موقف الإسلام
من ظاهرة الإرهاب
السيد/ أحمد مرانى
وزير الشئون الدينية السابق
وعضو
مجلس الأمة
الجزائر
الحمد لله الذى تفرد بالإجلال
والعظمة والعزة والكبرياء والجمال وأشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
(صلى الله عليه و سلم ) وصحبه وسلم تسلميا كبيرا..إن الإرهاب هو كل عمل إدارى
تسبقه فكرة فى الذهن، تنضح فتتحول إلى نزوع وجدانى ثم يكون التصميم والعزم والتنفيذ، فالتفجيرات و
الاغتيالات والتخريبات والترويعات
إن هى إلا ثمرة لثقافة العنف، ومن ثم فإن معالجته يجب
أن تحصل فبالعقل والروح أو المنطقة المعنوية للإنسان ، بصيغة استراتيجية
علمية فكرية متكاملة متوازنة وحازقة من مقتضاها العلمى أن تنسخ فلسفة العنف باسم الدين فى
العقل والذهن والتفكير..
وما لم يطب الداء أو المعضل فى جذره
وغوره، فإنه يظل يعتل فى العمق،
وإن بدا للناس أن الجسم صحيح أو أن السطح الاجتماعى
معاف وهادئ.
كما أن الإرهاب فى جانب مهم من
جوانبه صناعة خارجية صدرت للأمة
الإسلامية عمدا لتحقيق هدفين يؤذيانها فى
حياتها المادية والمعنوية:
أ - هدف الصد عن سبيل الإسلام فالإرهاب- باسم الإسلام- تشويه
صورة الإسلام السمحة الجميلة الرحيمة- ولايزال يعمد- إلى تقبيح صورة الإسلام بوسائل إعلامه المختلفة. ومن
هنا فإنه من البديهى أن يحفز- بمختلف وسائل الحفز- على
تشويه الإسلام، بيد مسلمين، أو أن يستغل هذه الموجة ويوظفها لتحقيق هدفه الثابت فى ضرب المقومات المعنوية للأمة.
ب- هدف جعل الإرهاب عقبة كبرى فى
طريق التنمية فمن آثار الإرهاب المباشر ضرب الاستقرار السياسى
والاجتماعى إذ يتعذر أن تتحقق تنمية قوية مثمرة، فى غياب الاستقرار السياسى والاجتماعى.
ولما كانت هذه المقاصد قائمة فإن
احتمال استمرار ظاهرة الإرهاب هو احتمال قوى.. وليس من الواقعية الاجتماعية، ولا
من الحكمة السياسية استبعاد هذا الاحتمال بمقتضى الوهم، أو الانخداع بالهدوء النسبى على السطح. وعليه فإن الأمر
يستدعى إقامة ونشر ثقافة دينية سوية تغسل العقول من الإرهاب.. وثقافة علمية تمد
حركة التفكير بزاد علمى يعين على استواء التفكير ويجعله
مبدعا لا مبتدعا سواء أكان الابتداع فى مجال التفكير أم
فى مجال العنف والإرهاب.. وهذه مسئولية العلماء
والمثقفين بالدرجة الأولى. وأن المرتشف من الكتابات
وأدبيات العنف والمستقرئ للأبعاد الدينية يجد أن أسباب التطرف والغلو تعود إلى
ثلاثة أسباب رئيسية:-
ا- أسباب نفسية وهى أن طبيعة الأشخاص المتطرفين ميالة للغلو
والتشدد
2- الفهم الخاطئ لنصوص الشريعة من قبل المتشددين.
3- الشعور
بالاعتداء على العرض والرزق والحقوق.
فالوقوف عند ظاهرة النصوص
الشرعية دون الجمع بينها وبين غيرها
فى الكتاب الكريم والسنة المطهرة، وتعريف جوانب من السنة والفقه، مع جهل
الكثير من النصوص والأحكام أفضى إلى بروز متعالمين أصبحوا موجهين وقادة ويلومون
العلماء الآخرين على عدم سلوك منهجهم، وتفشى وتفنى الحريات المطلقة فى جوانب الشر والانحراف الخلقى والعقدى فى بعض المجتمعات المسلمة،
وأوجدت ضغطا نفسيا على الشباب أيضا،.. مع وجود تقصير فى
أجهزة الدعوة والفكر والثقافة وفشلها فى تبصير الشباب.
وسد النقص الروحى لديهم، وانتشار الأفكار المسمومة فى البلاد الإسلامية ووجود من يدافع عنها فى
مجتمعات لا تقبل ذلك لذا فإن كل سلبية إعلامية تؤدى إلى سلبية دينية فالإرهاب و
التطرف خطر على الدعوة ووجه كالح للأمة وأعتبره فى
المرحلة الحاضرة من أعظم المشاكل التى تواجه الأمة لأنه
يلصق بالحضارة الإسلامية وبتاريخها.. وأن الدعوة الإسلامية تعبر مرحلة صعبة لما
اكتنف العالم من ترابط وتقارب، وتعيش الصحوة الإسلامية فىالحاضر
حالة من الحيرة والتمزق خاصة فى العشرين عاما الأخيرة
من هذا القرن.. إلا أن ما تمر به الدعوة يمكن أن يوجه
ويسدد، وما يحدث للصحوة اليوم ليس نهاية المطاف، فالصحوة التى
تمزقت واختلفت مع بعضها ومع الآخرين ليست ممثلا شرعيا للإسلام ، ولا وصيا على
المسلمين، ومن هنا فإن محاولة فهم ظاهرة التطرف والعنف تستحق العناية من جميع
الفئات والطبقات والتخصصات للحفاظ على مكتسبات الأمة ، ولصيانة معتقداتها وحضارتها
وتشريعاتها من العبث والامتهان.. خاصة فى وقت نزعت فيه
البشرية إلى إفساح الفضاء العالمى للإنسان وإخراج
ممارساته وأفكاره وتوجهاته من محيطها الضيق (الموطن أو المولد) إلى فضاء أرحب،
ينتقل عبره الإنسان بلا قيود ولا حدود ليصبح عاملا مؤثرا ومتأثرا بالمحيط العالمى كله. ويمضى التوجه إلى حد الحلم بأنه ينبغى أن تكون (العالمية) بديلا للمواطنة وعالم الحدود
والجنسيات وفكرة الوطن الواحد والدولة الواحدة ليصبح العالم كله للإنسان وطنا شاسع
الأرجاء.
إن الالتقاء فى رحاب العالمية على
كلمة سواء ، تجاوز الفوارق دون إلغاء الخصوصيات، ومطالبة الإنسان باكتشاف أغوار
هذه الخصوصيات ليزداد تعرفه على أخيه الإنسان، هذه الثلاثية التى
لا تعارض بينها هى التى أقام
عليها الإسلام دعوته ليحقق الاحترام المتبادل بين بنى
آدم، وبدون هذا الاحترام لا يقوم بين البشرية تفاهم ولا تعاون.
لكن الإسلام لم يفرض هذه العالمية الملتحم شملها فى مجتمع عالمى
أساسه التقوى لا بحد العنف والتطرف والإرهاب، ولا بعمل قهرى تسلطى، كل و إنما دعا إلى رسالته بالحكمة والموعظة الحسنة
والجدال بالتى هى أحسن دون
إكراه فى الدين ودون رغبة فى
العنف أو التوسع والهيمنة .
فى ظل هذه العالمية
المهذبة بالدين والتقوى والفضيلة سبق علماء العرب والمسلمين إلى رفع الحدود عن
العلم والحكمة.
فأطلقوا شعار:- علم بلا حدود ودين بلا قهر- وطبقوه فى مجال البحث المعرفى وتبادل
الحكمة والحياة الدينية عامة واليوم وأكثر من ذى قبل ،
فإن العالم فى حاجة ماسة إلى سماحة الأديان والفضائل
والقيم والابتعاد عن كل ما يدعو إلى العنف والتطرف والإرهاب.
فمن محاسن الدين الإسلامى أن تنصف
من نفسك وأن تحب للناس ما
تحب لنفسك، وتضع نفسك ، موضع إخوانك المسلمين وغيرهم وتعاملهم المعاملة التى تحب أن يعاملوك بها، وتؤدى
حقوقهم. قال تعالى:
( ويؤثرون على أنفسهم ولوكان بهم خصاصة ) وقال رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) (
لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون فيه ثلاث خصال ، الإنفاق من الإقتار، والإنصاف
من نفسه، و بذل السلام ) والحديث الأخر. ( من كان معه
فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل
من زاد، فليعد به على من لا زاد له )
( فذكر من أصناف المال ما ذكر، قال أبو سعيد: حتى رأينا أنه لا
حق لأحدنا فى فضل ) (1)
ومن محاسن الإسلام
وأخلاقه السامية، أن يصون الإنسان عرض أخيه
المسلم ونفسه وماله من ظلم أصابه بقدر استطاعته، ويرد عنه
الظلم والعدوان، ويدافع ويناضل عنه حسب قدرته، فقد روى أبو الدرداء
رضى الله عنه أن رجلا نال من رجل عند رسول الله (صلى
الله عليه و سلم ) فرد عنه رجل فقال النبى (صلى الله عليه و سلم
)
( من رد عن عرض أخيه كان له حجابا من النار ) وورد عنه (صلى الله عليه و سلم ) أنه قال
( من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة ) (2).
وأن العطف على الضعفاء،
والشفقة على الفقراء، والرأفة باليتامى
والخدم
والعبيد، والإماء، والإحسان إليهم، ودفع الأذى عنهم، وحسن معاملتهم، والتواضع
معهم، وملاطفتهم، وخفض الجناح لهم، لين الجانب معهم، من المبادئ السامية لشريعتنا السمحاء ، قال تعالى:( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)
(3) وقال ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه )
(4) وقال ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر ) وقال ( أرأيت الذى يكذب بالدين فذلك الذى يدع
اليتيم ولا يحض على طعام المسكين ) (6)
وقال ( وما أدراك. ما العقبة فك رقبة أو إطعام فى يوم ذى مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة " (7)
وقال ( عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى " (8). وقد شملت
هذه المحاسن حتى الحيوانات والبهيمة، عن ابن عمر رضى
الله عنهما أن رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) قال (عذبت امرأة فى
هرة سجنتها حتى ماتت ، فدخلت فيها النار، لا هى
أطعمتها، ولا هى تركتها تأكل من خشاش الأرض ) (9).
وروى الشيخان وغيرهما
مرفوعا " أن رجلا دنا من بئر فنزل وشرب منها، وعلى البئر كلب يلهث من العطش،
فرحمه فنزع أحد خفيه فسقاه، فشكر الله له ذلك فأدخله الجنة ".
وروى مسلم وغيره أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) رأى حمارا
قد وسم فى وجهه فقال
(لعن الله الذى وسمه ).
ومن محاسن الدين الإسلامى أن يحرم
الاعتداء، أو النيل من النفس
أو المال أو العرض أو العقل، وكل جريمة من جرائم الاعتداء
عليها عقوبة، والأخلاق الإسلامية ليست أمورا كمالية فى
نظر الإسلام، كما يتوهمه البعض، بل هى
واجبات يحرص عليها، ومعرض كل من يخرج عن دائرتها، بأنه سيقتص منه فى الآخرة إن لم يتب، وعن أبى هريرة رضى
الله عنه، أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال
( أتدرون من المفلس؟ قالوا: من لا دينار له ولا درهم قال رسول
(ص): المفلس من أمتى من يأتى
يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتى وقد شتم هذا،
وقذف هذا أو أخذ مال هذا أو سفك دم هذا أو ضرب هذا، فيعطى من حسناته لهذا ولهذا،
فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح فى النار ) (10).
ففلاح الحياة يتطلب من الفرد أن يكون عفا فى
سلوكه ومعاملاته وكلامه.
قال
رسول الله (ص) ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ) ويظهر لنا من خلال هذا
الاستقراء الأولى أهمية تربية الفرد فى المجتمع
من جميع الجوانب درء المفاسد المختلفة التى قد
تصيبه، فكما نهتم بالتربية من الناحية الجسمية والروحية والخلقية كذلك فإننا نولى
أهمية كبرى للتربية من الناحية الفكرية، وذلك ليكمل بناءه من جميع الجوانب.
والتربية الفكرية السليمة البعيدة عن كل مظاهر العنف تقضى إلى
تنمية ذكاء الفرد المسلم، وتفتق قدراته على التأمل، والتفكير، والنظر، وتنمى
قدراته على التخيل والتصور إلى جانب تقوية ذاكرته، وإعطائه القدرة على التحليل،
وإدراك العلاقات بفهم عظات الدين وسلامه منهجه، وربطه بواقع الحياة، وربط العلل
بالمعلومات، والأسباب بالنتائج، إلى جانب اهتمامها بتنمية القدرة على التأقلم
والتعبير. فتشمل بذلك جميع نشاط العقل الدينى. ومن ثم
فإن صياغة استراتيجية تربوية- ثقافية كاملة متكاملة
تنبذ فى أسسها التعليمية والإعلامية العنف ومظاهره لها
أهمية قصوى لحماية بيئة المجتمع الإسلامى وهو على مشارف
القرن الجديد. وإنى أدعو المؤتمر الموقر إلى إقامة مركز
عالمى للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
المستقبلية فى هذا المجال.. لأن التربية الفكرية تثبت
العقيدة السليمة فى النفس، وتبقى الفكر الإسلامى السديد فى الذهن، وتعطى
القدرة على تمييز الفكرة الإسلامية من بين التيارات الداخلية المناهضة للتصور الإسلامى السليم، كما أنها تبث روع العزة والأصالة بالفكر الإسلامى عند النشء.
و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
المراجع
(1) رواه مسلم:
(2) رواه الترمذى.
(3) الشعراء: 215.
(4) الكهف : 28
(5) الضحى : 9 - 10
(6) الماعون: 1- 3.
(7)البلد: 12- 16.
(8)عبس: ا- 3.
(9) متفق عليه.
(10)رواه مسلم.