الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر العاشر : الإسلام والقرن الحادي والعشرون يوليو 1998م
 
الشورى و الديمقراطية

        الشورى و الديمقراطية

  د. صوفى حسن أبو طالب

      رئيس جامعة القاهرة الأسبق

    رئيس مجلس الشعب المصرى الأسبق

أولا: موقف الإسلام  من العولمة فى المجال السياسى

1- مفهوم العولمة:

يتجه العالم بخطى سريعة نحو العولمة بعد انتهاء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتى وحلفائه من ناحية والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من ناخية ثانية. فبعد تفكك الاتحاد السوفييتى 1989م 1990م  تهاوى النظام الشيوعى الذى ساد الكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفييتى، ولم  يتبق من النظم الشيوعية إلا الذكرى، وانفردت أمريكا بسيادة العالم وقيادته، وعملت على نشر الحضارة الغربية فى سائر بقاع العالم معتمدة على سيف المعز وذهبه وساعدها على ذلك التقدم المذهل الذى حدث فى وسائل الاتصالات والمعلوماتية لدرجة وصف معها هذا التقدم بأنه ثورة فى الاتصالات والمعلوماتية التى أصبح معها العالم قرية صغيرة.

ولم يكن انتشار الحضارة الغربية راجعا إلى سمو مبادئها وقيمها بقدرما يرجع إلى التقنية العالمية التى تنشر هذه المبادئ والقيم فى وسائل الإعلام الجديدة المتعددة. وهذا الانتصار السريع للحضارة الغربية هو ما اصطلح على تسميته بالعولمة،  وهى فى مضمونها تقوم على تخطى المسافات فى الزمان والمكان والانحياز التام للحضارة الغربية، متجاهلة الحواجز الجغرافية والحدود السياسية التى تفصل الدول عن بعضها، متجاهلة السمات والخصائص التى تميز الشعوب والحضارات من بعضها. ولم يفلت من العولمة مجال من مجالات الحياة سواء فى ذلك النظم الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو التقدم العلمى، بل  إنها امتدت إلى الديانة باسم الحوار بين الأديان. ولم تترك العولمة للشعوب والدول حرية انتقاء ما يناسبها من نظم الحضارة الغربية، كما كان الحال من قبل انتشارها، بل اتجهت إلى فرض نظمها بمعاهدات دولية أبررها منظمة التجارة الدولية - ومن أهم تطبيقاتها اتفاقية " الجات "- وعلى الدولة التى ترفض الانضمام إليها أن تتحمل أوزار العزلة والمقاطعة الدولية. وفى المجال الدولى فرضت أمريكا إرادتها على مجلس الأمن وغيره من  مؤسسات هيئة الأمم المتحدة تديرها وفق هواها وبما يحقق مصالحها وحدها، وتضع المعيار الذى يناسبها فى فض المنازعات بين الدول. ومسلكها فى النزاع العربى الإسرائيلى غير خاف على أحد، وكذلك الحال ما حدث فى البوسنة والهرسك، وما يحدث الآن فى " كوسوفا "، وفى المجال الاجتماعى لم يصل الأمر بعد إلى حد فرض النظم الغربية باتفاقات دولية، بل كانت وسيلة العولمة عقد المؤتمرات الدولية وآخرها مؤتمر بكين عام 1996م، ولم تكتف أمريكا بذلك بل عمدت إلى إصدار قوانين تعطى لها الحق فى التدخل فى الشئون الداخلية للدول تارة باسم حماية المصالح الأمريكية، وتارة باسم حرية العقيدة وحماية الأقليات الدينية، وتارة باسم حماية حقوق الإنسان. وفضلا عن ذلك ربطت بين تقديم العون المالى والعلمى للدول والشعوب، وبين مدى استجابتها لرغباتها، بل أوامرها، فأصبح سيف المعز وذهبه وسيلة ذات فاعلية كبيرة فى تحقيق نتائج العولمة.

وفى ضوء هذه المتغيرات بدأ بعض المفكرين فى دراسة ظاهرة العولمة وآثارها، وعلى رأس هؤلاء نجد " صموئيل هنتجتون " الذى نادى بأن العالم يعيش عصر صراع الحضارات: الحضارة الغربية من جانب والحضارات الأخرى من جانب آخر، سواء الحضارة الإسلامية أو حضارة الشرق الأقصى..... إلخ موضحا قدرة الحضارة الغربية على التغلب على غيرها، كما تنبأ مفكر آخر " فوكوياما " بنهاية التاريخ بانفراد الحضارة الغربية بالسيطرة على العالم، وفى ظل هذه الأوضاع بدأ كثير من المفكرين وقادة الدول فى الكتابة عن مستقبل حضارات شعوبهم فى مواجهة الحضارة الغربية وفى كيفية الحفاظ على خصائصها الذاتية والدفاع عن استقلال بلادهم وسيادة كل دولة على أراضيها.

وفى ظل مناخ العولمة سالف الذكر دعا المجلس الأعلى للشئون الإسلامية لعقد مؤتمر يضم مفكرى العالم الإسلامى تحت شعار " الإسلام والقرن الحادى والعشرون" لبحث مصير الحضارة الإسلامية وسبل المحافظة على ذاتيتها فى مواجهة الحضارة الغربية، وكيفية التعايش معها فى ظل العولمة. ومن بين محاور المؤتمر موقف الإسلام من العولمة فى المجال السياسى، وهذا المحور يضم عدة موضوعات منها: "الشورى والديمقراطية "، وسنحاول فى هذا البحث عرض مفاهيم الشورى وتطبيقاتها ومقارنتها بالديمقراطية التى تقوم عليها نظم الحكم فى الحضارة الغربية، وبيان مدى إمكانية التعايش بين الشورى والديمقراطية فى ظل العولمة رغم اختلاف الأسس التى تقوم عليها الحضارتان.

2- اختلاف الأسس الحضارية:

تعتمد الحضارة الغربية على التراث الحضارى الكلاسيكى متمثلا فى الفلسفة الإغريقية والقانون الرومانى ، كما أنها تستمد بعض قيمها. من الفكر المسيحى الذى يفصل بين الدين والدولة، إعمالا لقول السيد المسيح " ردوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ". ونتج عن ذلك أن ابتعدت الكنيسة كلية عن تنظيم الأمور الدنيوية سواء كانت سياسية أو قانونية أو اقتصادية وتركتها للدولة، واقتصر دور الكنيسة  على الهداية الروحية والأخلاقية وشئون العقيدة والعبادة، كما نجم عن ذلك أيضا إعلاء شأن العقل البشرى فى كل الأمور الدنيوية وترك. أمور الدين لدخيلة النفوس تحت رعاية الكنيسة وحدها دون تدخل من الدولة.

وهذا الفكر هو ما يوصف بالعلمانية ولذلك توصف الحضارة الغربية  بأنها حضارة علمانية، وهذا الاتجاه العلمانى هو الذى دفع الدول الغربية إلى تبنى مبدأ حرية العقيدة بصورة مطلقة، فمن حق الفرد أن يعتنق الدين الذى يروقه سواء كان سماويا أو غير سماوى أو يكون ملحدا أو غير ملحد.

أما الحضارة الإسلامية فإنها تعتمد على ما ورد فى الكتاب والسنة من مبادئ وقيم، وعلى رأس هذه المبادئ أن الإسلام يجمع بين الدين والدولة لأن الإسلام ينظم الأمور الدينية والأمور الدنيوية سواء فى ذلك العقيدة والعبادة والقانون والنظم السياسية والاقتصادية فضلا عن قواعد الأخلاق والآداب. وناط بالدولة مسئولية رعاية الأمور الدينية والأمور الدنيوية على حد سواء. ولذلك أقام الإسلام توازنا بين الجانبين المادى والروحى فى حياة الإنسان، وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة:( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) (1).

كما أن الإسلام جعل الدنيا سبيل الإنسان إلى نعيم الآخرة أو عذابها: ( ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا )(2).

 وهذا التكامل بين الدين والدنيا اقتضى تحقيق تكامل بين العقل والإيمان، فالعلم ليس مجرد خادم مطيع للإيمان والإيمان ليس عدوا مبينا للعلم. فالآيات القرآنية ناطقة فى حث الإنسان على كشف أسرار الكون بالدرس والتأمل. والأحاديث النبوية تجعل من طلب العلم فريضة. ولذلك أطلق جمهور العلماء للعقل العنان فى كافة الأمور باستثناء أمور العقيدة والعبادات والأحكام القطعية فى المعاملات. وهذا الجانب الإيمانى فى الإسلام مع اعترافه بما سبقه من ديانات سماوية أدى إلى اعترافه بحرية العقيدة بالنسبة للديانات السماوية وإنكارها بالنسبة لغيرها.

وقد ترتب على اختلاف الأصول الحضارية اختلاف الغايات والأهداف واختلاف الوسائل والأدوات القانونية والاقتصادية والسياسية لتحقيقها. فالحضارة الغربية غايتها نفعية . ففصلت بين القانون والدين والأخلاق، أما الحضارة الإسلامية فغايتها مثالية فجمعت بينها فى كيان واحد.

ثانيا: مفهوم الديمقراطية ومفهوم الشورى

1- مفهوم  الديمقراطية :

من المسلم به أن نظام الحكم فى أى مجتمع وفى أى عصر لا يكتب له النجاح إلا إذا استهدف تحقيق أمرين: تمكين الفرد من المشاركة فى القرارات المصيرية التى تهمه وتهم المجتمع كله، حصول الفرد على نصيب عادل من ثروة بلاده. وقد اختلفت نظم الحكم فى كيفية تحقيق هذين الهدفين. واختارت الحضارة الغربية المعاصرة الديمقراطية كوسيلة لتحقيق الهدفين ولذلك يقوم نظام الحكم فيها على المبدأ الديمقراطى أى حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب. وهو ما يعبر عنه فى الفكر السياسى المعاصر بأن السيادة للأمة وهى مصدر السلطات، سواء فى ذلك التشريع والتنفيذ والقضاء،  وكل سلطة منها منفصلة عن الأخرى وإن كانت تتعاون فيما بينها ويراقب بعضها البعض الآخر، ولا ينفرد شخص أو جماعة بسلطات الدولة. وأساس سلطات الدولة والعلاقة بين الحاكم والمحكوم يحكمها عقد تصورى هو العقد الاجتماعى الذى ابتكره الفيلسوف الفرنسى " روسو" منذ أواخر القرن الثمن عشر وبمقتضى المبدأ الديمقراطى أن يكون شغل منصب رئيس الدولة بالانتخاب  وأن يكون هو ومعاونوه مسئولين عن أعمالهم أمام الشعب فيستطيع أن يحاسبهم ويعزلهم.

ويمارس الشعب سيادته عن طريق نواب ينتخبهم ويكونون ما يسمى بالبرلمان. ويتفرع عن المبدأ الديمقراطى مجموعة مبادئ من أهمها: المساواة أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، مجموعة من الحريات والحقوق العامة من أبرزها الحرية الشخصية، حرية العقيدة، حرية الرأى ، حرية الاجتماع، وحق تكوين الجمعيات، حق الانتخاب، حرية التنقل، حرمة المسكن والحياة الخاصة، الحق فى العمل وحرية الملكية الخاصة..... إلخ. ويقابل هذه الحقوق مجموعة من الواجبات مثل أداء الضرائب والتكاليف العامة فى الخدمة العسكرية..... إلخ، كما يتفرع من المبدأ الديمقراطى مبدأ سيادة القانون كأساس للحكم بحيث تخضع الدولة فى سائر تصرفاتها للقانون ويكون للقضاء استقلاله وحصانته الأمر الذى يؤدى إلى صون الحقوق والحريات العامة.

وضمانا لإعمال المبدأ الديمقراطى يقوم نظام الحكم فى الديمقراطية الغربية على مبدأ تعدد الأحزاب السياسية سواء بصورة مطلقة أو بصورة مقيدة. فأكثرها يطلق حرية تكوين الأحزاب سواء نادت بمبادئ وبرامج تتفق مع الدستور أم تخالفه مثل السماح بقيام أحزاب ملكية فى بلد جمهورى أو العكس، والسماح بقيام حزب شيوعى فى بلد رأسمالى.... إلخ. وبعض البلاد الغربية يقيد حرية الأحزاب فيما تدعو إليه من مبادئ وما تضعه من برامج مثل عدم جواز قيام حزب نازى فى ألمانيا أو حزب فاشستى فى إيطاليا، وبجانب التعددية الحزبية وضع آليات وأدوات قانونية تسمح بتداول السلطة بين الأحزاب فى سهولة ويسر تبعا لما تسفر عنه الانتخابات

2- مفهوم الشورى:

لم يضع القرآن الكريم ولا السنة النبوية قواعد تفصيلية لنظام الحكم فى الإسلام واكتفيا ببعض مبادئ عامة أهمها: مبدأ الشورى، مبدأ العدل ( المساواة أمام القانون) ولذلك كان نظام الحكم عند جمهور العلماء (3) من الأمور الاجتهادية التى تتغير تبعا لظروف المجتمع. وقد أوجب القرآن الكريم الشورى فى آيتين كريمتين، إحداهما فى سورة آل عمران: ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر) (4). وقد نزلت هذه الآية عقب ما ابتلى به المسلمون فى غزوة أحد، وكان الرسول قد تشاور مع أصحابه واستجاب لمشورة أكثرهم فى الخروج من المدينة لملاقاة العدو. ونصت الآية الثانية فى سورة الشورى: ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ) (5). ونزلت هذه الآية فى امتداح خصال الأنصار.

وأكدت السنة النبوية سواء القولية منها أو الفعلية، هذا المعنى من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم ) وقوله: ( استعينوا على أموركم بالمشاورة ) ( ما استغنى مستبد برأيه ، وما هلك أحد عن مشورة ). وأحداث التاريخ تقطع بأن الرسول كان كثير المشورة سواء فى الأحكام الشرعية (أسرى غزوة بدر) أو الأمور الدنيوية (اختيار المكان الذى ينزل فيه المسلمون فى غزوة بدر). وجرى الخلفاء الراشدون على ذات النهج فى المشاورة.

ومن المسلم به أن الرسول لم يكن فى حاجة إلى مشاورة أصحابه لأن العناية الإلهية تهديه سواء السبيل، ولكنه- كما قال العلماء- كان يشاورهم  تطييبا لقلوبهم من ناحية ولكى يقتدوا به فى المشاورة. "وقد اختلف رأى العلماء حول حكم الشورى، فذهب فريق منهم إلى أنها واجبة وذهب فريق آخر إلى أنها مندوبة. وأنصار الوجوب اختلفوا فيما بينهم، فمنهم من يلزم ولى الأمر بالأخذ بالرأى الذى انتهت إليه المشاورة ويجعل من مخالفته سببا من أسباب عزله، ومنهم من يرى غير ذلك.

ومقتضى نظام الشورى- حسبما جرى عليه التطبيق العملى فى صدر الإسلام- أن شغل  منصب الخلافة يكون بالاختيار، أن يكون الخليفة مسئولا عن أعماله أمام الأمة التى يحق لها عزله، إشراك ذوى الرأى مع ولى الأمر فى اتخاذ القرارات الهامة مما يحول دون الاستبداد بالرأى، كفالة الحريات السياسية للمواطنين ومنها حرية الرأى،  تقرير مبدأ المساواة بين الناس دونما تمييز لأحد أو طائفة أو طبقة.

ولم يرد فى القرآن الكريم ولا فى السنة النبوية أحكام تحدد من هم أهل الشورى ولا كيفية حدوثها، وكذلك لم يفعل الفقهاء. ولذلك اختلف أسلوب التشاور من عهد إلى عهد. ففى العهد النبوى كان أهل الشورى هم وجوه المهاجرين والأنصار. وفى عهد الخلفاء الراشدين كان وجوه الصحابة يجتمعون فى المسجد بالمدينة للتشاور، الأمر الذى كان يتيح لأى شخص الحضور والاشتراك فى الرأى. وبعد تفرق الصحابة فى الأمصار- بعد الخليفة عمر- تعذر جمعهم فاكتفى بمن يوجد منهم فى المدينة. وفى العهد الأموى كان الأعضاء البارزون من الأسرة الأموية يكونون مجلسا للخليفة يشير عليه فيما يعرضه عليهم من أمور. وفى العصر العباسى نظمت الشورى، فقد أنشأ الخليفة المأمون مجلسا للشورى، يضم ممثلين عن طوائف المجتمع لإبداء الرأى فيما يعرضه عليهم من أمور. وحذا الخلفاء العباسيون حذو المأمون، كما أحاط أمراء الولايات الذين استقلوا بها أنفسهم بمجالس شورى على غرار مجلس الخليفة، وفى العصر العثمانى أنشئ الديوان الهمايونى الذى يضم كبار رجال الدولة من مدنيين وعسكريين وبعض العلماء وبعض الأعيان، وكان بمثابة مجلس استشارى للسلطان. وعلى غراره أنشئ ديوان الوالى فى الولايات المختلفة.

 ومن الواضح أن نظام الشورى الإسلامى- حسبما جرى عليه التطبيق العملى - يختلف عن المجالس النيابية  (البرلمان) السائد  فى النظم الديمقراطية المعاصرة. فهذه مجالس منتخبة  تختص بالتشريع ورقابة السلطة التنفيذية، أما الشورى- حتى بعد تنظيم مجالس لها- لم يكن أهلها كلهم منتخبين بل كانوا مختارين من جانب ولى الأمر، ولم يكن لهم اختصاص محدد بل كانوا يبدون الرأى فى أمور الدولة الهامة التى يعرضها عليهم ولى الأمر. ومعنى ذلك أن العمل جرى على الرأى الذى يقول بأن الشورى مندوبة، وحتى لو قلنا بأنها واجبة فإن رأى أهل الشورى لم يكن ملزما. ولعل ظروف المجتمع كانت تسمح بذلك، أما الآن وفى ضوء انتشار المبدأ الديمقراطى وتعقد ظروف الحياة فإن الرأى الفقهى الذى يقول بوجوب الشورى وبأن قرارات أهل الشورى ملزمة لولى الأمر أولى بالاتباع. وذلك إعمالا لقاعدة أصولية تقضى بأن " ما لا يتم الواجب إلا به  يكون واجبا ". ولعل هذا الفكر هو الذى سهل على الدول الإسلامية فى العصر الحاضر اقتباس النظم البرلمانية من الغرب. فجوهر الشورى- فى مفهوم هذا الرأى- لا يختلف عن جوهر الديمقراطية.

ثالثا: قيام الحكم الإسلامى على الشورى

1- الخلافة:

لم يرد فى الكتاب ولا فى السنة نظام تفصيلى للحكم، ولذلك نظمته أحكام اجتهادية تتغير تبعا لظروف المجتمع، وهذه القواعد استنبطها الفقهاء من بعض المبادئ العامة الواردة فى الكتاب والسنة، مثل مبدأ الشورى، مبدأ العدل (المساواة)...... إلخ، ومن السوابق التى جرى عليها العمل فى عهد الخلفاء الراشدين.. وفى اجتماع السقيفة الذى انعقد فور وفاة الرسول، ولد نظام الحكم الإسلامى الذى عرف باسم الخلافة. وقد عرفها الفقهاء بأنها خلافة الرسول فى حراسة الدين وسياسة الدنيا. وقد حرص الخلفاء الراشدون والفقهاء من بعدهم على التأكيد على أن الخليفة ليس خليفة الله تعالى فى الأرض بل هو خليفة رسول الله. ونظام الخلافة نظام فريد فى العالم يختلف عما سبقه من نظم الحكم وما عاصره وما تلاه لدى الشعوب الأخرى.

وقد مر نظام الخلافة بثلاثة أدوار متميزة: ففى عصر الخلفاء الراشدين قامت الخلافة على أساس الشورى وتحققت فى الخلفاء كل شروط الخلافة ويتشابه فى كثير من الوجوه مع النظم الجمهورية المعاصرة. وفى العصرين الأموى والعباسى قام نظام الحكم على الوراثة واختلطت الخلافة بالملكية. ولكنها احتفظت بنظام الشورى من حيث الشكل رغم ما شاب البيعة من إكراه فى بعض الأحيان، كما حدث تجاوز فى الشروط الواجب توافرها فى الخليفة. ومع ذلك ظلت الخلافة محتفظة بمعانيها ومقاصدها والالتزام بأحكام الشريعة وتطبيقها. والخلافة فى هذين العصرين  تتشابه  من بعض الوجوه مع الملكيات المقيدة (الدستورية). وتحول نظام الخلافة فى العصر العثمانى إلى ملكية مطلقه مستبدة وابتعد الحكم عن الشكل الإسلامى (الشورى) إذ أصبح القهر أو الغلبة هو أساس السلطة وأصبحت وراثة العرش رهنا  بإرادة السلطان وحده، وابتعد عن جوهر الخلافة ومقصودها إذ حدثت مخالفات لأحكام الشريعة وتسللت الأفكار العلمانية إلى النظم القانونية، ولذلك يصف العلماء نظام الخلافة فى عهد الخلفاء الراشدين بوصف الخلافة الكاملة، ويصفونها بوصف خلافة الضرورة فيما تلاهم من عصور. وللأسف الشديد يحكم المفكرون فى الغرب، بل وبعض المفكرين فى العالم الإسلامى على نظام الخلافة من واقع تطبيقها فى عصر الدولة العثمانية وبعض فترات الاستبداد قبلهم، ولعل ذلك يرجع إلى انتشار نظم الحكم الاستبدادية فى العالم كله قبل الثورة الفرنسية، ولذلك سننحى جانبا ما حدث من تجاوزات فى التطبيق فى عصور الاستبداد سالفة الذكر باعتبار أنها تجاوزات لأصول نظام الحكم الإسلامى.

وقد ساعد على سوء تطبيق الفكر الإسلامى فى نظام الحكم عدة عوامل أهمها: اعتمد الفقهاء حينما بدأوا يكتبون عن نظام الحكم فى القرن الثانى الهجرى على السوابق التى حدثت فى عصر الراشدين باعتباره الصورة المثلى للخلافة، وتجاهلوا ما حدث من تجارب وتطورات بعد ذلك (6) حينما اتسعت رقعة الدولة وازدادت شعوبها عددا وتباينت حضاراتها داخل الدولة الإسلامية وهجرة الصحابة إلى البلاد المفتوحة. وظهر عدم صلاحية الأدوات القانونية والآليات السياسية التى سادت فى عصر الخلفاء الراشدين حينما وقع الصدام بين على ومعاوية. يضاف إلى ذلك أنهم لم يضعوا ضوابط محددة ولا أسلوبا محكما لكيفية ترشيح الخليفة ولا طريقة الانتخاب، كما وقع أنهم لم يفصحوا عن رأيهم فى مدة الخلافة. وزاد الأمر صعوبة أنهم لم يحددوا جهة أو هيئة يمكن الاحتكام إليها إذا وقع تصادم بين الخليفة والقوى السياسية المعارضة، أو إذا قام بالخليفة سبب من أسباب عزله ورفض أن يعزل نفسه. واكتملت المأساة بإقرار مبدأ توارث الحكم. وكل أوجه القصور سالفة الذكر قضت بالتدريج على جوهر الخلافة وأظهرت الحكم الإسلامى فى صورة حكم فردى استبدادى يعتمد على صلاح  الخليفة نفسه بدلا من اعتماده على مؤسسات تكشف الأخطاء وتصححها. ولم يغب كل ذلك عن نظر بعض العلماء، فقد نقل السيوطى عن الحسن البصرى،  وهو من التابعين، أنه قال ( أفسد أمر هذه الأمة اثنان: عمرو  بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصاحف، والمغيرة بن شعبة  حين أشار على معاوية بالبيعة  ليزيد، ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة).

2- الخلافة على رأس فروض الكفاية:

يفرق الفقه الإسلامى بين فروض العين وفروض الكفاية، وجرى العلماء المسلمون على اعتبار الخلافة (الإمامة) على رأس فروض الكفاية، أى الفروض التى تكون المصالح العامة للأمة ويعجز الفرد عن أدائها، ولذلك تقع على عاتق الأمة فى مجموعها، ويكفى أن يؤديها بعضهم حتى ترتفع المسئولية عن الباقين. وهى فروض دائمة ومتجددة. وبذلك ضمنوا استمرار الدولة فى أداء وظائفها، كما أنهم اعتبروها من الحقوق المشتركة بين الله والعباد، ومن ثم فإن إقامتها حق لله وحق للأمة ، وكل ذلك عبر عنه الماوردى بقوله: " فكانت الإمامة أصلا عليه استقرت قواعد الملة، وانتظمت به مصالح الأمة، حتى استتبت بها الأمور العامة وصدرت عنها الولايات الخاص".

وهكذا عرف الفقه الإسلامى النتائج التى تترتب على فكرة الشخصية المعنوية المعروفة فى الفقه اللاتينى الحديث دون أن يستعملوا تعبير الشخصية المعنوية. وقد اعتبر الفقهاء فروض الكفاية من واجبات الخليفة بصفته وكيلا عن الأمة. وهذه الواجبات تجعل من نظام الخلافة نظاما شبيها من بعض الوجوه بالنظام الرئاسى المعروف فى النظم الديمقراطية المعاصرة.فالخليفة يجمع بين يديه ما نسميه اليوم السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، أما سلطته التشريعية فهى مقيدة لأن التشريع فى الإسلام لله ورسوله. وهذا لا يعنى استبداد الخليفة بالسلطة لأنه مقيد فيما يصدره من قرارات بأحكام الشريعة إذ لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.

وتشعل فروض الكفاية بعد الإمامة: القضاء والنظر فى المظالم، الجهاد ومعه المهادنة والموادعة،  الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ويتفرع عنه نظام الحسبة، القيام بعلوم الدين والدنيا، توفير وسائل العمران، التكافل الاجتماعى.

وفروض الكفاية سالفة الذكر شبيهة إلى حد كبير بما يسمى فى الديمقراطية الغربية سلطات الدولة من تنفيذية وقضائية، أما سلطة التشريع فهى فى الفكر الإسلامى لله وللرسول. والفكر الإسلامى لا يستعمل تعبير سلطات الدولة ولكنه يستعمل تعبير الولاية بمعنى إنفاذ القول أو الفعل على الغير جبرا عنه ويفرقون بين الأفعال التى تقتضى حكما وقضاء وحق تصرف فى الأعمال والأموال وتلك التى لا تقتضى شيئا من ذلك. ويتطلبون فى النوع الأول صدور تقليد أى عقد من الخليفة أو من ينيبه فى ذلك. وينطبق هذا الوصف على الوزير وأمير الإقليم والقاضى وأمراء الجيوش والخراج وغيرهم من أصحاب الولايات، ويقرر الفقهاء صراحة أن تقليد الخليفة لهؤلاء يكون بصفته نائبا عن الأمة ولذلك لا ينعزلون بموت الخليفة. ومعنى ذلك أن كل ما يدخل فى فروض الكفاية هو من اختصاص الأمة ويتولاها الخليفة ومعاونوه نيابة عنها. فإذا كان الفكر الديمقراطى الغربى يجعل من الأمة مصدر كل السلطات فإن الفكر الإسلامى يجعل الأمة مصدر كل الواجبات الكفائية.

ومن ناحية أخرى يبرى الفقه الدستورى فى الديمقراطية الغربية على القول بأن السيادة للأمة. وتعبير السيادة هذا ابتكره الفقه الغربى منذ الثورة الفرنسية لاستبعاد اندماج الدولة فى شخص الملك كما كان يدعى الملوك قبل هذه الثورة، ولاستبعاد عودة الفكر الدينى الذى جعل من البابا ممثلا لله على الأرض ومنه يستمد سلطته الدينية والمدنية. والفكر الإسلامى لا يستعمل  تعبير السيادة اكتفاء بتعبير واجبات الكفاية وناط بها الأمة فى حدود ما يأمر به الكتاب والسنة. وقد استنتج البعض من هذا أن الدولة الإسلامية دولة دينية كهنوتية (ثيوقراطية) شبيهة بما كان عليه الحال فى أوروبا فى العصور الوسطى فى ظل الحكم البابوى. وهذا الرأى بعيد كل البعد عن الصواب، لأن رعاية الدولة لشئون الدين لا تحولها إلى دولة كهنوتية. فرجال الدين المسيحى وعلى رأسهم البابا يتمتعون بامتيازات تجعل منهم طبقة خاصة تتمتع بسلطات روحية تجعلهم ممثلين لله على الأرض يقبلون التوبة ويغفرون الذنوب ويحتكرون تفسير النصوص الدينية. ولا يوجد شىء من ذلك فى الفكر الإسلامى إذ " لا كهنوت فى الإسلام " ومن ناحية أخرى فإن وصف الحكم بأنه ثيوقراطى يتحدد تبعا لما إذا كان الحكام يستمدون سلطتهم من الله تعالى أم من إرادة البشر. والحاكم  فى الفكر الإسلامى يستمد سلطته من رضاء الأمة. ولا يغير من طبيعة الحكم تمتع رئيس الدولة باختصاصات دينية. ففى الدولة الرومانية كان الإمبراطور رئيسا للديانة قبل اعتناق المسيحية وبعدها، وملك انجلترا فى العصر الحديث رئيس للكنيسة.

رابعا: الخلافة عقد بين الأمة والخليفة

يتم اختيار رئيس الدولة فى النظم الديمقراطية الغربية بالانتخاب من جانب الشعب صاحب السيادة ومصدر كل السلطات. كما يتم انتخاب ممثلين عن الشعب يكونون ما يسمى بالبرلمان، يختص بالتشريع ويراقب السلطة التنفيذية، وهو ما يعرف بالديمقراطية النيابية. وقد سبق الفكر الإسلامى العالم كله فى استحداث نظام شبيه بذلك  هو الإنابة أو التفويض وفيه تختار الأمة مجموعة من الناس يطلق عليهم تعبير "أهل الحل والعقد أو أهل الاختيار" ينوبون عنها فى ممارسة سلطات الدولة حسب التعبير الحديث، ومنها سلطة اختيار الخليفة ومراقبة ما يقوم به من أعمال، وما يقوم به غيره من أصحاب الولايات باستثناء التشريع فهى لله وللرسول.

 

1- عقد البيعة :

من المسلم به بين جميع العلماء- فيما عدا الشيعة- أن الخلافة تنعقد بالاختيار والتراضى ويتم ذلك بأحد طريقين: اختيار أهل الحل والعقد ومبايعة الأمة، أو عهد من الإمام السابق بعد مشاورة أهل الحل والعقد وموافقتهم ومبايعة الأمة، وهذه المبايعة قريبة الشبه من نظم الاستفتاء المعاصرة. وقد صور العلماء العلاقة بين الخليفة والأمة على أنها علاقة تعاقدية، مثلها فى ذلك مثل أى عقد من العقود، وأشبهوها بعقد البيع، ولذلك أطلقوا عليها تعبير " بيعة " اشتقاقا من البيع. وهذا العقد شبيه بالعقد الاجتماعى الذى ابتكره الفيلسوف الفرنسى  "روسو " فى القرن الثامن عشر. واعتبر منذ ذلك الوقت هو الأساس الذى تقوم به الدولة وسندا للسلطة فيها.

والفارق بين هذا العقد والبيعة أنه عقد تصورى لا وجود له فى الواقع بينما البيعة عقد حقيقى. والبيعة تستوجب وجود طرفين، موجب وهو الأمة وقابل وهو الخليفة.

2- الطرف الموجب : الأمة:

وينوب عن الأمة فى عقد البيعة، مجموعة من الناس هم أهل الحل والعقد. وقد اختلف الفقهاء فى تحديد العدد اللازم من أهل الحل والعقل لمبايعة الخليفة والرأى الغالب يتطلب موافقة أغلبية أهل الحل والعقد، ويعبرون عن ذلك بقولهم " لا تنعقد البيعة إلا بجمهور أهل الحل والعقد فى كل بلد ". ولذلك اعترض فريق من الصحابة على مبايعة الإمام على - حسبما ذكر ابن خلدون فى مقدمته- " لافتراق الصحابة أهل الحل والعقد بالآفاق، ولم يحضر إلا قليل ". واختيار أهل الحل والعقد للخليفة هو مجرد ترشيح - حسب الرأى الراجح بين العلماء- يستتبعه بالضرورة موافقة أكثرية الأمة صاحبة الحق الأصيل، وهذه هى البيعة العامة، ومن حق أكثرية الأمة أن توافق على رأى أهل الحل والعقد ولها أن ترفضه. والعلماء يجمعون على أن البيعة فى مرحلتيها يجب أن تتم بالرضا الكامل وحجتهم فى ذلك- على حد تعبير الماوردى- " لأنها عقد مراضاة واختيار ولا يداخله إكراه ولا إجبار ". وعلى ذلك فانتخاب الخليفة يتم- حسب المصطلحات الدستورية الحديثة- على درجتين-: الأولى من جانب أهل الحل والعقد، والثانية من جانب الأمة.

وما سبق أن ذكرناه يصدق بالنسبة لمبايعة ولى العهد: ترشيح من الخليفة القائم بالحكم بعد التشاور مع أهل الحل والعقد وموافقتهم حال حياة الخليفة الحاكم، ومبايعة من الأمة بعد وفاته.

ولا يقتصر دور أهل الحل والعقد على اختيار الخليفة، بل إنهم مسئولون عن رقابته فى تنفيذ واجباته، فإن حاد عنها أو قصر فى أدائها وقع عليهم عبء تقويمه أو خلعه واستبدال غيره به - كما سنرى- وبجانب ذلك كانوا يقومون بدور الرأى العام الحديث فى الرقابة والتوجيه.

ومن أهم تطبيقات ذلك ما حدث فى عهد الخليفة عثمان حينما اشتكى الناس من مخالفة بعض ولاته لأحكام الشريعة (الوليد بن عقبة أخو عثمان لأمه والى الكوفة فأقام عليه الحد وعزله). ومنها رفض الرعية لسياسة بعض الولاة مما اضطر الخليفة عثمان لعزلهم (سعيد بن العاص والى الكوفة، وأبو موسى الأشعرى والى البصرة). بل امتد الأمر إلى الخليفة نفسه مثلما حدث عندما اتهم الناس الخليفة عثمان بمحاباة الأمويين وطالبوه بعزل نفسه، ولما رفض قامت ضده ثورة انتهت بقتله.

أما عن تكوين هيئة" أهل الحل والعقد" وشروطهم  فإن الفقهاء لم يولوها العناية  الكافية، فظلت من أكثر الأمور غموضا وإبهاما فى الفقه الإسلامى. فهم لم يحددوا بطريقة واضحة قاطعة الطوائف والهيئات التى ينتمى إليها أهل الحل والعقد وإن كان بعضهم (الرملى) قد حددها بقوله: " العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم". ونتيجة لهذا الغموض اختلف الفقهاء فى الطريقة التى يتم بها اختيار أهل الحل والعقد والعدد اللازم والطريقة التى يعبرون بها عن رأيهم. ويزيد من صعوبة الأمر أن السوابق التاريخية لا تسير على نسق واحد مما يؤكد أن كل ذلك متروك لظروف المجتمع.

أما عن الشروط الواجب توافرها فى أهل الحل والعقد فهى ثلاثة: العدالة الجامعة لشروطها، أى الاستقامة والأمانة، الرأى والحكمة المؤديان إلى اختيار الأصلح للخلافة، قدر من العلم يمكن من معرفة الشروط الواجب توافرها فيمن يستحق الخلافة على شروطها. وشروط أهل الحل والعقد شروط بسيطة بالمقارنة بالشروط الواجب توافرها فى المجتهدين. ومن الواضح أنه لا يشترط فى أهل الحل والعقد نصاب مالى ولا الانتماء إلى فئة أو طائفة معينة فى المجتمع. ومن الواضح أيضا أنه نظام خاص بالفكر الإسلامى يختلف عن الهيئات النيابية المنتخبة فى العصر الحديث فى الديمقراطية الغربية. فهم لا يكونون برلمانا ولا هيئة استشارية لها صفة الدوام، كما أن بعضهم اكتسب صفة أهل الحل والعقد نتيجة لتعيينه فى أحد المناصب الكبرى كالإمارة أو قيادة الجيش...... إلخ. وبعضهم اكتسبها بما اشتهر به بين الناس كالعلماء "ووجوه القوم.... إلخ. ولكنهم يؤدون بعض الوظائف التى تقوم بها البرلمانات الحديثة فى الديمقراطية الغربية منها اختيار الحكام ومراقبة أعمالهم.

2- الطرف الثانى

فى عقد البيعة، وهو القابل، فهو الخليفة (الإمام، أمير المؤمنين).

وأهم شروطه:

ا- العدالة بمعناها الجامع                  2- سلامة الحواس والأعضاء.

3- الكفاية: وأهم عناصرها الإسلام والحرية والذكورة والعقل فضلا عن القدرة على ممارسة عمله.             4- العلم.          5 - النسب.

ويقصد بالعلم العلم بالأحكام الشرعية والأمور السياسية والحربية والإدارية، وكل ما يدخل فى فروض الكفاية. وفى صدر الإسلام كان يقصد بالعلم العلم بالأحكام الشرعية بدرجة تصل به إلى مرتبة الاجتهاد، قياسا على ما كان عليه حال الخلفاء الراشدين، غير أن العمل جرى منذ عهد الدولة الأموية وما بعدها على التجاوز عن شرط الاجتهاد اكتفاء بما يحيط بالخليفة من مستشارين متخصصين. وحدث هذا التجاوز فى عهد الأئمة الكبار ولم يعترضوا. ومن ناحية أخرى جرى خلاف حول شرط النسب. فالشيعة يشترطون أن يكون الخليفة من ذرية الإمام على. والخوارج لا يشترطون نسبا معينا فكل مسلم، ولو كان أعجميا، يصلح للخلافة، أما أهل السنة فيشترطون انتماءه إلى قريش حتى يكون مطاعا من الجميع باعتبار أن قريش كانت تتمتع بمكانة سامية بين العرب. ولما فقدت قريش مكانتها المتميزة تجاوز الفقهاء المتأخر ون عن شرط النسب القرشى. وكل الشروط سالفة الذكر لازمة لانعقاد البيعة للخليفة، كما أنها شروط استدامة فإذا فقد أحدها كان سببا لعزله.

وإذا نحينا رأى الشيعة جانبا نجد أن شروط الخليفة لا تختلف عن نظيرتها فى شروط رؤساء الدول فى الديمقراطية الغربية المعاصرة. ولا محل للطعن فى النظام الإسلامى باشتراط الإسلام فى الخليفة. فبعض الدساتير المعاصرة فى أوروبا تشترط أن يكون رئيس الدولة من دين أغلبية السكان وأكثرها يجرى فيها العرف الدستورى على ذلك، والإسلام هو دين الأغلبية فى الدولة الإسلامية.

ويختص الخليفة بعدة اختصاصات دينية ودنيوية، ويسميها الفقهاء واجبات الخليفة. وهى كلها من فروض الكفاية التى يمارسها الخليفة نيابة عن الأمة. ويدخل فى الواجبات الدينية: حفظ الدين، الفصل فى الخصومات وإقامة الحدود، جباية الأموال والصدقات وصرفها فى وجوهها الشرعية. ويدخل فى الواجبات الدنيوية الدفاع عن الدولة وحفظ الأمن فى الداخل، الإشراف على الأمور العامة، تعيين العاملين، تحقيق التكافل الاجتماعى..... إلخ فهو يجمع بين يديه رئاسة السلطتين التنفيذية والقضائية، حسب التعبيرات الحديثة، ويخرج منها السلطة التشريعية إذ التشريع لله وللرسول، ومن ثم يخرج من اختصاصه التشريع فى شئون العقيدة والعبادة والأحكام القطعية فى المعاملات وينحصر دوره فى التشريع بموافقة أهل الاجتهاد- فى التشريع فيما لم يرد فيه نصوص فى الكتاب والسنة أو ترجيح رأى فقهى على آخر فى الأحكام الاجتهادية.

ومن الواضح أن هذه الاختصاصات تتشابه إلى حد كبير مع اختصاصات رئيس الدولة فى النظم الرئاسية فى الديمقراطية الغربية المعاصرة، وتزيد عليها الاختصاصات الدينية. فلكل نظام خصائصه ولكل فقه صناعته.

وفى سبيل أداء هذه الواجبات يتمتع الخليفة بحقين هما: حق الطاعة وحق النصر وهما شبيهان بسلطة الأمر والنهى فى الديمقراطية الغربية. والأساس الشرعى لحق الخليفة فى الطاعة والنصرة يرجع أصله إلى قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول) (7). غير أن طاعة ولى الأمر ونصرته مقيدة بأمرين: أولهما الالتزام بأحكام الشريعة إذ" لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق ". وثانيهما أن ينهض بواجباته على الوجه الأكمل فإن عجز أو قصر سقط حقه فى الطاعة والنصرة. وحق الطاعة يعنى عدم جواز مخالفته أو الخروج عليه، وهو ما يسمى " البغى " ويعرفه الفقهاء بأنه " الخروج على الإمام الحق بدو ن وجه حق " ويفرق الفقهاء فى معاملة البغاة تبعا لجسامة ما أتوه من أفعال .. فإن اقتصر الأمر على اختلاف الرأى فلا عقاب عليه ويقتصر الأمرعلى المجادلة بالحسنى. فإن تجاوز البغاة ذلك وحرضوا على عدم طاعة ولى الأمر جاز له عقابهم تعزيرا. فإن تجاوزوا ذلك وأعلنوا عصيانهم ومنعوا ما عليهم من حقوق وتفردوا بجباية الأموال وتنفيذ الأحكام جاز لولى الأمر قتالهم حتى يفيئوا إلى الطاعة. أما حق النصرة فيعنى تأييده ومساندته بالقول، أى إسداء النصيحة، والفعل أى مساندته فى مقاومة البغاة ورد العدوان عن الدولة.

والسند الشرعى لهذا الحكم الحديث الشريف: ( من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوه بالسيف) ومعناه ضرورة رضوخ الأقلية لرأى الأغلبية وإلا اعتبرت فئة باغية تستحق التقويم. وقد أساء بعض الخلفاء استخدام هذا الحق (مذبحة كربلاء من جانب الأمويين ضد الحسين وآل البيت، ما فعله بعض الخلفاء العباسيون فى مطاردة خصومهم السياسيين من الشيعة ومن بنى أمية، ونفس المسلك حدث من بعض سلاطين آل عثمان).

" ولنا أن نتساءل عن مدى مسئولية الخليفة وغيره من الحكام عن أعمالهم وما الجهة التى يسألون أمامها. إن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية قاطعة فى تقرير هذه المسئولية. وهى مسئولية مزدوجة: أمام الله تعالى فى الحياة الآخرة وأمام الأمة فى الحياة الدنيا. فولاية أمر المسلمين يعتبرها الإسلام أمانة. فالرسول عليه الصلاة والسلام قال لأبى ذر حينما سأله إمارة إحدى الولايات " إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزى وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذى عليه فيها". والقرآن الكريم يأمر بأداء الأمانة وعدم خيانتها من ذلك قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) (8). وقوله تعالى:( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) (9). والأحاديث النبوية تؤكد هذا المعنى، ومنها: ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. الإمام راع ومسئول عن رعيته )0000 وتوعد ت الآيات القرآنية خائن الأمانة بأشد أنواع العذاب فى الآخرة. ومنها: ( وخاب كل جبار عنيد * من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد * يتجرعه ولا يكاد يسيغه ) (10). والفقهاء مجمعون على وجوب محاسبة الخليفة- وولاته وعماله- سواء بتقويمه بنصحه أو بإقامة الحد عليه تبعا لجسامة الفعل الذى أتاه أو عزله إذا قام به سبب من أسباب العزل، ومن ذلك فقدان الخليفة لأحد شروط الخلافة لأنها شروط انعقاد واستدامة فى ذات الوقت، كأن طرأ على بدنه نقص فى الحواس أو الأعضاء يؤثر فى عمله، أو حاد عن الطريق السوى فجار أو ظلم، أو ظهر منه عدم كفاية فى إدارة شئون الدولة أدى إلى اختلال أمور المجتمع، أو خالف الشريعة فى سلوكه وتصرفاته أو تهاون فى تطبيق أحكامها مما أدى إلى انتكاس أمور الدين.... إلخ. ومبدأ جواز تقويم الخليفة وعزله تقرر منذ قيام نظام الخلافة. وقد عبر عنه الخليفة أبو بكر غداة مبايعته بقوله: " أما بعد أيها الناس، فإنى وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى وإن أسأت فقومونى... أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم " والأساس الشرعى لحق الأمة فى تقويم أولياء الأمر ومحاسبتهم وعزلهم يرجع إلى أنها هى صاحبة الحق الأصيل وهو وكيل عنها بمقتضى عقد البيعة ولذلك من حقها فسخ العقد ومساءلته إذا وجد سبب لذلك. ولكن الفقه الإسلامى لم يحدد جهة أو هيئة تختص بمساءلة ولى الأمر، واكتفى بتركها لأهل الحل والعقد، وهو تعبير غامض مرن ومطاط،، ولذلك تثور المشكلة إذا رفض ولى الأمر الانصياع إلى قرار أهل الحل والعقد بعزله أو بتقويمه. وقد انقسم الرأى فى هذا الصدد إلى اتجاهين: فريق (الخوارج والمعتزلة والزيدية) يرى جواز الخروج عليه والثورة ضده استنادا إلى الآية القرآنية:

( فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله) (11). وهو ما حدث بالنسبة للخليفة عثمان حينما رفض عزل نفسه بعد ما طالبه الناس بذلك، وهذا الاتجاه يعرف بمبدأ" سل السيف " وذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز الخروج على ولى الأمر والتمسك بالصبر مع استمرار إسداء النصيحة له، ولكنهم  أجازوا بيعة المتغلب إذا توافرت فيه شروط الخلافة.وبرروا رأيهم بحالة الضرورة دفعا للفتن وسفك الدماء من ناحية ومنعا للفوضى إذا أعلنوا بطلان الخلافة مع العجز عن استبدال الخليفة. وهذا الاتجاه يعرف بمذهب الصبر. وبالرغم من رفضهم الثورة ضد الإمام الجائر إلا أنهم لا يعتبرون الخروج عليه بغيا، فإذا ما نجحت الثورة اعترفوا بها إذا كان الخليفة الجديد مستوفيا لشرائطها.

 ومن الواضح أن الفكر الإسلامى يقرر مبدأ مسئولية الحاكم ومحاسبته بصورة تكاد تتطابق مع النظم الغربية المعاصرة. ولكنه خلا من وضع الآليات والأدوات التى تؤدى إلى إعمالها بصورة فعالة، كما خلا من التحديد الدقيق لحالات مسئولية الحاكم وأسباب عزله ومدة توليه الرئاسة.... إلخ.

ولعل ذلك كان يناسب ظروف عصرهم، ومن السهل الآن تنظيمها فى ضوء ظروف العصر الحاضر. إعمالا لقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا.

خامسا: التعددية الحزبية

يعتمد النظام الديمقراطى المعاصر فى الحضارة الغربية على التعددية الحزبية بما يسمح بتداول السلطة بين الأحزاب الحاكمة وأحزاب المعارضة، فهل كان نظام الشورى الإسلامى يسمح بذلك؟ ذهب كثير من المستشرقين وبعض العلماء المسلمين إلى أن نظام الحكم الإسلامى يرفض مبدأ التعددية الحزبية. هذا الرأى يتجاهل طبيعة الفكر الإسلامى وتطبيقه السليم ويعتمد على ما جرى عليه العمل فى بعض العصور وواقع الأمر أن الفكر الإسلامى، فى عصور حرية الاجتهاد، كان يفتح الباب أمام تعدد الآراء فى إطار المبادئ العامة التى وردت فى الكتاب والسنة. وهذا التعدد ظهر صداه فى تعدد المدارس الفكرية التى عرفت باسم المذاهب الإسلامية. ولم يقتصر الأمرعلى ذلك بل صاحب ذلك وصحبه ظهور أحزاب سياسية، بالمعنى المفهوم لنا اليوم، عرفت فى التاريخ الإسلامى باسم الفرق الاسلامية. فالحزب بالمعنى السياسى يتكون من جماعة تضع لنفسها برنامجا معينا تسعى إلى تحقيقه بعد الوصول إلى الحكم بإرادة الناخبين. والخلاف بين الفرق الإسلامية بدأ سياسيا حول نظام الحكم ثم تبعه اختلاف فقهى واختلاف فى بعض أمور الدين . ولا غرابة فى ذلك لأن نظام الحكم الإسلامى يجمع بين الدين والدنيا. وبدأت الفرق فى الظهور مع التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى حدثت فى المجتمع الإسلامى بعد اتساع رقعة الدولة ودخول شعوب كثيرة فى الإسلام وتدفق الأموال والغنانم فى أعقاب الفتوحات الإسلامية. فبعد الثورة ضد الخليفة عثمان بسبب انحيازه للأمويين فى مواجهة بقية العرب وممالأته للعرب فى مواجهة أبناء البلاد المفتوحة انتهت بقتله وبعد تولى الإمام على للخلافة انقسم الناس إلى عدة فرق تبلورت نظرياتها فى الحكم بالتدريج. وأهمها ثلاث فرق:

فرقة ترى أحقية الإمام على بالخلافة وسميت فيما بعد بفرقة الشيعة، وتحصر الخلافة فى ذريته، وفرقة تحصر الخلافة فى قريش، وهم أهل السنة أو الجماعة، وفرقة ترى عدم حصر الخلافة فى أسرة أو قبيلة معينة وتجعلها حقا للمسلمين أجمعين عربا كانوا أو أعاجم، وتسمى فرقة الخوارج. والفرقة الأولى تعتبر الخلافة من أركان الدين ولا تترك لاجتهاد الأمة، أما الفرقتان الثانية والثالثة فتريان أنها من الأمور الاجتهادية المفوضة للأمة. وحاولت كل فرقة جمع الأنصار من حولها بغيا الوصول للحكم. وقد نجحت فرقة الشيعة فى الوصول إلى الحكم وإقامة الدولة الفاطمية فى مصر، ولم ينجح الخوارج فى الوصول إلى الحكم اللهم إلا فى بعض أجزاء الدولة فى عصر تجزئة الدولة الإسلامية فى أواخر القرن الثالث الهجرى. بينما ظل أهل السنة أو الجماعة قابضين على الحكم فى العصرين الأموى والعباسى. وبعد سقوط الدولة الأموية فى دمشق نجحوا فى إقامة دولة لهم فى الأندلس. ومازال الخلاف قائما بين الشيعة والخوارج وأهل السنة حتى اليوم.. ولم يقتصر الخلاف بين الفرق (الأحزاب) الثلاث على المبادئ السياسية ونظام الحكم والقواعد القانونية وبعض أمور الدين بل تعداه إلى طريقة الوصول إلى الحكم، فأهل السنة يشترطون رضاء الأمة، بينما يرى الشيعة أنه يتم بالتوارث بوصية من السلف للخلف بعيدا عن إرادة الأمة ودون مشاركة منها. أما الخوارج فينادون بجواز الوصول إلى الحكم بالقوة.

ولم يكتب للنظام الحزبى سالف الذكر النمو والتطور- على خلاف ما حدث فى الديمقراطية الغربية- لعدة أسباب أهمها: الظروف التى نشأت فيها فى أعقاب الفتنة الكبرى بعد مقتل الخليفة عثمان. عدم اعتراف أحزاب الأقلية (الشيعة والخوارج) بنظام الحكم الذى أقامه أهل السنة بدءا من عهد معاوية، وتراضت عنه الأمة لدرجة أسمى العام الذى قام فيه (41 هـ) بعام الجماعة، وناصبته العداء علانية، الأمر الذى دفع السلطة الحاكمة إلى اعتبارهم بغاة يستحقون العقاب بل والقتال.. عدم وجود آليات وأدوات فعالة تسمح بتداول السلطة سلما بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة.

وازداد الأمر صعوبة بعد تقرير مبدأ توارث الحكم مع بقاء سلطات الخليفة الواسعة. وكان من أخطر نتائج هذا الوضع أن الحكام كانوا لا يعتبرون المعارضة جزءا من نظام الحكم ولا يسمحون بتداول السلطة معهم. ويمكن فى العصر الحديث تنظيم هذا الموضوع بصورة فعالة، وهو ما لجأت إليه بعض البلاد الإسلامية الآن.

وينكر البعض على الفكر الإسلامى رفضه لحرية تكوين الأحزاب ورفضه لحريتها فى وضع برامجها. وهذا الرأى فيه مبالغة كبيرة. فالواقع أن النظم الديمقراطية الغربية تختلف فيما بينها فى خصوص حرية تكوين الأحزاب. فبعضها يستلزم لقيام حزب سياسى الحصول على موافقة الدولة وبعضها الآخر يطلق حق تكوين الأحزاب. كما أن بعض الدول تشترط عدم خروج الأحزاب على بعض المبادئ الأساسية فى المجتمع، فلا تسمح بقيام حزب جمهورى فى بلد ملكى والعكس بالعكس، ولا تسمح بقيام حزب فاشى أو نازى فى بلد ليبرالى وهكذا. والبعض الآخر يطلق للأحزاب حق وضع برامجها ولو كانت مخالفة للمبادئ التى أقرها دستورها. والفكر الإسلامى يسمح بتكوين الأحزاب السياسية- كما رأينا- ولكنه يقيده بعدم الخروج على المقومات الأساسية للمجتمع، كما حددها القرآن والسنة. فلا يجوز إقامة حزب علمانى يخلى مسئولية السلطة الحاكمة عن مسئولية رعاية الدين، ولا تسمح بقيام حزب ينادى بمبادئ تخالف الأحكام القطعية فى الكتاب والسنة مثل نظم المواريث وهكذا.

الخلاصة

ونخلص من كل ما تقدم أن أوجه الشبه والتلاقى بين الشورى الإسلامية والديمقراطية أكثر من أوجه الاختلاف. ويرجع ذلك الاختلاف إلى أن للحضارة الإسلامية ونظمها أصولا ومبادئ تختلف عن تلك التى تقوم عليها الحضارة الغربية، كما أنه لكل منها غايات وأهداف قد تتطابق وقد تختلف.

ونتيجة لذلك اختلفت الأدوات والآليات ومعانى المصطلحات. ونستطيع أن نجمل كل ذلك فيما يلى:-

أولا: يعترف النظامان الإسلامى والغربى بمجموعة من المبادئ من أهمها: المساواة أمام القانون فى الحقوق والواجبات. كفالة مجموعة من الحريات والحقوق العامة، ويختلف النظامان فى أصل هذه المبادئ والحريات والحقوق. فالنظام الغربى يستنبطها من ضمير الجماعة ومن مبادىء العدالة والقانون الطبيعى. أما الفكر الإسلامى فيردها إلى فروض الكفاية أو فروض العين ويعتبر بعضها من حقوق الله وبعضها الآخر من حقوق العباد، ونوع ثالث يدخل فى عداد الحقوق المشتركة بين الله والعباد.

ثانيا: يسلم النظام الغربى بمبدأ السيادة للأمة ويرد كل سلطات الدولة للامة سواء فى ذلك السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية أو السلطة القضائية. أما الفكر الإسلامى فإنه لا يعرف هذه المصطلحات ويعرف شبيها بها هى فروض الكفاية ويدخلها فى الحقوق المشتركة بين الله والعباد، وناط بها الخليفة وغيره من أصحاب الولايات بصفتهم نوابا عن الأمة.

وفى كلا النظامين تتميز شخصية الحاكم عن شخصية الأمة وتنفصل ذمته المالية عن ذمتها.

ثالثا: تقوم العلاقة بين الدولة والفرد فى الفكر الغربى على أساس العقد الاجتماعى وهو عقد تصورى لا وجود له فى الواقع. أما فى الفكر الإسلامى فإنها تقوم على عقد حقيقى هو البيعة.

رابعا: يتم اختيار الحاكم فى النظامين الإسلامى والغربى بالانتخاب مع اختلاف طريقته فيهما.

خامسا: نظم الفكر الغربى مسئولية الحاكم أمام الشعب ووضع ضوابط له. والفكر الإسلامى يقر بمبدأ مسئولية الحاكم أمام الأمة، ولكن ظروف المجتمع الإسلامى تقتضى وضع ضوابط أكثر دقة. فضلا عن أن مسئولية الحاكم تقتصر على الشئون الدنيوية والجزاء الدنيوى. أما الفكر الإسلامى فإنه ناط بالحاكم مسئولية رعاية الشئون الدينية والدنيوية معا وجزاء المخالفة مزدوج دنيوى و أخروى.

سادسا: يقوم النظام الغربى على أساس الديمقراطية النيابية. عرف الفقه الإسلامى نظاما شبيها هو نظام الإنابة أو التفويض.

سابعا: تعتبر التعددية الحزبية ركيزة أساسية للديمقراطية الغربية، ويعترف بحرية تكوين الأحزاب وما تضعه لنفسها من برامج وذلك بصورة مطلقة فى بعض البلاد وبصورة مقيدة فى بعضها الآخر، وأصول الفكر الإسلامى تسمع بالتعددية الحزبية بصورة مقيدة بحيث لا تخالف المقومات والمبادئ الأساسية التى وضعها الكتاب والسنة.

ثامنا: يوجد اختلاف جذرى بين الفكر الإسلامى والديمقراطية الغربية فى خصوص المقاصد والغايات. فالنظام الغربى يحدد أهداف النظام الديمقراطى بسعادة الفرد فى الحياة الدنيا، ولذلك لا يدخل فى اعتباره الأمور الدينية ويتركها للكنيسة، كما أنه يترك الجوانب الأخلاقية للفرد وضمير الجماعة. أما النظام الإسلامى فإنه يدخل فى فروض الكفاية التى يتولاها الخليفة نيابة عن الأمة أمورا دينية وأخلاقية بجانب الأمور الدنيوية. وهذا الجانب الإيمانى والأخلاقى من خصائص النظام الإسلامى.

تاسعا: يستطيع نظام الشورى الإسلامى أن يتعايش فى سهولة ويسر مع النظام الديمقراطى الغربى فى ظل العولمة التى بدأت تجتاح العالم.

إن العالم الغربى يشكو الآن من الطغيان المادى وما صاحبه من خواء روحى، ولعله يفيد من نظام الشورى الإسلامى الذى يعتمد على الجانبين الروحى والمادى. فقد ثبت بالتجربة أن ترك الدين لدخيلة النفوس يؤدى إلى ضياعه وانعدام التوازن فى السلوك البشرى. وهو ما عبر عنه الإمام الغزالى بقوله: " الدين أس والسلطان حارس، وما لا أس له مهدوم، وما لا حارس له فضائع ".

المراجع

(1) القصص:  77 . 

 (2) الإسراء: 72.

(3) أجمع علماء الشيعة على أن الإمامة ركن فى الدين ومن لا يقر بإمامة على وذريته من بعده فهو كافر مخلد فى النار. ونتيجة لذلك أنكروا على الأمة حقها فى اختيار الإمام وجعلوا من واجبات الإمام فعليه أن يوصى بمن يخلفه من ذرية الإمام على، ومن هنا كان الإمام معصوما من الخطأ ويرتفع على المساءلة أمام البشر.

(4) سورة آل عمران: 159  .

 (5) سورة الشورى: 38.

(6) من أبرزها مؤتمر " الجابية " الذى عقد عام 64 هـ واستمر أربعين يوما وذلك للتشاور فيمن يخلف معاوية الثانى الذى توفى دون أن يعهد بالحكم لأحد فى وقت اشتداد الخلاف بين بنى أمية وابن الزبير. وانتهى الزبير بمبايعة مروان.

ومن الواضح أن موضوع أهل الاختيار من الأمور الاجتهادية التى اختلف الرأى فى شأنه، ومن ثم يمكن تنظيمه الآن بصورة تتفق مع روح الشورى وتحدد عددهم وطريقة اختيارهم..... إلخ. إذ من المسلم به- كما سبق القول- أن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا.

(7) النساء:59.

(8) الأنفال:27.

 (9) النساء: 58.

(10) إبراهيم: 15-17.

(11) ا لحجرات: 9.

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع