الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر العاشر : الإسلام والقرن الحادي والعشرون يوليو 1998م
 
موقف الإسلام من العولمة

موقف الإسلام من العولمة

فى المجال الثقافى والسياسى

سماحة آية الله الإمام الشيخ

محمد مهدى شمس الدين

رئيس المجلس الإسلامى الشيعى الأعلى

لبنان

مقدمة:

أ- العولمة اصطلاحا ومفهوما:

يعبر مصطلح العولمة الذى تداول المفكرون والباحثون استخدامه منذ

عقد من السنين (منذ نهاية الثمانينات) عن تحول عالمى فى رؤية كثير من المرتكزات فى مجال القيم الأخلاقية والاقتصاد والسياسة التى كانت سائد ة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية بين البشر. كما يستبطن هذا المفهوم رؤية جديدة حول الهوية، هوية المجموعة وهوية الجماعة وهوية القوم، وحول شخصية المجتمع وشخصية الدولة على المستويات الوطنية والقومية بالنسبة إلى المجتمعات التى تعانى من ضعف فى سيادتها أو فى اقتصادها أو فى قوتها. أى لتلك المجتمعات التى تعتبر مغلوبة على أمرها فى مجال المنافسة على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية والعلمية والثقافية وما إلى ذلك.

هذه الظاهرة (العولمة) تبدو للناظر وكأنها كائن خارق الإمكانات، خارق القوى، يتهيأ لافتراس كل ما يقع بين يديه على المستوى العالمى من جماعات ودول وشعوب. وتأتى فى مقدمة الفرائس التى تستشعر الخطر أو التى ينبغى أن تستشعر الخطر الأمة العربية والأمة الإسلامية لأن فى تقديرنا أنه كلما كان مجتمع ما أو أمة ما تتمتع بمضمون ثقافى يمكن تطويره وتثويره ليعيد صياغة هذا المجتمع وهذه الأمة، وليكون له دور فعال وأصيل على المستوى العالمى، ولا يكون مجرد تابع- كما كان مجتمع ما وأمة ما من هذا القبيل- فإنه يكون فريسة نموذجية لهذا الكائن (العولمة) الذى يهدف إلى أن يلغى كل الأغيار،  ويدمج كل التنوعات فى صيغته الخاصة، وهو ما يمكنه من أن يمتص ويستحوذ على كل القدرات فى الطبيعة وفى الإنسان لمصلحته الخاصة، ولمصلحة قوته ومتعته واستهلاكه، على جميع المستويات المعنوية والمادية.

هل يعبر هذا الفهم عن حقيقة موضوعية؟ هل غدت العولمة فى السنوات العشر الماضية حقيقة حاسمة فى الاجتماع البشرى، أو أنها لا تزال افتراضا يمكن أن يتحقق ويمكن ألا يتحقق؟.

نحن لا نرى أنها مجرد وهم كما لا نرى أنها حقيقة غالية وراهنة، هى شئ فى دور التكوين قطع شوطا يعتد به حتى الآن فى إبراز معالم ذاته. نرى ذلك فى السياسات الاقتصادية، ونرى ذلك فى السياسات الأمنية ونرى ذلك فى الظاهرة الثقافية (فى المجال الثقافى). إذن العولمة هى شئ غير مكتمل الآن ولكنه ليس ساكنا، ولكنه ينمو.

نحن فى مواجهة مشروع استحواذ جديد يتكون، وقل مر فى مراحل متنوعة منذ القدم، ولكنه يتمتع الآن بأقصى قدراته، وذلك لما أتاحه العلم الحديث فى جميع حقوله من قدرات خارقة لمن يمتلك ناصية القوة والنفوذ. ومن هنا فإن الحديث عن هذا المشروع والتهيؤ له من قبلنا عرباً ومسلمين يعتبر من حسن الفطن، لأن استباق الأخطار أفضل من مواجهتها بعد أن تقع، استباق الخطر بالتهيؤ له، والتحكم ضده، وتهيئة الوسائل المناسبة لمواجهته ومكافحته، هى خير من عدم المبالاة أو الانتظار غير الواعى.

ب-العالمية والنظام العالمى:

وقبل الدخول فى بحث مضمون العولمة وتحديد الموقف منه، نرى من المناسب التمييز بينه وبين مصطلحين آخرين: أحدهما مصطلح النظام العالمى، والثانى مصطلح العالمية.

أما مصطلح النظام العالمى فيبدو أنه لغة للتعبير عن طموح نحو إيجاد نظام سياسى عالمى تهيمن فيه أو تفرض فيه قوة وحيدة أو تحالف قوى، هيمنة سياسية- انطلاقا من مصالحها المادية ونظرتها الفلسفية (أساسا من حيث مصالحها المادية)- على أكبر قدر ممكن من دول وشعوب العالم.

لقد شهد العالم عدة أنظمة عالمية شمولية منذ العهد الرومانى تمثل فيما سمى (العالم الرومانى، والسلام الرومانى) وتمظهر بعد ذلك فى عدة صيغ إلى أن ظهر الإسلام وتكونت الدولة الإسلامية التى تطورت إلى نظام عالمى كان جديدا فى حينه، وبعد ذلك جاءت أنظمة عالمية أخرى تتابعت إلى العصر الحديث حيث شهد هذا العصر عدة تجارب كان آخرها ما سمى النظام الجديد الذى برز بوضوح بعد انهيار الاتحاد السوفييتى.

أما العالمية، فهى تعبير عن مجال قد يكون بعيدا عن السياسة والاقتصاد، بل هى تعبير عن التنوع الثقافى،فالعالمية تعنى الاعتراف بالتبادل، والاعتراف بالأدوار، بحيث يكون العالم منفتحا على بعضه مع الاحتفاظ بتنوعاته،ولقد  كانت هذه هى السمة البارزة فى الحضارة والثقافة والإيمان الإسلامى بشكل خاص: الاعتراف بالآخرين، احترام خصوصيات الآخرين. وهو الأمر الذى أنتج حالة الحوار بين الثقافات والحضارة والدول والشعوب والمصالح والأديان وما إلى ذلك.

إذن العالمية لا تعنى الهيمنة الاقتصادية كما لا تعنى فى الوقت نفسه أيضا الهيمنة الثقافية، وإنما تعنى التنوع وانفتاح الثقافة الخاصة على الثقافات الأخرى، وتعنى التعارف وفقاً للمبدأ القرآنى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا 00) (1).

ج- مضمون العولمة

أما العولمة،  كما عرفت وكما يبدو من تطبيقاتها، فهى تقوم على اجتياح للثقافات الأخرى ومحوها محوا كاملا، وإذا كان لهذه الثقافات من بقاء فسيكون بقاء فلكوريا لمجرد الاستمتاع وليس لتنمية وإخصاب الذات الإنسانية. إنها سيطرة القوى الكبرى والغالبة، وهى إلى جانب السيطرة الاقتصادية والسياسية تمارس السيطرة الثقافية وتستخدم كل تنوع ثقافى فى سبيل التنكيل بالآخرين وإرهابهم لأجل استتباعهم ثقافياً.

إن العولمة بالصيغة الأمريكية التى يحاولون فرضها على العالم لا تمثل تحديا بقدر ما تمثل غزوا، فهى مشروع يتسلح بواقع الهيمنة على السياسة والاقتصاد من جهة، وبالقدرة غير المسبوقة فى توجيه الإعلام من جهة أخرى، كما أنها تتسلح أيضا بالقدرة على التشريع على المستوى الدولى. ولذا فإن العولمة لا تمثل فى نظرنا تحديا، بل تمثل غزوا وهذا الغزو لا بد من مقاومته.

إننا نعتقد أن دعاة العولمة يهدفون إلى السيطرة الاقتصادية تحت شعار دعوى أنها تؤدى إلى ارتفاع مستوى الحياة للدول. وإلى إتاحة توزيع أفضل للآقتصاد. كما يهدفون إلى السيطرة الثقافية التى تؤدى إلى تشويه أو تذويب الشخصية الخاصة.

ومن جهة أخرى فإن العولمة تؤدى إلى تشجيع عوامل التفتت والانقسام داخل المجتمعات الأخرى، وإلى إثارة التناقصات العرقية والدينية والمذهبية بين الأقوام داخل المجتمعات، وتؤدى بهذه المجتمعات إلى حروب وتوترات داخلية تتيح الاستيلاء عليها، والهيمنة عليها وعلى اقتصادها، إنها تتيح تفتيت البنية الثقافية والأخلاقية وأنظمة القيم داخل كل مجتمع وداخل كل حضارة لمصلحة تيار الحداثة، كما يتجلى فيما يسمى الحضارة الأمريكية والثقافة الأمريكية ونمط الحياة والعيش الأمريكى.

هذا يفرض علينا، يفرض على كل شعب، كل حضارة، كل ثقافة، مسئوليات تحصين الذات من جهة والانفتاح من جهة أخرى: تحصين الذات بما لا يعنى الإنغلاق ، والانفتاح بما لا يعنى الذوبان.

بالنسبة لنا فى العالم العربى والإسلامى فإن هذا يفرض مسئوليات تربوية فى الأسرة وفى المدرسة وفى الجامعة وفى الحياة العامة، وهى مسئوليات أكبر وأثقل وأكثر ضرورة وإلحاحاً مما كانت عليه الحال قبل نشوء الموجة الثقافية والتيار الثقافى الماحق والساحق الذى يتدفق بواسطة الإنترنت والتليفزيون والسينما والصحافة وما إلى ذلك تحت عنوان الحداثة.

د- الحداثة والعولمة:

إن العناصر الفكرية الفلسفية المكونة للحداثة ثلاثة:

العنصر الأول:- الحداثة تقوم على الرؤية الدنيوية المرتكزة على أن العالم الموضوعى الخارجى هو الحقيقة، وهذه الرؤية تنفى أى تدخلات غيبية ما ورائية فى وجود العالم أو فى صيرورة العالم (العلمانية الكاملة).

وفى هذه الحالة فإن عمل الإنسان فى المجتمع والطبيعة، وعمل المجتمع فى نفسه يهدف إلى تحقيق غايات ومقاصد من الموضوع بالسيطرة على الطبيعة وبتحسين حالة العيش فى مقابل النظرة الإسلامية أو النظرة الدينية عموما التى ترتكز على أن هدف الحياة والخلق، هدف الوجود يتجاوز العالم المادى إلى تحقيق غايات ومقاصد روحية فى كينونة الإنسان وفى شخصية الإنسان وفى مصيرة الأخروى.

العنصر الثانى:- الذى ترتكز عليه الحداثة هو أنها تقوم على الفرد، تقوم على أن محور الوجود، محور العمل، محور النشاطات هو الفرد. التأكيد على فردية الإنسان. وعلى هذا الأساس فهى تدعو إلى إعطاء كل الفرص لنمو الفرد وازدهار الفرد. وهذا يعد مقصدا أساسياً وهو إعطاء أوسع الحريات للفرد فى مقابل الواجب. يسيطر حينئذ مبدأ الحرية مقابل مبدأ الواجب. وفى هذه الحالة يكون النظام الأمثل هو الذى يعطى قدر من الحرية للفرد على نفسه وعلى الطبيعة وعلى تصرفاته، فى مقابل أقل قدر من الالتزامات والواجبات تجاه الغير.

العنصر الثالث:- تقوم الحداثة على أن المرجعية فى فهم الأشياء وفى الحكم على الأشياء، فى فهم التصرفات وفى الحكم على التصرفات، على صحتها وخطئها هو العقل الوضعى، العقل الذى يرتكز على البراغماتية (النظرة النفعية) المحضة وعلى المادية المحضة، وهو ليس العقل الذى يدرك به الخير والشر والذى يقوم على مبدأ أخلاقى (العقل العملى بالاصطلاح الفلسفى).

إذن المرجعية هى للعقل الوضعى المادى النفعى، فى مقابل مرجعية أخرى أى العقل بالمعنى الذى يدرك الخير والشر ويدرك الحسن والقبح، وإلى جانب مرجعية الوحى.هذه العناصر الثلاثة هى التى تقوم عليها فكرة الحداثة أو فكرة العلمانية المطلقة.

وهذه العناصر الثلاثة حين تشكل أساسا لثقافة الفرد، فأنها تنتج هذا

الفرد الذى نرى نماذجه فى الحياة الغربية المعاصرة، كما نلاحظ حينما يطبق على الدولة، تلك الدولة التى تحاول أن تتخلص من كل التزام دينى،  وكل التزام اجتماعى وأخلاقى،  كل التزام يقوم على الأخلاق وعلى الغيب وعلى مرجعية الدين. بحيث تكون الدولة مادية.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن سلطة الدولة تتقلص وتكون سلطة

هشة، باعتبار أن الاتجاه الفردى هو الذى يحكمها، وأن مبدأ الحرية بالتالى هو الذى يحكمها، ويأخذ الأفراد منها أكبر مساحة من الاستقلالية، وتكون الدولة مجرد منسق ومدير للأنشطة ولا تشكل أية قيادة على الإطلاق. فالدولة العصرية- دولة الحداثة- تختلف عن الدولة التقليدية، تصبح دولة الحداثة دولة غير دينية، ربما لا تعادى الدين سياسيا وسلطويا ولكنها بالتأكيد تعاديه علميا وتطبيقيا وتكون دولة مادية ودورها يتركز على توفير التعامل بين الأفراد.

العولمة فى التطبيق الملموس

إن إفساح المجال للعولمة فى مجال الاقتصاد يؤدى إلى إفساح المجال لسيطرة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات والتى لا تعترف بالدول ولا بالحدود ولا بالشعوب ولا بالأخلاق، بل تؤدى إلى تدمير القيم الأخلاقية التى يجب أن تحكم الاقتصاد والتنمية والعلم، وقد تسخر كل ذلك لزيادة الأرباح ولقمع كل تطلع يؤنس الاقتصاد ويؤنس التنمية ويؤنس العلم.

وحينما نبحث عن القوى المؤثرة والتى تدير عملية العولمة لمصلحة القوى العظمى الأخرى نجد أنها الدول الثمانى الصناعية الكبرى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والمؤسسات النقدية العالمية الخاصة مثل البنوك الكبرى فى العالم، وصندوق النقد الدولى والبنك الدولى للإنشاء والتعمير، ومنظمة التجارة العالمية، والشركات المتعددة الجنسيات.

إن هذا الموقف المتحكم وغير المحايد والعدوانى فى كثير من الحالات، يظهر فى كثير من المواقف والسياسات وفى جميع المجالات وعلى جميع المستويات.

إن وقوف العرب والمسلمين ضد العولمة أو اتخاذ موقف الحذر ناشئ من التجربة العملية، وليس مجرد موقف انفعالى.

أشكال مواجهة العولمة:

إن المهم عند المسلم ومن وجهة النظر الإسلامية فيما يتعلق بالعولمة هو تحصين الذات من التشويه والذوبان، تحصين الذات الحضارية والثقافية والاعتقادية والتشريعية من التشويه والذوبان فى الآخر، من دون قطيعة مع الآخر، بل مع الاستجابة لجميع دواعى الاتصال.

ومن جهة أخرى تحصين المصالح من الانتهاك، المصالح الاقتصادية وقضايا السيادة والاستقلال. ومع ضمان هذين الأمرين فإن الإسلام يحض على التواصل الحى الفعال مع العالم.

ولكن الحركات والدول الإسلامية (وهو الموقف السائد فى العالم الثالث عموما) اتخذت فى مواجهة العولمة أحد ثلاثة مواقف:

هناك من يدعو بحماس إلى الاندماج المطلق والاستجابة لكل مقتضيات العولمة، والتخلى عن كل الخصوصيات التى تميز الشخصية وتميز الدور، والتى تؤهل للدور المتميز.

وهناك فريق يعمل على الانسحاب والإنزواء والرفض، ويتشبث بالهوية الوطنية والثقافة الوطنية، ويتهم كل تجليات العولمة.

وهذا الإنكماش والانطواء على الذات والإنقطاع عن متغيرات العالم ليس حلا للمشكلة، لأنه لا يجوز أن نختنق داخل أسوارنا، بل لم تعد لنا أسوار لأن وسائل الاتصال المتطورة، وإرادة الغزو والاستحواذ، لم تبق أسوارا لأية حضارة ولأى شعب لأية ثقافة، فمآل حالة الانزواء والانطواء إلى الانتحار الذاتى،  وإلى خنق الذات وإلى محق الذات.

هناك تيار ثالث توفيقى يحمل نفس السمات التى ظهرت فى التيار التوفيقى بين الإسلام والغرب فى بدايات التواصل والاحتكاك بين العالم الإسلامى وأوروبا الغربية وحضارتها، هذا التيار يحاول أن يؤلف بين التيارين السابقين، يأخذ من العولمة ما يرى بأنه لا يتنافى مع الهوية والشخصية، ويرفض من العولمة ما يرى انه يتنافى .

هذا التيار التوفيقى فى الحقيقة تيار فاشل، ونعتبر أن التوفيق بهذا المعنى، بأخذ صيغ ومؤسسات جاهزة ونبذ مؤسسات وصيغ جاهزة يشبه تأثيث منزل بموديلات متعددة ومن عصور مختلفة. إن مقولة (إننا نأخذ ما يناسب العلم ونحتفظ بقيمنا) مقولة غير واقعية لأن السؤال هو: هل يتمتع نظام القيم عندنا بالقدرة على مقاومة غزو تيار العولمة؟ هل هو قادر على أن يقاوم الثقافة الحسية البصرية المادية الشهوانية وبكل العناصر التى يشتمل عليها تيار الحداثة كما بيناه؟.

الجواب: إنه غير قادر. إننا فى هذه الحالة نتخذ موقفا لفظيا وشكليا بينما يؤول بنا الأمر إلى الذوبان الكامل.

لا بد من اعتماد مبدأ المقاومة ومبدأ تطوير الذات وليس المحافظة على ما نعتبره من الثوابت. المطلوب هو تعميق وتفعيل حركة الاجتهاد، وتطوير كل مؤسسات الأمة فى أنظمتها السياسية، وفى توجيهاتها العلمية والثقافية، وفى توجهاتها الاقتصادية فى مجالات الصناعة وفى مجالات الزراعة وفى مجالات المال.

لا بد أن نتحرك فى انتقاضة شاملة تعيد بناء أمة وفقاً لنظرة جديدة تحيى أصالتها وحركتها وفاعليتها فى مواجهة الأغيار، ومن دون هذا فنحن لا نرى أن هناك أفقاً يسمح بمقاومة التيار الوافد.

ما هدف العولمة:

يقال أن هدف العولمة هر تكوين الإنسان الجديد!

ما هذا الإنسان الجديد؟

هذا الإنسان الجديد كما نراه ونفهمه هو الإنسان المملوك والمصادر إعلاميا، الغارق فى الشكلية، والخالى من أى مضمون خاص، بل إن الشكل أصبح هو المضمون، إنه الإنسان الذى تقوم حياته على الاستهلاك المحض، وعلى اللذة والمتع الحسية من دون أن يكون هناك أى مضمون آخر يغذى الحضارة بالقيم ويقوم على القيم. إنه الإنسان المادى الذى وصفه الله تعالى بقوله (أخلد إلى الأرض واتبع هواه ") (2).( والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ) (3).

إن العولمة فيما يظهر لنا من مسارها ومن تجلياتها فى الأمن والاقتصاد والثقافة، هى عبارة عن عولمة 20 أو25% من سكان العالم على حساب 75 أو 80% من سكانه، حيث أن فريق العولمة يسيطر على مصائر باقى العالم، ويهيمن على اقتصاده وعلى أسواقه وعلى كياناته الوطنية وعلى هوياته الثقافية.

إن القوى المهيمنة على العولمة والتى تستغل العالم تحت شعارها تحتكر التكنولوجيا، وتحتكر التحكم بالنظام المالى على مستوى عالمى، وتتمتع بسهولة حصولها على الموارد الطبيعية على مستوى الكرة الأرضية بأسعار بخسة، وتتمتع بالقدرة على التحكم بوسائل الإعلام والاتصال، وتملك أسلحة الدمار الشامل.

وهكذا تبدو العولمة من هذا المنظور تحكما فى العالم وليس مشاركة له.

لقد لاحظنا دائما أن محاولات ما يسمى (التحديث الثقافى) أو (التحديث الحضارى) الذى يمارسه الغرب تجاه الآخر، والآن تمارسه الإرادة الأمريكية الغربية تجاه العالم، هو يهدف: إما إلى القضاء على مقومات المناعة والصمود والدور فى شعب من الشعوب، وإلغاء منافس محتمل أو فعلى، أو- إذا لم يكن الأمر كذلك- فهر تدمير القوى التى تحول دون جعل هذا الشعب سوق المنتجات التى تصدها القوى الغربية.

أسس الخصوصية الثقافية للأمة

إن لكل مجتمع من المجتمعات انتماء ثقافيا وخصوصية تميزه عن غيره من المجتمعات، وقد تكون هذه الخصوصية جدارا يفصلهم عن الناس، وقد يكون معبرا يصله بالناس.

إن الخصوصيات الثقافية والحضارية لأمة من الأمم والتى تمثل شخصيتها تنشأ من أمرين رئيسيين:

الأول: المعتقد الذى تتولد منه قيم توجه السلوك، وتحكم النظرة إلى الكون والحياة والإنسان وتحكم علاقة الإنسان بالمجتمع البشرى وبالطبيعة وبالكون كله.

الثانى: اللغة التى يتكلمها المجتمع ويتخاطب بها ويتفاعل مع نفسه من خلالها بكل ما تختزنه من خبرة تاريخية متراكمة مع الطبيعة ومع الإنسان ومع الذات، وبما تختزنه من مستويات معرفية وحضارية مرت بها الأمة التى تتكلم تلك اللغة.

صيغ المواجهة مع التغريب والعولمة:

نلاحظ فى العالم الإسلامى أن صيغ المواجهة أكثر ما تتجلى فى الحركات الإسلامية التى يدعوها الغرب أصولية.

هذه الحركات التى نشأت لاعتبارات سياسية فى الدرجة الأولى، ولاعتبارات ثقافية فى الدرجة الثانية، أخذت تهتم أكثر فأكثر بتأصيل نفسها عن طريق تأصيل الثقافة الإسلامية، وهذه الحركات قد استفادت من الإمكانيات المتاحة لوسائل الاتصال الحديثة على مستوى التلفزة والفيديو وأشرطة التسجيل والإنترنت وما إلى ذلك، لتعميم مفاهيمها ورؤيتها الثقافية والسياسية والفقهية.

المواجهة الثانية تتم بشكل أقل حدة وأكثر مرونة على مستوى بعض الجماعات الثقافية غير الحركية الإسلامية، مجموعات المثقفين المسلمين غير الحركيين ومجموعات المثقفين غير الإسلاميين الذين ينتمون إلى تيارات قومية، ترى أنه يجب المحافظة على الذات، لا من خلال رؤية دينية لهذه الذات ولا من خلال الكينونة الدينية للذات، بل من خلال الرؤية الموضوعية القومية العلمانية للذات.

المواجهة الثالثة الأقدم والأشمل هى مواجهة القوى الإسلامية المركزية

التى تتمركز فى المؤسسات الإسلامية الكبرى فى العالم الإسلامى وهى مقرات دراسة وتعليم ونشر الإسلام من خارج إطار الحركات الحزبية السياسية كما يتمثل ذلك فى قم والنجف والأزهر ومثيلات هذه المؤسسات على مستوى العالم الإسلامى.

الشرق أوسطية وحقوق المرأة،

والحماية الدينية والتربية علي السلام

نلاحظ أن الجهود البارزة لفرض واقع العولمة بصورتها السياسية والاقتصادية ومن ثم الثقافية ومحاولة ترسيخ مفهوم (الشرق أوسطية) وتحويله من مفهوم جغرافى إلى مفهوم حضارى وثقافى وسياسى واقتصادى وإنسانى، يهدف إلى دمج إسرائيل فى نسيج المنطقة العربية- الإسلامية الإنسانى والاقتصادى والثقافى، وتذويب العرب فى نظام المصالح الاميركى الصهيونى واستبدال هوية المنطقة العربية الإسلامية بهوية جغرافية تضم إسرائيل.

إن مؤتمرات المرأة تحاول أن تستهدف فرض الرؤية الغربية العلمانية بصيغتها الأمريكية للمرأة وللجنس وللعلاقات الجنسية وللأسرة، وفرض هذه النظرة على العالم كله من خلال تطوير وضع قانونى فى هذا الشأن يفرض على دول وشعوب العالم.

ومن التمظهرات المريبة التى نعتقد أنها من وسائل إضعاف الذات العربية الإسلامية لاختراقها ولفرض ثقافة الآخر ووجود الآخر هو أن القوى الدولية المهيمنة استخدمت الأونيسكو للدعوة إلى ما يسمى التربية على السلام وحقوق الإنسان والاعتراف بالآخر، ويراد من ذلك تشجيع عناصر التفكك داخل المجتمعات العربية والإسلامية داخل أفريقيا مثلا وداخل أمريكا اللاتينية. كما يراد فتح المجال لإسرائيل لتكون جزءا أو عنصرا معترفاً به ومقبولا فى المنطقة، وذلك من خلال اعتبار أن الآخر الذى يجب قبوله هو إسرائيل، إما الآخر المسلم فى أماكن أخرى والآخر العربى وحقوقه فهذا أمر يغض النظر عنه.

كما نلاحظ أن الدعوات التى ظهرت فى العالم الغربى والتى تعتبر أن الإسلام هو التحدى الجديد للعالم الغربى وللثقافة وللحداثة وللحضارة، والتى تعتبر أن الإسلام هو العدو كلها تصب فى هدف تدمير الثقافة الإسلامية والكيانية الإسلامية لمصلحة ثقافة العولمة ومصالح القوى الكبرى التى تريد الهيمنة فى العالم.

إن التعبير الذى عبر عنه (هانتجتون) فى مقولة صدام الحضارات

و (فوكوياما) فى مقولة نهاية التاريخ هما التعبيران المميزان فى هذا المجال.

 ويندرج فى هذا السياق أيضا الإصرار غير المبرر إطلاقا على تشجيع ظاهرة سلمان رشدى وآياته الشيطانية وهى ظاهرة تجاوزت هذا الكاتب وروايته لتكون رمزا لتشجيع كل ما يؤدى إلى استثارة المسلمين أو انتقاصهم بهدف اتهامهم وإذا سكتوا بهدف استلابهم وإذا تحركوا بهدف انتقاصهم واتهامهم.

المقاومة الأوروبية للعولمة:

إن هاجس الخوف من المحق الثقافى والاستحواذ ليس مقصورا على

العالم الثالث أو فى خصوص العالم العربى  والإسلامى، بل إن هذا الهاجس بدأ يظهر بقوة فى العالم الأوروبى،  حيث  نجد أن الدول الأوروبية (كل دولة من جهة) وإن الاتحاد الأوروبى ككل من جهة أخرى، يحاول تنظيم وتحصين ذاته ضد هذا الغزو، وضد مشروع الهيمنة تحت ستار العولمة. ونجد ظواهر ذلك فى أوروبا تتجلى فى مجال اللغة والإنتاج الفنى فى الأغنية وفى السينما وفى عادات الطعام وفى العادات الاجتماعية إضافة إلى أمور أخرى.

العولمة والتفاعل الحضارى:

ترى هل صحيح ما يقال من أننا نقيم على أرض الغرب على الصعيد الحضارى والمدنى،وأننا مدينون للغرب بأسباب معاشنا ومظاهر عمراننا،وأن التطور الذى نشهده فى مجتمعاتنا لم يكن من الممكن حصوله لولا التوسع الغربى، ولولا احتكاكنا بالغرب الحديث؟.

ترى، هل هذه حقيقة، هل نحن حقيقة نعيش حضاريا وفكريا على أرض الغرب؟ ما هو المقصود من ذلك؟ هل هو المكتشفات الحديثة فى الكهرباء ووسائل الاتصال؟ أو هو عالم القيم؟ نحن لا نتحدث عن المنجزات الحديثة التى لا أريد أبداً أن أغفل أثرنا فيها ودورنا فيها، وليس من الإنصاف ذلك وليس من العدالة أن ننكر دورنا فى وصول الغرب إلى هذه النتيجة.

ولا أريد أن أنسى دور الغرب فى تدمير قدرتنا وطاقتنا على متابعة مسيرتنا وعلى متابعة نمونا.

ولكن يقال إن الإنسان يعيش على هذه الأرض، ما المقصود بالأرض،

هل المقصود البيوت الحديثة والسيارات والطائرات؟ أو المقصود عالم القيم؟.

نحن نتحدث عن العيش فى نطاق عالم قيمى،فى عالم القيم نحن نلاحظ أننا مستهدفون، أما على صعيد التقنيات، هذا الغرب الذى أنتج هذه المنجزات هو المغرب الذى أنجز النازية والفاشية والماركسية بتطبيقاتها الشرسة، هو الذى أنتج فكر اللذة، وفكر الذرائع، وفكر العنف، وفكر الاستهلاك المفرط والتدمير الوحشى للطبيعة ولكل الامكانات.

ترى، هل المراد هذا؟

هذا هو ما نلاحظه، وحينما يشعر الغرب الآن بأن الإنسان الآخر الذى

يمثله عالم الإسلام أو العوالم الأخرى خارج الغرب يمكن أن يملك القدرة على التناظر معه يخترع لها هذه الصيغة، صيغة العولمة ليدمرها تحت ستار التقدم، إنه من قبيل من يعطى السم فى اللذة ليدمر الضحية وهى ضاحكة مسروره.

العولمة الإنسانية:

إن العولمة باعتبارها نزعة إنسانية نحو تبادل المعونة ونحو التكامل المعرفى ونحو تقديم الإنسان هى راسخة فى صميم الإيمان الدينى،وقد عبر عنها الإسلام حين دعا إلى التعاون البشرى"على أساس البر والتقوى، وحينما جعل الهدف المستبطن فى التنوع هو التعارف، وحينما أرسى فلسفة العلم على قاعدة أنه ذخيرة لكل البشر، وأن الهدف من العلم هو خدمة الإنسان وليس العلم للعلم الذى يؤدى إلى السيطرة- كيفما اتفق- على المجتمع وعلى الطبيعة.

بهذا المعنى فإن العولمة باعتبارها هدفا إنسانيا لغناء الآخر وللتكامل معه ولإعطائه فرصة الازدهار، هى فكر أصيل وذخيرة أصيلة للإيمان الدينى عند الجميع وخاصة فى الإسلام.

من الأفكار التى تتصل بهذا البحث وينبغى إبرازها والتى تكشف عن

الروح الشريرة التى أنتجها صيغة العولمة، النظرة التى طورتها الروح الفاشستية الغربية إلى العلم وإلى وظيفة العلم فى مقابل نظرة الإسلام.

إننا نلاحظ أن هذه الروح الغربية التى أنتجت العولمة على مستوى العلاقات البشرية، هى التى أنتجت أشد الأسلحة فتكاً وتدميراً، بحيث أن الأسلحة التى أنتجها العقل الغربى والروح الغربية أخذت تهدد وجود الجنس البشرى. لأول مرة فى التاريخ يمكن أن تؤدى غلطة، يمكن أن يؤدى عقل مجرم إلى إطلاق قوى لا يمكن السيطرة عليها تدمر الكرة الأرضية برمتها أو تدمر أعظم إنجازات العقل الإنسانى.

هذه الروح التى أنتجت هذه القوى الشريرة لا يمكن إطلاقا أن تدعى لنفسها أهلية وضع نظام للعلاقات الإنسانية يستجيب لعالم القيم الذى يزدهر فيه الوجود الإنسانى،بل هى خليقة بأن تعيد إنتاج نظام قيم يد مر خير ما فى الإنسان لمصلحة روح الشر التى تمثلت دائما فى هذا العقل الشرير.

المراجع       

(1)     الحجرات: 13.

(2)     الأعراف: 176 .

(3)     محمد:12.

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع