كلمة فضيلة الإمام الأكبر
أ.
د./ محمد سيد طنطاوى
شيخ الأزهر
عندما نلتقى
جميعا على تلك المقاصد الكريمة، وعلى هذه الغايات النبيلة نلتقى
من أجل التعاون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان.. نلتقى
من أجل خدمة ديننا وأمتنا من أجل خدمة الحق والفضائل، نلتقى
فجميعا لا من أجل متعة فانية، ولا من أجل شهوة زائلة،
وإنما من أجل نشر السلام والأمان والاطمئنان، ومن أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل.
الرسالة واحدة فى جوهرها:
إن الأديان السماوية جاءت برسالة واحدة فى
جوهرها ألا وهى إخلاص العبادة لله الواحد القهار ووجوب التحلى
بمكارم الأخلاق ويؤكد القرآن الكريم أن كل رسول أرسله الله تعالى إلى الناس كانت
الكلمة الأولى التى يوجهها إلى الناس أن يقول لهم: ( يا
قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره).
(
لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) (1)،
(وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) (2)، ( وإلى
ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) (3)، ( وإلى مدين
أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره
) (4).
ويجمل القرآن الكريم هذا المعنى فى
قوله عز وجل ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى
إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) (5) .
القرآن الكريم يصرح بهذا المعنى الواضح الجليل بأن الرسل
جميعا جاءوا لسعادة الناس ( شرع لكم من
الدين ما وصى به نوحا والذى
أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن
أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) (6).
الإسلام لكل زمان ومكان:
موضوع مؤتمرنا هذا العام ( الإسلام
والقرن الحادى والعشرون) ، وهناك عبارة نحفظها جميعا
تقول: الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان هذه حقيقة لا يختلف فيها عاقلان لأن
الإسلام لم يأت بشىء يخالف العقل السليم، لم يأت بشىء يؤخر الإنسان وإنما شريعة الإسلام أتت بما يرقى بعقل
الإنسان فى كل مجال من مجالات الحياة فى حدود ما أحله الله عز وجل.
شريعة
الصدق والعدل:
إن الأديان السماوية جميعها كما أنزلها الله سبحانه وتعالى
جاءت بهذا المعنى، جاءت شريعة الإسلام بالفضائل وبالصدق فأمرت الناس جميعا أن
يكونوا صادقين ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (7).
والرسول صلى الله عليه وسلم هو القائل " عليكم بالصدق فإن
الصدق يهدى إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق
ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا
".
جاءت شريعة الإسلام بالعدل فى
الأقوال ( وإذا قلتم فاعدلوا ) (8)، وبالعدل فى الأحكام
( وإذا حكمتم بين
الناس أن تحكموا بالعدل )(9)، وبالعدل فى الشهادة (
واشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ) (10) ،وبالعدل عند الإصلاح بين الناس
( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى
فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن
الله يحب المقسطين) (11).
العدل مع الأعداء:
جاءت شريعة الله بالعدل مع العدو ومع الصديق ( ولا يجرمنكم
شنأن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) (12)، لقد أمرت الأديان السماوية
باعتناق الفضائل، فضيلة العدل، وفضيلة الرحمة، وفضيلة السلام، وفضيلة القوة، إذ
يأمر القرآن الكريم أتباعه أن يكونوا أقوياء لأن القوة صفة من صفات الله عز وجل (
إن ربك هو القوى العزيز) (13)، ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عزيز) (14). والقوة صفة من صفات الملائكة ( عليها ملائكة
غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون
ما يؤمرون) (15). والقوة صفة من صفات أمين الوحى سيدنا
جبريل ( علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى ) (16). أى علم القرآن للنبى صلى الله عليه
وسلم ملك من صفته أنه شديد القوى.
عندما يدعو الرسل أتباعهم إلى القوة إنما يدعونهم إلى القوة
العاقلة الحكيمة الرشيدة التى تحق الحق وتبطل الباطل
لأن القوة الباغية الظالمة، الضعف خير منها، لكن القرآن الكريم عندما يدعو إلى
القوة يدعو إلى القوة الرشيدة التى تقف إلى جانب
المظلوم حتى ينتصر وتقف فى وجه الظلم حتى يندحر، تلك هى القوة التى تريدها شريعة
الإسلام والقرآن الكريم يعمم هذه القوة، يقول الحق تبارك وتعالى ( وأعدوا لهم ما
استطعتم من قوة) (17) بصيغة التنكير فتكون القوة بالعلم وبالسلاح وفى وسائل
الاتصال، فكل قوة وكل حضارة من شأنها أن ترقى بالإنسان وأن تجعله يتقدم فى كل مجال من مجالات الحياة.
الإسلام دين الحضارة الإنسانية:
فالإسلام يرحب بكل تقدم يقصد به
إحقاق الحق وإبطال الباطل يرحب الإسلام بكل حضارة تخدم الإنسانية فى حدود اعتناق الفضائل وفى حدود نصرة الضعيف أو المظلوم ترحب
الأديان السماوية جميعها بذلك.
الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان هذه
حقيقة لا يختلف عليها اثنان، كل رقى عقلى فى أى مجال من مجالات الحياة ترحب به شريعة الإسلام، وكل هذا الكون سخره الله لخدمة الإنسان (
الله الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء
فاخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل
والنهار * وآتاكم من كل ما سألتموه وإن
تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار) (18).
المسلمون والتقدم العلمى:
على المسلمين أن يواكبوا التقدم العلمى
فالإسلام يأمرهم بذلك. عندما أرسل سيدنا أبو بكر خالد بن الوليد لحرب أعدائه قال
له يا خالد حاربهم بمثل ما يحاربونك به، إن حاربوك
بالسيف فحاربهم بالسيف وإن حاربوك بالرمح فحاربهم بالرمح - ترى لو كان سيدنا أبو
بكر فى زمننا هذا ماذا كان يقول لسيدنا خالد؟، كان يقول له ولو حاربوك بالقنبلة الذرية فحاربهم أيضا بالقنبلة
الذرية.
إن الإسلام يؤيد العلم ومادة (علم) التى
اشتق منها (علم ويعلم وأعلم واعلموا ويعلمون وتعلمون) تكررت فى
القرآن الكريم أكثر من ثلاثمائة مرة، ويكفى قول الله عز وجل مخاطبا رسوله صلى الله
عليه وسلم بقوله ( فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك
وحيه وقل رب زدنى علما ) (19).
لم يقل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم
رب زدنى مالا أو جاها أو جمالا وإنما قال له ( وقل رب زدنى علما ).
الحفاظ على التراث والأخلاق:
إن الإسلام يأمر أتباعه بأن يحافظوا على
أصولهم ومكارم الأخلاق بعد ذلك لا يمنعهم من أن يفتحوا عقولهم لكل علم نافع فى جميع المجالات الزراعية والاقتصادية، وفى مجال الاتصال
أمرهم أن يفتحوا عقولهم وأن يسبقوا غيرهم كما قال الله عز وجل ( أولئك يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون ) (20).
نحن فى هذا المؤتمر نرحب بضيوفنا
الكرام وندعو الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه المجالس خالصة لوجهه الكريم وأن
يجعلها فى ميزان حسناتنا جميعا يوم نلقاه ( يوم يفر
المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرىء
منهم يومئذ شأن يغنيه ) (21).
المراجع
(1)الأعراف: 59.
(2)لأعراف: 65.
(3) الأعراف: 73.
(4)
الأعراف:85 .
(5) الأنبياء: 25.
(6) الشورى: 13.
(7)
التوبة: 119.
(8) الأنعام: 152.
(9)
النساء: 58.
(10) الطلاق: 2.
(11) الحجرات: 9.
(12) المائدة: 8.
(13)
هود : 66 .
(14)
المجادلة : 21.
(15)
التحريم : 6.
(16)
النجم : 5-6.
(17)
الأنفال : 60.
(18) إبراهيم: 32-34.
(19)
طه: 114.
(20) المؤمنون : 61.
(21)
عبس: 34-37.