الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر العاشر : الإسلام والقرن الحادي والعشرون يوليو 1998م
 
الإجتهاد فى الفكر الإسلامى

الاجتهاد فى الفكر الإسلامى

أ. د. محمد شامة

أستاذ الدراسات الإسلامية باللغة الألمانية

جامعة الأزهر

الاجتهاد ضرورة تشريعية

الاجتهاد مصدر من مصادر التشريع، أو هو أسلوب أحله الإسلام للوصول إلى حكم الشرع فيما يجد من أحداث، وقد باشره النبى صلى الله علية وسلم ، غير أن الوحى كان يصحح له اجتهاده، لو خرج عما يريده الله، يشهد بذلك قولـه تعالى: ( يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم) (1).

وقد روى البخارى عن ابن عباس- رضى الله عنه- أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبى صلى الله علية وسلم فقالت: إن أمى نذرت أن تحج، ولم تحج حتى ماتت.. أأحج عنها؟ قال: " نعم حجى عنها، أرأبت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء ". فهذا الجواب من رسول الله صلى الله علية وسلم  قياس، إذ قاس الحج على الدينَ فى الوفاء، والقياس اجتهاد.

وكذلك ما رواه أحمد بسنده إلى عبد الله بن عمر، فيما يتعلق بأسرى بدر عندما استشار الرسول صلى الله علية وسلم أصحاب فى أمرهم، إذ أشار عليه أبو بكر باستبقائهم، وقبول الفداء منهم، لعل الله أن يتوب عليهم، وأشار عمر بضرب أعناقهم، فمال إلى رأى أبى بكر، وقبل الفداء، وأطلقهم، فعاتبه الله على ذلك بآية فى القرآن الكريم، وهى قوله تعالى: ( ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) (2).

وكذلك ما كان منه صلى الله علية وسلم من إذن لمن استأذنه فى التخلف فى غزوة تبوك لأعذار انتحلوها، فقد كان اجتهاداً منه عاتبه الله عليه، بقولـه: ( عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) (3).

وغير ذلك كثير دونته كتب السنة، وأصبحت اجتهاداته صلى الله علية وسلم بعد إقرارها من الوحى فرضاً يجب اتباعه ولا يجوز معه اجتهاد. وليس لأحد أن يعترض بأن هذه الاجتهادات من رسول الله صلى الله علية وسلم فروض واجبة الاتباع فخرج عن دائرة الاجتهاد، لأن ابتداءها كان اجتهاداً للتشريع، أى لتعليم المسلمين أن طريق الاجتهاد، عندما لا يكون هناك نص أو أسلوب أحله الإسلام للوصول إلى ما يستجد من أحداث.

الاجتهاد في المجتمع الإسلامى

كان عمل رسول الله صلى الله علية وسلم منهاجاً لأصحابه، يقتدون به فيهتدوا إلى ما أراده الله لهم، وكان سلوكه فى استنباط الأحكام تشريعاً لهم ليفعلوا مثله من بعده، عندما يواجهون أحداثاً جديدة، بل إنه دفعهم إلي الاجتهاد، واستنباط الأحكام فى حياته، بل وفى حضوره، ليدربهم على هذا العمل الذى فيه حياة المجتمعات وتجددها، فقد روى الإمام أحمد بسند صحيح: " جاء خصمان إلى النبى صلى الله علية وسلم يختصمان، فقال رسول الله صلى الله علية وسلم : قم يا عقبة، فاقض بينهما، فقلت بأبى أنت وأمى يا رسول الله، أنت أولى بذلك، قال: وإن كان اقض بينهما، فقلت: على ماذا؟ قال: اجتهد، فإن أحسنت، فلك عشر حسنات، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر واحد ".

وقد سأل رسول الله صلى الله علية وسلم معاذاً، عندما بعثه إلى اليمن قاضيا، فقال له: " كيف تقضى إذا عرض لك قضاء؟ قال أقضى بكتاب الله، قال: فإن لم تجد فى كتاب الله؟ قال: أقضى بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد فى سنة رسول الله؟ قال أجتهد رأيى، ولا ألو. فضرب رسول الله صلى الله علية وسلم على صدره وقال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله إلى ما يرضى الله و رسوله ".

فقد أرضى معاذ رسول الله صلى الله علية وسلم حين قال له إنه يجتهد فيما يعرض عليه، مما ليس فيه حكم فى كتاب ولا سنة، وهذا دليل على أن الاجتهاد وسيلة من وسائل استنباط الأحكام فى الشريعة الإسلامية. وقد فهم الصحابة ذلك، فمارسوه، وطبقوه فيما عرض عليهم من أحكام حديثة، وفيما قابلهم من ظررف لم تكن فى عهد رسول الله صلى الله علية وسلم .

 

فقد كانت ممارستهم الاجتهاد فى عهد رسول الله صلى الله علية وسلم وشهودهم قضاءه فى أقضيته، واجتهاده فى فتاويه، ومشاركة بعضهم بعضاً فى ذلك، ورجوعهم إلى النبى e فيما نظروا فيه، واهتداؤهم بهديه فى ذلك، قد هيأ لهم ما صاروا إليه من الأهلية والقدوة، والأسوة، والمتابعة فيما يفتون به من الأحكام الشرعية فى المسائل النازلة، والوقائع المستجدة، مما يرونه حكما لله تعالى، دل عليه كتاب، أو هدت إليه سنة، أو جرى فيه قضاء، أو هدى إليه أصل عام من أصول التشريع، أو أفاده حكم مشابه فى واقعة مماثلة، أو اقتضته مصلحة عامة، أو أستوجبه دفع ضرر، وذلك بعد المشورة والنظر.

واستمر الاجتهاد مبدأ من مبادئ البحث عن الأحكام فى عصر التابعين وتابعيهم، إلا أن تدوين الحديث وتدوين كثير من فتاوى الصحابة وآرائهم، وازدهار الفقه فى سائر الأمصار بكثرة المشتغلين به من الموالى، وظهور الأحزاب السياسية، وانتشار دعوتها،

كان له أثر فى تشعب الاتجاهات فى الاجتهاد والتشريع، كما كان لتعدد النزعات التى تتمثل فى متابعة أهل كل مصر، لمن أدركوهم من التابعين، أثر فى اتباع كل بلد مذهب من اشتهر فيه من الفقهاء، فتكونت المدارس الفقهية.

ولم يختلف الاجتهاد بين أتباع هذه المدارس، بل ظل يمارسه النابهون فى هذه المدارس، فلم يقلدوا فى أصول ولا فروع، وإنما كان لهم أراؤهم التى خالفوا فيها مؤسس المذهب، إلى أن جاء القرن الثالث، فمال كثير منهم إلى تقليد غيره ممن سبقه من المجتهدين، إلا أنه كان لهم استقلالهم فى بعض الآراء مع احتفاظهم باتباع مذهب أئمتهم إلا أن ظاهرة الاجتهاد اختفت من هذه المدارس فى النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى، فلم يبق مجتهد معترف به، كما ذكر ذلك النووى، وإذا ما ادعاه أحد أنكروا عليه ذلك، ونوزع فيه، وبانقراض المجتهدين فى القرن الرابع، وعدم ظهور من يحمل الناس على التسليم برأيه، أصبح باب الاجتهاد مغلقاً لم يدخله أحد، وشاع بسبب ذلك أن باب الاجتهاد قد أغلق، وليس لأحد أن يلجه.

وكان هذا الرأى محل نزاع، فيما تلا ذلك من الزمن، بين جمهور المحققين من المتقدمين والمتأخرين، الذين ذهب كثير منهم إلى أن دعوى غلق باب الاجتهاد باطلة، فالاجتهاد فرض على من يستطيعه،

 وواجب على الأمة ممارسته، حتى تواجه التطور المستمر فى الأحداث والحالات التى تحتاج إلى أحكام، ولكن جاء بعد هؤلاء طائفة من الفقهاء، عكفوا على جمع فتاوى من سبقهم، واختيار ما يرونه ملائما للحدث المفروض عليهم.

واستمر الحال على ذلك، حتى ظهر بمصر فى القرن السابع الهجرى،العز ابن عبد السلام، وتلميذه تقى الدين بن دقيق العيد، فأظهرا نزعة إلى الاجتهاد والاستدلال، ولكنهما لم يصلا إلى مستوى الاجتهاد المطلق المستقل، وفى هذه الحقبة أيضاً، ظهر فى الشام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، فحاربا التقليد ودعيا إلى الاستمساك بالسنة والرجوع إليها، ومقاومة البدع، ولكن كانت دعوتهما أشد مساساً بأصول الدين منها بالفقه والفروع. ومنذ ذلك الحين، تأرجحت فريضة الاجتهاد بين الرفض والقبول، إلا أن السمة الغالبة على مدارس الفقه، ومجالس التدريس فى المجتمعات الإسلامية، ومحاورات العلماء فى العالم الإسلامى، كانت سمة التقليد، حتى أصبح الاجتهاد أمراً منكراً، وصار من يحاول التجديد فى مجال التشريع، على أساس الاجتهاد فى المسائل التى لم يرد فيها حكم واضح فى الكتاب والسنة منبوذاً من مجالس العلماء، ومغضوباً عليه من الجماهير، من جراء تشويش العلماء عليه، وتقبيح محاولاته فى هذا المجال لدى العلماء، والعامة والخاصة، حتى وصل الأمر بهم أحياناً إلى اتهامه فى دينه وعقيدته.

غير أن أحداث العصر الحديث قد تكاثرت، وصار المسلم فى كل مكان، يستفسر عن رأى الدين فى هذه الأحداث، التى تظهر كل يوم فى جميع مجالات الحياة اليومية، مما اضطر كثير من العلماء إلى طرح قضية الاجتهاد من جديد على مائدة البحث، فاقتنع جمهورهم بعد بحث طويل إلى ضرورة الاجتهاد، للوصول إلى أحكام لهذا الكم الكبير من الأحداث حتى يطمئن المسلم على دينه وعقيدته فيما يباشر من أعمال يومية. وعليهم أن يقوموا بواجبهم فى هذا المجال حتى تسود روح التشريع الإسلامى فى جميع أنشطة الحياة المختلفة.

حتمية الاجتهاد فى العصر الحديث

فبعض الناس اعتبر أن ما يحدث فى الحياة، ولم يكن له حكم فى كتاب من كتب السالفين، فهو بدعة يجب اجتنابها، لأن من يباشره قد ضل عن سبيل الله، وخسر بذلك آخرته، والبعض الآخر دفعته الحاجة إلى التعامل بصورة أو بأخرى مع هذا الجديد، الذى ظهر، دون أن يسأل عن جوانب الشر والخير فيه، أو يغمض عينيه إذا ما بدا له أن ذلك مخالف للدين، بناء على فتوى سمعها ممن تصدوا للفتوى فى هذه المسائل دون أهلية أو صلاحية.

ولم يكن هذا من رسول الله صلى الله علية وسلم سوى تشريع للأمة، وتوجيه لها بألا تترك الاجتهاد، وإلا تصاب بالشلل أمام تيار الأحداث المتدفق، وتعجز عن مسايرة ركب التقدم فى مجالات الحياة المختلفة، وما حدث للأمة الإسلامية فى العصور الماضية، من عجز وتخلف، لشاهد على أن المسلمين قد ارتكبوا خطأ فادحاً عندما أهملوا أمراً حثهم عليه رسول الله صلى الله علية وسلم، وهو الاجتهاد.

ومن هذا يتبين أن الاجتهاد لازم لكل المجتمعات الإنسانية، وضرورة من ضرورات الحياة، ويجب على المسلمين أن يمارسوه، وإلا كانوا مذنبين فق حق رسول الله صلى الله علية وسلم لأنه حثهم عليه، وفى حق أمتهم لأنهم بتقاعسهم عنه يسهمون بطريق غير مباشر فى تخلفها عن ركب الحضارة. فإن قام به مجموعة من فقهائهم، فقد سقط التكليف عن الباقين، وليس لأحد أن يدعى الاجتهاد إلا إذا كانت لديه القدرة على ذلك، وقد وضع العلماء لها معالم، إذا وجدت لدى الشخص، كان بإمكانه استنباط الأحكام...

ومن هذه المعالم:

ا- العلم بنصوص الكتاب والسنة التى تتعلق بالأحكام.

2- العلم بما عليه جمهور الفقها من الأحكام حتى لايخالفه.

3- العلم بلسان العرب، بحيث يمكنه فهم ما جاء فى الكتاب والسنة، على اختلاف أساليبها. والمطلوب فى ذلك أن تكون له ملكة لغوية تثبت له بطول الممارسة، وكثرة الملازمة.

4- العلم بأصول الفقه وقواعده، لأنه عماد الإجتهاد وأساسه الذى يقوم عليه بناؤه.

والمراد من ذلك أن يكون المجتهد على علم بما عرض له الأصوليون، من أسس وقواعد تهدى المجتهد إلى النظر الصحيح، والاستنباط السليم، وتجنبه الخطأ فيهما.

وأضيف إلى ذلك أنه يجب أن يكون المجتهد على علم- ولو بصورة إجمالية- بالتيارات الفكرية المعاصرة، والمذاهب السياسية والإقتصادية العالمية، والاتجاهات الدينية المختلفة، والنظم الاجتماعية المتعددة، والأسس النفسية المتشابكة، حتى يأتى استنباطه للأحكام، وتقييمه للأحداث ذات المصادر المتعددة غير بعيد عن واقع الأحداث، ولا متنافر مع المسلمات البدهية.

كما أنه ينبغى أن تكون لديه ملكة استنباط الأحكام، لأن من العلماء من يكون ملماً بكل ما تقدم، ولا يستطيع استنباط حكم، أو توجيه قضية تشغل بال المسلمين بما يرضيهم نفسياً، مع توجيههم فيها إلى سلوك طريق يتفق ومبادئ الإسلام، فهذا عمل لا يقدر عليه إلا ألمعى وهبه الله بصيرة شفافة.

المراجع

(1)التحريم: 1.

(2)الأنفال:67-68.

(3) التوبة: 43.

 

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع