التأصيل التاريخى للوحدة الوطنية
فى مصر
الأستاذ فهمى ناشد
عضو
مجلس الشورى
أود أن أنبه.. بادئ ذى بدء.. إلى أن حديث البحث
ليس حديثا- وما ينبغى له أن يكون- عن الوحدة الوطنية فى مصر لأننا نعيشها منذ
القدم واقعا مصريا ونمارسها فعلا يوميا حيث تتلاصق الدور، وتتجاور القبور، وتتشارك
القدور، وحيث تترامى على ثرى الأرض الطيبة مآذن المساجد وأبراج الكنائس متآخية
متناغمة، بل حديثا عن التأصيل التاريخى للوحدة الوطنية فى مصر الكنانة باعتبارها
صيغة كونية ومسيرة أزلية وفريضة دينية ووصية إسلامية وقاعدة دستورية.
إنه تاريخ
طويل يبدأ فى مصر القديمة ويقرأ قراءة صحيحة من صناعه الحقيقيين من المصريين الذين
عرفوا التوحيد قبل الأديان وأبدعوا الصيغة الكونية للإنسانية التى تجمع بين
التوحيد والتوحد: التوحيد بالله والتوحد فى الوطن ومن ثم فقد وقفوا صفا واحدا على
مر التاريخ يتصدون للغزو الأجنبى ويظلون على مدى أربعة عشر قرنا من الفتح العربى-
أقباطا ومسلمين فى رباط إلى يوم القيامة
خير أجناد الأرض يصدون معا حملات الغزاة فيردون الهكسوس والفرنجة (الصليبيين)
والحملة الفرنسية، والاستعمار البريطانى، والعدوان الإسرائيلى على مصر والوطن
العربى.
إن بداية مسار
الوحدة الوطنية فى مصر جاءت مع بداية فتح مصر فلا يأتى الفتح الإسلامى قصرا
أوغزوا، بل صلحا ينعقد فى معاهدة تكشف بنودها عن أصالة البعد الديني المصرى سواء
بين المصريين الذين يعانون من اضطهاد الرومان لعقيدتهم المسيحية، أو المسلمين الذين
يلتزمون بعقيدتهم الإسلامية بأن لا إكراه فى الدين، ويصاغ عهد يكتبه عمرو بن
العاص- كما أخرجه الطبرى- عهد الله ورسوله وعهد أمير المؤمنين (بسم الله الرحمن
الرحيم.. هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم
وكنائسهم وصلبهم فى برهم وبحرهم لا يد خل عليهم شئ من ذلك ولا ينقص).
لم يأت عهد الفتح بالأمان على النفس والمال والعقيدة وشعائر
العبادة من فراغ، بل جاء إعمالا لأحكام الدين الحنيف بحرية العقيدة وللتنزيل
الحكيم بأن "لا إكراه فى الدين ".
وقد شرفت مصر بالوصية النبوية المشرفة الأخيرة فيما حدث به عبد
الله بن مسلمة عن عبد الله بن وهب (أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سألوه- وهو
على فراش المرض- فقال "قبط مصر فإنهم أخوال وأصهار وهم أعوانكم على عدوكم،
وأعوانكم على دينكم "، وهو أول دستور يحكم مصر منذ بداية الفتح الإسلامى-
أقباطا أخوالا ومسلمين أعماما فى أسرة واحدة متعاونين فى أمور الدنيا متساندين فى
شئون الدين تكريسا لحكم الدين الحنيف بأن الدين واحد والشرائع شتى، وإيمانا
بالرسالات السماوية لا يفرق بين كتبه ورسله وأنبيائه أجمعين.
ومن هذا الدستور الإسلامى يولد على أرض مصر أول ميثاق عالمى
لحقوق الإنسان الذى يحكم شعوب العالم اليوم والذى يتمثل فى مقولة عمر بن الخطاب بعد
فتح مصر فى سنة 22 هجرية "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟! بعد أن تحولت تلك المقولة المشهودة لتكون المادة
الأولى من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان وقد حملت مصر مسئولية تكريمها عالميا فى
إطار الأخوة الإنسانية الشاملة بواسطة الدكتور محمود عزمى ممثل مصر فى اللجنة
التحضيرية لمشروع الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى مادته الأولى.. "يولد الناس
أحرارا متساويين فى الكرامة والعدل "، والتى تقوم على مرجعية الخصيصة
الإنسانية التى توحد بين البشر فى عملية الولادة، فحين يولد الإنسان إنسانا فقد
حقت له كافة حقوق الإنسان وأولها حق المواطنة الكاملة دون أى انتقاص وبغير أية
تفرقة بسبب الدين أو الجنس أو اللغة أو اللون أو الوضع الاجتماعى أوالطبقى.
وهكذا تعكس
فلسفة هذا الدستور الإسلامى العمرى منهج الدين الخالص فى حقوق الوطن والمواطنة فلا
تؤدى سماحا أو تسامحا، بل فريضة من فرائض الدين التزاما بأحكام الوصية النبوية
المشرفة المعروفة باسم الصحيفة (صحيفة المدينة) كأول وثيقة دستورية فى التاريخ
تكرس حق المواطنة باعتبار أهل الكتاب مع المسلمين "أمة واحدة" يعاملون
كمواطنين لا رعايا أو أجانب "لهم ما لنا وعليهم ما علينا " فى الحديث
النبوى الشريف.
حتى إذا امتدت
مسيرة التاريخ إلى مصر الحديثة- نرى ثورة 1919 تحرص فى نضالها الوطنى ضد المستعمر
البريطانى على أن ترفع شعارها الوطنى الخالد.. "الدين لله والوطن للجميع
"، وهو شعار يتمسك به الشعب المصرى حتى اليوم الى آخر الزمان.
ولا يغير من
الأمر أنه تشهد مرحلة السبعينات بعض الدعوات المعادية للمجتمع التى لا تستهدف ضرب
الوحدة الوطنية وحدها، بل تستهدف الوطن بأكمله بتخريب الاقتصاد القومى فى عملية
توظيف الأموال وضرب السياحة والاستثمار لخلق أزمة البطالة بما يسهل تجنيد أعداد من
الشباب لخدمة أغراض الإرهاب، فضلا عن التحول من الإرهاب المسلح بقتل الأبرياء من
المواطنين ورجال الشرطة وذلك إلى الإرهاب المعنوى بإشهار سلاح التكفير على التفكير
والإبداع، بل على المجتمع بأكمله توصلا لقلب نظام الحكم والاستيلاء على السلطة!
وما كان لتلك
العناصر المعادية للوطن والدين أن تحقق أهدافها لولا أنها عمدت من وراء ظهر
المجتمع إلى إعداد خطة طويلة الأمد تقوم على التدليس على الدين وإنكار الوطن
بتنكيس علم مصر وإسقاط نشيدها القومى فى مدارسها والعبث بمناهج التعليم، بل وسرقة
التعليم بأكمله!
وتنتهى مرحلة السبعينات العارضة فى تاريخ مصر الوطنى لتأتى مرحلة
الثمانينات التى يبعث الله فيها لمصر الكنانة من أبنائها من يؤتيه الحكمة ويورثه
الصيغة الكونية للإنسانية فى خصوصيتها المصرية حيث عبرت التعاليم السرية لقدماء
المصريين بأنه لا يمكن لأحد تقديمها ما لم يكن قد تلقى من الله ووهب رؤية جديدة
موافقة للحقيقة ومناسبة للعصر، فيبدأ الرئيس محمد حسنى مبارك عهده بإعلان الخيار
الديمقراطى، وبإطلاق سراح المعتقلين من رموز العمل الوطنى، بل وبالإفراج عن عقل
الأمة من خلال مشروع مبارك القومى للتعليم الذى يقوم على التجديد لا التقليد، والإبداع
لا الاتباع، ويستعيد انتماء مصر الوطنى الذى لا تنفصل فيه فكرة الوطن عن مبدأ
الدين، ويستدعى هوية مصر العربية فى إطار الثقافة الإسلامية التى تقوم على مبادئ
المواطنة والوسطية وحرية العقيدة والضمير وحقوق الإنسان والأخوة الإنسانية الشاملة
والتى تلتف حولها مشاعر جميع المصريين- أقباطا ومسلمين- باعتبارها القاعدة الصلبة
لوحدة مصر الوطنية.
ومن يمن
الطالع أن يتواكب فى مرحلة التسعينات من عصر مبارك مشروع مصر التعليمى الثقافى مع
المشروع الحضارى الإسلامى الذى تقوم عليه النخبة القيادية فى المؤسسة الدينية
الإسلامية المتوضئة بنور الإيمان وعطر الوطن حيث تتلاحم عبقرية الزمان والمكان
والإنسان فى كل رمز من رموزها على مدى التاريخ فيما عبر عنه شيخ الأزهر خلال ثورة
1919 منذ ثمانين عاما شعرا:
كلانا على دين به هو مؤمن ولكن
خذلان البلاد هو الكفر
وهو ذات ما
يردده اليوم بطريرك الكنيسة المصرية البابا شنودة الثالث نثرا:
" ليس الوطن وطنا نعيش فيه، بل وطنا
يعيش فينا"
وهكذا تبحر
مصر إلى شاطئ (القرن الحادى والعشرين) على سفينة المؤسسة الدينية المصرية الشاملة
سواء فى المؤتمر الإسلامى الدولى عن الإسلام و القرن الحادى والعشرين الذى
استضافته القاهرة من 2 حتى 5 يوليو 1998، أو فى نص الاتفاق التاريخى بين المجلس
البابوى للحوار بين الأديان الذى وقع عليه كل من الكاردينال فرنسيس أرينزة رئيس
المجلس، والمطران مايكل فيتز جيرا لد أمين سر المجلس- وبين اللجنة الدائمة للأزهر
الشريف لحوار الأديان السماوية التى وقع عنها كل من الشيخ فوزى الزفزاف وكيل
الأزهر ورئيس اللجنة، والدكتور على السمان نائب رئيس اللجنة وذلك بتاريخ 28 مايو
1998 بحاضرة الفاتيكان. وتقضى أحكام الاتفاقية بأن تؤدى الأديان الدور الخليق بها
فى المجتمعات البشرية فى سبيل حل مشكلات الإنسانية جمعاء لتحقيق الأهداف الثلاثة
التالية:
- البحث عن القيم المشتركة تدعيما للعدالة والسلام، وترسيخا لقيم
الأديان، والاحترام المتبادل بين المسيحيين والمسلمين فى كافة البلدان.
2- تشجيع الموضوعات ذات الاهتمام المشترك
كالدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه، ودعم روح الإخاء والتضامن والتعاون والمعرفة
وتبادل المعلومات.
3- التصدى سويا للتطرف الدينى بوصفه تعبيرا عن النبذ ومصدرا للكره
والعنف والإرهاب.
وهكذا تمضى
مصر الكنانة.. أرض الحضارات وملتقى القارات والرسالات ومسار الرسل والأنبياء..
تمضى مصر بحضارتها العريقة ووحدتها الوطنية الراسخة على مدى الزمان وتنميتها
الشاملة وضمانات دستورها الحديث لدخول القرن الحادى والعشرين استمرارا لدورها
القيادى الرائد إلى أن تتجمع الكلمة فيشرق عصر تتكامل فيه البشرية بظهور الإنسانية
الكونية ويبدأ عصر الإنسان حيث تحكم الضمائر من جديد وينتهى الشر والمرض والألم،
وتمحى الكراهية والحقد والعمى، وتنقضى المكايدة والمحن والعناء، وتزول فوارق
العنصر والجنس واللون واللغة والدين، وتختفى الحزبية والقبلية وبذلك تنتشر الجنة
على الأرض.