كلمةأ. د.
محمود حمدى زقزوق
وزير الأوقاف
الأخوة الأعزاء:
باسم مصر رئيسا وحكومة وشعبا يسرنى أن أرحب بكم على أرض مصر الطيبة، وفى. رحاب القاهرة التى تضم الأزهر الشريف قلعة الإسلام العلمية الحصينة،
وأشكركم على تلبية دعوة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية للمشاركة فى هذا الملتقى السنوى الإسلامى الكبير، الذى أصبح يمثل
علامة بارزة فى اللقاءات الدورية لعلماء ومفكرى الأمة الإسلامية، لتدارس قضاياها ومشكلاتها ودورها فى عالم اليوم. ونحن على يقين من أن هذه اللقاءات سيكون لها
أثرها فى إيقاظ الوعى وحفز
الهمم وإشاعة الفكر الإسلامى الصحيح مما ينتج عنه
القضاء على العديد من المظاهر السلبية ودفع عجلة التقدم والنهوض حتى تتمكن الأمة
الإسلامية أن تقوم بدور يليق بمكانتها فى عالم اليوم.
المسلمون والتطورات العالمية:
السيدات والسادة:
إن العالم من حولنا يستعد الآن للدخول إلى القرن الحادى والعشرين بفكر جديد وقيم جديدة تتناسب مع ما جد فى العالم من متغيرات وما طرأ عليه من تطورات.
ولأن العالم الإسلامى جزء من عالمنا
الذى نعيش فيه فلابد له من الاستعداد للدخول إلى هذا القرن الجديد حتى لا يتخلف عن
الركب الحضارى العالمى. وهذا
أمر يتطلب إزالة الكثير من العقبات والتغلب على العديد من التحديات الداخلية
والخارجية التى تواجه شعوب الأمة الإسلامية.
تحديات تواجه العالم الإسلامى:
وأهم التحديات الداخلية تتمثل فى العديد من النزاعات والانقسامات والتمزق الذى يقطع أوصال العالم الإسلامى، ويعوق سبل التعاون بين شعوبه. ومن شأن ذلك أن
يؤدى إلى إضعاف قوته وتعطيل تنميته والإبقاء على تخلفه. ويضاف إلى ذلك ارتفاع نسبة
الأمية، وانتشار ظاهرة الإرهاب، فى بعض البلاد
الإسلامية- رغم أنها تعد ظاهرة عالمية وليست إسلامية- ويرتبط بذلك الفهم الخاطئ
للإسلام. والذى يستخدمه الإرهاب أيضا لتبرير سلوكه.
الفهم الخاطئ للإسلام:
ومن الواضح أن الفهم الخاطىء
للإسلام ينطلق من تفسيرات مغلوطة لتعاليمه. وهذه التفسيرات تسير فى اتجاهين متناقضين:
فهناك تفسيرات تجعل منه
دينا جامدا منغلقا متقوقعا لا يقوى على مسايرة الزمن، ولا يراعى متغيرات الحياة. وبذلك يشد أصحاب هذه التفسيرات هذا الدين إلى فهمهم السقيم
وفكرهم المريض وتصوراتهم البالية، وهناك تفسيرات أخرى باطلة تجعل من الإسلام دينا
دمويا عدوانيا متعطشا لسفك الدماء. وكلا الاتجاهين لا مكان له فى
دين الإسلام، ولا يعبر إلا عن الرؤى المريضة لهؤلاء الذين يزعمون كذبا أنهم
يتحدثون باسمه. فالإسلام إذ يرفض الجمود والانغلاق
والتقوقع فإنه من ناحية أخرى يرفض رفضا قاطعا كل شكل من أشكال العنف أو العدوان أو
القتل والتخريب.
الوجه الحضارى للإسلام:
وحتى يستطيع الإسلام أن يمضى بخطى ثابتة
وحثيثة نحو المستقبل فلابد لأتباعه من التخلص من هذا المرض المزدوج، وذلك عن طريق
الفهم المستنير للإسلام وتعاليمه، والكشف عن الوجه الحضارى
لهذا الدين الذى تتمشى تعاليمه مع كل زمان ومكان، وبيان
قدرته على التطور ومواجهة متغيرات الحياة، وقدرته الذاتية على الصمود أمام كل
التحديات. وتاريخ الإسلام شاهد على ذلك.
الإسلام
برىء من هؤلاء !!
وإذا اتضح لجماهير المسلمين أن الإسلام برىء من جهل أصدقائه ومن شذوذ من يدعون أنهم يقتلون ويخربون
دفاعا عنه فإن ذلك يمهد السبيل للتغلب على الصعاب ومواجهة التحديات الأخرى
الخارجية والتى تتخذ من الفهم الخاطئ للإسلام ذريعة
لوصم الإسلام بكل الرذائل.
التحديات الخارجية:
أما التحديات الخارجية فإنها قد بدأت فى الظهور فى النصف الأخير من
القرن العشرين وبصفة خاصة فى العقد الأخير من هذا القرن
الذى حدثت فيه تطورات بالغة الأهمية وعلى رأسها انهيار
الاتحاد السوفيتى السابق، وظهور القطب الواحد فى العالم والعولمة، وانتشار الخوف غير المبرر من الإسلام فى الغرب بوصفه العدو البديل أو الخطر القادم الذى يهدد الحضارة العالمية، والترويج لنظرية صراع الحضارات
ونهاية التاريخ.
الوعى يقضى على التطرف:
وهذه التحديات الخارجية لن يكون لها
وجود بالنسبة للعالم الإسلامى إذا تعافى من التحديات
الداخلية. فانتشار الوعى السليم بالإسلام فى أوساط الأمة الإسلامية سيكون كفيلا بالقضاء على التطرف
والإرهاب، وبالتالى يسقط زعم الخوف من الإسلام فى الغرب، ويمهد الطريق للتعاون الحضارى
بدلا من الصراع الحضارى، ويجعل العالم الإسلامى مشاركا فى التطورات
العالمية على جميع المستويات من أجل خير هذا العالم الذى
هو عالمنا جميعا.
البحث عن مخرج للأمة:
إن كل المعانى التى
أشرت إليها وما يرتبط بها بن أمور أخرى كثيرة هى التى دفعتنا إلى عقد هذا
المؤتمر تحت عنوان ( الإسلام والقرن الحادى والعشرون )
من أجل إعادة ترتيب البيت الإسلامى من الداخل بمناقشة
القضايا التى تتصل بهذا الموضوع بشكل أو بآخر بحثا عن
مخرج للأمة من التشتت الفكرى. وقد
اشتمل هذا الموضوع على أربعة محاور:
تناول المحور الأول منها موضوع الإسلام والتطور الحضارى. أما المحاور الثلاثة الأخرى فقد تناولت موقف الإسلام
من العولمة فى المجالات السياسية والاقتصادية والتقدم العلمى.
ولا شك أن البحوث التى ستناقش فى جلسات هذا المؤتمر ستسهم إسهاما كبيرا فى
بلورة المواقف الإسلامية إزاء هذه القضايا، وستمهد الطريق أمام فهم أفضل للتطورات
العالمية.
صيغة للتعاون والسلام العالمى:
ونحن إذ نقدم خالص الشكر وعظيم التقدير لضيوف
مصر الذين لبوا دعوتنا للمشاركة ببحوثهم وأفكارهم فى
هذا المؤتمر فإننا لعلى يقين من أن هذه المشاركة الإيجابية سيكون لها أثرها البالغ
فى التوعية السليمة بقضايا الأمة الإسلامية، ليس فقط
لأبناء العالم الإسلامى ، ولكن أيضا للآخرين من خارجا ديار الإسلام.
فنحن فى عالم ينطبق عليه حديث
الرسول الكريم صلوات الله عليه الذى يصور فيه العالم
كأنه يعيش فى سفينة واحدة بعضهم فى
أعلاها والبعض الآخر فى أسفلها. وقد فكر الذين فى أسفلها أن يخرقوا لأنفسهم خرقا فى
السفينة يستقون منه الماء، فإذا تركوهم يفعلون ما يريدون غرقت السفينة بكل من
فيها، وإذا أخذوا على أيديهم ومنعوهم نجوا جميعا.
فعالمنا فى حاجة إلى صيغة تضامنية
لإنقاذ هذا العالم مما يتهدده من أخطار محدقة. ولكن إقناع الناس بضرورة هذا
التضامن يتطلب الفهم السديد للمشكلات والبحث عن أفضل السبل للتعاون فى جميع المجالات وصولا إلى اقتناع تام بأن سلام العالم هو
بالنسبة للجميع ضرورة حياة وليس مجرد كلمات وشعارات.
والأمل يحدونا أن يتمخض مؤتمركم هذا عن نتائج ملموسة تساعد فى الوصول إلى الأهداف المرجوة.
ولا يفوتنا فى هذا المقام أن نقدم
عظيم الشكر والتقدير للسيد الرئيس محمد حسنى مبارك- رئيس الجمهورية- على تفضله
بوضع هذا المؤتمر تحت رعاية سيادته إيمانا منه بالأهمية الكبيرة التى يوليها لهذا المؤتمر والقضايا الهامة التى يبحثها.
ولكم منا كل التقدير، راجين لكم إقامة طيبة فى القاهرة، وسائلين الله أن يوفقنا جميعا إلى ما فيه الخير
والسلام لعالمنا الإسلامى وللعالم أجمع. والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته .،،،،،