باستمرار" (5).

إن العداء الأمريكى للإسلام نابع من أنهم يرون فيه العدو المفترض وأنه السد المانع لعولمتهم الغربية، وعدوانيتهم هذه تقوم على فكرة الإلغاء التى تذكرنا بمزاعم الماركسية بالحتمية التاريخية المادية، والأمريكان اليوم ينشرون مزاعم عن حتمية تاريخية مادية موصلة إلى الرأسمالية الليبرالية، وقد طرح هذا الزعم فرانسيس فوكوياما فى كتابة" نهاية التاريخ " حيث قال: " ويبدو لى- أخيرا- الجنس البشرى كما لو كان قطارا طويلا من العربات الخشبية التى تجرها الجياد متجها إلى مدينة بعينها عبر طريق طويل فى قلب الصحراء، بعض هذه العربات قد حددت وجهتها بدقة ووصلت إليها بأسرع  وقت ممكن، والبعض الآخر تعرض لهجوم من الآباش (الهنود الحمر)، فضل الطريق، وراحوا يبحثون عن طرق بديلة للوصول إلى المدينة، وفى النهاية يجد الجميع أنفسهم مجبرين على استعمال نفس الطريق- ولو عبر طرقا فرعية- للوصول إلى غايتهم، وفعلا تصل أغلب هذه العربات إلى المدينة فى النهاية، وهذه العربات عندما تصل لا تختلف عن بعضها البعض إلا فى شىء واحد وهو توقيت وصولها إلى المدينة، سرعة أو بطئا وصولها إلى الديموقراطية الليبرالية، ومن ثم نهاية رحلتها الطويلة، نهاية التاريخ" (6).

لا أظن مزاعم فوكوياما التى تحمل تسويقا للهيمنة الأمريكية الغربية من خلال العولمة معبرة عن واقعية فهو يستخف بكل الحضارات والقيم بما فى ذلك المعتقدات، والإسلام معها، عندما يصرع بأن الديمقراطية بالمفهوم الغربى الليبرالى فقط هى المدنية ومن لم يدخلها لا يزال خارج المدينة، وهذه أطروحة قائمة على روح الاستعلاء والعنصرية.

لذلك نقول إن العولمة الأمريكية هى مشروع استعمارى يحمل فى ثناياه كل التحديات والعدوانية والأطماع، وهى تمثل غزوا لا يكتفى بجانب أو قطاع، وإنما تهدف العولمة للغزو الشامل للميادين كافة ولهذا كان الواجب أن تقاوم وتواجه وتجابه لدفع خطرها ووقف اغتصابها للحقوق، وتعطيل مساعدتها لضرب الهوية الثقافية لغيرها وفى مقدمة ذلك الإسلام والعروبة.

والولايات المتحدة والسائرون فى ركابها من الدول الغربية فى مشروع العولمة ومحاولات محاربة الإسلام يستخدمون وسائلهم كافة، وقد أضافوا إليها مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة ومؤسسات دولية كثيرة ليتمكنوا من اختراق منظومات الأمم حضاريا والإسلام فى المقدمة. هذا ما دفع الأستاذ كمال شاتيلا رئيس المؤتمر الشعبى اللبنانى إلى القول" إن خطورة انفراد مجلس الأمن (الغربى) فى تحديد السياسة العالمية، وفرضها على الشعوب قد تخطت حدود التدخل فى شئون الأسرة والمجتمع والمرأة.

هذه هى عولمة أمريكا والغرب، إنها غزو ثقافى- اجتماعى- اقتصادى سياسى يستهدف الدين والقيم والفضائل والهوية، كل ذلك يعملون له باسم العولمة والحضارة وحقوق الإنسان!!.

4- نماذج من تحديات العولمة بشأن الهوية الثقافية

ها هو صمويل هانتنجتون الأمريكى نفسه يقر بذلك فيقول: " لقد شهدت التسعينات انفجار أزمة هوية كونية. أينما تنظر تجد الناس يتساءلون: من نحن؟ لمن ننتمى؟ من هو الآخر؟ وهى أسئلة مركزية، ليس فقط بالنسبة للشعوب التى تحاول أن تصوغ دولا قومية جديدة كما فى يوغوسلافيا السابقة، وإنما على المستوى العام كذلك.

فإن ما يهم الناس هم الدم والعقيدة والإيمان والأسرة. الناس عادة يهرعون نحو أولئك من نفس السلف والدين واللغة والمؤسسات ويتباعدون عمن هم عكس ذلك.

القوى الأوروبية: يظهرون صراحة أنهم لا يريدون دولة إسلامية (تركيا) فى الاتحاد الأوروبى، ولا  يسعدهم أن تكون دولة إسلامية أخرى (البوسنة) فى القارة الأوروبية (7).

ولأن الهوية الثقافية هى الأساس نرى أن الولايات المتحدة الأمريكية تعلن عداء للإسلام والعرب من خلال مجالات كثيرة بما فى ذلك المسرح وهو أحد ميادين الفن، فلو كانت عملية الاستغناء عن الهوية ممكنة لما كان ذلك.

ومن الأمثلة على عداء الأمريكان هذا ما يحصل فى" هوليود" موقع إنتاج الأفلام الأمريكية وهى مؤشر على المزاج السياسى الأمريكى.

لقد حملت الأنباء وقائع الفيلم المسمى (THE SIEGE) الذى أسهم فيه بشكل أساسى كتابة وإخراجا إدوارد زوك، والفيلم يتحدث عن الإجراءات للقضاء على خلية سرية من الإرهابيين الذين يعتزمون تفجير مدينة نيويورك أو " التفاحة الكبيرة " كما يسميها الأمريكيون بأسلحة نووية حرارية، والإرهابيون حسب الفيلم هم مسلمون وعرب.

وقد تحركت جمعيات تعنى بالدفاع عن المسلمين والعرب فى الولايات المتحدة تطلب عدم استكمال الفيلم (الحصار) وعرضه ولكن لم يلقوا آذانا صاغية. وكان قد سبق أن أنتجت مسارح هوليود فيلما هو الأكثر عداء للعرب والمسلمين واسمه أكاذيب حقيقية (TRUELIES)، ورغم المطالبة الملحة لوقفه لم يلبوا النداء. هذا كله عدوان ويحقق تعبئة خطيرة فى الولايات المتحدة وفى الغرب ضد المسلمين والعرب خاصة المقيمين فى بلدانهم مما يعرضهم للأذى (8).

إذا انتقلنا إلى أمور عامة أكبر من أفلام هوليوود نجد أشكالا من العدوان على قيم الدين، ودعما للقيم المادية أخطر بكثير. فالولايات المتحدة تدعم بشكل لا محدود العدو الإسرائيلى فى كل إجراءاته التوسعية وأطماعه بما فى ذلك تهويد مدينة القدس.

والولايات المتحدة تمسك بقرار هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتوظف ذلك فى خدمة مصالحها.

عولمة أمريكا لا تريد بقعة أو مساحة لقاء تتحقق من خلالهما العالمية وانفتاح الأمم على بعضها، وإنما تريد أمريكا صياغة هويات جديدة للأمم تجعلها فى خدمة هيمنتها.

وقد قال أحد الكتاب العرب د. محمد عبد الشفيع عيسى فى هذا الأمر:

" لن تكتفى الدول الغربية، وأمريكا، والصهيونية، بإقامة ثقافة وسيطة، وسيطة الطابع على الأنموذج الشرق- آسيوى، وإنما ستسعى إما إلى طمس هوية المنطقة العربية طمسا كأولوية أولى، وإما إلى مسحها وإهدارها كحدين أدنى وأبعد للطمس...

أما الثقافة الإسلامية- العربية المتصالحة وطنيا مع المسيحية الشرقية فهى عصية على ذلك لأنها تقوم على ربط معين للدين بالمجتمع، ودمج المجال الدينى فى المجال السياسى، وإن كانت بدرجات وأشكال متفاوتة. وهى حريصة على إثبات ذاتها كاملة، سياسيا وإيديولوجيا، من خلال إبرازا لهوية العربية الإسلامية، لأنها خصم عنيد، ولا تصلح- من ثم- من وجهة النظر الغربية- الصهيونية- شريكا فى هذه المرحلة...

إن العولمة الأمريكية تعمل لنشر ثقافة استهلاكية تهدر الثروات فى الأمة لتصبح سوقا ومنجما لهم. وقيم الاستهلاك بدون تخطيط لتطوير الإنتاج هدر يسمى تبذيرا، وقيم الإسلام تذم ذلك وتنهى عنه.

والولايات المتحدة لم تشأ نشر ما يسمو بالشعوب ويحقق لها الرضا والتقدم، وإنما سعت ولا تزال لنشر وجوه من السلوك عمادها حالات شعبية متدنية فى مستواها، ولكن بواسطة صناعتهم الإعلامية أوجدوا لها سلطانا عند المنبهرين بالأمركة والغربنة، والذين تولد عندهم حسب تعبير مالك بن نبى قابلية استعمارية دفعتهم على استدعاء ثقافة من هذا المستوى المتدنى تسهل للعولمة ( الأمركة )  وتضرب الهوية الثقافية للأمة بكل قيمها.

هذا ما دفع أحد المعاصرين إلى القول:" إن أكثر ما يلفت الانتباه من ظواهر العولمة المدى الذى بلغته الثقافة الشعبية الأمريكية من الانتشار والسيطرة على أذواق الناس فى العالم. فالموسيقى الأمريكية والتليفزيون والسينما، من مايكل جاكسون إلى رانبو إلى دالاس، أصبحت منتشرة فى مختلف أنحاء العالم، كما أن النمط الأمريكى فى اللباس والأطعمة السريعة وغيرها من السلع الاستهلاكية انتشرت على نطاق عالمى واسع وبالأخص بين الشباب.

إن الولايات المتحدة الأمريكية إذن لا تسعى لنشر قيم رفيعة وسامية،ولا لنشر ثقافة تعنى بالإنماء والتطوير فى قطاعات القيادة ومواقع أهل الرأى، وإنما كل سعيها منصب على التجييش والحشد للعامة ومحدودى الكفاءات المنبهرين بما تقدمه لهم من أنماط السلوك والإعلام واللباس والطعام والفنون التى تحرك فيهم شهية نحوها دونما اهتمام- كما سبق القول- بالأمور التى لا تعنى سوى القلة من علية القوم.

هذه هى عولمة الولايات المتحدة الأمريكية إنها عولمة تنوى تحويل الغالبية الساحقة من الناس إلى مستهلكين يستجيبون لسلع معروضة دونما تدبر، وهذه الاستجابة تنتج أنماطا سلوكية متدنية المستوى.

إن فلسفة الاستهلاك التى يشجعها مشروع العولمة أو الأمركة تخاطب الغرائز فى الغالب، ويقرنون طرحهم بنظريات حول العدالة، وحقوق الإنسان، والخلل يتأثر فيهم أمريكيا وغربيا.

إن العولمة التى يريدونها لا تزيد عن أنها ستار لاستعمار وهيمنة تقر دول الشمال الغنية على ترفها وبذخها، وتفتح الباب لها لمزيد من نهب قدرات  وموارد دول الجنوب الفقيرة.

إنهم يحاولون إبراز تفوقهم وحمل العرب والمسلمين على التسليم لهم ذلك لتسود قيمهم ومفاهيمهم، وتكون " نهاية التاريخ" كما زعم فرانسيس فوكوياما مع الليبرالية الغربية، ولكن ذلك عصى عليهم. ها هو زبغنيو بر يجنسكى مستشار مجلس الأمن القومى فى عهد الرئيس الأمريكى جيمى كارتر يقر بهذه الحقيقة التى تمنع من عولمة يطمحون إليها، فيقول: " هكذا لا يستجيب الإسلام إلى حالة الإحباط بين الجماهير العربية الناهضة سياسيا فحسب، بل حتى بين الأعداد الهائلة للمسلمين غير العرب فى آسيا وإفريقيا والأمريكيين السود الذى يبلغ عددهم أكثر من مليار شخص ممن يشعرون بالإهانة فى عالم لم يزل يهيمن عليه الغرب الأثرى والأبيض وشبه المسيحى، ويدرك العالم الإسلامى بنحوعمق الهجمة الهائلة على قيمه وتقاليده، خاصة فى أمريكا، التى تصادف أن تكون سنان الثورة العصرية، وحيث تشكل التعابير المناوئة للإسلام أشكالا غير مصقولة، وينهل نجاح الإسلام المعاصر كإيمان هداية من هذه التصديات، ومن طرح الإسلام لفكرة شاملة لأسلوب حياة بديل " (9).

(5) - هل تستطيع الولايات المتحدة أن تحقق مشروع العولمة

إن العولمة وهى نظام هيمنة استعمارى التوجهات تطرحه الولايات المتحدة الأمريكية لكن الأمر ليس جديدا فقد سبق أن طرحته قوى و دول كثيرة، وحتى لا نذهب بعيدا سأكتفى بإعطاء مثال واحد من بريطانيا التى كانوا يسمونها (العظمى).

بريطانيا هذه حاولت قبل قرن ويزيد أن تحقق مشروع عولمة، وقد توافرت لها إمكانات وظروف يصعب أن تحظى بها الولايات المتحدة أو سواها.

إن استعراض واقع الحال فى الولايات المتحدة الأمريكية يظهر بشكل جلى ما فى مجتمعهم من عوائق وعقبات وإشكاليات تهدد وتنذر بخطر هذا المجتمع نفسه.

إن استقراء الوإقع الأمريكى يبين مدى الانقسام الحاد داخل مجتمعهم من جراء التمييز العنصرى بين البيض والملونين، وبسبب العدوانية ضد قيم الإيمان والإسلام بشكل خاص، ناهيك عن العدوانية ضد كل الشعوب، ويضاف إلى ذلك التلاعب بالمؤسسات الدولية تحقيقا لمصالحهم، ومن ذلك الانحياز الكامل للمشروع التوسعى الإسرائيلى ضد العرب.

وفى دراسة للباحث الاجتماعى الأمريكى" لويك فاكنت " يقول: " وواقع الأمر أن الولايات المتحدة قد اختارت أن تبنى لفقرائها بيوت اعتقال وعقاب بدل المستوصفات ودور الحضانة والمدارس. هكذا ومنذ عام 1994م تخطت الموازنة السنوية لدائرة السجون فى كاليفورنيا (المسئولة عن مراكز الاعتقال للمحكومين الذين تتجاوز عقوبتهم السنة الواحدة) الموازنة المخصصة لمختلف فروع جامعة الولاية. على كل حال تقدم الحاكم بيت ويلسون عام 1995 م بمشروع موازنة يلحظ فيه إلغاء ألف وظيفة فى التعليم العالى من أجل تمويل ثلاثة آلاف وظيفة حارس سجن جديدة.

إن هذه المفاضلة مكلفة جدا على الأموال العامة فى كاليفورنيا إذا ما عرفنا أن حارس السجن يتقاضى راتبا يزيد بنسبة 30% عن راتب الأستاذ المحاضر وذلك بسبب النفوذ السياسى الذى تتمتع به نقابة موظفى السجون " (10).

 إن ثقافة الجريمة والسجون انتقلت بداعى المناخ العام فى الولايات المتحدة إلى المدارس حيث شاعت ظاهرة إطلاق النار على المدرسين والمدرسات وعلى التلاميذ بشكل لافت لم يشهد له العالم مثيلا.

والسؤال المطروح على دعاة العولمة/ الأمركة، هل تستهويكم ثقافة الإجرام هذه التى لم توفر حتى مراكز العلم والتربية؟ وهل تريدون أن تعمموا ظاهرة كهذه باسم النظام العالمى الجديد؟.

إذا انتقلنا إلى أمريكا والغرب عموما لنعرف إلى أى حد من التدهور وصلت الأمور فى ظل سيادة قيم مادية فى مجتمعاتهم تفتح باب الشهوة والجشع على مصراعيه، نرى ما هو- غير متوقع فى عالم يدعى المدنية، وأنه المدافع عن حقوق الإنسان.

فى صيف هذا العام 1998م نشرت منظمة الصحة العالمية تقريرا تدق فيه ناقوس الخطر من جراء العنف الذى يحصل فى مواقع العمل للعاملين والعاملات. يقول التقرير: " أظهر مسح للمنظمة ومقرها جنيف أن دولا غربية تشمل كلا من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وكندا تتصدر قائمة حوادث العنف فى مكان العمل والتى تترواح بين العراك والتهجم مرورا بالتحرش الجنسى والاستبداد وقد تصل إلى القتل.

وتحتل فرنسا المرتبة الأولى فى حوادث التحرش الجنسى الذى تتعرض له. أما الولايات المتحدة فقد سجلت الرقم القياسى فى عدد جرائم القتل فى مكان العمل. وأظهر المسح أن نحو ألف أمريكى يقتلون فى مكان العمل سنويا وأن 18 ألف شخص يتعرضون للهجوم كل أسبوع أثناء العمل سواء فى المكتب أو أثناء أداء مهمة خارجية مما يكلف الولايات المتحدة حوالى أربعة مليارات دولار سنويا.

ويشير التقرير إلى أن النساء أكثر عرضة للأذى فى مكان العمل وخاصة فى بريطانيا حيث النسبة اثنان إلى واحد.

إن هذه التقارير المعروضة هى قليل من كثير من واقع المآسى التى تنتشر فى المجتمع الأمريكى خصوصا وفى مجتمع الغرب عموما، وهى بكل أشكالها مرفوضة فى نظام القيم الإسلامى، لذلك تشكل حالة حافز من التدين عند المسلمين والمؤمنين عموما، ولا يمكن أن تعمم هكذا ثقافة لا كرامة للإنسان فى ظلها.

كما إن هذا الواقع يؤشر بشكل واضح إلى العجز الأمريكى عن الإمساك بزمام الأمور وصولا إلى الأحادية القطبية بعد انتهاء الحرب الباردة، وإلى العولمة/ الأمركة التى يدعون أنها باتت قريبة المنال.

لقد استعرض زبغنيو بريجنسكى فى كتاب " الفوضى" الأمر وأبرز عوامل عدة تمنع الولايات المتحدة الأمريكية من تحقيق حلمها فى الهيمنة على قرار العالم، وهى فى الوقت عينه عاجزة عن حل إشكاليات مجتمعها داخليا. وقد جاء عنده من صور المشاكل التى تعانى منها الولايات المتحدة ما يلى:

1- المديونية التى جلبت دينا قوميا تراكميا يتجاوز 4 تريليون دولار، وينطوى هذا الأمر على  عجز فى الميزانية اقترب من 400 مليار فى عام 1992، مما يفرض الأمر الواقع عبئا خطيرا ومدمرا على مستقبل أمريكا.

2- العجز التجارى الذى يرغم أمريكا، وهى الدائنة الأولى فى العالم على استقراض المال مما يهدد قطاعات الإنتاج والعمل الرئيسية ويساهم فى البطالة.

3- العناية الصحية غير المتكافئة، بالرغم من الأموال الطائلة المنفقة على الصحة الأمريكية، ولا يحظى مئات الملايين من الأمريكيين بعناية متكافئة.

4- التعليم الثانوى المتدنى: يعانى الشباب الأمريكى فى الوقت الذى يكون فيه الإنفاق عاليا لما يتعلق بنسب إجمالى الناتج القومى، من سوء التعليم عند المقارنة مع معظم الشباب الأوروبى واليابانى، فيؤدى ذلك عمليا إلى جهل 23 مليون أمريكى.

5- تدهورالبيئة التحتية الاجتماعية وتعفن الريف الذى ينطبق على غالبية المدن الأمريكية الرئيسة ذات الأحياء الفقيرة من الطراز الموجود فى أفقر بلدان العالم الثالث.

6- اتساع الفارق الجنسى ومشكلة الفقر حيث يعيش بنحو مخجل 7 ر 32 فى المئة من الأمريكيين السود دون خط الفقر- واحد لكل ثلاثة- بالإضافة إلى 3 ر1 1 فى المئة من الأمريكيين البيض يعيشون فى نفس الظروف بما فيهم الملايين الذين يحيون دون مأوى يليق بالقوة العالمية الفريدة.

7- كثرة الإباحية الجنسية التى تهدد- إذا  ما غدت أسلوب حياة مهيمن- مركزية العائلة من خلال استفحال ما يدعى بعائلة الأب الواحد وهو الأمر الذى يساهم بدوره فى إضعاف شديد لروابط البيئة الاجتماعية الأولية، ناهيك عن الإيدز الذى هو أثر جانبى مأساوى.

8- الدعاية الهائلة للفساد الأخلاقى من خلال وسائل الإعلام المرئى التى تعمل كقناع للتسلية فى تبين حقيقى للعنف والجنس كوسيلة لجذب المشاهدين (11).

ونتيجة لما سلف، لا يمكن لأمريكا أن تكون شرطى أو مصرفى العالم، ولا حتى الأخلاقى الكونى، فالأولى تقتضى الشرعية وتستند الثانية إلى السيولة، بينما ينبغى أن تنهل الثالثة من مثال نقى. (12). 

وإذا كانت كل هذه المقومات غير متوافرة للولايات المتحدة فإنه يصبح من الصعوبة بمكان القول أن تفرض الأمركة على العالم تحت ستار العولمة، وبذلك تكون التحديات الوافدة من قبل أمريكا والغرب على الإسلام والعروبة هوية وحضارة تحديات آنية أملتها موازين قوى مختلة لكن الأمر لا يمكن أن يستمر على هذه الصورة.

تأسيسا على ما تقدم نقول: إن الولايات المتحدة يصعب عليها تعميم نموذجها الليبرالى وثقافتها الماجنة حتى باسم الاقتصاد لأن الاقتصاد بالنتيجة لا يستطيع أن يحلق بعيدا من الهوية الثقافية. وإذا كانت أمريكا من خلال العولمة تطرح هوية غربية مادية التوجه فإن مجتمعاتنا لا يناسبها ذلك، ولن تكتسب له الحياة على أرضها.

فى العالم، سوف تتأثر أشكال التجارة تأثرا حاسما بأشكال الثقافة، رجال الأعمال يعقدون صفقات مع أناس يمكن أن يفهمونهم ويثقون بهم، الدول تخضع سيادتها للاتحادات الدولية المكونة من دول ذات عقول متقاربة يفهمونهم ويثقون بهم، وجذور التعاون الاقتصادى توجد فى المشترك الثقافى " (13).

إن نظرة فاحصة على الواقع الاقتصادى العالمى تظهر لنا مصداقية ما ذهب إليه هانتجتون. فالصين ودول شرقى آسيا تتناغم اقتصاديا وذلك لما بينها من وحدة النسب الثقافى.

والدول الأوروبية الغربية تفعل الأمر نفسه من خلال اتحادها وعملتها الموحدة (اليورووالمانيا سهل اندماجها بعد تهديم جزر برلين بسبب وحدتها القومية والثقافة عمادها.

وفى الوجه الآخر لنتأمل حالة تركيا التى طبقت العلمانية منذ ما يقارب 75 عاما وعملت ولا تزال كى يقبلها الأوروبيون، وقدمت لهم الكثير من خلال الحلف الأطلسى، ومع ذلك لا يزالون يرفضون انتسابها إلى الأسرة الأوروبية بسبب هويتها الثقافية فأغلب أهلها يدينون بالإسلام.

دولة العدو الإسرائيلى سعت تدعمها الولايات المتحدة واتفاقات تقر فى بنود كثيرة بالتطبيع، كى تكون جزءا من نسيج المنطقة لكن التطبيع لم ينفذ والقبول لم يحصل لأنه الهوية الثقافية للأمة العربية لا يمكن أن تقبل جسما غريبا عنصرى المبادئ والفكر وممارساته الإجرامية.

(6) مقترحات على طريق مواجهة العولمة /الأمركة

انطلاقا من التحديات تحديات الاغتصاب والعولمة، ومشروعات الهيمنة والإلغاء أسوق المقترحات التالية على درب المواجهة.

ا- واجبنا العمل لتصحيح مفهوم عالمية الإسلام، وأنه دعوة موجهة للكافة، وليس دعوة يسعى أتباعها لفرضها بالإكراه، والقاعدة الدعوية تقوم على الحكمة والموعظة الحسنة من جهة، ومن جهة أخرى على عدم الإكراه.

2- "رسم الخط الفارق بين الإسلام كما يفهمه ويمارسه ويتنفسه مئات الملايين من المسلمين مكونين التيار العريض للإسلام وحضارته ونظامه، وبين ما سماه الغربيون حديثا الأصولية (Fundamentalism-lntegrism) وهو ما نسميه نحن المسلمين تيار الغلو فى الدين غلو تتنوع إفرازاته السلوكية غير السوية بدءا من العزلة عن تيار الحياة والقرار إلى التعبد بظواهر النصوص، وانتهاء إلى ممارسة صورة من القسر والعنف وإكراه ا لناس، وهى صورة تصطدم مباشرة بروح الإسلام " (14)، ودعاة العولمة الذين يرون فى الإسلام سدا يمنعهم من مشروعهم يبرزون ظواهر الغلو هذه لينفروا من الإسلام وأتباعه ودوره الرسالى الإنسانى الأبعاد.

3- إن التشبث بالهوية الثقافية، والتحصن بالحصن الثقافى هو العامل الأقوى فى المواجهة، ومهمتنا أن نبرز معالم هذه الهوية الإسلامية المؤمنة التى تقوم على قاعدة السماحة وقبول الآخر إذا كان غير ممارس للعدوان علينا، وبالمقابل رد كل عدوان على الدين أو الثقافة أو الأرض والمقدسات، ففى مسألة القبول لابد من التنبه لهذا الجانب. أما فى مسألة الانفتاح فيفيد اقتباس هذه الفقرة التى قالها الأستاذ كمال شاتيلا، وفيها " وإذ نفاخر بالحضارة العربية الإسلامية وعطاءاتها المميزة، الفكرية والاجتماعية والثقافية قبل المادية، فإننا لا نعتبر كل المفاهيم الغربية الديمقراطية سيئة. فالغرب فى حالة ثورة تكنولوجية وعلمية متقدمة لا يسعنا إلا أن نستفيد منها ولدى الشرق فى اليابان والصين علوم إدارية وتقدم صناعى مرموق لا نملك أن نتجاهله " (15).

4- تشكل الأسرة المصنع الأساسى للأجيال وتكوينها الثقافى، ففى رحاب الأسرة يرضع المولود مع الحليب العقيدة والمبادئ والقيم، ويتعلم في ظلها الانتماء أى يتعرف على الهوية الدينية والوطنية، وتأتى بعدها المدرسة لتكمل المهمة.

الملاحظ اليوم أن ثمة غزوا يحصل على قيم الأسرة الإسلامية- العربية فى الوافد الاجتماعى، وهذا الوافد غربى- أمريكى خطير لأن الأسرة عنده قد تلاشت ولا جدوى من الأخذ بمفاهيمه وقيمه فى هذا الباب لذلك يكون من الواجب أن يتم العمل للحفاظ على الأسرة تكوينا وقيما وروابط.

أما المدرسة حيث يمارس التعليم بلا تربية وإعداد الناشئة فى الغالب فإنها تحتاج منا أن نعيد النظر فى أساليب التعليم لنجمع فى رحابها بين تلقين المعارف وبين زرع القيم الأخلاقية والمبادئ السليمة والعقيدة الصحيحة والتدين بلا تعصب ليكون عندنا جيل محصن عصى على مشروعات ا لغزو الثقافى وتحديات العولمة/ الأمركة/ والعولمة/ الغربية.

 5- إن الولايات المتحدة ومن يتبعها يشكل ملحقا لها يرون فى الإسلام حاجزا منيعا يعطل عولمة يسعون إليها، لذلك يحاولون تشويه صورة الإسلام والمسلمين، ويعطيهم مادة لذلك بعض المغالين والمتطرفين.

لذا باتت مسألة تنظيم الدعوة الإسلامية على أساس السماحة ضرورة، كما أن تعزيز الاجتهاد والتجديد فى الفقه لنتمكن من استيعاب المستجدات هذا مع التخلص من فكرة الفرقة الناجية التى يزعم بعضهم أنها المجموعة التى ينتمى إليها فتقوده إلى نظرية " شعب الله المختار. فيدفعه ذلك إلى الاستعلاء والانعزال فيؤخذ سلوكه حجة وذريعة ضد الدين.

6- إن العولمة/ الأمركة تنشر فلسفة الاستهلاك لتحول الشعوب التى تغزوها ومنها العرب والمسلمين إلى أسواق لما تنتجه، وهذا يملى علينا أن نقتن الاستهلاك على قاعدة قرآنية جاء فيها: (ولا تنس نصيبك من الدنيا) (16).

وعند ذلك الواجب أن تتحول الجهود إلى الإنفاق الإنتاجى، وعماده توظيف الأموال والثروات فى مؤسسات إنتاجية تعزز إمكانات الأمة، وتحقق الاستقلال الاقتصادى، ولا نقول الانعزال الاقتصادى.

7- أن نعمل لصياغة مشروع إعلامى إيمانى المنطلقات إنسانى التطلعات بحيث يناسب دورة ثقافية تلتزم بضوابط وثوابت الشريعة. فى هذه الحالة يكون الإنتاج الإعلامى حاجة ماسة لنقدم لأهل مجتمعاتنا ما يناسب حضارتهم، ولنقاوم الغزو الإعلامى الذى يسوق مشاريع جماعة العولمة، لأنه بدون تجهيز البدائل نكون قد تركنا فراغا يمكن الغرب والأمريكان من تنفيذ ضرب الهوية الثقافية للأمة.

8- إن مشروع العولمة ينطلق من أطماع وتطلعات مادية أمريكية ولا أساس قيمى له ولا مثل، وهو يستفز المسيحية ويناقض قيمها، تماما كمقاومته لقيم الإسلام، وفى محطات كثيرة يمكن التنسيق مع الفاتيكان ومع الكنائس الشرقية لمواجهة دعوات العولمة كما حصل يوم انعقاد مؤتمر السكان فى القاهرة صيف عام 1994حيث رفض رؤساء الكنائس المسيحية ما رفضه قادة الرأى من المسلمين.

وبذلك يكون التنسيق مفيدا فى إطار مواجهة الانقلاب المادى واللا إنسانى الذى تدعو له العولمة/ الأمركة والذى لا يهمه سوى المكتسبات المادية.

خاتمة

أمام واقع تحديات العولمة على الهوية الثقافية الإسلامية- العربية وحيث الأمن الثقافى مهدد بفعل ذلك . أختم البحث بخلاصة للأستاذ توفيق حورى يقول فيها: إن اختلاف القيم بين المسلمين وبين غيرهم فى كثير من بلاد العالم أصبح مشكلة دولية تهدد الأمن الثقافى لمجتمعنا نتيجة التحول إلى قرية كونية نتيجة استخدام وسائل الاتصالات الحديثة.

هذا الوضع الجدى الذى ألغى الحدود الجغرافية يتطلب من المسلمين وعيا بالقيم الوافدة المرفوضة شرعا للعمل على تدارك أخطارها، كما يتطلب وعيا بالتطور التكنولوجى لتتبع نوافذ الاختراق لأمننا الثقافى، وأيضا تتبع التطور الذى تمر فيه هذه النوافذ المعلوماتية (17).

إننا نملك نظام القيم المؤهل لإنقاذ البشرية كلها مما تعانيه فى ظل انتشار القيم المادية، وقيم الغرب والأمركة الاستعمارية، نملك قيم العدل والحرية وحقوق الإنسان لكن أخذ الدور يحتاج لمجهود كبير لابد من أن تتضافر فيه الجهود، وأن تقوم صيغ التكامل والتعاون بين مؤسسات المجتمع المدنى- المؤسسات الأهلية- وبين الحكومات كى نرد التحديات، ونحتل المكانة المناسبة لديننا وقيمنا الحضارية وفى ذلك مصلحة للبشرية جمعاء.

المراجع

(1)     الحجر ات: 13. 

(2) الأنبياء:107.

(3) إبراهيم، وليد، المسلمون فى مواجهة العولمة، فى: العولمة، جمعية الدعوة الإسلامية

العالمية، ندوة، ليبيا، سنة 1998، ص 110،109.

(4) د. أحمد فؤاد باشا، التقدم العلمى فى ظل العولمة والنموذج الإسلامى وتفاعل الحضارات، فى أعمال المؤتمر العاشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة 2-5 /7/1998،ص2

(5)ها نتنجتون، صمويل، م. س. ص 192.

(6) فوكوياما، فرانسيس، نهاية التاريخ، ترجمة وتعليق د. حسين الشيخ، بيروت، دار العلوم

العربية، ط1 ، سنة 1413 هـ-993 1 م، ص 278، 279.

(7) ها نتنجتون، صمويل، م. س. ص 204.

(8) مراجع:- جريدة السفير، بيروت، الخميس 3 سبتمبر 1998م- جريدة ا لشرق، بيروت،

الجمعة 28 أغسطس 1998م .

(9) بريجنسكى، زبغنيو، الفوضى- الاضطراب ا لعالمى عند مشارف القرن الحادى والعشرين، ترجمة مالك فاضل البديرى، عمان الأهلية للنشر والتوزيع، ط ا، سنة 1998م، ص 166.

(10) فاكنت، لويك، البؤس والجريمة فى الولايات المتحدة، فى: ملحق جريدة النهار الشهرى، بيروت، تموز/ يو ليو  1998م، ص 1 2، 22.

(11) بريجسنكى، ز بغنيو، م. س، ص 89 و ما بعدها.

(12) بريجسنكى، زبغنيو ، م. س.، ص 131.

 (13) هانتنجتون، صمويل، م س .، ص 220.

(14) د. أحمد كمال أبو المجد، العولمة والهوية ودور الأديان، فى: العولمة، جمعية الدعوة الإسلامية ا لعالمية، ندوة، ليبيا، سنة 1998، ص 59

(15) شاتيلا، كمال، م س.، ص 13.

(16) القصص: 77.

(17) حورى، توفيق، الأمن الثقافى- مشكلة دولية، محاضرة غير منشورة ألقاها فى كلية الإمام الأوزاعى للدراسات الإسلامية، بيروت بعد ظهر ا لثلاثاء270/10/ 1998 ص 7.

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع