الإسلام والتعايش بين أصحاب
الأديان
ا. د./ عبد الله بن صالح العبيد
الأمين العام لرابطة العالم الإسلامى
مكة المكرمة
الحمد لله
رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على
خاتم المرسلين سيدنا محمد النبى الأمين وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين، وعلى
آله وأصحابه أجمعين وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
فيقول
الله تعالى: ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا
الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا
اشهدوا بأنا مسلمون) (1). وقال تعالى: ( أمن الرسول بما
أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل أمن بالله وملائكته وكتب ورسله لا نفرق بين أحد من
رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) (2).
إن الدعوة
للتعايش بين أصحاب الأديان ليست دعوة جديدة بل هى قائمة منذ أربعة عشر قرناً فى
الشرق العربى الإسلامى حيث أن عدداً كبيراً من أصحاب الأديان مشتركون فى المواطنة
مع المسلمين فوجدوا فيهم العدل والإنصاف وحسن الجوار فى المعاملة الحسنة فى
المدينة، والقرية، والمزرعة، والمصنع، والمدرسة، والجامعة، وكذا الأعمال الإدارية
والمهنية المختلفة، فعاشوا جنباً إلى جنب متعاونين بل ومنهم هن هدى الله فأسلموا
وحسن إسلامهم ونفع الله بهم أهلهم وقومهم ونفع الإسلام والمسلمين.
والذى
يبدو جديداً فى الموضوع هو صدور الدعوة للتعايش من قبل المؤسسات الكنسية فى الغرب
المسيحى ولا شك أن المسلمين يرحبون بكل دعوة صادقة مخلصة تصلح البشرية وتهديها إلى
تعايش سلمى فى الدنيا وإلى الهداية إلى الآخرة لمن أراد الله له ذلك. ( إنك لا
تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) (3).
وقبل
الكلام عن التعايش، أو الحوار، أو التقارب يجب أن نذكر بالثوابت التى نعتمد عليها
ونؤمن بها وننطلق منها فى حوار هادىء مرن من غير تجريح، ولا استفزاز، ولا هضم
لحقوق الآخرين.
فمن
الثوابت لدى المسلمين:
أولاً: إن
الرسالات السماوية ابتدأت بآدم أبى البشر عليه السلام، واختتمت بشريعة سيدنا
محمد وكتابه القرآن الكريم، وكل الشرائع
السماوية تحمل دعوة التوحيد إلى البشرية.
وقد جاءت
متدرجة يبشر بعضها ببعض وهذا كان بميثاق أخذه الله على جميع الأنبياء، قال
تعالى: ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما
أتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم
وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا تال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) (4). ولقد
أوفى رسول الله الخاتم محمد وأتباعه بهذا الميثاق كما
أوفى جميع الأنبياء به.
ثانياً: فى
الأخلاق.. المسلم مأمور بدينه فى العفة، والصون، واللباس الساتر، فهو لا يقبل
التعرى، أو الإباحة الجنسية.
ويعلم
أيضاً أن المسيح عليه السلام لا يقبل بذلك وكذلك رجال الكنائس المحترمين لا
يقبلونها، فهل يمكن للمجتمع الكنسى أن يوقفوا. محاولات
فرضها على المجتمعات الإسلامية باسم الرقى والحضارة بشكل مباشر وغير مباشر؟.
ثالثاً:
الإنحياز إلى أعداء الإسلام:
يعتبر
المسلمون ما حل بهم وبأوطانهم من قبل الصهيونية مأساة، والغرب المسيحى يقوم بدعم
اليهود بالمال، وبالتأييد السياسى فى المحافل الدولية ولا يستطيع الغرب المسيحى
إنكار تأسيسه للكيان الصهيونى اليهودى. ولا شك أن على المسلمين معالجة هذه المأساة
بأنفسهم. فهل بإمكان رجال الدين المسيحى أن يتوقفوا عن تأييدهم للفكر الصهيونى
والخضوع لهم وهم يعلمون فى قرارة أنفسهم موقف المسيح عليه السلام من اليهود؟ وهل
بإمكانهم أن يبذلوا جهوداً مخلصة لدى مجتمعاتهم؟ وبصراحة أرى ضرورة وقف الانحياز
الكامل للجانب الصهيونى ضد الأمة العربية التى يدعى الغرب صداقتها وحرصه على ضمان
مصالحه فيها؟
رابعاً:
فى الاقتصاد:
لا يخفى
أن الاقتصاد اليوم هو عصب الحياة وترى المجتمعات الإسلامية أن سبب تدهور اقتصادها
وبالتالى ضعف الجانبين السياسى والاجتماعى فيها هو التعامل غير المنصف بين الشرق
والغرب فى التجارة والاقتصاد. فالغرب يشترى خام الشرقي وجهده بأثمان زهيدة ويبيع
بعد ذلك منتجاته بأثمان غالية.
وهل
تستطيع الكنائس التأثير على المجتمعات الغربية الرأسمالية لتضع معايير عادلة
للتعامل الاقتصادى وبالتالى يمكن لكل بلد أن يستفيد من خيرات بلاده بشكل عادل وتقل
المديونية التى تراكمت على الشعوب الإسلامية وأرهقته؟
خامساً:
فى الإعلام
تسيطر على
المجتمعات الغربية مؤسسات ظاهرة وخفية تتولى الإعلام فى الأخبار، والثقافة،
والتجارة، والسياسة وتحمل فى نشراتها، وصحفها، ومجلاتها، وكتبها، وأشرعتها سموم
العداء للإسلام من شعوب الغرب المسيحية.
فهل
بإمكانها أن تتحدث عن المسيحية بما تشاء وتترك الإساءة إلى ا لإسلام وشعوبه؟
هذه
النقاط المدونة انفاً لو صدقت النيات، وعقد المتحاورون ندوات علمية، ومؤتمرات
لمسئولين من مسلمين ومسيحيين وكان رائد الجميع الصراحة والمكاشفة والصدق. لأمكن
توفير أجواء مريحة للتعايش السلمى بين المجتمع الإسلامى والمجتمع المسيحى.
ويجب أن نضع الحقائق التالية أمام دعاة الحوار من
المسيحيين:
اولاً: إن
المسلمين والنصارى فى الشرق الإسلامى يتعاملون مع بعضهم منذ قيام الإسلام معاملة
حسنة، ولا يحصل بينهما تنافر إلا عند تدخل الغرب فى شئونهم ومحاولة إثارة فئة على
أخرى لأنهم يعيشون فى وطن واحد ويشتركون- فى العرف والعادات فضلاً عن أصولهم
الواحدة.
ثانياً:
الغرب المسيحى بحاجة إلى ثروات الشرق المسلم، والمسلمون فى الشرق بحاجة إلى
التكنولوجيا والتقدم الصناعى فى الغرب.
ثالثاً:
إن لدى المسلمين ومؤسساتهم الدينية العقيدة التى يعتزون بها - إيماناً بالله
الواحد الأحد وبرسوله الخاتم وبالقرآن المنزل على رسول الله محمد عليه الصلاة
والسلام- ولديهم القناعة العامة بهذه العقيدة.
رابعاً:
إن إغراء شعوب المنطقة العربية بتكنولوجيا الغرب لن تستطيع التغلب على المشكلات
المعقدة المستفحلة فى المنطقة.
خامساً:
مما لا شك فيه أن فى الدعوة إلى السماحة ومحبة السلام التى نادى بها المسيح عليه
السلام ما يجعلها تلتقى مع الحنيفية الإسلامية التى نادى بها محمد خاتم النبيين
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين رغبة فى إفشاء السلام ونشره فى العالم.
استغلال
الصهيونية للعداء الموجود بين الإسلام والمسيحية
يدرك
الغرب المسيحى مخططات الصهيونية وكراهيتها للإسلام والمسيحية معا، ولكنه يستبين
بها أمام المسلمين لموجود العداء القائم بين المسلمين والمسيحيين، ويدعى كثير من
رجال السياسة والكنيسة فى الغرب العطف على اليهود بسبب ما أوقعه الغرب من مآس بهم،
كل هذا العطف يستغل أسوأ استغلال من قبل اليهود لإسكات العالم بما فيه الإسلامى
والعربى عن الفظائع التى ارتكبها ويرتكبها اليهود فى حق الفلسطينيين فى الأراضى
المحتلة والقدس الشريف، ولقد رفع اليهود شعار اللاسلمية ضد من يعارضهم أو يفضح
مؤامراتهم من الشرق أو من الغرب، ولجأوا إلى تشويه صورة الفلسطينيين المدافعين عن
بلادهم وألحقوا بهم كل عربى ومسلم وأسموهم بالإرهابيين الذين يكرهون الحضارة
والأنسانية.
ولذا
ينبغى على رجال الكنيسة الداعين إلى التعايش السلمى بين أتباع الأديان أن يفندوا
هذه المزاعم الصهيونية ويدافعوا بموضوعية عن المضطهدين مستعملين نفوذهم الاجتماعى
والسياسى.
ولذلك فإن
المشاركة من قبل المسلمين فى دعوتهم السلمية هذه تتوقف على موقف المشاركين فيها من
أصحاب الديانات السماوية الأخرى من جذبه فى دعوة تعتمد على المنطق والحجة والبرهان
وصدق التوجه بقوله كلمة الحق وإنقاذ شعوبهم المضللة بالإعلام السياسى المعادى
للإسلام والمسلمين. فهل يستطيع رجال الكنائس القيام بهذا الدور الواعى لتوعية
الأجيال فى بلاد الغرب الذين ورثوا هذا الكم الهائل من التضليل همن كان قبلهم ويتلقفونه
عمن يعايشونهم من وسائل الإعلام المختلفة؟
وهل يتوقف
رجال الكنائس عن النشاط التنصيرى فى بلاد المسلمين وفى أوساط الأقليات الإسلامية
كى ينسجم هذا التصرف مع الوثيقة الصادرة عن المجمع المسكوفى التالى فى الفاتيكان
عن العلاقات بين المسيحيين والمسلمين عام 1965م؟
وثيقة
الفاتيكان الثانية لعام 1965 م
حول الإشادة بالإسلام
تقول الوثيقه: " ولكن خطة الخلاص تشمل
أيضاً الذين يؤمنون بالخالق وفى مقدمتهم المسلمون. إنهم يعلنون التمسك بملة
إبراهيم، ويشتركون معنا فى عبادة الإله الواحد الرحيم القوى خالق السموات والأرض الذى
يحكم بين الناس فى اليوم الآخر، إنهم يعضون جاهدين للامتثال- دون تحفظ- لأوامر
الحنيفية مثلما فعل إبراهيم بإطاعة أوامر الله.. إبراهيم الذى يحب المسلمون أن
يربطوا عقيدتهم بعقيدته، ورغم أنهم لا يعترفون بألوهية يسوع فإنهم يجلونه كنبى
وأمه مريم العذراء يبتدرونها .. كما أنهم ينتظرون يوم الدين عقمت البعث من الموت
(القيامة) ولهذا فإنهم يحترمون الحياة السوية، ويعبدون الله وبخاصة عن طريق الصلاة
والصدقة والصوم، وعبر القرون نشبت خلافات ونزاعات بين المسيحيين والمسلمين، ويناشد
المقدس الجميع أن ينسوا الماضى ويحث على بذل جهد مخلص لتحقيق تفاهم متبادل من أجل
نفع كل البشر، ويعمل الجميع سوياً على نشر السلام والحرية والعدل الاجتماعى القيم
الأخلاقية ".
مفهوم
المسلم للإنسان
وإن أكبر
نعمة يراها المسلم ويحس بها فى قرارة نفسه هى نعمة لا تضاهيها أى نعمة، وهى نعمة
هدايته إلى دين الإسلام، ومحبته لله ولرسوله فمحمد صلى الله علية وسلم لا يعدله
شئ من الدنيا.
وحفظ الله
بالإسلام الضرورات الخمس للإنسان دينه، ونفسه، وعقله،و
ما له، وعرضه. وكرم الإسلام الإنسان وفضله على كثير من الخلق، قال تعالى: ( ولقد
كرمنا بنى أدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن
خلقنا تـفضيلاً ) (5).
سبل
السلام
يجب أن
يكون السلام حصاد الحضارات، والمصالح البشرية اليوم كلها تتركز فى البحث عن سبل
السلام وتحرير الإنسان من المخاوف المحيطة ? من كل جانب.
والإسلام
دين الأمن والأمان والالتزام
والإسلام
دين الحياة المتطورة، وهو دين العلم اليقينى، دين التحرر العقلى، دين التعامل
والتدبر فى ملكوت الله وبديع صنعه.
ومن الخطأ
قياس الإسلام بواقع المسلمين فى فترة انحطاطهم وبعدهم عن مبادئه الرفيعة ودستوره
الخالد.
والعلاقة
مع أهل الكتاب وبخاصة النصارى أتباع المسيح عليه السلام علاقة متميزة تسودها
المودة للمؤمنين، قال تعالى: ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين أمنوا اليهود والذين
أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين أمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين
ورهباناً وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من
الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا أمنا فاكتبنا مع الشاهدين * وما لنا لا نؤمن
بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين) (6).
الحضارة
فى نظر الإسلام
إن
الحضارة فى نظر الإسلام هى التى تخدم الإنسانية وتقدم الحلول لمشكلاتها وتقدم مع
ذلك الرخاء والازدهار لجميع شعوب العالم بتسخير العلم والتقدم التكنولوجى كما تقدم
الأمن والسلام والاستقرار لجميع المجتمعات أفراد
وجماعات.
إن
المطامع البشرية اليوم كلها تتركز فى البحث عن سبل السلام وتحرير الإنسان من
المخاوف المحيطة به من كل جانب وتجنب الهلاك والذمار المحدق بمعالم الحضارات،
فالحضارة الإنسانية ستعود بالويلات على البشرية إذ لم يتداركها الله تعالى برحمة
منه، ويقذف فى قلوب العلماء، والساسة، والمخترعين الإيمان والرحمة التى تزيل
التناحر والشقاق اللذين يسودان العالم اليوم.
فما أحوجنا
إلى اللقاءات المؤدية إلى إزالة الخلافات، وما أحوجنا أيضاً إلى الحوار الهادىء
المفيد لتصحيح المفاهيم والأفكار.
والله من وراء القصد وأخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين...
المراجع
(1)آل عمران: 64.
(2) البقرة: 285.
(3) القصص: 56.
(4) آل عمران : 81.
(5) الإسراء: 70.
(6) المائدة: 82-84