الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر العاشر : الإسلام والقرن الحادي والعشرون يوليو 1998م
 
التقدم فى العلم والتكنولوجيا

التقدم فى العلم والتكنولوجيا

ضرورة أكيدة من منظور إسلامى

الشيخ / محمد شهاب الدين الندوى

الأمين العام للأكاديمية الفرقانية

بنجلور- الهند

علاقة العلوم بالحياة البشرية:

إن الله تعالى قد أنزل علمين لسعادة الإنسان ونجاحه فى الدنيا والآخرة. فالأول منهما هو علم الشريعة الذى لابد له لتخطيط أعمال الإنسان وتعيين حدود نشاطاته. وبذلك تتضح صلات الإنسان بخالقه سبحانه وتعالى. وأما الثانى منهما فهو علم الفطرة أو الطبيعة. أى علم الموجودات والمظاهر التى تحيط بنا من الجمادات والنباتات والحيوانات والسماوات. فإن هذا العلم الأخير له رابطة وثيقة بالحياة البشرية. لأن الإنسان لا يستغنى عن هذه المظاهر والموجودات فى حياته اليومية فرديا كان أو جماعيا. فإن حياة الإنسان وحضارته تتوقف على النباتات والحيوانات والجمادات بصورة مباشرة. فلا- يزال يستخدمها منذ قديم بحيل شتى ومناهج مختلفة. فظهرت بذلك أنواع من العلوم الصناعية إلى حيز الوجود. وتتقدم هذه العلوم يومأ فيومأ بالتفكير والتدبير ويرتقى العلم والتكنولوجيا. فإن هذه العلوم قد ازدهرت اليوم ازدهارا لا مثيل له فى العصور السالفة وحتى فى القرن الماضى. فإن العلماء الطبيعيين لا يستغلون هذه الأشياء والموجودات فقط، بل إنهم قد سيطروا على استغلال طاقاتها السرية المودعة فيها، مثل الطاقة الكهربائية والطاقة الحركية والطاقة الميكانيكية والطاقة النووية والطاقة الشمسية والطاقة الإشعاعية وما إلى ذلك. ثم إنهم قد تمكنوا من هذه الطاقات على تسخير البر والبحر واستخراج ما فيها من الخيرات* من المعادن والمحصولات الطبيعية، كما تمكنوا من تسخير الأجواء وملئها بالأقمار الصناعية فى أطراف الأرض، والاتصال بالقمر والمريخ.

فإن هذه العلوم الطبيعية- التجريبية والصناعية- وإنتاجاتها مثل الهاتف والفاكس والتلفزيون والكمبيوتر والسيارات والطائرات والصواريخ والسفن الفضائية، وأنواع من الماكينات والأدوات المنزلية والمكتبية والطبية والمدنية والعسكرية وما إلى ذلك، لتحيط بحياتنا الفردية والجماعية. فليس من شعب ولا أمة تستطيع اليوم أن تعيش بمعزل عن هذه الأدوات والمنتجات يوما ما.

موقف الإسلام من العلوم والصناعات:

إن هذه العلوم والصناعات قد أصبحت اليوم علامة على رقى الشعوب والأمم. فأيما أمة تخلفت فى هذا المجال تقهقرت فى ساحات المدنية والحضارة والاقتصاد والتجارة والعلوم العسكرية والسياسة الدولية وحتى الدبلوماسية. وإن هذه العلوم والصناعات لها خطورة بالغة من منظور إسلامى. لأن الإسلام هو دين الفطرة ودين متكامل، فلا يغض النظر عن الحقيقة والواقعية. ولذللت يحث المسلمين على التقدم فى العلم والصناعات والتقنية بأساليب شتى وهذا الحث والتحريض فى مجالين: فأما الأول فهو التفكير والدراسة فى جميع المظاهر الكونية والبحث والتفحص عن أنظمتها دراسة فاحصة. وأما الثانى فهو استخدام ما فيها من الفوائد المادية أو المدنية التى هى نعم الله تعالى ، والتى هى عطاء وعوض لمن جاهد وتعب فى فحص المظاهر والموجودات وأنظمتها ، وعلى سبيل المثال لقد ورد فى كتاب الله تعالى فى المجال الأول :

( قل انظروا ماذا فى السموات والأرض ) (3)

(قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدا الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ) (4)

( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت ) (5) 

وفى المجال الثانى يقول الله تبارك وتعالى:

إ الله الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم- الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر لكم الأنهار* وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار * وأتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار) (6). (ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير!ممن خلقنا تفضيلا) (7). (ألم تروا أن الله "سخر"لكم ما فى السموات وما فى الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة 000)

(8 ) .

(... وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس 000) (9). (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة رمن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " (10).

العلوم النظرية والصناعية:

إن المجال الأول يتعلق بالعلوم النظرية الخالصة، بينما المجال الثانى يرتبط بالعلوم التجريبية والصناعية والتكنولوجية. فبالأول يتنور الفكر الإسلامى بل بدراسة الكائنات وما فيها من الدروس والعبر التى تشير إلى وحدة كونية وقوة قاهرة، وهى التى تدير ماكينة الأكوان والمظاهر بالأسباب والعلل التى هى فوق العادة وفوق الطبيعة، لكى يوقن الإنسان أن هذه الماكينة الكونية لم توجل تلقائيا ولا تجرى بنفسها أوتوماتيكيا. بل هناك في سرية تديرها وتحركها بطريق مدهش لا يفهمه الإنسان فهما صحيحا فى ضوء الأسباب والعلل العادية. فلا مندوحة له من أن يلى عن لقوة خارقة، وهى الله تبارك وتعالى. فمن هذه الناحية ليست عقيدة اعتراف الخالق أو وجود إله عقيدة رجعية، بل هى عقيدة علمية وضرورة أكيدة. وهذا هو السر الذى

لأجله أكد الإسلام على تفكير المظاهر الكونية واستعراض الدروس والعبر المودعة فيها.

وأما العلوم التجريبية والصناعية فهى تابعة للعلوم النظرية. وهى نتائج استعراض الأسباب والعلل المودعة فى المظاهر الكونية، والتى هى عطاء من ا اله تعالى، عوضا لتحقيق الحقائق الكونية والاكتشافات العلمية التى تصدق آيات الله المنزلة فى كتاب الله تعالى. كما يقول عز وجل:

( وفى الأرض آيات للموقنين* وفى أنفسكم أفلا تبصرون) (11).

( سنريهم آياتنا فى الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد) (12).

 توجيهات الإسلام فى تقدم العلوم والصناعات:

ومن هذه الوجهة فإن النعم الإلهية الكامنة فى الأكوان والموجودات تسخر وتستخدم بالعلوم الصناعية والتقنية. فالعلوم النظرية تزكى أذهان البشرية من أدران الفلسفات المنحرفة والنظريات الضالة، بينما العلوم الصناعية تفتش عن النعم الإلهية التى هى مستورة فى مظاهر الكون، والتى تقدم المدنية وتطورها من طور إلى طور، بمشيئة الله تعالى، ليتم ابتلاء النوع البشرى. ولذلك فإن الإسلام قد شجع الناس والمسلمين خاصة كل تشجيع على التفكير فى الكينونات والموجودات والانتفاع بأنعم الله تعالى مما أودع فى الأرض من الثمرات والمنافع البرية والبحرية التى تتعلق بالنبات والحيوان والجماد والسماء، والتى تكون ظاهرة وباطنة مثل الطاقات الكهربائية والحركية والذرية والإشعاعية والشمسية وما إلى ذلك. دور دور المسلمين فى ازدهار العلوم التجريبية:

ويجدر بنا أن نذكر أن المسلمين فى الأزمنة الوسطى قد تقدموا فى مجال العلم والتكنولوجيا بدوافع التوجيهات العلمية والمدنية للقرآن العظيم، وأسسوا العلوم التجريبية لأول مرة فى العالم، وازدهروا فيها ازدهارا بالغا، وقادوا الأهم وأذوا دورا هاما فى رقى العلوم وتقدمها، كما أنجزوا فى الاكتشافات العلمية وابتكروا حقائق كونية كثيرة. وقد اعترف كثير من

الباحثين العدول بمآثرهم وأعمالهم المجيدة بهذا الصدد. يقول فيليب حتى فى كتابه الشهير بتاريخ العرب:

" الأسبانية المسلمة قل كتبت بابا من الأبواب المشرقة من تاريخ أوروبا العقلى فى العصور الوسطى. والناطقين بالعربية هم الذين كانوا حاملين مشعل الحضارة والمدنية فى العلم بابتداء القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر الميلادى. وزد على ذلك أنهم هم الذين كانوا وسطاء فى استرجاع العلم القديم والفلسفة القديمة. ثم إنهم نقلوهما إلى العالم بعدما أضافوا فيهما. وكان ذلك حافزا لظهور نهضة غرب أوروبا. فإن فى خل هذا العمل إسهام كبير لأسبانيا العربية (13).

وقد اعترفت الموسوعة البريطانية بتفوق المسلمين وفضلهم فى مواقع كثير*. فمنها ما قالت تحت عنوان.: تسلط العرب فى البيولوجيا: " كان العلم فى أوروبا فى حالة نوم طوال ألف سنة على وجه التقريب. والعرب الذين وسعوا دوائرهم إلى أسبانيا فى- القرن التاسع الميلادى، كانوا هم الحارسين والمشرفين على العلم، وتفوقوا فى العلوم الإحيائية، كما أنهم غلبوا فى الفنون الأخرى (14).

بعض الحقائق التاريخية:

ثبت بهذه المناقشة أن التوجيهات الإيجابية للقرأن الكريم هى التى كانت حافزا للمسلمين فى العصور الوسطى، فاشتغلوا بالعلوم التجريبية وأحرزوا تقدما مذهلا، فوضعوا أسس العلم الحديث. فكانوا لا يقرعهم ند ولا يغالبهم قرن فى هذا المضمار فى القرون الوسطى. وأما البلاد الأوروبية فى تلك الأيام فإنها تعيش فى عصورها المظلمة. وكانت التقدمات العلمية للمسلمين هى التى عملت فى نفث روح اليقظة والانتباه فى نفوس الأمم الغربية. فواصلوا خطاهم إلى تحصيل العلوم والفنون وأقبلوا على تسخير مظاهر الكون. وكان ذلك ما بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر، حيث بدأ الإقبال على العلم وإحيائه فى البلاد الغربية، فسمى بعصر النهضة العلمية. ثم انقلبت الموازين، فواصلت البلاد الغربية

سيرها إلى الرقى والنهوض، وبدأت البلاد الإسلامية تنحدر إلى الهبوط والإسفاف. وكان السبب فى ذلك راجعا إلى انهزام الحكومات الإسلامية ونكبتها فى ميدان السياسة والحرب. وكان لسقوط أسبانيا عام 492 ام آخر حلقة من سلسلة الدول الإسلامية التى منيت بالانهيار. وبعد هذا الحادث الفظيع فدت أطناب الجمود والخمود على كافة البلدان الإسلامية.

الصراع بين الدين والعلم:

وعلى كل، فإن التقدم والازدهار فى العلم والتكنولوجيا فى عهد الإسلام

قد شب وترعرع تحت ظلال الدين الأبدى، ولم يستنكره المجتمع الإسلامى كما استنكره المجتمع المسيحى والكنيسة على الأخص فى عصر النهضة الأوروبية. فحدثت هناك صراعات بين العلم والدين المسيحى، وبالتالى انفصل العلم من الدين. فأفضى ذلك إلى الإلحاد واللادينية، كأنه لا صلة بين العلم والدين، بل بينهما بون شاسع. فكانت النتيجة أن رفض المجتمع الأوروبى الديانة واضطر إلى اللجوء إلى حضن المادية.

منافع العلوم الحديثة التجريبية:

ولذلك لم يفرق الإسلام بين الدين والعلم أو بين الشريعة والمدنية. فإن القرآن العظيم هو أول كتاب على وجه الأرض يجمع بين الدين والدنيا ويرشد أتباعه إلى أن يسعدوا بسعادتهما، فيتمتعوا بما فى الأرض من خيراتها ومنافعها وثمراتها، لتحسين حياتهم ومدنيتهم. فإن العلوم التجريبية لها منافع دينية ودنيوية كثيرة لا تحصى. فأما المنافع الدينية فمنها ما يرجع إلى إثبات آيات الله الكونية التى تدل على وحدانية الله تعالى وخالقيته وقدرته وما إلى ذلك من استعراض الأكوان.

وجملة القول فلا مندوحة عن هذه العلوم لتقدم المسلمين فى مجال الخلافة الأرضية مرا وجهة شرعية، لأنها معقودة بها الخير من الاتجاه الدينى والدنيوى. فإن هذه العلوم لها دور هام فى تقدم الشعوب والأمم وتقهقرها. وإن الأمم الراقية التى تتسلح بهذه العلوم لترهب الأهم المتخلفة فى هذا الميدان وتسيطر عليها. لأن هذه العلوم قد شكلت اليوم خطورة بالغة فى ساحة الصناعات العسكرية. ولذلك فإن الأمم التى قد تخففت فى هذا الميدان اضطرت إلى الانتحار وقتل نفسها وأصبحت فى ذمة التاريخ، كما نشاهد ذلك فى العصر الراهن.

العلوم التجريبية والخلافة الأرضية:

إن العلوم الحديثة التجريبية لها صلة وثيقة بالخلافة الأرضية، التى لأجلها خلق الله أبا البشر أدم عليه السلام وعزفه بكافة الأشياء والكينونات، كما قال تعالى: ( وعلم أدم الأسماء كلها) (15). وقد صرح المفسرون بأن الله سبحانه وتعالى قد عرف أدم بجميع الأشياء الكونية مع مسمياتها وخواصها وتعريفتها ومنافعها الدينية والدنيوية (16). والسر فى هذا التعليم أنه عليه السلام خلق خليفة فى الأرض، فلابد من تعرفه على الأشياء والمخلوقات التى هى موجودة على وجه الأرض للتعامل معها والتصرف فيها

. لأن الخلافة لاتتم إلا بهذه السلوكيات.

فريضة للأمة الإسلامية:

إن الأمة الإسلامية لو كانت راقية وتعتمد على نفسها فى مجال العلم والتكنولوجيا ما اختل التوازن بينها وبين الأمم الأخرى. بل كان حافزا فى إقامة العدل الإلهى بين أمم العالم. فى جانب، ومساعدا فى إبادة الشرور والمساوئ التى قد تدخلت وتسللت إلى العلوم والصناعات العصرية بجانب

آخر. لأن هذه الأمة* هى أمة وسط، أخرجها الله و تعالى للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. كما قال: تعالى:.( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) (17).

فتطهير العلوم والصناعات من المفاسد والشرور هو من فرائض هذه

الأمة وهو داخل فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر*. فإن الله تعالى يقول إن هذه الأمة أخرجت للناس أى للنوع البشرى كله. فلابد- إذا أن تأمره بالخير والصلاح وتنهاه عما كان شرا وباطلا. فلأداء هذه الفريضة لابد لها هن- قوة لأن الأمم المتقدمة لا تخضع إلا للقوات المادية ولا تطيع إلا من كان ذا قوة رهيبة. وهذه هى فلسفة الخلافة.

فمن هذه الوجهة فإن ما يعانيه العالم البشرى ويكابده اليوم من الشدائد والمآسى فهو لانحطاط المسلمين فى ميدان العلم والتكنولوجيا.

تسخير الأشياء لخلافة الأرض:

فلابد للخلافة الأرضية هن تسخير الأشياء والأكوان وما فيها من

الطاقات السرية، التى أودعها خالقها وبارئها فى أنظمتها، مثل الطاقات البخارية والميكانيكية والكهربائية والشمسية والذرية والإشعاعية وما إلى ذلك. لأن هذه القوات قل أصبحت رمزا لتقدم الأمم والشعوب، فلا يسيتهان بها. ولابد لتسخير الأشياء واختراع الأدوات والماكينات المدنية والعسكرية من معرفة العلوم التجريبية والصناعية. وهذا مجال واسع قد تخلف فيه العالم الإسلامى مع أنه يملك ثروات هائلة من المحصولات الطبيعية كالنفط والمعادن والزروع والثمار وما إلى ذلك من النعم الإلهية. ولكن لدوافع تقهقره فى مجال الصناعات والتقنية تستغل الأمم الأجنبية ثروات المسلمين وتنهبها نهبا وتغير عليها غارة، كأنها غنائم لها.

أهمية النفط واستغلاله:

إن النفط قد صار مادة أولية لمعظم الصناعات الكيميائية والتكنولوجية الحديثة، التى تؤدى دورها فى المجالات المدنية والتجارية والاقتصادية والعسكرية وحتى السياسية والدولية والدبلوماسية. وهى التى انتهت بالأمم إلى الجدال والنضال والقتال وأف!علت نيران الحرب بينها. ومن هذه الناحية فإن العالم العربى قد أصبح اليوم جبهة قتال وهو يتقدم إلى الحرب العالمية الثالثة يوما فيوما. وما أدى إلى ذلك إلا الثروة النفطية التى يمتلكها، العالم الإسلامى. وهذه هى الأسباب والدوافع التى قادت الأمم الكبرى الراقية إلى التنافس والتزاحم، فتأهبت للمحاربة والمقاتلة للسيطرة على هذه الثروة العظيمة، وحتى جعلت بعض الشعوب ضحية لأهدافها ومراميها، لتشد قبضتها على الشعوب العربية وتثيرها على القتال ضد بعضها البعض، لتوقع بينها العداوة وتشعل نار الحرب. وهذه هى المكايد والدسائس التى تلتزم هذه القوات الأجنبية لاستغلال ثروات المسلمين. إن الشعوب العربية والمسلمة إنما تنخدع بسذاجتها وعدم سيطرتها على العلم الحديث والتكنولوجيا الحديثة. وهذا هو الابتلاء العظيم الذى وقع فيه المسلمون فى هذه الأيام وهذه هى المؤامرة الكبرى ضد العرب والمسلمين.

فقد تفاقم الأمر وبلغ السيل الربى. فلن تتحول الأوضاع ما لم يفطن المسلمون لقيمتهم وما لم يعرفوا أنفسهم ومكانتهم بين أمم العالم. فإن الله تعالى قد جعل لهم مكانا مرموقا وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة. ثم جعلهم رجالا كما جعل غيرهم رجالا. فإذا عزموا على تغيير أحوالهم وظروفهم وتقدموا فى مجال العلم والتكنولوجيا والصناعة والتقنية بعزم أكيد وتصميم فولاذى لقدروا على أن يمنعوا القوات الأجنبية المستغلة من نهب ثرواتهم والغارة عليها. فلابد من هذه الإجراءات والمبادرات لمواجهة الأخطار الجارفة والتخلص من مخالب الأمم الراقية، كما لا مندوحة عن المشاريع المخططة لإنجاز الأعمال. ولا يجوز الانسحاب الكامل من الخلافة الأرضية ومتطلباتها. وهذه المهمة وإن كانت صعبة ولكنها ليست مستحيلة.

 المشروع الشامل للتخلص:

هذه هى الظاهرة العصرية التى تتحدى العالم الإسلامى اليوم. فلإعادة الاستقلال والتنفس بالحرية لابد من التخلص من براثن الغرب. وهذا يستدعى مشروعا شاملا يطالب بأربعة إجراءات أساسية، وهى:

1- التقدم فى مجال العلم والتكنولوجيا بكل جدية ورزانة.

2- توفير الوسائل اللازمة والتمويل لهذا العمل الجاد.

3- التخطيط الشامل لجميع شئون العالم الإسلامى ووضع استراتيجية للتقدم فى المجالات العلمية والمدنية والصناعية والعسكرية.

4- تضامن العالم الإسلامى وتعاضده كوحدة سياسية.

هذه هى العناصر الأربعة التى تكون ضامنة لنجاح المسلمين وإحراز

الفلاح والسعادة فى هذا الميدان. فلابد من استراتيجية جديدة. فلن يظفروا فى هذه المرامى ما لم يدبروا تدبيرا أساسيا وما لم ينسقوا تنسيقات وتدبيرات. وعلى كل فإن الأوضاع الراهنة تنادى المسلمين أن يستعدوا لعمل يصنع تاريخا جديدا للتقدم إلى النهضة الإسلامية بكل حماسة.

تضامن العالم الإسلامى حاجة الساعة:

إن العالم الإسلامى اليوم مجموعة من دول كثيرة فى أنحاء المعمورة تربو

على الخمسين دولة. وهى تنقسم بظروفها الطبيعية إلى عدة أقسام: فمنها ما هى ثرية بالمحصولات الطبيعية من المعادن والزروع والثمار وما إلى ذلك.

ومنها ما هى حاملة للمعلومات العلمية والفنية إلى حد ما. ومنها ما هى غنية بالوسائل المالية. فإذا تعاضدت هذه البلاد بعضها بعضا وتساندت لبرنامج مشترك، فهنا يمكن أن تحل القضايا والمشاكل التى تحيط بالمسلمين اليوم. فيساعد هذا العمل على الاكتفاء الذاتى بحاجاتها الكثيرة، كما أن ذلك يؤدى إلى نشأة سوق مشتركة للبلاد الإسلامية. وهكذا يتقدم العالم الإسلامى إلى أهدافه خطوة خطوة.

وفى هذه المواقف والمبادرات فوائد لا تحصى. ففيها المنافع الكامنة للمشاكل المدنية والصناعية والاقتصادية والتجارية وما إلى ذلك. وإن هذه الخطوات والإجراءات ستقضى على الفقر والإفلاس والبطالة والجهل فى العالم الإسلامى ويأتى عهد جديد للرفاهية والتعليم والثقافة والسعادة. فيفضى ذلك إلى إعادة الثقة بالنفس إلى المسلمين فى العالم وإلى عدم التوقف على غيرهم من الأمم، كما أنه. يؤسس أساس الاتحاد الواقعى بينهم ويقيم دعائمهم ويجعلهم إخوانا. فإن هذا حجر أساسى لتكوين المؤاخاة بين مسلمى العالم.

أهمية الثبات فى انقلاب الأهم:

وخلاصة القول فإن هذه الخطوات الإيجابية هى التى تكون حافزا للتقدم

فى ميدان التسخير والخلافة وتفضى إلى الثقة بالنفس للأمة الإسلامية والأحداث الناشئة، وبالتالى يعود إليهم الشعور بالاستعلاء الذى يردهم إلى دينهم وإيمانهم ويثبت أقدامهم. ولذلك. قال الله تبارك وتعالى:( قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين أمنوا وهل ى وبشرى للمسلمين) (18)( يا أيها الذين أمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) (19).

وهذا الثبات والمثابرة هو المطلوب فى جميع ساحات الحياة لتقدم الأمة

إلى غايتها المنشودة. وهو تمكين دينها وإزالة الخوف عن حياتها الاجتماعية من جانب أعدائها. فإن الأوضاع المتدهورة والمواقف الحرجة الراهنة تقتضى أن نخطو خطوة سديدة إلى سعادة الأمة وتغيير أوضاعها واسترداد مجدها

بطريقة منظمة ومطابقة لروح القرآن تماما، حتى نصل إلى مستوى أسمى من الحقيقة، وأن نكون بيئة جديدة تنتهى بنا إلى نهضة الأمة ونهضة دينها الخالد.

التوجيه الشامل للإسلام:

ونهاية القول أننا لو طبقنا الفكر الإسلامى والمنطلقات الإسلامية مع المتطلبات العصرية من غير اختلال التوازن بينهما، لأصبحنا من أسعد الأمم من الاتجاهين الدينى والدنيوى. وإن الإسلام- كما اتضح من هذه المباحث- ليس حاجزا فى سبيل الرقى والتقدم فى مجالات العلم والعمران والتمدين والصناعة والتقنية، كما يظن بعض الدوائر. بل بعكس ذلك فإنه يرفض العزلة ويدعو إلى الارتقاء والتطور، كما تنطق وتصرح بذلك النصوص من كتاب الله العزيز.

فليس هناك بد من أن نسلم بأن الإسلام هو الحل الوحيد لحياتنا الفردية والجماعية. فهو صالح أن ينطلق مع أفكارنا وعقائدنا والظاهرة من حياتنا. فليس ثمة نص من نصوص الكتاب أو السنة يمنع المسلمين من الرقى والنهضة فى مجال المدنية والحضارة. وإن الإسلام ليس كالديانة المسيحية التى تذم الحياة الدنيوية وحضارتها. ولذلك فشلت فى ترشيد البشرية شر فشل. فرفضتها الأمم الغربية كلية. ولكن الإسلام على العكس منها يقدم المسلمين فى ميدان العمران والتمدين بكل تشجيع. لأن الترقى فى هذا المجال لابد له لحفظ الدين الأبدى بنفسه، كما لابد له لحراسة المجتمع الإسلامى من أن يخضع أمام الحضارات الأخرى، وبالتالى يقع فريسة للتيارات المناهضة للدين. وبهذه الناحية فإن الإسلام يمتاز بترشيده الشامل، فلا يسمح لتابعيه أن يصبحوا فصابين بعقدة النقص التى تقضى إلى التدهور الفكرى بدوافع الموجات المادية. فلأبد هنا من التوافق والانسجام الكامل بين الدين والمدنية للحفاظ على المجتمع الإسلامى من الانتشار والتفرق. ولذلك لا يفرق بين الدين والدنيا أو بين الشريعة والمدنية، لأنه دين متكامل من كل وجهة. فمن هذه الوجهة فإن الترقى والتقدم فى مجال المدنية يتمشى ويستمر دائما تحت ظلال القران الكريم. وهذه هى هدايته الشاملة.

الإسلام وازدهار المعرفة العلمية:

إن العلاقة وثيقة بين الإسلام وازدهار العلم والمعرفة اللذين شهدتهما الحضارة العربية الإسلامية. والرؤية الإسلامية للكون والحياة والإنسان تحث الناس على التفكر والتعلم لتشييد العمران، فتنشأ العلوم والصنائع. وقل شرح ابن خلدون هذه الرؤية فى مقدمته فى " فصل أن العلم والتعليم طبيعى فى العمران البشرى " بقوله: " وذلك أن الإنسان قد شاركته جميع الحيوانات فى حيوانيته من الحس والحركة ولغذاء والسكن وغير ذلك، وإنما تميز عنها بالفكر الذى يهتدى به لتحصيل معاشه، والتعاون عليه بأبناء جنسه والاجتماع المهيمن على ذلك التعاون، وقبول ما جاء به الأنبياء عن الله تعالى، والعمل به واتباع صلاح أخراه، فهو مفكر فى ذلك كله دائما لا يفتر عن الفكر فيه طرفة عين بل اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر. بى عن هذا الفكر تنشأ العلوم وما قدمناه من صنائع،.

روية الحضارة العربية الإسلامية للعلم والمعرفة وعطاؤها لهما

حين نبحث فى رؤية حضارتنا العربية الإسلامية للعلم والمعرفة، وفى عطائها لهما، نجد أنفسنا أمام تاريخ ممتد أربعة عشر قرنا حافل بالكثير على هذا الصعيد، ونجد تعبيرات عن هذه الرؤية نظرية وعملية على مستوى الفكر والممارسة، ويكون علينا أن نختار نماذج منها، ونستشعر الحاجة بين يدى ذلك إلى الوقوف أمام مصطلحى العلم والمعرفة.

المعرفة هى إدراك الأشياء وتصورها، وهى خلاف الأفكار. والمعرفة مطلب إنسانى تدفع إليه وتغذيه ملكة فى نفس الإنسان- منذ كان. والتاريخ البشرى هو سجل لجملة المعارف التى يقصد بها الكشف عن مجاهيل تحيط بالإنسان من كل مكان وليست الحضارات التى عرفتها البشرية غير حصيلة الجهود المعرفية المتراكمة عير القرون، والرؤى التى حكمت النظر إلى الكون والحياة والإنسان فى هذه الحضارات وحددت مناهج التعامل والقيم والمثل وأساليب المعرفة، كما يقول رمضان لاوند فى بحثه " المعرفة فى القرآن الكريم ". والمعرفة تقع ضمن دائرة العلم، إذا اعتبرنا " أن كل ما علم فهو علم " على حد قول ابن حزم. ولكن دائرة العلم هذه تشمل عند المؤمنين الوحى الإلهى الذى هو تنزيل من الله سبحانه وبلغته الرسل. فالوحى- كما يقول محمد عمارة فى حديثه عن إسلامية المعرفة " علم لا معرفة"، وهو من العلم غير الكسبى الإلهى الذى يحيط بالكليات والجزئيات جميعا بنظرة شاملة. والله سبحانه عالم لا يوصف بالعارف. والمعرفة العلمية بين أساليب المعرفة البشرية الأخرى، هى التى قررت أن الحقيقة لا تدرك إلا بملاحظة الطبيعة واستقرار الوقائع التى تستوعبها الحواس، ومن ثم اكتشاف القوانين الثابتة التى تنتظم بها أشياء الكون والطبيعة والحياة. وقد حققت خطوات واسعة فى استيعاب هذه القوانين، وحاولت أن تستوعب حقائق النفس الإنسانية من خلال دراسة الإنسان. وفى دائرة المعرفة العلمية يبرز مصطلح التكنولوجيا، وهى لفظة معربة تعنى " العلم الذى يدرس الصنعة (التكتيك) أو أسلوب المهنة ". فهى الجهد المنظم الرامى لاستخدام نتائج البحث العلمى وتطوير أساليب أداء العمليات الإنتاجية- فى تعريفها الأول الذى يصفه البعض بالقدم- أو دراسة الأدوات والطرائق والوسائل المستعملة فى مختلف فرو 4 الصناعة (موسوعة بهجة المعرفة)، أو التعامل المنتظم مع فن تطبيق العلم (وبستر)، أو دراسة القواعد العلمية للفنون والصناعات المستعملة وصولا إلى فن الإنتاج وتحديد العمليات اللازمة له. فهى السبيل لتحويل ثمار البحث العلمى إلى موارد وأجهزة ومعدات قابلة للاستخدام فى الحياة العملية (معجم العلوم الاجتماعية).

إن رؤية الحضارة العربية الإسلامية للعلم والمعرفة التى أساسها عقيدة الإسلام تؤكد على أن هدف العلم والمعرفة الرئيسى هو تحقيق سعادة الإنسان

ونفع البشر أجمعين، ولابد من ثم من توظيفه توظيفا محمودا ليكون علما نافعا يعم نفعه ولا يحتكر. وقد بحث علماؤنا فى كنف حضارتنا فى ماهية العلم وهدف، وأولعوا بتصنيف العلوم وفقا لمختلف المعايير، ووضعوها فى مراتب، ومن بين هؤلاء ابن عبد البر فى كتابه " جامع بيان العلم وفضله وما ينبغى فى روايته وحمله "، والإمام الغزالى فى كتاب العلم الذى استهل به كتابه الجامع " إحياء علوم الدين "، وابن خلدون الذى مثل " أصناف العلوم الواقعة فى العمران " فى مقدمته، وابن حزم الذى كتب رسالة مراتب العلوم، وآخرون كثيرون حفلت بهم عهود الحضارة العربية الإسلامية المتتالية، وصولا إلى رفاعة الطهطاوى الذى كتب عن تعليم البنين والبنات وساطع الحصرى الذي كتب فى موضوع التربية والتعليم من بين آخرين كثيرين من المحدثين.

يطيب لنا أن نأخذ فكرة عما جاء فى هذه الكتابات. فنجد بداية النظر إلى الاشتغال بالعلم والتعلم على أنه عبادة، وربط العلم والتعلم بالعقل الذى هو " منبع العلم ومطلعه وأساسه " عند الغزالى. ويظهر هذا النظر فى تصنيف العلوم. وقد قسم القرطبى العلوم إلى قسمين ضرورى ومكتسب. فالعلم الضرورى هو ما نسميه البديهى الذى يدرك من جهة الحس والعقل والنظر، كالعلم باستحالة كون الشىء متحركا وساكنا. والعلم المكتسب هو ما كان على طريقة الاستدلال والنظر. والعلوم عند أهل الديانات علم أعلى هو علم الدين، وعلم أوسط هو معرفة علوم الدنيا، وعلم أسفل هو إحكام الصناعات وضروب الأعمال. وعلماء الفلاسفة يعتمدون التقسيم نفسه، ويجعلون العلم الأعلى هو علم القياس فى العلوم العلوية التى ترتفع عن الطبيعة والفلك. ويتفقون مع علماء الدين على أن علوم الدنيا هى الحساب والتنجيم والطب وعلم الموسيقى، وأن إحكام الصناعات يحصل بتدريب الجوارح.

نستحضر تقسيم الغزالى " العلم الذى يتوجه به إلى الآخرة " إلى قسمين: علم المعاملة وعلم المكاشفة. ونراه يقسم علم المعاملة إلى: علم ظاهر يختص بأعمال الجوارح، وعلم باطن يختص بأعمال القلوب. وقد قسم الغزالى العلوم أيضا إلى شرعية وغير شرعية، والأولى يتم الوصول إليها عن طريق الأنبياء والأخرى يصل إليها الإنسان " بالفعل والتجربة والسماع " وهذه فيها ما هو محمود ويشمل كل ما يرتبط بصالح أمور الدنيا كالطب

والحساب، وهو ينقسم بدوره إلى ما هو فرض كفاية وما هو فضيلة وليس بفريضة. وفرض الكفاية هو كل علم. لا يستغنى عنه فى قوام أمور الدنيا كالطب والحساب وأصول الصناعات من فلاحة وحياكة وسياسة بل وحجامة وخياطة.

لقد كان ابن حزم واحدا ممن كتبوا فى " مراتب العلوم "، فراها تنقسم أقساما سبعة عند كل أمة فى كل زمان وفى كل مكان. وهى: علم شريعة كل أمة، فلابد لكل أمة من معتقد ما إما إثبات وإما إبطال، وعلم أخبارها..، وعلم لغتها. فالأمم تتميز فى هذه العلوم الثلاثة. والعلوم الأربعة الباقية تتفق فيها الأمم كلها وهى علم النجوم، وعلم العدد، والطب وهو معاناة الأجسام، وعلم الفلسفة وهو معرفة الأشياء على ما هى عليه من حدودها من أعلى الأجناس إلى الأشخاص. وقد أورد ابن حزم أقسام كل علم من هذه العلوم فلا يبقى علم خارج التصنيف.

ابن خلدون أيضا أدلى بدلوه فى تصنيف العلوم، فرأى أنها صنفان: صنف طبيعى للإنسان يهتدى إليه بفكره، وصنف نقل يأخذه عمن وضعه. وقد فصل ابن خلدون فى مقدمته الحديث عن مختلف العلوم.

إن هذه الرؤية للعلم والمعرفة، وهذا النظر فى أصناف العلم، وهذا البحث فى كل صنف، فعل فعله فى إيجاد هنا! صالح لازدهار العلوم جميعها فى الحضارة العربية الإسلامية. وهكذا برز علماء كثيرون فى مختلف الاختصاصات، أحاطتهم مجتمعاتهم بهالة من الاحترام والتقدير، وكونوا فيما بينهم مجتمعا علميا نجد أحاديث كثيرة عنه فى عيون كتب التراث. ومثل على ذلك ما جاء فى كتب أبى حيان التوحيدى. وقد تعمقت د. طيبة صالح الشذر فى كتابها " ألفاظ الحياة الثقافية فى مؤلفات أبى حيان التوحيدى " فى دراسة هذا المثل. وهى تقول " إن لفظة عالم والجمع علماء وردت عند أبى حيان فى نصوص كثيرة متناثرة بين كتاباته، وفى هذا العصر ارتقت منزلة العالم، وأصبح ذا مكانة مرموقة حتى أن بعض العلماء دخلوا فى جملة العظماء وأصحاب الألقاب. وكان الاسفرايينى المتوفى عام 814هـ بنيساربور أول من لقب بين العلماء بركن الدين، وفى نهاية القرن الرابع الهجرى ظهر لقب على سبيل التكريم وهو لقب شيخ الإسلام ". وقل أطلق هذا المجتمع العلمى مصطلح " أهل العلم " على جمهرة العلماء والمشتغلين بالبحث العلمى فى ذلك العصر.

تتابع وتكامل تتعارض فى ذلك مع التباين والانقسام النابع من التاريخ السياسى والعسكرى للبشرية. ومن هنا تبدو أهمية الرؤية الشاملة للتاريخ البشرى والحضارات الإنسانية فى التعامل مع تاريخ العلوم. ويقدم لنا عمل رشدى راشد مثلا ناجحا على هذا التعامل، حين بحث فى مدى تأثير كتاب المناظر لبطليموس وما جاء فيه عن انكسار الضوء فى علم المناظر عند العرب الذى برز فيه الرياضى والفيزيائى الحسن بن الهيثم المتوفى سنة 40. ام، وهو أول من قام بإصلاح علم المناظر باعتراف معظم مؤرخى العلوم وأعد أعماله أساسية ليس بالنسبة لتاريخ العلوم عند العرب فحسب بل وعند الأوروبيين كذلك.-

قضية أساسية تبرز فى عالمنا المعاصر تتعلق باستخدام المعرفة العلمية، وتركز النظر على البعد الأخلاقى فى هذا الاستخدام. وقد أصبح الحديث عن القيم ملازما الحديث عن التنمية واستخدام التقنية. كما أوضحت فى بحثى " المعرفة والتقنية والتنمية أفاق ومخاطر وضوابط " المنشور فى كتابى " عمران لا طغيان ". " فالتقنية ليست محايدة كما أرادتها العلوم البحتة، التى تندرج تحتها وتخرج من عباءتها، أن تكون والذى يطبعها بطابعه هو الاختيارات التى يحدها المحيط الاجتماعى على حد قول ميشيل باتيس (مجلة رسالة اليونسكو) وقد جرى التطرق إلى الحديث عن فقدان القيم التى كانت فى الماضى نوعا من التماسك للمجتمع والتناسق والانسجام بين أفراده فى كتاب نادى روما " الثورة العالمية الأولى، الذى تضمن حديث كنج وشيندر عن التغيير. وأوضح هذا الحديث أن المثلب الأساسى فى تطبيق المعرفة العلمية أن هذا التطبيق لم يسهم بشكل يذكر فى إثراء الوحيد الإنسانى بالمقارنة بما تحقق من تحسن مادى مباشر. ومن هنا الحاجة ملحة الآن لمحاولة السيطرة على التقنية وتحفيزها داخل إطار إنسانى يهدف لأن تسهم فى تحقيق الحياة الحرة المستمرة لجميع الشعوب والأجيال القادمة داخل إطار من الفهم العالمى بل الكونى الشامل، ويهدف لغرس القيم الاجتماعية والمعنوية والروحية لموازنة التقدم المادى وترشيد استخدامه. وما أكثر ما يتردد هذا الحديث على ألسنة المفكرين فى أنحاء عالمنا المختلفة مطالبا بوجود أخلاقيات دولية تتصل بالطبيعة حفاظا على البيئة، وبالحياة حفاظا عليها من استخدامات خاطئة للهندسة الوراثية، وبالتنمية لردم الهوة المتعاظمة التى تفصل بين الأغنياء والفقراء، وبالمال لتحكم التعامل الاقتصادى، وبالإعلام لتصالح أزمته 49

تتابع وتكامل تتعارض فى ذلك مع التباين والانقسام النابع من التاريخ السياسى والعسكرى للبشرية. ومن هنا تبدو أهمية الرؤية الشاملة للتاريخ البشرى والحضارات الإنسانية فى التعامل مع تاريخ العلوم. ويقدم لنا عمل رشدى راشد مثلا ناجحا على هذا التعامل، حين بحث فى مدى تأثير كتاب المناظر لبطليموس وما جاء فيه عن انكسار الضوء فى علم المناظر عند العرب الذى برز فيه الرياضى والفيزيائى الحسن بن الهيثم المتوفى سنة 1040م، وهو أول من قام بإصلاح علم المناظر باعتراف معظم مؤرخى العلوم وتعد أعماله أساسية ليس بالنسبة لتاريخ العلوم عند العرب فحسب بل وعند الأوروبيين كذلك.-

قضية أساسية تبرز فى عالمنا المعاصر تتعلق باستخدام المعرفة العلمية، وتركز النظر على البعد الأخلاقى فى هذا الاستخدام. وقد أصبح الحديث عن القيم ملازما الحديث عن التنمية واستخدام التقنية. كما أوضحت فى بحثى " المعرفة والتقنية والتنمية أفاق ومخاطر وضوابط " المنشور فى كتابى " عمران لا طغيان ". " فالتقنية ليست محايدة كما أرادتها العلوم البحتة، التى تندرج تحتها وتخرج من عباءتها، أن تكون والذى يطبعها بطابعه هو الاختيارات التى يحدها المحيط الاجتماعى على حد قول ميشيل باتيس (مجلة رسالة اليونسكو) وقد جرى التطرق إلى الحديث عن فقدان القيم التى كانت فى الماضى نوعا من التماسك للمجتمع والتناسق والانسجام بين أفراده فى كتاب نادى روما " الثورة العالمية الأولى، الذى تضمن حديث كنج وشيندر عن التغيير. وأوضح هذا الحديث أن المثلب الأساسي فى تطبيق المعرفة العلمية أن هذا التطبيق لم يسهم بشكل يذكر فى إثراء الوجود الإنسانى بالمقارنة بما تحقق من تحسن مادى مباشر. ومن هنا فالحاجة ملحة الآن لمحاولة السيطرة على التقنية وتحفيزها داخل إطار إنسانى يهدف لأن تسهم فى تحقيق الحياة الحرة المستمرة لجميع الشعوب والأجيال القادمة داخل إطار من الفهم العالمى بل الكونى الشامل، ويهدف لغرس القيم الاجتماعية والمعنوية والروحية لموازنة التقدم المادى وترشيد استخدامه. وما أكثر ما يتردد هذا الحديث على ألسنة المفكرين فى أنحاء عالمنا المختلفة مطالبا بوجود أخلاقيات دولية تتصل بالطبيعة حفاظا على البيئة، وبالحياة حفاظا عليها من استخدامات خاطئة للهندسة الوراثية، وبالتنمية لردم الهوة المتعاظمة التى تفصل بين الأغنياء والفقراء، وبالمال لتحكم التعامل الاقتصادى، وبالإعلام لتصالح أزمته

تتصل هذه القضية بما لثورة العلم التقنى فى عالمنا المعاصر من آفاق

رحبة لمزيل من الإنجاز يتحقق لما فيه !خير الإنسان، ومن مخاطر تنجم عن بعض تطبيقات المعرفة العلمية على البيئة والمحيط الحيوى. وقد فصلنا الحديث عن هذه الآفاق والمخاطر فى كتابنا عمران لا طغيان. وهى تدعونا بقوة إلى إيجاد ضوابط تمكن من توظيف المعرفة العلمية لصالح الإنسان فى نطاق ما أسماه الغزالى " العلم المحمود "، وتحول دون " العلم الضار ".

دور الإسلام اليوم

نستطيع فى ضوء ما تقدم أن ندرك مدى حاجة الإنسانية إلى وجود

معرفة علمية قائمة على تصور كونى صحيح للعالم يمكنها من ارتياد أفاق رحبة ودفع مخاطر وتوفير ضوابط. ويتضح فى ضوء ما تقدم أن الإسلام

. قال ر على تلبية هذه الحاجة بما يوفره من رؤية مؤمنة للكون والحياة والإنسان. ومن هنا تبرز مسئولية المسلمين فى الدعوة لهذه الرؤية المؤمنة. إن رؤية الإسلام المؤمنة للعلوم والمعرفة العلمية تحث على ارتياد الآفاق الرحبة. فالعالم كما صوره القرآن الكريم لم يخلق عبثا- على حد قول إقبال فى كتابه " تجديد الفكر الدينى فى الإسلام،، وهو مرتب على نحو يجعله قابلا للزيادة والامتداد (يزيد فى الخلق ما يشاء). وفى صميم كيان الإنسان قوة مبدعة وروح متصاعدة تسمو قدما من حالة وجودية إلى حالة أخرى.. وفى المنهج النابع من هذه الرؤية المؤمنة من التغير التقدمى يكون الله فى عون المرء شريطة أن يبدأ هو بتغيير نفسه ا إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (20).

هناك اليوم فى عالمنا المعاصر كثيرون من العلماء الذين يستشعرون

الحاجة إلى هذه الرؤية المؤمنة. وهذا يوفر مناخا صالحا للدعوة لها. وقد طرح بعض هؤلاء فى الغرب منظورا جديدا للعلم مثل أغروس وستانسيو فى كتابهما " العلم فى منظوره الجديد "، وقررا فى مستهل حديثهما " أن لكل حضارة من الحضارات تصور كونى للعالم، أى نظرة يفهم وفقأ لها كل شىء.. وأن النظرة الكونية التى تولدت إبان عصر النهضة فى أوروبا تواجه فى الوقت الراهن تحديا من علم المقرن العشرين.. " فقد باتت فى

ماديتها العلمية قديمة بعدما ظهر من نتائج فى مجالات الفيزياء والفلك ودراسات الأعصاب والدماغ وعلم النفس الإنسانى. ولم يعد مقبولا ما ينجم عنها من مصادرة لحرية الاختيار واعتبارها وهما من الأوهام لأن المادة غير قادرة على التصرف الحر.

إن دائرة الحضارة العربية الإسلامية تشهد اليوم يقظة علمية وعناية بالمعرفة العلمية متزايدة. ويتجلى هذا فى تزايد عدد الجامعات والكليات العلمية فيها، وفى إنشاء مراكز للعلوم، وفى عناية المجامع العلمية فيها بمتابعة هذا الموضوع. وتقدم لنا كتابات إبراهيم مدكور عن جهود مجمع اللغة العربية بمصر مثلا على ذلك، تماما كما أعطينا إصدارات أكاديمية المملكة المغربية فكرة عن هذه  النقطة العلمية من خلال الموضوعات التى تناقشها فى دورات الأكاديمية. وإن لنا أن نتطلع إلى أن يكثف المسلمون وأبناء هذه الدائرة الحضارية كافة جهودهم لأداء دورهم فى عالمنا المعاصر. علق هذا الصعيد. ونسأل الله العون والتوفيق.

أصابت الحيرة العديل من الباحثين والخبراء لتحديد مفهوم النظام العالمى الجديد والأسس التى يقوم عليها هذا النظام، وهل هو يحفل بالجوانب السياسية أو بالنواحى الاقتصادية؟ وهل يستهدف تحقيق الخير للبشرية جمعاء، والأخذ بيد الضعيف حتى يقوى، والفقير حتى يشبع، والجاهل حتى يعلم؟... هل يعنى هذا النظام عولمة الفكر، وتحديد معالم واحدة للشخصية الإنسانية تذوب فيها الفوارق بين البشر فى بوتقة واحدة؟... أو أنه يعكس هيمنة الدول الكبرى القوية على الدول الصغرى الضعيفة وإخضاعها لنفوذها والسيطرة على ثرواتها ومقدراتها؟.

وهل  العولمة فى هذا النظام العالمى الجديد تمتد لتشمل العقيدة والتراث والقيم السائدة فى مختلف المجتمعات لتتوحد العقائد، وتذوب العادات والتقاليد والمفاهيم التى تميز مختلف الأمم والشعوب، وتذوب معها الهوية العقدية والقومية والثقافية فى هذه المجتمعات؟ وما هى البدائل المطروحة فى هذا الصدد؟.

ولن يستطيع العالم الإسلامى الحفاظ على هويته الثقافية والفكرية إلا إذا استثمر المتغير الإعلامى الذى يفرض نفسه بقوة على جميع أحداث القرن المقبل لا سيما بعد أن فرضت تكنولوجيا الاتصال نفسها بقوة، وتطورت وسائل الإعلام تطورا مذهلا جعل العالم يعيش فى بقعة محدودة تحدت

عوامل الزمان والمكان متزامنة فى وجودها وتطورها مع ثورة المعلومات، وبعد أن أصبح الإعلام صناعة ضخمة يمكن الدول المتقدمة من أن. تحتل مواقع القيادة والريادة فى العالم بسبب سيطرتها على وكالات الأنباء الدولية الكبرى والصحف العالمية الواسعة الانتشار، والقنوات الفضائية التى تجوب السماوات المفتوحة فى العالم.

وتعمل هذه الورقة البحثية على تناول الأصول الفكرية لفلسفة العمل الإعلامي فى الدين الإسلامى، والدعائم التى تقوم عليها، ولعل ذلك يسهم فى تحديد مرجعية هذا النشاط بما يتفق مع ثوابت العقيدة.

وذلك من خلال النقاط التالية:

* مستقبل الأمة الإسلامية فى ظل النظام العالمى الجديد.

* الأسس الفلسفية للإعلام الإسلامى.

* الإعلام الإسلامي وحرية وسائل الإعلام.

* الخاتمة.

* مستقبل الأمة الإسلامية فى ظل

النظام العالمى الجديد

المسلمون يعيشون اليوم هذه التحديات السياسية والحضارية والثقافية والاقتصادية والعلمية التى تواجههم فى هذا العالم الذى يصعب عليهم أن يعتزلوه بكل سلبياته وإيجابياته أو مشكلاته، وبكل القضايا الساخنة التى تدور على أرضهم مثل قضية فلسطين، وقضية كشمير، وقضية كوسوفو، وبما يدرر على الساحة الإسلامية من أحداث دامية وأوضاع حزبية فى أفغانستان والصومال وألبانيا وغيرها، وبأمراض الفقر والتخلف وتدهور البيئة والجريمة والعنف والانحلال. الخلقى.

ومن المؤسف حقا أن العالم الإسلامى يستقبل البرامج الوافدة التى قد تتعارض مع قيمه وتضر بحاضرة، وتؤثر على مستقبله لاسيما وأن الدول المتقدمة تفرض عبر قنواتها الخاصة رؤية محددة على الدول المستقبلة لهذه

. البرامج وذلك بأن ترسل إليها أنباء معينة تكون قد عولجت بطرق تناسب أفكار هذه الدول وقد تشوه صور الدول الإسلامية، وقد تصور هذه الدول

بصورة تدعو للسخرية أحيانا.

كلى هذا على الرغم من الإمكانيات الكبيرة والموارد المتاحة للمسلمين والتى يمكن أن تجعل لهم وزنا مرموقا وصوتا مسموعا فى الموازنات والمعادلات التى تشغل واضعى الاستراتيجيات العالمية فى هذه المرحلة الدقيقة من التاريخ البشرى.

المرجعية الفكرية للعمل الإعلامى

إن الواقع الإعلامى فى العالم الإسلامى يكشف عن "غياب مرجعية فكرية ينطلق منها هذا العمل، فلا نكاد نجد فى أى من أجهزة الإعلام أطر فكرية تحدد ملامح هذا العمل، بل إننا نلحظ أن هذه الأجهزة كثيرا ما تتخبط فى معالجاتها دون أن تنطلق من روية فلسفية تستند إليها وترسم لها الطريق وتحدد لها الأهداف.

فقد آن الأوان للرجوع إلى الحق والتعامل مع الواقع وربط النشاط الإعلامى الذى تفرزه وسائل الإعلام بالمرجعية العقدية لهذه الأمة لأنها الزاد الفكرى الذى يصوغ الأهداف ويحدد الهوية، ويضع النقاط على الحروف.

- وفى ضوء هذه الحقائق يتضح لنا أن القاعدة الأصلية التى تحكم النشاط الإعلامى فى المنظور الإسلامى- وإن كانت مؤسسة على قواعد ثابتة فى العقيدة- لا يجوز التغيير والتبديل فيها مهما تغيرت الأزمنة، وتغيرت الأمكنة، وتبدلت الأحوال، إلا أن هذه القاعدة متحركة، غير جامدة، ومرنة، تقبل التطور والتجديد بما يتلاءم مع مقتضيات العصر وحاجاته، وحسبما تمليه الحوادث وترسمه الأيام، وقد فتح الإسلام باب الاجتهاد على مصراعيه ليجرف كل عقبة تقف أمام التطور فق مسيرة حياة الأمم والشعوب، فقد حارب الجمود على المألوف، والتقليد الأعمى الذى يعمى أصحاب عن رؤية الحقيقة..

وهكذا نرى أن الفلسفة الإسلامية فى الإعلام لا تقيد حركة الجماهير،

ولا تطلق سراحهم بشكل جامح دون ضابط أو رابط، لأن إرادة الله القاهر فوق عباده هى التى تصوغ شكل الحياة فى المجتمع المسلم، وتفرض على الجميع الالتزام بما أورده فى كتابه، وما جاء على لسان نبيه المصطفى!، وبالتالى فإنه سوف يكون من الصعب على وسائل الإعلام الإسهام فى بناء الإنسان المسلم إلا إذا طبقت أوامر الله فى تحقيق التوازن بين احتياجات الجسد ومطالب الروع فى برامجها خططها، وهو ما يصعب تحقيقه فى أى

من الأفكار أو المذاهب الأخرى، لا سيما بعد أن أخفقت كافة هذه العقائد والأيديولوجيات فى إسعاد الإنسان، أو تحقيق الحد الأدنى من الراحة النفسية والسلام الاجتماعى له.

وإذا كان بعض الناس يظن أن التشبث بالتراث يعنى رفض التجديد والمعاصرة وعل م الأخذ بمعطيات العصر فى مجال العلوم والتكنولوجيا، فإن هذا يعد تجاوزا للأصول، وافتئاتا على الحقيقة؟ لأن الأخذ بأسباب التقدم لايعنى الانفلات، والخروج عن مقتضيات العقيدة، فالإسلام يقوم على الإيمان بوجود الدنيا ووجود الآخرة، ولكل وجود شأنه، لأن هذه العقيدة تجمع بين الدين والدنيا كما تقف فى مواجهة كل الدعوات التى تقيد ملكات الإنسان، وتقف عقبة كئودا فى طريق تطوره وتقدمه، والتى تمنعه من أن يأخذ بكل أسباب التحضر والمدنية.

الإعلام الإسلامى وحرية وسائل الإعلام

تقرر الدعوة الإسلامية ابتداء أنه لا إكراه فى الدين، كما تؤكد على مبدأ

حرية العقيدة، فالإسلام يريد أن يتم اعتناقه عن إيمان واقتناع، لا عن إكراه أو تقليد، لأن طبيعة الإيمان تتناقض مع طبيعة الإكراه.

ونص القرآن الكريم فى العديد من الآيات على حرية التعبير وحرية

الرأى وفى ذلك يقول الله جل وعلا:

(وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)"(21).

وقد أخذ رسول الله على أصحابه العهد ألا يخافوا فى الحق لومة لائم، وطالب المؤمنين جميعا بالتحلى بالشجاعة والقوة، وأن يلتزموا بفريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وألا يكونوا، إمعات مع الباطل، حتى لو كان لهذا الباطل الغلبة والسلطان والسيطرة، وحتى لو أمسك بعصا غليظة، لأن هذه العصا سوف تهتز فى يد صاحبها لأنها يد الخائف المرتجف

أو المتردد (22).

وفى ضوء هذه الحقيقة نستطيع أن نؤكد أن الإنسان المسلم لا يمكن أن

يأخذ فرصته ويعبر عن آرائه، فى ظل أنظمة أسرية أو مدارس تعليمية أو مؤسسات فكرية تمارس الإرهاب والاستبداد، وتحجر على الحريات، لأن ثمة علاقة عضوية لا تنفصم عراها بين الإبداع والحرية، فبقدر مساحة الحرية المتاحة- للمبدعين بقدر العطاء الذى يمكن أن يقدموه لأمتهم.

وفى الحقيقة أن الجمهور المسلم قد تخلف بسبب التسلط على فكره

وسحق إرادته.

فبالحرية استطاع المسلمون الأوائل أن يجمعوا شتات الأمة، ويوحدوا بين أبنائها، وينشروا الأمان والسلام فى أرجائها، لتخرج من أحشائها الأدمغة الخلاقة، والعبقريات المميزة.

وبالتالى فإن إعمال العقل، والاجتهاد بالرأى، والاختلاف فى وجهات

النظر، مطلب لا يجوز أن يعاقب عليه المسلم، بل يجب تشجيعه وحفزه، مع تقويمه وتوجيه النصح له ومن حق كل فرد أن يقول رأيه بصراحة، ويبدى وجهة نظره دون خوف، وليس فى الإسلام قيد على الحرية، ولا كبت للرأى،

ولا إجبار على السكوت، وهذه الحرية هى التى جعلت بعض المسلمين يجاهرون بالرأى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالرغم من إجلالهم له إجلالا لا يقف عند حد، لأن هذا الدين لم يمنع الآخرين من تبنى ما يعتقدون من آراء وأفكار شريطة الالتزام بالأصول والثوابت.

ويكفى أن ندرك أن الحق تبارك وتعالى قد حذر رسوله، وحذر المسلمين

من قهر إرادة الآخرين وأن مسئوليته تقف عند البلاغ والتذكير، وفى ذلك يقول تعالى (فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر)" (23) وقد أدركت الأنظمة التى تريد الخير والتقدم للجماهير لديها هذه الحقيقة فأطلقت لهم العنان، لكى يعبروا عن أنفسهم بحرية محكومة بالثوابت العقدية لكى يسهموا فى البذل والعطاء ويتدربوا على إثراء الحياة الفكرية

فى مجتمعاتهم؟ لأن توفير الأمان لهم سوف يسهم فى أطلق ملكاتهم ويهيئ

لهم الظروف الملائمة للخلق والابتكار، وهو ما يجب أن تدعو له وسائل الإعلام فى العالم الإسلامى، متعاونة فى ذلك مع المنزل والمدرسة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية.

وبعد...

وفى ضوء هذه الحقائق تكمن الغايات التى تقوم عليها الفلسفة الإسلامية

فى العمل الإعلامي وذلك فى مجموعة من النقاط نجملها فيما يلى:

* أولا: توضيح القيم البناءة التى يؤكد عليها الإسلام، والتى تستهدف بناء الإنسان والأخذ بيده إلى الطريق الصحيح إذا التزموا بمعطيات هذا الدين واستمسكوا بأصوله.

* ثانيا: تأكيد المبادئ النبيلة التى يحث عليها الإسلام والتى تسهم فى الارتقاء بأذواق الناس وملكاتهم الفكرية والوجدانية، كما يحقق لهم السعادة والاستقرار والراحة النفسية. ومن ثم فإن أجهزة الإعلام فى العالم الإسلامى تتحمل مسئولية إبراز الجوانب الإيجابية، فى الدين الإسلامى، ولا تترك الناس فريسة لسيطرة الإعلام المغرض الذى يعمل على تشويه رسالة الإسلام من خلال الأعمال الدرامية والفنية التى تصور المسلمين بشكل لا يتفق مع واقعهم " خدمة للمخططات ا لإلحادية والمعادية.

* ثالثا: تصحيح الصورة الذهنية الخاطئة التى تتكون عند الرأى العام العالمى عن المسلمين تأتى فى أولويات العمل الإعلامى، ويتم ذلك عن طريق تقديم الصورة الصحيحة للسلوك الإسلامى، وشرع أبعاده بطريقة موضوعية، وتوعية المسلمين فى بلاد العالم المختلفة بدورهم الحاسم فى هذا الصدد عن طريق التصدى للدعايات المغرضة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة التى يحاول أعداء الإسلام الترويج لها.

2- تحاول الدول المحتكرة للتقنيات أن تفرض أنماطا ثقافية وفكرية- على الدول المستوردة تكرس التغريب westernization أومحاولة صياغة النظم داخل هذه المجتمعات صياغة غربية.

3- هناك العديد من قنوات نقل التقنيات الحديثة إلى الدول النامية ،  أهمها الاستيراد والشركات  متعددة الجنسيات ، وعقود ورخص وبراءات الاختراع والعلامات التجارية بين شركات خارجية وشركات محلية، والم!رض ووسائل الإعلام... إلخ .

4- نقل التقنيات. بأساليب - لا تسهم في توطينها.

5- كثيرا ما تكتفى الدول النامية بنقل تقنيات الدول المتقدمة  صناعيا لون

أن يستشير ذلك حركة بحث علمى تطبيقى وتطوير عناصر الخبرة والمعرفة التقنية. داخلها، الأمر الذى يسهم مستقبلا فى توطين الصناعات والتقنيات وبالتالي فى تحقيق الاستقلال الحقيقي؟ أو ما يطلق عليه بعض الباحثين

" استنبات تقنيات وطنية " ويلخص " بامخرمة " أهم اساليب ارتباط المشروعات الهامة- الوطنية مع الشركات الأجنبية فيما يلى:----

أ- أسلوب تسليم المفتاح turnkey contracts

ب- أسلوب اتفاقيات التراخيص     licensing agreement ويتم هنا شراء التقنيات فى شكل تصاميم إنتاج أو تراخص صناعية أو براءات اختراع أو علامات- تجارية، وهذا أيضا  لا يسهم فى تنمية المهارات الفنية والإدراية والتسويقية بشكل " يؤدى إلي توطين المعرفة التقنية.

ج- أسلوب عقود الإدارة- management contracts

د- أسلوب الاستثمار المشترك أو المشاركة joint venture.

6- وهناك إشكالية أخرى إلى جانب توطين التقنيات المستوردة وإسهامها فى اكتساب الخبرات.

7- العديد من جوانب التقنية المنقولة تثير مشكلات- اجتماعية وثقافية خاصة عندما لا تكون ملائمة بالمفهوم السابق.

8- وهناك إشكالية تثيرها نقل التقنيات الحديثة- فى الدول النامية- وهى مشكلة التبعية للخارج ومدي السيطرة الوطنية عليها.

9 - و إلى جانب هذا الإشكاليات هناك إشكالية ظهورالبطالة التقنية

أو الهيكلية، وتنجم عن استيراد، تقنيات حديثة للإنتاج الواسع خاصة المايكرو إلكترونية، الأمر الذى يحدث تغيرات واسعة فى نمط العمالة فالتقنيات الحديثة توفر العمل labour saving من خلال التوفير فى

هو العدو الحقيقى للحضارة الغربية. وهم يحاولون تشويه الإسلام من خلال رميه بالتخلف والعنف والإرهاب... إلخ ويطلقون عليه مصطلح الأصولية ويحذرون من انتشارها.

ولا شك أن هذه. دعوى واضحة الفساد.. فالإسلام دين السلام والإخاء والمساواة بضمان وحدة الأصل البشرى، وهو دين العزة والقوة بضمان قول الله تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " (24)، وهو دين العدل والميزان، وهو الدين الذى يجعل العلم فريضة، ويجعل التنمية فريضة، ويحتم على المجتمع المسلم تملك زمام التفوق والإبداع والقوة العلمية والتقنية حتى يحقق رسالته، وهو دين تحرير الإنسان من كل أنواع الظلم والذل والقهر والوثنية وعبادة غير الله و تحريره عقيدة وفكرا. وسلوكا ، دين يؤكد توظيف وتوجيه القوة والرخاء المادى فى خدمة قيم عليا.

وهذا هو مفهوم الحضارة الصحيح. ولهذا كان الصراع على مدى التاريخ

- بين الإسلام وأعدائه هو صراع الحق ضد الباطل، والإيمان ضد الكفر والحرية فى مقابل التسلط، والعدل بميزان الله فى مقابل العدل بمفهومه الوضعى الذى هو تكريس للظلم والاستعباد... إلخ. وإذا كانت الشعوب الإسلامية اليوم تعانى من التخلف والتبعية، فإن هذا يرجع إلى ابتعاد المسلمين عن دينهم وتخليهم عن رسالتهم ويتم هذا وفق سق الله فى التاريخ. وهذا يعنى أن التخلف لا يرتبط بالإسلام، كما يدعى أعداء هذا الدين، ولكن بتخلى المسلمين عن واجباتهم العقائدية والقيمة والفكرية والسلوكية، وواجبهم فى الجهاد، ويكمن الحل فى العودة إلى الالتزام بهذا الدين عقيدة وقيما وأخلاقا وسلوكا، فهذا هو الضمان لتحقيق أسمى أنواع التنمية وبناء أقوى مجتمع إيمانيا بمعايير الإسلام، وماديا (علميا وتقنيا واقتصاديا) بمقاييس العصر.

 

 

 

شاع تعبير العولمة أو الكوكبة أو الكونية بعد أن دقت اتفاقية الجات الأبواب، وبعد اتساع نطاق حلف الأطلنطي ليشمل بعض دول أوروبا الشرقية مرحليا، ومازال الغموض يحيط بكنه المسمى وماهيته فهل هو أيدلوجية جديدة نملك رفضها أو قبولها؟ أم هو واقع نعيشه من زمن ولا ندرك أبعاده؟ أم هو تطور فرض نفسه ولا سبيل إلى رده؟ وهل يقتصر الدور العولمة على المجال الاقتصادى؟ وخاصة وقد اتسع نطاق الجات فأصبح يشمل المنتجات والخدمات، أم تتناول المجال- الثقافى أيضا؟ وهل من الممكن تصور أن تكون للعالم كله ثقافة واحدة؟ ثم ما هو مستقبل لدول العالم الثالث وبينها الدول العربية والإسلامية فى مجال العولمة؟..

ولكى نواجه العولمة ونسايرها ونتعايش معها لابد أن يتوافر لنا قدر

كبير من الوعى والإدراك لحقائق الأوضاع من حولنا، ولابعاد قدراتنا ومدى إمكانياتنا وكل قوانا الذاتية وما نملكه من وسائل وأدوات مادية وبشرية، تمكننا من السباحة مع التيار، محافظين على هويتنا التى تعصمنا من التخلف والتبعية، ولابد أن يشيع أكبر قدر من هذا الوعى والإدراك بين أكبر قاعدة شعبية عريضة، بحيث يكون دافعا لهذه القاعدة الشعبية للتفانى فى محاولة تفعيل الإمكانيات المتاحة لتحقيق الهدف المنشود.

ولن يتأتى ذلك إلا بنشر الثقافة على يد القيادات الثقافية الواعية، وبالأسلوب العلمى العملى الناجح وحسن استخدام وسائل الثقافة والإعلام والتعليم.

وللثقافة وسائل متعددة من أهمها التعليم، وأدوات الثقافة فى العلوم والفنون والآداب من كتب ومسارح ودور سينما ومعارض ومتاحف، ووسائل الإعلام من صحافة وإذاعة مسموعة ومرئية واجتماعات المساجد وخطبة الجمع.

وليس من الممكن ولا المعقول أن يقف العالم الإسلامى والعربى فى معركة