كلمة السيد الرئيس محمد
حسنى مبارك
رئيس الجمهورية
ألقاها نيابة عن سيادته
الأستاذ الدكتور/ محمود حمدى زقزوق
وزير الأوقاف
الأخوة
الأعزاء ضيوف مصر
يسرنى أن أرحب بكم ضيوفا أعزاء على أرض مصر الطيبة، التى
عرف شعبها منذ فجر التاريخ معنى الدين، وآمن بأن هناك علاقة وثيقة بين الأرض
والسماء، فمضت تنساب فى وجدانه روح التدين
العميق التى تحمل كل معانى الخير والمودة والتسامح، الأمر الذى جعله يحسن
استقبال أنبياء الله ورسله الذين فتحت مصر صدرها لهم.
أرض الأنبياء
فتشرفت باستقبال أبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام، الذى تزوج
من بناتها السيدة هاجر أم إسماعيل جد العرب. ثم جاء إلى مصر نبى الله يوسف عليه
السلام ليقيم فيها أمينا على خزائن مصر وموارد غذائها، واستقبل فيها أبويه وأخوته
مرحبا بقوله: ( ادخلوا مصر إن شاء الله
آمنين) (1). وفى مصر ولد ونشأ وتربى نبى الله موسى وكان له مع فرعون وملئه حديث
أفاض القرآن فيه. ثم قدمت إلى مصر العائلة المقدسة: السيد المسيح والسيدة العذراء
عليهما السلام حيث لقيا فيها المحضن الآمن.
ثم كان مسك الختام فى لقاءات مصر بأنبياء الله متمثلا فى زواج
محمد صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية المصرية التى أنجبت له طفله الحبيب
إبراهيم الذى سماه بهذا الإسم تيمنا بأبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام.
مصر التسامح والوسطية:
وقد صار تاريخ مصر مع رسالات السماء جزءا من طبيعتها المؤمنة،
وهو تاريخ تعتز به مصر، وتواصل الحفاظ عليه مما جعلها بلد التسامح والاعتدال
والوسطية، ومضرب المثل فى تعايش الأديان، وتلاقح الحضارات وتواصل الثقافات.
القرية الكونية
الأخوة الأعزاء ضيوف مصر:
نحن فى عصر لم تعد فيه الدول جزرا
معزول بعضها عن بعض، بل إننا اليوم فى عصر " القرية الكونية " التى لا
يمكن لأحد أن يعيش فيها إلا متعاونا مع الآخر حيث لا مكان للعزلة والانطواء، إلا فالنتيجة الحتمية هى ضياع المصالح،
والحرمان من الانتفاع بمعطيات العلم والتقدم وثورة المعلومات ووسائل الاتصالات حين
يبقى المنعزل محروما من كل أسباب النمو والتقدم.
الخير للجميع:
ومن هنا فلا بد أن
يتعاون الجميع من أجل خير الجميع. وإذا كان العالم يستعد اليوم لدخول القرن الحادى
والعشرين، فإن ذلك لابد أن يكون مناط اهتمامنا وعنايتنا نحن أبناء العالم
الإسلامى، الذى يبلغ تعداد سكانه خمس سكان العالم، يعود عليهم من الخير ما يعود
على العالم كله، ويواجهون نفس المخاطر التى يمكن أن يواجهها الآخرون.
المسلمون والعلم الحديث:
ومن أجل ذلك فإن على جميع المسلمين فى كل أنحاء العالم أن
يتهيأوا - وبكل القوة والعزم للقيام بمسئولياتهم- تجاه مصيرهم وتجاه مستقبل
البشرية كلها فى هذا القرن الجديد، وعليهم أن يحسنوا التحدث باللغة الجديدة التى
تتخاطب بها الدول والشعوب: لغة العلم والتقنية، لغة الثورة العظمى فى مجال
المعلومات والاتصالات حتى يصغى العالم إلى ما يقولون، ويضع مصالحهم فى مكان
الرعاية والاعتبار.
وعلى المسلمين جميعا- فى كل أنحاء العالم- أن يعيدوا النظر فى
مواقفهم، ويبذلوا أقصى الجهد من أجل الوصول إلى مكان لائق بتاريخهم وحضارتهم على
خريطة عالم القرن الحادى والعشرين، وإلا فالمصير هو السقوط فى زوايا النسيان
والتخلف.
الاختيار الصعب:
الأخوة الأعزاء ضيوف مصر:
إن الأمر جد خطير، وما نتحدث عنه أمر واقع لا هزل فيه، والخيار
المطروح هو بإيجاز إما أن نكون أو لا نكون، ووصولا إلى شاطىء استمرار بقائنا
وحيويتنا يتطلب الأمر ما يأتى:
إعادة ترتيب البيت الإسلامى:
أولا: ضرورة إعادة ترتيب البيت الإسلامى من الداخل:
ولعل مؤتمركم هذا أن يكون فرصة سانحة لمناقشة هذه القضية على
نحو موضوعي وصريح بعيد عن الأنانيات الضيقة، والمجاملات التى تضر ولا تنفع، وتكون
لغته بعيدة عن خداع النفس، أو الاستمرار فى التغنى بأمجاد الماضى دون أن يصاحب ذلك
عمل جاد وجهد شاق للتخلص من كل أغلال التخلف والتبعية.
قوة العلم:
ثانيا:
إن القوة الحقيقية اليوم ليست فى التسلح العسكرى، ولكنها
قوة العلم والتخطيط ومحاولة امتلاك أحدث
وأقوى ما أنتجته عبقريات العلماء والباحثين المبدعين فى شتى أنحاء العالم.
ولن نبلغ ذلك أبدا وعالم المسلمين على ما هو عليه اليوم من
تمزق وتفرق يؤدى إلى تفتيت طاقات الأمة وبعثرة قدراتها وشل حركتها وسلب إرادتها،
فى الوقت الذى تتساند فيه القوى فى عالم
اليوم، وتنضم فيه الكيانات المتفرقة لتتحول إلى كيان كبير تكون له كلمته ، ويكون
له وزنه وتأثيره. ولعل اتحاد الدول الأوروبية أن يكون شاهدا ومثالا على ذلك .
التطرف وتعطيل الطاقات:
ثالثا:
ومن الضرورى أيضا ونحن
أمام هذا المنعطف الدولى الخطير الذى يصنعه دخول العالم كله إلى قرن جديد بمناخ جديد فى السياسة والاقتصاد ومعطيات العلم
وثورة التقنيات والمعلومات- من الضرورى على العالم الإسلامى أن يقضى بحزم على كل
ما يهدد مستقيل الأمة ويعطل مسيرتها، ويشغلها عن مواجهة ما يدبره أعداؤها لها مما يثيره المتطرفون والمتعصبون من عنف وإرهاب
يعطل طاقات الأمة عن السير نحو التقدم والنهوض .
أسباب سوء
الفهم السلام:
رابعا:
من الضرورى مواجهة سوء الفهم للإسلام فى داخل وخارج ديار الإسلام، ذلك الفهم الذى يتسبب فيه ذلك
النفر من فقراء الفكر والثقافة الدينية، والذين يلخصون الإسلام السمح الحضارى
العظيم فى قوالب وشعارات جوفاء تعنى بقشور
الدين، وتجعلها هى الأصول، وتثير من أجلها الشقاق والفرقة، وتصرف بها الأمة عن
حقيقة أهدافها، وتضل طريقها إلى الأهداف الحقيقية الكبرى التى يدعوها إليها
الإسلام العظيم من الوحدة والتضامن، والتعاون البناء على كل ما ينفع المسلمين خاصة
وما تنتفع به البشرية عامة.
طلب العلم فريضة:
خامسا:
إن الإسلام
ليس مجرد عقيدة وشريعة، ولكنه بالإضافة إلى ذلك أخلاق وحضارة وقيم إنسانية وحضارية
ومستقبلية.
وحسب الإسلام فى تقديره للعلم
واعتداده به أن تكون أولى الكلمات فى رسالة الإسلام هى دعوة الإنسان إلى "
القراءة " لامتلاك مفاتيح المعرفة بالنظر والتأمل والتدبر، وبالتجريب والملاحظة لكل ما يجرى فى العالم ، وأن يكون التأمل فى صناعة الخالق هو السبيل إلى
معرفته وعبادته وطاعة أمره، وأيضا هو السبيل إلى الارتقاء والتحضر ومعرفة أسرار
الحياة.
ومن هنا جعل الإسلام طلب العلم فريضة، ليس فقط علم الدين،
وإنما معه وقبله علوم الدنيا، وصولا بالإنسان الذى جعله الله خليفة فى الأرض إلى
الإفادة بكل ما سخره الله له فى هذا الكون.
ومن هنا- وحين تكون أمة الإسلام قائمة بشئونها قوية فى دنياها-
تكون قادرة على دعوة الآخرين إلى التزام قيم الحق والعدل والخير والسلام وكل ما
فيه مصلحة للإنسان.
الإسلام والتعايش السلمى:
الأخوة الأعزاء ضيوف مصر
إن الإسلام دين يدعو إلى التعايش السلمى مع كل الناس فى أى
مكان من العالم، ويضع لذلك المعيار الدقيق لضمان هذا التعايش فيما تحدثت به آيات
القرآن بوضوح وصراحة فى قول الحق سبحانه ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى
الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما
ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن
تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) (2).
فالإسلام يأمرنا أن
نسالم من يسالمنا، ولا نعادى إلا من عادانا، وألا نتجاوز العدل إلى الظلم فى جميع
الحالات- بل إن الإسلام يبشع جريمة العدوان على الآخرين بصورة بالغة الخطر
والدلالة حيث يعتبر القرآن أن قتل نفس واحدة- بغيا بغير حق- كأنه قتل للناس
أجمعين، حرصا منه على سلام المجتمع، وصيانة أمنه، لا كما يفعله بعض من يحملون
الإسلام أوزارهم وخطاياهم فيقتلون الأبرياء ويروعون الآمنين زعما منهم بأنهم يدافعون
عن الإسلام.
والإسلام بهذا يحمل البشرية كلها واجب
ومسئولية حماية الإنسان حيثما وجد الإنسان، وضمان أمنه واستقراره وكفالة جميع
حقوقه.
الإسلام وحقوق الإنسان:
وإذا كانت هذه هى رؤية الإسلام وهذا موقفه من حماية حقوق
الإنسان، فإن المقام يدعونا فى مؤتمركم
هذا إلى الدعوة الصريحة والقوية إلى ضرورة تمكين شعب فلسطين- صاحب التاريخ والتراب
فى أرض فلسطين- من حقه فى أرضه ليقيم
عليها دولته، ويسترد فيها وجوده السليب وحقه المشروع.
ولا نعلن هذا لفلسطين وحدها، بل نعلنه، وندعو إليه دفاعا عن كل
الحقوق المهدرة لأى شعب فى أى مكان من العالم، آملين ألا يتسبب غرور القوة فى
العدوان على المستضعفين أو فى الانحياز إلى المعتدى وتأييده ودعمه.
الإسلام والمستجدات الدولية:
الأخوة الأعزاء ضيوف مصر
إن التطورات التى استجدت على الساحة
الدولية تتطلب من الأمة الإسلامية أن تقوم بدراستها بعناية وموضوعية. فقضايا
التقنية والعولمة وثورة المعلومات والاتصالات وغيرها من أطروحات لم يعد أمر الرفض
أو القبول لها من بادئ الأمر أمرا مجديا، وإنما الأمر يدور حول الدراسة المتعمقة،
ودون حساسية أو أحكام مسبقة، لكل ما يستجد من تطورات لمعرفة ما تشتمل عليه من
إيجابيات وسلبيات حتى يمكن اتخاذ المواقف الصحيحة التى تراعى المصالح القومية
للشعوب.
قضية العولمة والتحديات الحضارية:
ولا شك أن طرح قضية العولمة فى مؤتمركم هذا بما لها من أبعاد
سياسية واقتصادية وعلمية يعد موشرا إيجابيا للدراسة البناءة من أجل اتخاذ المواقف
السليمة. فأنتم رواد الفكر الإسلامى الذين تعلق عليهم الأمة الإسلامية آمالا كبيرة
من أجل مساعدتها فى الخروج من أزماتها المتراكمة، والتغلب على التحديات والعقبات
التى تعترض طريقها إلى التقدم الحضارى بكل أبعاده ومعانيه، والمشاركة بفاعلية فى
أمن واستقرار وسلام هذا العالم.
تجلية الصورة الحقيقية للإسلام:
الأخوة الأعزاء ضيوف مصر
إن هناك تشويشا كبيرا ولغطا كثيرا يثار حول الإسلام فى مناطق
كثيرة من العالم. وإن أى منصف يعلم علم اليقين أن الإسلام شىء
مختلف تماما عملا يصوره الآخرون.
وعلينا أن نوضح للعالم
من حولنا الصورة الحقيقية للإسلام. وليست القضية قضية شجب واستنكار أو شكوى
واستثارة للعواطف، ولكنها قضية علمية فى المقام الأول. فالعالم
من حولنا لم يعد يعترف إلا بالعلم والمنطق والبرهان. فواجبنا أن نوضح للجميع
بأسلوب علمى سليم حقائق الإسلام وتعاليمه المبنية على المصادر الأساسية للإسلام،
وليس على كلام يقال هنا أو هناك.
فالإسلام ليس مسئولا عما
يذيعه عنه بعض الحمقى من بين أبنائه الذين يرتكبون باسمه أعمالا لا صلة للإسلام
بها من قريب أو بعيد.
وقد أصبحت مسئولية العالم الإسلامى فى هذا الصدد أكثر إلحاحا
الآن بعد الانتشار المتسارع للمعلومات التى تبثها شبكات الاتصالات الدولية
(الإنترنت) بما تقدمه من معلومات خاطئة عن الإسلام:
لا تعصب ولا تطرف:
الأخوة الأعزاء ضيوف مصر
إن الإسلام- ونحن على مشارف القرن الحادى والعشرين- يقف
على مفترق طرق. وعلينا نحن حملة هذا الدين وأتباعه أن نعمل على الدخول به ومعه إلى
القرن الجديد، وقد تخلص مما يلصق به ظلما وعدوانا من مظاهر التعصب والتطرف التى
تتعارض مع حقائقه وتعاليمه وعلى المسلمين
أن ينبذوا خلافاتهم حول المسائل الهامشية، وأن يركزوا اهتمامهم على وضع وتنفيذ خطط
التنمية الشاملة من أجل الخروج من دوامة التخلف التى لا تزال تشد العالم الإسلامى
إلى الوراء.
الإسلام وتحديات القرن القادم:
فلا يليق بأمة صاحبة حضارة عريقة أن تظل مشلولة الحركة
مسلوبة الإرادة لا تقوى على مواجهة التحديات والعالم من حولنا يسرع الخطى، فلن
يكون للضعفاء والمتخاذلين أى مكان فى ركب التقدم الحضارى، بل سيتجاوزهم الزمن
وينساهم التاريخ.
الحوار والتعاون لإسعاد البشرية كلها:
الأخوة
الأعزاء ضيوف مصر
لقد برهن المؤتمران السابقان للمجلس الأعلى للشئون
الإسلامية (حول الإسلام ومستقبل الحوار
الحضارى، وحول الإسلام والغرب )، على أن الإسلام يمد يده بقلب مفتوح وعقل واع لفتح
أبواب الحوار والتعاون مع كل شعوب الأرض من أجل تحقيق أهداف البشرية فى الأمن
والاستقرار والسلام. ومؤتمركم هذا إذ يتجه إلى الداخل ليناشد شعوب الأمة الإسلامية
أن تجند كل طاقاتها وإمكاناتها من أجل تقدم وازدهار العالم الإسلامى فإن ذلك الأمر
يظل على ارتباط وثيق بأهداف المؤتمرين السابقين. فنحن لسنا دعاة عنصرية ولا طائفية
ولا استعلاء ولا نبغى الدخول فى مواجهات وصراعات مع الآخرين. وسيظل هدفنا كمسلمين
هو تحقيق التقدم المنشود لتكون الأمة الإسلامية أقدر على المشاركة الإيجابية
الفعالة فى حل مشكلات العالم من حولنا، وتحقيق الأمن والسلام العادل والدائم لكل
الشعوب بلا استثناء.
الأخوة
الأعزاء ضيوف مصر
فى ختام كلمتى أسأل الله أن يكتب لمؤتمركم التوفيق والنجاح،
كما أرجو لكم جميعا إقامة طيبة فى القاهرة.
والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته
المراجع
(1) يوسف : 99 .
(2)
الممتحنة : 8-9.