الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر العاشر : الإسلام والقرن الحادي والعشرون يوليو 1998م
 
الإسلام والتطور الحضارى

الإسلام والتطور الحضارى

أ. د. عبد الرحمن عبَّاد

دار الفتوى والبحوث الإسلامية

القدس الشريف- فلسطين

مقومات الحضارة

لكى تقوم حضارة ما، ينبغى أن تتوفر فيها المقومات الآتية:

أ) المقوم الاقتصادى المتمثل فى مصادر الثروة المادية وتوزيعها بين طبقات المجتمع وأفراده.

ب) المقوم السياسى المتمثل فى حضانة السلطة الاجتماعية لحقوق المواطنين كما تراها الأنظمة السائدة أو المرجوة.

ت) المقوم الأخلاقى المتمثل فى رسم السلوك الإنسانى للفرد والمجتمع وفق مثالية غير ملزمة قانونياً ولكنها منشودة ومبتغاة.

ث) المقوم الثقافى، وهو النشاط الفكرى والفنى وما يصدر عنه من ضروب المعرفة والتصورات الجمالية من فنون وفلسفات ومذاهب على اختلاف ضروبها (1).

فهل امتلكت الحضارة الإسلامية هذه المقومات؟ أم أنها قد امتلكت بعضها، وهل هذه المقومات شروط يجب أن تتوفر بكاملها فى كل حضارة، أم تكامل شرطين قد يغنى عن ثالث؟ وهل يمكن إضافة شروط ومقومات غير هذه الشروط الأربعة؟

إن محاكمة الحضارة العربية على ضوء هذه المعطيات لا يلحق بها أذى على الإطلاق، فإنها تتفوق بوسطيتها على هذه الشروط مجتمعة، رغم أنها نشأت عند البدايات فى بيئة صحراوية قاسية لم تمتلك من أسباب العيش ما يعينها على الازدهار بالأسباب المادية وحدها، لكن الدافع الأخلاقى الذى ولده الضمير الدينى قد قفز بالتفكير العربى إلى مستوى الإبداع، حيث مارس التجربة فى كل الحقول المعرفية، مع وجود الخشية، خشية الله سبحانه فى كل ما يصدر عنه من أعمال، حيث كان حب الصدق وطلب الحق والطهارة والنزاهة والأمانة والبر والحياء والتقوى والنظافة (2) بعضاً من هذه الوسطية، إذ لم تمنعه صحراء الجزيرة العربية، ولا قسوة مناخها أن يدفع بالدعوة خارجها، فقد كانت الطبيعة حافزا إيجابيا لا سلبيا فى هذا الاتجاه.. ولكن، اية حضارة هذه التى قلبت جل المعايير! وما أسباب تميزها، إن كان هناك كميز. هل هى مغايرتها للمجتمع الذى ولدت فى أحضانه؟ أم هى رسالتها السماوية التى جاءت خطابا للناس فى الأزمنة والأمكنة كافة؟ هذا ما ستحاول هذه الورقة أن تجيب عنه من خلال المحاور الآتية:

الحضارة الإسلامية متطورة غير عنصرية:

توصف العقيدة الإسلامية بالشمول، لأنها تشمل الأمم الإنسانية جميعا، كما تشمل النفس الإنسانية بجملتها من عقل وروح وضمير، فليس الإسلام دين أمة واحدة ولا هو دين طبقة واحدة، وليس هو للسادة المسلطين دون الضعفاء المسخرين، ولكنه رسالة تشمل بني الإنسان.

وتتجلى المساواة فى أسمى معانيها فى تحريره للعبيد؟ حيث لم يكن الإسلام هو الموجد لهذا النظام، بل كان الهادم له، المحرر للعبيد، الواهب للمرأة حقوقها المتساوية مع الرجال، والآيات والأحاديث النبوية كثيرة فى هذا المضمار وكلها تحض على إكرام النساء فى الإسلام؟ فالطفل الذى يولد للمسلم من أمته يكون حرا وتصير أمه حرة، وقد شجع الإسلام الزواج بالإماء شريرا لهن قال تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم)(3).

وبهذا يمكن أن نقول أن الإسلام قد شرع العتق ولم يشرع الرق.

الحضارة الإسلامية غير ثيوقراطية:

لم يدع حاكم مسلم أن سلطته مستمدة من الله، وأما الدولة الإسلامية فتشتمل على التشريع الذى جاء ب القرآن، والذى لا يستبد بالحكم فيه طبقة من رجال الدين، بل يقوم على تنفيذه الشعب، لأنه فى نظر القرآن هو خليفة الله ونائبه فى إعمار أرضه يقول تعالى: 

( وإذ قال ربك للملائكه إنى جاعل فى الأرض خليفة) (4).  

 

كما أن الشعب مصدر السلطات، ولهذا كان الله تعالى يخاطب المؤمنين كافة عندما يأمرهم بتنفيذ أحكامه: ( يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى ) (5).

ولما كان الشعب مجتمعاً لا يمكنه أن يقوم بالتكاليف المنوطة به، فقد أوجب الله عليه أن يختار من يحمل عنه تبعة القيام بالتكاليف وهذا الاختيار من الأمة يقوم على الرضا، وتوخى المصلحة العامة، لا بقهر ولا بجبروت ولا خديعة، ومن تختارهم الأمة لقيادتها يخضعون لرقابتها ويجب عليها طاعتهم وهم الذين سماهم الله (أولى الأمر) حيث قال:     (... أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ...) (6). وأولوا الأمر هم أهل الحل والعقد الذين يرجع إليهم أفراد الأمة، ويعتبر رأيهم رأى الأمة، وهم الأمراء والحكام والعلماء، وروساء الجند والزعماء الذين يرجع إليهم فى الحاجات والمصالح العامة، فإذا اتفق هؤلاء على أمر واحد أو حكم واحد، وجب أن يطاعوا فيه، بشرط ألا يخالف أمر الله أو سنة رسوله e من هؤلاء يتألف ما يمكن تسميته (مجلس أعلى للأمة) واتفاقهم يسمى " الإجماع " وهو الركن الثالث من أركان التشريع فى الإسلام، يصار إليه حيث لا يوجد نص فى القرآن والسنة الصحيحة (7). ولقد حرص الرسول e على التأكيد مراراً للناس أنه بشر ذو طبيعة إنسانية، وأنه بفضل من الله قد اختير رسولاً، وفيما عدا هذه الخصوصية ليس ثمة شىء يفرق بينه وبين إخوته من البشر، وأن علمه بالغيب محدود بما يطلق الله عليه، وليس له بعمل المعجزات يدان، وكلما ألح عليه أعداؤه فى تحديهم أق يثبت أقواله بإحدى المعجزات، أبى ذلك غير عابئ بسخريتهم وشكوكهم، ذلك أن رسالته e  نفسها هى آيته وإمارته ومعجزته (8).

فليس فى الإسلام كهانة، ولا يوجد هناك رجال اكليروس يتوسطون بين العباد وخالقهم، فالمسلم أينما كان وحيثما وجد يمكنه ع أن يتصل بخالقه دون حاجة إلى وسيط، كما أن الحاكم المسلم لا يستمد ولايته من الحق الإلهى.

حضارة تكامل بين الدين والدنيا

إن الحضارة الإسلامية حضارة نامية متطورة، قدمت من خلال دمجها الحقيقى بين الدين والدنيا نموذجاً لتلاقى الروح الدينى بالجسد الدنيوى ليكونا معاً هذه المعادلة المستقيمة غير القابلة للفصل بين ترابية الجسد ودنيوية الروح، فالدين كان لمصلحة الإنسان كفرد وجمع دون خسائر، والدنيا تظل متوازنة مستقيمة مادامت تسير فى موكب الدين، فالدين

هو المربى الواعى الذى يمكن للدنيا أن تتتلمذ على يديه ليكون فيها الخير كله للناس أجمعين.  يقول د. أحمد الشريف: " إن الدين يمتد أثره خارج المقوم الثقافى بحيث يسيطر من قريب أو بعيد على سائر المقومات، ويصبغها جميعها بالصبغة الروحية، وبهذا تصبح القيم الاقتصادية والسياسية والأخلاقية والثقافية جميعاً متأثرة بتصورات العقيدة الدينية، ومتأثرة كذلك (بفلسفتها) فى كل اتجاهات الحياة بنوعيها المادى والنظرى (9)، وهذا يعكس الأثر الإيجابى للدين على الحياة بكل ما فيها من فكر وعمل من نظر وتطبيق بحيث يصبح الفصل بينهما عملاً من أعمال الشيطان، لأنه لا ينقض هذا البنيان المعمارى المؤسس على التقوى والقيم الأخلاقية القابلة للتطبيق إلا مفسد أو جاهل.

حضارة تكامل بين العقل والإيمان

لقد كرم الله الإنسان بالعقل، إذ به اصبح سيد العالم وخليفة الله فى أرضه، ولا يكتمل هذا العقل إلا بالإيمان، لأن الإيمان إذا، نجتمع مع العقل أوجل الإنسان المتوازن عاطفيا وعقليا، حيث لا يكون انطوائياً منعزلا و لا واقعيا مغرقا فى تشاؤميته، بل يعرف أنه كائن أرضى مصنوع من التراب، ويعرف أنه مسكون بروح هى من عند الله، وهذه الروح ملازمة له مادام حيا، ثم يعود الجسد إلى التراب وتعود

 

الروع إلى بارئها.. إن الإيمان يولد الاطمئنان، ويجلب الرضا ويورث المحبة، وقد كانت حضارة الإسلام حضارة المحبة، الحضارة التى لم تهمل الجسد، بل دعت إلى العناية به وتكريمه، حتى ينهض بالمسئوليات الملقاة على عاتقه لأن العقل السليم فى الجسم السليم، والجسم السليم هو القادر على النهوض بمسئوليات الإنسان، وليس الجسم السقيم. ولذلك قيل: إن سلامة الأديان من سلامة الأبدان.

وبعد، فقد نشأت مناهج البحث العلمى فى ظل الإسلام، كما تبارى المحدثون والمفسرون والفقهاء فى ظل الإسلام، ولم يقتصر تفسير القرآن وهو كتاب الله المكنون على (رجال الدين) كما هى الحال فى المسيحية واليهودية، بل إن كل عالم يدلى بدلوه فى حقل تخصصه، دون أن يكون. مدعاة للوم أو تعنيف، فإن اجتهد فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر على الاجتهاد لا يحرمه الله منه. وقد نشأت فى ظل الدولة الإسلامية أعظم وأكبر حركة عقلية. إيمانية عرفها التاريخ من حيث اجتماع الأئمة الخمسة المعروفين فى قرن واحد تقريبا حيث كان الإمام مالك والإمام أحمد والإمام الشافعى والإمام أبو حنيفة بالإضافة إلى الإمام جعفر الصادق، حيث مازال أتباعهم إلى اليوم، لم يقل فى علم أخيه إلا خيرأ، ولم يطعن أحد فى إيمان آخر، بل كانوا جميعهم فرسان علم وإيمان، أعملوا عقولهم واجتهدوا، رافعين شعارا واحدا يقرن العقل بالإيمان فى عروة لا تنفصم عراها.

ولعل التوقف عند هؤلاء الفرسان، فرسان الحكمة خير ما ننهى به هذه الورقة التى نرجو من الله أن تكون حروفها الساجدة مع كاتبها شواهد حق مشفعة عنده، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

المراجع

1) دراسات فى الحضارة الإسلامية، ص: 50-67.

2) أبو الأعلى المودودى، نحن والحضارة الغربية، ص: 21.

3) النور:32

4) سورة البقرة : 30.

5) سورة البقرة : 178.                 

6) سورة النساء: 59.

7) عفيف عبد الفتاح طبارة، روح الدين الإسلامى، ط 18،1979م، بيروت، دار العلم للملايين، ص،293، 294.

(8) دراسات فى الحضارة الإسلامية، دار الفكر العربى، القاهرة، ط: 2، 1981، ص: 66.

(9) جوستاف، أ. فون جروينباوم. حضارة الإسلام، ص: 122.

 

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع