كلمة
أ.
د/نصر فريد محمد واصل
مفتى الديار
المصرية
أصحاب
المعالى والفضيلة والسماحة والسعادة
الوزراء والعلماء والسفراء أعضاء المؤتمر الكريم وحضوره الكرام:
السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته..،
أولا:
يسعدنى أن أكون بينكم ومعكم ومرحبا بكم للمشاركة
والمساهمة فى مؤتمركم الكريم هذا ( نحو مشروع حضارى لنهضة العالم الإسلامى
) وإنجاح فعالياته فى
المحاور الرئيسية لمجالاته الثلاثة: الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والذى تنظمه وتستضيفه وزارة الأوقاف المصرية والمجلس الأعلى
للشئون الإسلامية تحت رعاية السيد الرئيس محمد حسنى مبارك رئيس جمهورية مصر
العربية.
ثانيا:
هذا المؤتمر بموضوعه المهم ومجالات محاوره الثلاثة قد طال انتظاره بين المسلمين
وبخاصة بعد هذا التفرق الكبير والشقاق والنزاع
الطويل الذى أضر بالمسلمين كثيرا وأضعف قوتهم
وشوكتهم أمام أعدائهم وأمام غير المسلمين. بل وأمام أنفسهم وكان ذلك من الأسباب
المباشرة وغير المباشرة فى تنافر بعض المسلمين وتصارعهم
فيما بينهم وتقاتلهم بأيدى أنفسهم لا بأيدى عدوهم، وخروج المتشددين فى
الدين منهم بغير علم وغير فقه على جماعة المسلمين، والوقوع فى محظورات شرع الله ورسوله الأمين بما أضر بهم وبأوطانهم
وبالمسلمين جميعا ضررا عظيما وبليغا فى جميع المجالات
السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعلاقات الدولية. ولذلك فنحن الآن
أيها المؤتمر الكريم فى أشد الحاجة من أى وقت مضى للعمل بجهد متسارع ومتنامى
إلى وحدة الصف وجمع الكلمة فى كل أمور ديننا ودنيانا
تحت راية ديننا الإسلامى الحنيف فى
إطار نصوصه الشرعية القطعية والظنية ومن خلال قواعده الأصولية والفقهية العامة
والخاصة الكلية والجزئية.
ولتحقيق
هذا الهدف النبيل واستمراره بين المسلمين فى أمور
العبادات والمعاملات يجب أن نراعى
الخلافات الفقهية المذهبية فى القضايا والمسائل الفرعية
الخلافية المعتمدة على أصولها الصحيحة وقواعدها الشرعية، وألا نقف عند رأى واحد
منها للحكم به شرعا وإلزام الناس به فى كل مكان من الدول الإسلامية لأن هذا يجعل المقطوع به فى الأحكام الفرعية كالمظنون منها
مما يترتب عليه عدم الاعتداد بالمذاهب الفقهية كلها فى
المسائل الفقهية الفرعية الخلافية الاجتهادية؛ لأن من ينطبق على مذهب معين ينطبق
على المذهب الآخر المخالف له فى الرأى
بدليله الشرعى. وهذا لا يتفق بحال مع صحيح الشرع الإسلامى بالنقل
والعقل والإجماع والواقع العملى للبحث العلمى فى كل المدارس الفقهية
الإسلامية فى جميع العصور.
ثالثا:
من الحقائق العلمية المؤكدة فى الدين الإسلامى أنه عقيدة وشريعة وأن الالتزام والترابط بينهما قائم
ودائم فى كل قضايا البشر فى
هذه الحياة مع اختلاف الأزمان والأجناس واللسان والألوان بين الناس حيث أنه لا
عقيدة بدون شريعة، ولا شريعة بدون عقيدة فى نظر
الإسلام. ومن هنا أصبح مستقرا فى ذهن المسلم وفى أصول
دينه أن الإسلام عقيدة وشريعة، وارتباط العقيدة بالشريعة كارتباط الروح بالجسد فى الإنسان حيث أنه لا غنى لأحدهما عن الآخر فى حياة هذا الإنسان واستمرار وظيفته الإنسانية والبشرية فى هذه الحياة، والعقيدة مهمتها ربط الإنسان بخالقه بإيمان
جازم يتعلق بوحدانية الله وعبادته وحده بقدر مشترك يجمع بين كل الرسالات
السماوية الموحى بها إلى كل الرسل
والأنبياء من آدم إلى محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم- الذى
ختم الله به وبرسالته كل رسالات السماء والرسل والأنبياء.
وإذا
كان ذلك هو أمر العقيدة فى الدين الإسلامى
؛ فإن الشريعة فيه هى المظهر العملى
والجانب التطبيقى والتشريعى
بين البشر فى هذه الحياة بالنسبة لهذه العقيدة فى كل أمور الحياة التى تتصل بهم
وبمعاشهم، ولهذا كانت الشريعة الإسلامية بين البشر واجبة التطبيق والتنفيذ فى الممارسة العملية فى هذه الحياة
لأنه لا يعرف دين الله فى الأرض ولا يعرف الإسلام عقيدة
وعبادة وأخلاقه إلا بها. ومن أجل ذلك ارتبط الدين بالمعاملة فى
الإسلام وأصبح الدين هو المعاملة، وقد أكد ذلك الجانب العملى
فى الدين الإسلامى قوله- صلى الله عليه وسلم- ( الدين المعاملة) .
والمعاملة
فى الإسلام يراد بها المعنى العام الذى
يضمن كل معاملات الحياة من الناحية
العقائدية والأخلاقية والقانونية ، ويدل على هذا المفهوم العام قوله تعالى: ( وعد
الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى
الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم
وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا ) (1). حيث ربط سبحانه وتعالى بين الإيمان والعمل
والعقيدة والعبادة والشريعة فى إطار واحد متكامل.
وهكذا
جاء كل نسق التشريع الإسلامى فى
مجال التكليف للبشر بالعقيدة والعبادة والعمل فى الحياة
والسعى فيها لتحقيق الخلافة الشرعية الكاملة للإنسان
فيها عن رب العالمين تحقيقا وتصديقا وتنفيذا لقوله تعالى: (... إنى جاعل فى الأرض خليفة ) (2). والمراد به الإنسان آدم وذريته من بعده فى كل زمان وفى كل مكان مع اختلاف الثقافات الإنسانية واللسان
والأجناس والألوان.
رابعا:
ونظرا لأن فقه الإسلام يتطلب فقه شريعته، وفقه الشريعة يتطلب فقه العقيدة
وأخلاقياتها، وفقه العقيدة يتطلب فقه الدين الإسلامى
كما أنزله الله رب العالمين بما يناسب الزمان والمكان وكل إنسان، فقد كان فقه
الدين فى الإسلام من أجل العبادات التى
تعبدنا الله بها فى دينه وشرعه. وكان العلم بهذا الفقه التشريعى التطبيقى من أجل العلوم
والمعارف الدينية والإسلامية التى رغب الله فيها وحث
عليها عباده بقوله سبحانه وتعالى: ( فلولا
نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم
لعلهم يحذرون ) (3)، وقوله- صلى الله عليه وسلم- ( من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين).
خامسا:
من الأمور الثابتة والمؤكدة فى الإسلام وشريعته وفقهه التشريعى أن فقه الدين يتطلب فقه الحياة بكل مقوماتها المادية
والمعنوية بما يحقق دوام هذه الحياة وكمال استخلاف الإنسان لها واستخراج كل
خيراتها وكنوزها لاستمرار العيش فيها والقدرة على تعميرها واستعمارها إلى ما شاء
الله سبحانه وتعالي، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: ( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم
فيها) (4) ( هو الذى خلق لكم ما فى
الأرض جميعا ) (5)، وقوله سبحانه ( وسخر
لكم ما فى السموات وما فى
الأرض جميعا منه) (6).
ولذلك
كان الدين والدنيا فى نظر الإسلام صنوان لا غنى لأحدهما
عن الآخر بالنسبة للأنسان ووجوده فى
هذه الحياة واستمرار بقائه ودوامه فيها فهما بالنسبة له وجهان لعملة واحدة أو
كالروح مع الجسد بالنسبة للإنسان. وإذا كان الدين والدنيا صنوان متلازمان فإن
الإنسان والمال أيضا صنوان ولا غنى لأحدهما عن الآخر بالنسبة للحياة الدنيا
ومظهرها البشرى وذلك لأن الإنسان والمال هما زينة هذه الحياة الدنيا وبهما تتعمر وتتحقق الخلافة الشرعية لها كما أمر الله وأراد لقوله
سبحانه وتعالى: ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا) (7). والمال هو كل ما يتموله الإنسان من مظاهر هذه الحياة الدنيا ويحصل عليه
لمنفعته واستمرار دوام عيشه وبقائه فيها. والبنون هو كل بنى الإنسان المولود له من
نسله المستمر إلى ما شاء الله.
وبذلك نعرف بطريق الحقيقة واليقين الشرعى أنه لا بقاء للأنسان بدون
المال، ولا وجود لمال بدون هذا الإنسان لأنهما متلازمان وكل منهما بذاته ضرورة
قائمة من ضرورات الحياة ووجودها مع تلازمهما لأنهما كالروح مع الجسد فى الإنسان بحيث لا
يمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر بأى حال من
الأحوال.
وبالإنسان
والمال يتحقق للحياة كلياتها الخمس الضرورية وأمورها الحاجية
والتحسينية للبشر فى هذه الحياة. وكليات الحياة
وضروراتها الخمس هى: الدين، والنفس، والعقل، والنسل،
والمال.
ومع
الإنسان وفى ذاته كليات أربع والخامسة هى المال وهى خارجة
عنه ولكنها ملازمة له ولهذا كان الدين للإنسان من ضرورات حياته واستمرار بقائه
وسعادته فى هذه الحياة لأنه فطرة الله التى فطر الله الناس عليها. وذلك لقوله تعالى: ( فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم
ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (8) ( إن الدين عند الله الإسلام ) (9).
سادسا:
فهم المسلمون الأوائل دينهم وفقهوه مع دنياهم على
الوجه الأكمل وذلك المفهوم الذى أشرنا إليه فى تكامل الدين والدنيا معا فدانت لهم الدنيا بعزها ومجدها
وعمروها بحضارة الإسلام الذى عم عدله ونوره وسلامه
أرجاء الأرض فى كل مكان. أما نحن المسلمين فى عصرنا الحاضر. فقد فهمنا من ديننا وفقهنا غير ما فهموا
وفقهوا فتخلفنا فى فقه ديننا ودنيانا إلى الدرجة التى أوصلتنا إلى هذا الخلاف والشقاق والقتال الذى فى ظله ضاع مجد المسلمين
وعزهم وانفرط عقدهم وسلبت منهم واحتلت بعض ديارهم وأوطانهم ولم يتمكنوا من الدفاع الإيجابى عن إخوانهم المسلمين الذين قتلوا وشردوا وانتهكت
أعراضهم واغتصبت نساؤهم وبناتهم وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أنهم يدينون بدين
الإسلام ويؤمنون بالله الواحد الديان.
ولهذا
الخطر الداهم الذى يهدد المسلمين فى
كل مكان فقد وجب علينا نحن المسلمين جميعا وأصحاب الثقافات الإسلامية المتنوعة
والفقهية الدينية المعاصرة أن نتحمل مسئوليتنا الدينية والدنيوية بخطى واسعة كما
فعل سلفنا الأوائل، وذلك لإزالة هذه الأمية الدينية التى
سادت بين المجتمعات الإسلامية والتى بسببها تم الفصل
بين الدين والدنيا، وفهم الدين على أنه انزواء عن الحياة وحضارتها وتقدمها الحضارى والعلمى، وأن الدين مقصور
على العبادات فقط بمعناها الخاص عند الفقهاء لأن هذه الأمية وهى التى شجع الفكر الأجنبى والغزو الثقافى عليها؛ هى التى عمقت بين كثير من مثقفى
وعلماء المسلمين غير المتخصصين فى علوم الشريعة
الإسلامية فكرة فصل الدين عن الدولة والتى للأسف طبقت فى بعض البلاد الإسلامية فضلت طريق دينها ودنياها معا وأصبحت
كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى..
ونحن
نتطلع إليكم أيها المؤتمر الكريم والعلماء الأجلاء كى تأخذوا على
عاتقكم نشر هذا الفكر الذى نطرحه عليكم، والعمل على رفع
هذه الأمية الدينية عن كاهل المسلمين فى كل مكان
وتأهيلهم ثقافيا بما يمكنهم من فهم حديث النبى- صلى
الله عليه وسلم- ( الدين المعاملة) بمفهومه العام.
وذلك
بما يتوافق مع مدارك الناس فى كل مكان بالحكمة والموعظة
الحسنة بعيدا عن التشدد فى الدين فى
أمور المعاملات التى تحكمها النصوص الظنية التى تقبل الاجتهاد والخلاف لأن المجتهد لا ينقض حكم المجتهد
الآخر المخالف له فى الرأى
لأن من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر. وفقه الشريعة الإسلامية الذى قام على هذا الأساس هو سر تميز الشريعة الإسلامية وهو الذى جعلها صالحة للتطبيق فى كل
زمان وفى كل مكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو الذى
جعلها قادرة على أن تحكم كل معاملات البشر فى هذه
الحياة فى أمور دينهم ودنياهم بحيث شمل فقه الشريعة
الإسلامية جميع الفروع القانونية الوضعية: المحلية والعالمية والتى
تحكم الناس أو يحتكمون إليها فى هذه الحياة مع سمو هذا
القانون التشريعى الإسلامى
عن غيره من القوانين الوضعية؛ لأنه مرتبط بأصله الدينى
من حيث العقيدة والأخلاق ارتباطا كاملا ووثيقا لا فكاك منه، ارتباط الجزء بالكل
والروح بالجسد.
وإننى إذ انتهز شرف اللقاء بكم فى
مؤتمركم الكريم هذا فإننى أطمع فى
تعاونكم أصحاب المناصب الدينية والشئون الإسلامية والمفتين فى
الدول الإسلامية فى رفع النزاع والخلاف الذى يدور كل عام حول بدايات الشهور العربية ورؤية الأهلة
الخاصة بها فى أشهر العبادات
الدينية والذى بسببه تنشأ مظاهر سلبية فى الدول والمجتمعات الإسلامية تتعارض تعارضا كاملا مع أهداف
ومبادئ وحكمة مشروعية العبادة التى يدور الخلاف حولها فى الشريعة الإسلامية.
وذلك
بتطبيق وتنفيذ قرارات وتوصيات مؤتمر لجنة التقويم الهجرى
الموحد، وقواعد الرؤية الشرعية لرؤية الأهلة والمنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامى والمنعقد بجدة فى رجب سنة
1419 هـ والذى صدرت قرارات وتوصيات بالإجماع لثمان عشرة
دولة عربية وإسلامية.
ونأمل
أن تنفذ هذه التوصيات والقرارات لجميع الدول التى وافقت
وأجمعت عليها بقية الدول الإسلامية وذلك فى رمضان
القادم بمشيئة الله وتوفيقه حتى نثبت لأنفسنا ولغيرنا أننا نقول ونفعل، وأننا
قادرون على اللحاق بركب الحضارة والحياة
كغيرنا بما يمكننا من التفاعل مع كل جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية
والاقتصادية والمالية، ونحقق التكامل الاقتصادى والمالى ووحدة الهدف المنشود لكل المسلمين من قوله تعالى: (
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا )
(10).
( وقل اعملوا
فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما
كنتم تعملون ) (11).
(... والله معكم
ولن يتركم أعمالكم ) (12).
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته 000
المراجع
(1) النور: 55.
(2) البقرة: 30.
(3) التوبة: 132.
(4) هود: 61.
(5) البقرة: 29.
(6) الجاثية: 13.
(7) الكهف: 46.
(8) الروم: 20.
(9)
آل عمران: 19.
(10) آل عمران : 103.
(11)
التوبة : 105.
(12)
محمد : 35.