كلمة معالى أ.د / عبدالله بن عبد المحسن التركى
وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
فى
المملكة العربية السعودية
عن الوفود المشاركة فى المؤتمر
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على نبينا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى أله وأصحابه
وأتباعه إلى يوم الدين.
أصحاب المعالى الوزراء.
أصحاب
الفضيلة العلماء وأعضاء المؤتمر.
سلام
عليكم ورحمة الله وبركات.. أما بعد.،
فأود أن أعرب عن الشكر العميق والتقدير الكبير الذى نكنه جميعا لجمهورية مصر العربية، رئيسا وحكومة وشعبا،
على ما لقيناه ونلقاه دائما من كرم الضيافة وحرارة
اللقاء فى القاهرة، مما يعكس بصدق مظاهر الأخوة، ومشاعر
المودة بين قادتنا وشعوبنا، وأحيى الأخ العزيز معالى
الأستاذ الدكتور/ محمود حمدى زقزوق
وزير الأوقاف ورئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بجمهورية مصر العربية، وأشكر لمعاليه، ولمعاونيه جهدهم الكبير من أجل الإعداد لهذا المؤتمر
المهم مما يعين على نجاحه بإذن الله.
وأتشرف بأن أنقل تحيات خادم الحرمين
الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، ملك المملكة
العربية السعودية- أيده الله- وسمو ولى عهده الأمين، وسمو النائب الثاني إلى أخيهم
فخامة الرئيس محمد حسنى مبارك، رئيس جمهورية مصر العربية، وإلى الشعب المصرى الشقيق.
مكانة المسلمين من الحضارة
الإنسانية:
أيها الأخوة
- نحن المسلمين- نتطلع
إلى المستقبل، ونستشرف آفاقه ونحاول تحديد
ملامحه، لأننا نمثل جانبا كبيرا ومهما من عالمنا المعاصر، فالمسلمون يمثلون نسبة كبيرة
من سكان العالم ويشمل الوطن الإسلامى أقاليم كثيرة،
منها ما يضم أطهر الأماكن وأقدس المساجد فى مكة المكرمة
والمدينة المنورة والمسجد الأقصى، وبعضها يمثل موقعا فريدا ومتميزا بين القارات
الخمس، ويملك العالم الإسلامى من مصادر القوة المادية
والمعنوية ما يجعل لشعوبه مكانة متميزة فى حضارة
الإنسان، المعاصر، وأهم مصادر القوة فى حياة الشعوب
الإسلامية، هو إسلامها، الدين الخاتم، وشريعتها التى
تعلى من شأن الإنسان، وتفتح له باب التقدم
والرقى ماديا وروحيا، وقد أقام المسلمون فى سنين
قليلة حضارة إنسانية مبنية على عقيدة الإسلام وشريعته، خلفت لنا تراثا علميا
وحضاريا باذخا، يحق لنا أن نستلهمه ونحن
نستشرف المستقبل. "
العولمة والإسلام:
لابد للعالم الإسلامى أن يصغى إلى
الدعوات العالمية التى تحاول أن تحدد معالم المستقبل
لبنى الإنسان، ونحن مطالبون باعتبارنا جزءا كبيرا ومهما من هذا العالم. أن نفكر
ونتدبر هذه الدعوات، وأهمها وأعلاها صوتا هى الدعوة إلى
" العولمة".
وهذا مصطلح جديد يقصد به أن تتوحد
الشعوب فى السلام والرخاء، وأن تتماثل الأدوات والوسائل
فى الوصول إلى الغايات المعلنة بحيث يصبح للعالم ودوله
نظم سياسية واجتماعية واقتصادية متماثلة أو متشابهة، وتنطلق تلك الدعوة إلى
العولمة من فكر سياسى واجتماعى
واقتصادى تقوده دول الغرب، وتعتبره صالحا للجميع، بل
اعتبره أحد المفكرين الغربيين نهاية للتاريخ.
ينبغى للشعوب الإسلامية، والتى تتميز بخصوصية حضارية فريدة، أن تتدبر معنى العولمة،
وتدرسها فى غاياتها ووسائلها وأدواتها، لا سيما أن الدعوة إلى العولمة تظفر باهتمام المجتمع الدولى الذى نمثل فيه جانبا مهما فى العلاقات والمنظمات الدولية، والإسلام لا يرفض ابتداء أن
تتشابه وسائل المجتمع الدولى وأدواته، ما دامت تلك
الوسائل لا تصادم أحكام الشريعة الإسلامية، ولا تلحق الضرر بمصالح الشعوب
الإسلامية.
إذ الإسلام دعوة
إنسانية عالمية لهداية البشر. يقول الله تعالى فى كتابه
الكريم: ( قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا الذى له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا
بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته
واتبعوه لعلكم تهتدون) (1)، ويقول سبحانه: ( وما أرسلناك إلا رحمة
للعالمين) (2)، وفى القرآن الكريم دعوة إلى التعارف أفرادا وشعوبا: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (3)، فلا مكان فى الإسلام لدعاوى العزلة والانكفاء على الذات، وقد أمرنا
الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى فقال ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا
تعاونوا على الإثم والعدوان ) (4):
حقوق الإنسان:
ومنح الله الآدمى
الكرامة الإنسانية- لمجرد آدميته- يقول تعالى ( ولقد كرمنا بنى
أدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات
وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا، (5)، ومن هذه الكرامة التى
منحها الله للإنسان تتأصل كل حقوقه، ويتفرع عنها ما وصلت إليه المجتمعات الإنسانية
من حقوق يعترف بها للإنسان،
وتسهم فى تقدمه
عالمية الإسلام سبقت العولمة:
إن من الحقائق الساطعة أن المجتمع الإسلامى
الأول وفى عهد النبوة الخاتمة، قام على أساس إنسانى
شامل، لا يعترف بالتعصب العرقى
أو اللونى، بل يدينه صراحة وبكل حسم، وقد جمع ذلك
المجتمع بين العربى والرومى والفارسى والحبشى فى صحبة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهى منزلة رفيعة فى ميزان الإسلام وفى نفوس المسلمين.
إن العالمية فى الإسلام
أساسها أن الدعوة للناس جميعا ليعبدوا الله وحده، كما شرع سبحانه، وهى الغاية التى خلق الله الناس لأجلها قال تعالى: ( وما خلقت الجن
والإنس إلا ليعبدون) (6)، وأن الكرامة حق لبنى الإنسان، وأن الاختلاف العرقى واللونى واللغوى هو هن قبيل التنوع والتكامل فى
الخلق الإلهى، وليس سببا أو مسوغا للاستعلاء أو السيطرة
أو التعصب.
فإذا كانت " العولمة " تدعو
إلى السلام فنحن- المسلمين- نلتزم بهذه الغاية النبيلة طاعة لله تعالى. فقد حرم الله على المسلمين أفرادا وشعوبا العدوان على غيرهم،
ونهاهم عن الظلم. قال تعالى: ( وقاتلوا فى سبيل الله
الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (7) فالله عز وجل لا يحب
الظالمين ولا المعتدين، ولم يكن القتال فى الإسلام إلا
دفعا لعدوان على المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، أو قضاء على فتنة فى الدين أو مواجهة لصد الناس عنه: ( وقاتلوهم حتى لا تكون
فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ) (8)، والسلم أقرب
ما يكون إلى المسلمين إذا بدت الرغبة فيه من عدوهم ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله
إنه هو السميع العليم) (9).
وإذا كانت " العولمة " تعنى بالإنسان وحقوقه
السياسية والاجتماعية والاقتصادية باعتبار ذلك هو الأساس فى
تحقيق السلام والأمن الدوليين، فإن الإسلام أقام المجتمعات الإنسانية على أساس
الشورى ( وأمرهم شورى بينهم) (10)، وهى حق للمسلم وواجب عليه لأن "الدين
النصيحة" كما فى الحديث الصحيح، والإسلام كفل
للإنسان مستوى من العيش يكفى حاجاته الأساسية حتى يحتفظ بكرامته الآدمية، وجعل
تحقيق هذا المستوى العام ركنا من أركان الإسلام كما هو في فريضة الزكاة التى تؤخذ من أغنياء المجتمع، وترد على فقرائه، والتكافل الاجتماعى الذى يشمل مختلف صور
الحاجة والضعف التى تطرأ على الإنسان حتى يظل محتفظا
بكرامته وإرادته الحرة.
الإسلام يحرر الإرادة الإنسانية:
وفى ظل الحضارات القديمة كلها الإغريقية
والفارسية والرومانية، لم تتحرر إرادة الإنسان، وجاءت شريعة الإسلام فمنحت الشخصية
القانونية الكاملة للإنسان- للرجل والمرأة على السواء- وصانت حقوق الإنسان، وحمت
حريته فى التعامل مع غيره وفى التملك وفى العمل اليدوى والفكرى وفق ضوابط من أهم مقاصدها التخفيف والتيسير على الناس،
ورفع الحرج عنهم، يقول تعالى: ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا )
(11)، ويقول سبحانه ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) (12)، ويقول: ( يريد الله
بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (13)،
فالتخفيف عن الإنسان من أصول الإسلام فى أمور دينه
ودنياه.
عدالة الإسلام تمنع الإرهاب:
إن صيانة حقوق الإنسان الاجتماعية والاقتصادية جعلت المجتمع الإسلامى يتمتع بالاستقرار والسلام الاجتماعى
، ويخلو من ظاهرة الإرهاب التى هددت أمن الدول والشعوب.
إن أحكام الشريعة تجعل من هذه الظاهرة
حربا لله ورسوله، وتردعها بأشد العقوبات، وأيا كانت أسباب هذه الظاهرة ودواعيها،
فإن حق المجتمعات الإنسانية- والإسلامية خاصة- فى الأمن
يعلو عليها، ويتطلب التصدى لها بكل قوة وحسم حماية
للإنسان ودفاعا عن الإسلام.
العولمة مدخل القرن القادم:
إن الدعوة إلى العولمة يراد منها أن
تكون مدخلا للقرن الحادى والعشرين الميلادى،
ونحن- المسلمين- لا نرفضها من حيث المبدأ فهى تعنى
العالمية، وهى صفة أساسية، وسمة واضحة للإسلام، وأهدافها المعلنة فى السلام والرفاه والتعاون بين
شعوب الأرض، لا تتعارض مع منهاج الإسلام وهديه فى
العلاقات بين الأمم والشعوب.
العولمة المادية تهدد قيم الإنسان
ولكن ما يهدد " العولمة" فى عصرنا الحاضر، هو
أن تقتصر على جانب التجارة أو المصالح بين بنى الإنسان،
وأن تتخلى عن القيم الإنسانية، كالعدل والمساواة ودفع العدوان عن الشعوب.
إذا اقتصرت العولمة على تحرير التجارة وتحقيق المصالح، فلن
تكون العالمية التى ينشدها الإسلام للإنسان، وسوف تفقد
مصداقيتها أمام الشعوب ، لأنها ليست تحريرا للإنسان، ولأن فائدتها المادية تعود
على الأقوياء فحسب، وإذا تخلت العولمة عن العدالة، وتخاذلت أمام العدوان والظلم،
اختلت المعايير فى المجتمع الدولى، ولا شك أن ما نشاهده اليوم من حروب وعدوان على
بعض الشعوب الضعيفة فى أنحاء العالم، وما تتعرض له هذه
الشعوب المقهورة من عدوان، واغتصاب للأرض، وفرض للاستعلاء والسيطرة، وإنكار حق
الشعوب فى تقرير مصيرها، يتنافى مع الدعوة إلى العولمة
، وهناك قضايا كثيرة تهم العالم الإسلامى، وتنتهك مصالحه الجوهرية، وتمس مشاعره الدينية، لابد
أن ينظر إليها من المجتمع الدولى على أساس العدل
والمساواة بين البشر، وبعيدا عن منطق المصالح المادية والتعصب العرقى.
إن الدعوة إلى العولمة لا ينبغى
أن يقصد بها طمس هوية الشعوب، وإلغاء خصوصيتها
الحضارية، ولا الغض من عناصر هويتها الدينية والثقافية، أو قطع الصلة بينها وبين
تاريخها وتراثها الحضارى، وأكثر ما ينطبق ذلك على
العالم الإسلامى الذى يؤمن
بدينه عقيدة وشريعة ويعتز به، ويمكن أن يسهم بالإضافة
والتجديد إلى حضارة الإنسان المعاصر فى نطاق عالمية
الإسلام، وكونه رسالة إلهية خالدة، خاتمة للرسالات الإلهية، تدعو الناس إلى عبادة الله وحده، وطاعة رسوله صلى الله عليه
وسلم الذى بعث رحمة للعالمين، وبشيرا ونذيرا لهم: (
وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ) (14)
عالمية الإسلام:
إن المسلمين يملكون رصيدا ضخما فى
مجال الثقافة والقيم والعلاقات الإنسانية، والتعاون بين الأمم والشعوب ينبغى أن يكون له نصيبه فى
العولمة، وأن يكون له مكانه فى الدعوة إلى العولمة ، وهو أعز وأغلى ما لدى المسلمين، إذ
هو قائم على الإسلام، الدين الخاتم، ومصدره مصدر إلهي ( لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) (15).
ومن الواجب على المسلمين أن يدعو العالم كله إلى الإسلام فهو
المنقذ لمشكلات البشرية، وهو الدين الحق الذى لا يقبل
الله من أحد سواه.
وإذا ما وعى المسلمون حقيقة دينهم، وآمنوا به،
وطبقوه فلن يخشوا من العولمة فى المجال الثقافى والحضارى.
الشريعة الإسلامية ترقى بالشعوب:
أما العولمة فى مجال الوسائل والعلم
والاقتصاد مع العدل والسلام واعتبار مقدرات الشعوب والأمم وحضاراتها وما تؤمن بها، فإن المسلمين يرجعون بها كما
أسلفنا.
إن المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين
الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود وسمو ولى عهده الأمين الأمير عبد الله بن عبد
العزيز آل سعود استطاعت أن ترسى دعائم الرقى والتقدم لشعبها.، وتحفظ الاستقرار
والأمن على أرضها، وأسهمت بجهدها الكبير وثقلها الإسلامى
العالمى فى تقديم العون إلى
الشعوب التى تحتاج إليه سياسيا وماديا، وهو جانب مهم من
رسالة المملكة فى الحفاظ على السلام العالمى والتعاون الدولى، وذلك بأقوى وأعز ما تملكه من أسباب الرقى
والتقدم الإنسانى عقيدتها وشريعتها التى
كفلت لشعبها فى كل الظروف والأوقات الأمن والسلام
والرخاء.
آخذة بما وجد من وسائل العصر، منفتحة على العالم ومتعاونة معه،
كل ذلك فى ظل التزامها بدينها وتطبيقها لشريعة ربها،
كما نزلت فى كتاب الله، وكما طبقها رسول الله عليه
الصلاة والسلام .
فليس من شأن الاعتزاز
بالإسلام، وتطبيق شريعته، أن يعيق النهضة والتقدم فى
مختلف المجالات، أو يؤثر على التعاون والتعامل الدولى.
أخيرا.. أكرر الشكر لمصر الغالية، رئيسا وحكومة وشعبا، على ما
أتاحته لهذه النخبة الطيبة من العالم الإسلامى من فرصة
للتحاور والتشاور فى موضوع فى
غاية الأهمية، وهو للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية رئيسا وأمينا وأعضاء، ولأصحاب المعالى والفضيلة الذين حضروا ليسهموا بعلمهم وخبرتهم فى رقى الأمة الإسلامية، وتلمس مستقبلها، سائلا الله أن يكلل
الجهود بالنجاح، وأن يرزقنا جميعا الإخلاص فى القول
والعمل، والتعاون الصادق على البر والتقوى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...،،،،،
المراجع
(1)
الأعراف: 158.
(2) الأنبياء: 107.
(3) الحجرات: 13.
(4) المائدة:
2.
(5)
الإسراء: 70.
(6) الذاريات: 56.
(7) البقرة: 190.
(8) البقرة: 193.
(9)
الأنفال: 61.
(10)
الشورى: 38.
(11) النساء: 28.
(12)
المائدة: 6.
(13) البقرة: 185.
(14)
سبأ : 28 .
(15) فصلت: 42.