موقف
الإسلام من العولمة
فى المجال السياسى
الدكتورة
/ فوزية العشماوى
قسم
الدراسات العربية
والإسلامية
بكلية الآداب
·
جامعة جنيف-
سويسرا
ا- مفهوم العولمة:
إن معظم دول العالم حاليا سواء دول مجموعة ال 8 ( GROUP
OF 8) وهى المجموعة التى تضم الدول الصناعية
الكبرى وكذلك مجموعة الاتحاد الأوروبى والتى تضم ال15 دولة أوروبية إلى جانب بعض دول أوروبا
الشرقية، وكذلك معظم دول العالم التى شاركت فى وضع إطار مفاوضات جولة أرجواى التى تمخض عنها إنشاء المنظمة العالمية للتجارة فى جنيف منذ خمسة أعوام، كل هذه الكيانات العظمى التى يدور الكون حاليا فى فلكها
اتفقت على جعل العالم بلا حدود وبلا حواجز ليصبح أشبه بقرية كبيرة يعم فيها السلام
والرخاء.
ولكن هذا الكيان الجديد يجب أن يكون فيه مكان للمعتقدات
الدينية والفلسفية والايدلوجية لذا فعلى المسلمين أن
يسارعوا بالدخول معهم فى صياغة مقاييس العولمة انطلاقا
من المفاهيم الإسلامية، وهنا يبرز دور علماء الدين الإسلامى
ودور المثقفين من العلماء المسلمين وخاصة المقيمين منهم فى
الدول الغربية حيث تقع على عاتقهم مسئولية ومهمة تعريف الغربيين بحقيقة الإسلام
ومفاهيمه وجوهره إلى جانب المطالبة بأن تؤخذ هذه المفاهيم والخصائص فى الاعتبار عند سن القوانين الجديدة أو إعادة صياغة
المواثيق.
إن هذه الخطوة تعتبر من أولى الخطوات على الطريق الشاق
الطويل الذى لا يزال أمام علماء المسلمين لإقناع العالم
بأن الدين الإسلامى لا يتعارض مع المواثيق والقوانين
الدولية ولكنه يمكن أن يكملها ويثريها بما فيه من مفاهيم وروحانيات إنما الغرب فى مسيس الحاجة إليها. وإن الإسلام
ليس دين جمود غير قابل للتطور كما يتصورون بل إنه مسموح فيه بالاجتهاد لمسايرة
التطور فى العصر الحديث دون المساس بالأسس الراسخة التى لا تقبل التعديل، علينا أن نقارن بين مفاهيم الإسلام
ومفاهيم العولمة ونشرح للغربيين بطريقة برجماتية pragmatic ما هى
الأسس التى تحدد معالم الأمة الإسلامية التى أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون 0(خير أمة أخرجت
للناس).
ولعل أهم المفاهيم التى يجب
أن نرتكز عليها هى مفهوم عالمية الإسلام ومقولة إن
الإسلام يصلح لكل مكان وكل زمان. من البديهى أن كل مسلم
يؤمن بأن التشريعات الإسلامية المنزلة شاملة وباقية على مر الزمن والعصور، وأنها
صالحة لكل زمان ومكان. ولكن للأسف فإن الغربيين غير المسلمين لا يعرفون ذلك أو لا
يريدون أن يعرفوا ذلك فماذا بإمكاننا أن نفعل حتى نوصل لهم رسالة الإسلام الحقيقية
ونقنعهم بتشريعاته السماوية الصالحة لكل العصور ولكل الشعوب، ونمحى من ذاكرتهم
الصورة المشوهة التى علقت فى
أذهانهم عبر القرون عن الإسلام والمسلمين.
2- الإسلام وظاهرة ا
لتطرف الإسلامى:
إن ما يراه الغربيون اليوم
من أحوال وأفعال المسلمين وخاصة فى الآونة الأخيرة لا
يشجعهم إطلاقاً على الاقتراب من الإسلام والمسلمين ومحاولة فهم جوهر الدين الإسلامى وذلك لأن بعض المسلمين أو بالأحرى بعض التجمعات
الإسلامية المتطرفة يغالى أعضاؤها فى المطالبة بتطبيق
الشريعة الإسلامية ويتشددون ويتطرفون ويجرفهم تيار التطرف والغلو إلى العنف
والإرهاب. وينسون أن الله نهانا عن الغلو والتطرف فى
كثير من آياته الكريمة، ونذكر منها:
(قل يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غير الحق 000) (1).
(.. لا تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق 000) (2). سيقول قائل
إن هذه الآيات موجهة لأهل الكتاب وأرد عليه قائلة إن الخطاب القرآنى
هنا موجه للرسول محمد صلى الله عليه وسلم
قال ثم أو ليس المسلمون أيضا هم أهل الكتاب، فالخطاب موجه إليهم حتى لا يقعوا فى نفس خطأ الغلو الذى وقع فيه
اليهود والنصارى والذى ينهانا الله سبحانه وتعالى عنه فى هاتين الآيتين.
ولكن المتطرفين نسوا هذا النهى الإلهى
كما نسوا أن الله أراد لأمة الإسلام أن تكون أمة وسطا:( وكذلك جعلناكم أمة وسطا
لتكونوا شهداء على الناس )(3).
فلم يخالفون إرادة الله سبحانه وتعالى بغلوهم وابتعادهم
عن الوسط وبانحرافهم نحو التطرف، إن التطرف عن هذا المنطلق يعتبر عصياناً لإرادة
المولى عز وجل، لقد أدى التطرف الإسلامى المقترن
بالإرهاب إلى مزيد من التشويه لصورة الإسلام والمسلمين فى
الغرب خاصة بعد سلسلة الجرائم الإرهابية البشعة التى
تلاحقت فى السنوات الأخيرة.
إن هذه الأعمال الإجرامية التى
ترتكب باسم الدين وبرفع شعار الله أكبر تبعدنا عن جوهر الدين الإسلامى
وتلصق بنا وصمة عار إن لم نتكاتف لإزالتها ستوصمنا إلى
الأبد، إننى أطالب المسئولين فى
جميع الدول الإسلامية بالتكاتف والتعاضد لمواجهة العنف والإرهاب المتفشى باسم الدين حتى نستطيع مواصلة الحوار مع الأديان
الأخرى وخاصة مع أهل الكتاب. نحن نرفض التطرف وندينه
ونتمسك بمفهوم وسطية الإسلام انطلاقا من قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا
لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) (4)
ونتمسك بالحوار كأساس للتفاهم والدعوة إلى دين الله انطلاقا
من قوله
تعالى(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم بالتىهى أحسن) (5).
(ولا تجادلوا أهل
الكتاب إلا بالتى هى أحسن
00) (6)
إن المجادلة مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى أو مع
الغربيين عامة ليست بدعة بل إن الخطاب القرآنى يحث
عليها ويشجعها ويضع لها ثوابت وأصول مثلما ذكرنا فى
الآية الأخيرة ( بالتى
هى أحسن). والهدف من الحوار مع الغربيين هو التواجد الإسلامى على الساحة الدولية وخاصة فى
المحافل والمؤتمرات العالمية التى تعقدها الأمم المتحدة
والمنظمات الدولية الأخرى لوضع الأسس والمعايير الحديثة للمنظور الجديد للعالم
للتعريف بجوهر الدين الإسلامى.
3- الإسلام
دعوة عالمية
إن جوهر الدين الإسلامى يرتكز على أن الخطاب القرآنى
موجه للناس جميعا وليس لقبيلة أو قوم حتى
المسلمين فقط كما يعتقد الغربيون خطأ بل إن القرآن يخاطب البشر كلهم بلا استثناء
والدليل على ذلك أن كثيراً من آياته تبدأ بنداء إلى الناس كافة بقوله تعالى (ياأيها الناس )،(ياأيها الناس إنا
خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) (7).
كذلك
قوله تعالى:
(يومئذ
يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم * فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال
ذرة شرا يره) (8).
هذا الخطاب ليس موجهاً للمسلمين فقط ولا للمؤمنين فقط
ولكن للجنس البشرى برمته فالناس جميعاً يتكونون من ذكر وأنثى ويعيشون على الأرض فى قبائل وشعوب سواء أكانوا مسلمين أو يهود أو مسيحيين أو حتى
كفرة إن مصطلح
(الناس) فى الخطاب القرآنى
قد اشتمل على البشر أو الإنسانية جمعاء، وبالإضافة إلى مصطلح (الناس) استخدم
الخطاب القرآنى مصطلحا آخر هو (القوم) وقد التصقت هذه
الكلمة فى كثير من الآيات باسم المدينة أو البلد التى يعيش فيها القوم أو باسم الرسول. الذى
أرسل إليهم مثل قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم
إبراهيم وقوم لوط…)
(9).
ولكن،
هذا ما يهمنا فى نطاق بحثنا
هذا، لم يلتصق اسم النبى -صلى الله عليه وسلم- بكلمة
قوم ولم يرد فى الخطاب القرآنى
أبداً تعبير (قوم محمد أو قوم مكة) بل كان الخطاب الموجه إلى الرسول محمد- صلى
الله عليه وسلم-مصاغ بصيغة مختلفة تماما عما ورد بالنسبة لجميع الأنبياء والرسل
السابقين، لقد وجه الله سبحانه وتعالى خطابه إلى محمد- صلى الله عليه وسلم- بتعبير
آخر مثلما جاء فى هذه الآية الكريمة: ( قل يا أيها
الناس إنما أنا لكم نذير مبين) (10).
لماذا
هذه الصيغة بالذات للرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- لأن الدين الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الإسلام أى ختام الأديان السماوية والكتاب الذى
أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو
القرآن هو (الخاتمة) كما يقول العامة (وهى بالمناسبة ليست كلمة عامية بل كلمة
عربية فصحى). الخطاب القرآنى إذن هو خاتمة. الخطاب
المتصل الذى بدأه الله سبحانه وتعالى مع أبو الأنبياء
أول الأنبياء وهو آدم عليه السلام وختمه مع محمد- صلى الله عليه وسلم- آخر الأنبياء والمرسلين: ( إنا أوحينا إليك كما
أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب
والأسباط وعيسى وأيوب ويونس و هارون وسليمان و آتينا داود زبوراً..
وكلم الله موسى تكليما )(11) ثم اختتم الله رسالته إلى البشرية بالرسالة التى بعثها مع الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- الذى أراده خاتم الأنبياء والمرسلين ووجه إليه الخطاب القرآنى بصيغة جامعة للناس كافة بقوله:
( وما أرسلناك إلا كافة
للناس بشيرا ونذيرا) (12)
إن الخطاب الذى يوجهه الله عز وجل
لآخر الأنبياء يجب أن يكون خطابا شاملا للناس جميعا لأنه آخر خطاب من الله إلى
العالم أجمع والدليل على ذلك نجده فى الآيتين
الكريمتين: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا 00) (13) (وما أرسلناك إلا
رحمة للعالمين) (14).
4- المفاهيم الإسلامية:
لقد
أثبتا فى الفصل السابق أن الإسلام يخاطب الناس جميعا
ولم يرد فى الخطاب القرآنى
تفضيل قوم على قوم آخرين وإنما يعتبر الناس جميعا أمة واحدة: (إن هذه أمتكم أمة واحد
ة وأنا ربكم فاعبدون) (15). ولا يقر الإسلام العنصرية أو التحيز لجنس على آخر أو
تفضيل لون على لون، جاء ذكر الألوان فى الخطاب القرآنى للدلالة على قدرة الله فى
الخلق: (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن فى ذلك لآيات للعالمين) (16).
وجاء الحديث الشريف ليؤكد على أنه لا فضل لقوم على قوم
أو للون على لون وإنما معيار التفضيل عند الله يرتكز على دعامة مختلفة تماماً:
(كلكم لآدم وآدم من
تراب لا فضل لعربى على أعجمى
ولا لأعجمى على عربى ولا
لأبيض على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (17)
لقد أكد الإسلام على كل هذه المبادئ كمعايير أساسية
للحياة فى مجتمع يسود فيه الأمن والسلام:
(يا أيها الذين آمنوا
ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان 000)
(18).
فالسلم إذن هو القاعدة، أما الاستثناء فهو خطوات الشيطان التى تقود إلى الهلاك وإلى الحرب وحتى إن كانت الحروب مقدرة
على الإنسان أن يخوضها فهو يفعل ذلك كارها: ( كتب عليكم ا لقتال و هـو كره لكم
00)(19) ولا يقر السلام إلا على أساس من
العدل بين الناس جميعاً واعتبار الناس جميعا سواسية وإن اختلفوا فى أطوالهم وأحجامهم إلا أنهم يكمل بعضهم بعضا: (الناس سواسيه
كأسنان المشط ) (20).
من منطلق هذه المفاهيم الإسلامية نستطيع أن نؤكد أن
الإسلام أقر المساواة بين البشر والعدالة كميزان للعلاقات الاجتماعية بين أفراد
المجتمع الواحد وفيما بين المجتمعات حيث حث الخطاب القرآنى
على احترام العقود والعهود والمواثيق: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا
الإيمان بعد توكيدها 000) (21).
هذا حث صريح على احترام المواثيق عامة أى المواثيق والعهود مع المسلمين وغير المسلمين مع كافة البشر
وهذا المبدأ هو أساس المواطنة الإنسانية لأن احترام الكلمة (الإيمان) أو العهد
يجعل التعامل بين الناس والشعوب مبنيا على الثقة والوفاء والالتزام مما يجعل
التعاون والتكافل والتعاضد مفاهيم يجب أن تسود بين الناس جميعا على ركيزة من البر
المطلق: (... وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان 000)
(22).
على هذا الأساس فإن التقارب بين الشعوب يكون بالتعاون
على الخير والابتعاد عن العدوان وذلك لصالح الإنسانية فلا يستطيع أى شعب أن يعيش ولا أية دولة أن تستمر إلا بالاندماج فى المجتمع الدولى لتكون عنصرا
فعالا من عناصر الأسرة الدولية وتواكب التطور والتقدم فى
جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والصناعية والتكنولوجية والثقافية.
المراجع
(1) المائدة:77 (2) النساء:
171.
(3) البقرة: 143 (4)
البقرة: 143
(5)
النحل :125
(6) العنكبوت: 46 (7) الحجرات 13.
(8)
الزلزلة: 6- 8.
(9) الحج: 42- 43.- (10)
الحج:49 (11)النساء:
163- 164.
(12) سبأ: 28.
(13) سبأ 28. (14) الأنبياء:
107.
(15)
الأنبياء: 92. (16) الروم:22
(17) حديث صحيح. (18) البقرة 208.
(19) سورة ا لبقرة: 216.
(20) حديث شريف صحيح.
(21) سورة النحل: 91.
(22) سورة المائدة: 2.