الأصالة
والمعاصرة
فى الثقافة الإسلامية
الحقيقة والأشكال
أ.د/ محمد رأفت سعيد
أستاذ ا لشريعة والدراسات ا لإسلامية
رئيس قسم اللغة العربية بكلية
الآداب
جامعة المنوفية
مفهوم الثقافة
الإسلامية ومصادرها:
لقد تناول
الباحثون مفهوم الثقافة بمجموعة من التعريفات، وبعضهم جعلها مرادفة لمفهوم "
الحضارة " وخلاصتها: أنها مجموعة المعارف النظرية والتطبيقات العملية
والخبرات المكتسبة والتى تحدد نظرة الإنسان إلى الكون والحياة.
وهى بهذا التعريف
تشمل الجوانب النظرية والجوانب المادية فى حياة الإنسان، غير أن بعض التعريفات تجعل
الجوانب النظرية من شأن الثقافة والحضارة وتخصص " المدنية " للجوانب
المادية.
والثقافة
الإسلامية فى إطار التعريف السابق والمتداول لدى
الباحثين تعنى المصادر التى يستقى منها الجوانب النظرية، وتعنى كذلك مايتصل
بالجوانب التطبيقية والخبرات المكتسبة، وهذا يعنى التداخل فى الحكم على الثقافة
الإسلامية جمعا بين المصدر والتطبيق. وهذا ما يدعونا إلى تجلية حقيقة لابد منها،
وهى أنه عبر التاريخ منذ نزول الوحى على رسول الله صلى الله عليه وسلم والأجيال تتعاقب، وبمقدار حسن تطبيقها وتفاعلها
مع وحى الله على
رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفى القرآن الكريم، وفى
بيانه وتفصيله بالسنة النبوية- تكون الموافقة بين النظرية والتطبيق.
وعلى ذلك يمكن
القول بأن مصادر الثقافة الإسلامية هى القرآن الكريم وهو كلام الله المتلو المعجز
والذى أنزله على رسوله الله صلى الله عليه وسلم
بلسان عربى (نزل به الروع الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان
عربى مبين) (1).
والتطبيق العملى
للقرآن الكريم فى سنة النبى صلى الله عليه وسلم
وهو أفصح العرب حيث فصل مجمل القرآن وبينه بوجوه البيان المتعددة والتى
تناسب سائر الناس، ومن فضل الله على هذه الأمة أن حفظ لها مصدر ثقافتها النظرى
بتوفيقه لعلماء هذه الأمة من الرجال والنساء حيث بذلوا من سبل التوثيق العلمى ما
يشهد لهم بالسبق والإتقان، وأما المصدر الثالث فهو الاجتهاد العقلى والذى يتمثل فى
بذل أقصى الجهد لحسن فهم المصدرين، وحسن معرفة العصر والواقع الذى يعيشه المثقف فى
كل جيل لينتفع بتوجيهات القرآن الكريم والسنة المطهرة فى الأمور الثابتة والمتغيرة
عبر العصور. والمتأمل فى هذه المصادر يرى أنها لا تتقيد بزمان ولا بمكان بل عطاؤها
مطلق لكل إنسان فى أى زمان وفى أى مكان، وهذا يتضح من ذكر بعض خصائص هذه الثقافة.
ومنها تلك الخاصية
والتى تنطلق من قيمة المساواة والعدل والتوازن وهى أنها لا تفرض نفسها على من لم
يستجب لها. (لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى... ) (2). (... فمن شاء
فليؤمن ومن شاء فليكفر..) (3). (فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر) (4).
ولهذا فهى
المقدمة على ثقافات أخرى تخضع لأهواء البشر ولا تقبل وبغرور البشر لا تقبل من
غيرها إلا رؤية ما يرى والانصياع لثقافة الأقوى ولو كانت من قبيل الهوى وليست من
مقتضيات العصور- كما سنرى.
ومن خصائص هذه
الثقافة أنها تربط بين الإنسان والكون الذى يعيش فيه ربطا يعرفه بأنه كون مخلوق
لله سبحانه كما أن الإنسان مخلوق وكون مسخر فما يرى فيه من الظواهر الكونية ليست
مصارعة للإنسان بل إن الكون مسخر له لينتفع به وهو يرى فيه آيات القدرة الإلهية
والعظمة والإبداع، وإنه مطالب وفق هذه النظرات بالانسجام والألفة معه يستقرئ آياته
ويكتشف قوانينه وسننه، ويستعمل ما يصل إليه من نتائج بحثه ونظره فيما يعود بالخير
العام على البشرية كلها، بل وعليه أن يعلم غيره ما وصل إليه من هذه العلوم.
حقيقة الأصالة
والمعاصرة :
حقيقة الأصالة
والمعاصرة فى الثقافة الإسلامية هى التعانق بينهما فالأصالة تقتضى المعاصرة، والمعاصرة
لا تكون كاملة بغير أصالة، وهذا ما تتميز به الثقافة الإسلامية المستمدة من الوحى
وإعمال العقل بخلاف ما يكون من ثقافة بشرية حرمت من هداية الوحى، وأخذت منه طرقا وتركت آخر.
أما مشكلة
الأصالة والمعاصرة فى ثقافتنا العربية فتعود كما يتناولها البحث إلى بعض العناصر
الداخلية والخارجية، منها المعرفة المنقوصة بحقيقة أصالتها فى التعانق السابق بين
الأصالة والمعاصرة مما يجعل اعتبارها كثقافات أخرى ليس فيها خصائص هذا التعانق
ظلما شديدا لها ولأصحابها، وتشتد وطأة الظلم عندما تستعمل المعاصرة سيفا لبتر هذه
الأصالة.
وتأخذ هذه
المشكلة فى داخل الأمة أبعادا منها: تقسيم الأمة إلى قسمين قسم ينسب إلى القديم
ويوصف بالرجعية وقد يدفع بهذا الوصف إلى الجمود ويفقد حقيقة الأصالة والمعاصرة،
وهذه سلبية خطيرة.
وقسم يوصف بالمعاصرة فيأخذ سبيل المعاداة لكل ما هو قديم ولو كان يحمل صفة
الدوام والاستمرار ونتيجة هذا أن يحرم هذا القسم كذلك من حقيقة التعانق بين
الأصالة والمعاصرة.
وهذه المشكلة
تمتد بحكم الوسائل المعاصرة- فى القرب الذى يصل بالعالم إلى مساحة الحجرة الواحدة-
إلى خارج الأمة لنجد أيضا وجود هذه القسمة الجائرة التى تكرس المشكلة وتبعد حقيقة
التعانق.
وينتهى البحث بعد
ذكر حقيقة التعانق بين الأصالة والمعاصرة وخطورة المشكلة بينهما إلى دعوة عامة
ترفع لواء المعرفة المطلقة التى تبدد ظلمات
ملأت جوانب كثيرة فى حياة المجتمعات لتعرف أن مقتضى الأصالة أن يعيش
الإنسان عصره، وإن مقتضى المعاصرة أن تكون توافقا وتواصلا يجمع بين الأصالة وحياة
الحاضر والمستقبل، وأن يفرق الإنسان فى نظرته المنصفة بين مقتضيات العصور وأهوائها
حتى تخرج من دوائر المشكلة وتدخل القرن القادم بحقيقة الأصالة والمعاصرة لتجد
مكانا إيجابيا فى حياة البشر وتؤثر وتتأثر إيجابيا والله ولى التوفيق.