الإسلام
والتعايش بين الأديان فى
أفق القرن الحادى و العشرين
أ. د./
عبد العزيز بن عثمان التويجرى
المدير العام للمنظمة الإسلامية
للتربية
والعلوم والثقافة
لا يستقيم لنا الأمر فى بحث العلاقة بين الإسلام
والتعايش بين الأديان، ما لم نحدد بدقة مفهوم التعايش اصطلاحاً، باعتبار أن
التعايش هو المحور الرئيسى للقضية موضوع الدراسة برمتها.
فما التعايش؟، ما مفهومه؟. ما حدوده؟ ما ضوابطه؟ هل التعايش هو مجرد علاقة،
أو صلة بين طرف وآخر، أم هو أعمق من ذلك وأبعد مدى؟ هل التعايش هو التعامل
الموضوعى على أساس من الاحترام المتبادل بين طرفين يملكان إرادة مشتركة فى التعاون
لجلب المنافع وتحقيق المصالح، أم أن التعايش يستوعب هذه المعانى جميعاً، ويشمل هذه
المستويات كلها؟.
بالرجوع إلى
الدلالة اللغوية للتعايش، التى هى الأصل فى اشتاق الاصطلاح، نجد فى المعجم الوسيط،
تعايشوا: عاشوا على الألفة والمودة، ومنه التعايش السلمى، وعايشه: عاش معه. والعيش
معناه الحياة، وما تكون به الحياة من المطعم والمشرب
والدخل (1).
وإذا دققنا فى مدلولات مصطلح
التعايش COEXISTENCE)) الذى شاع فى هذا العصر، والذى ابتدأ رواجه مع ظهور الصراع بين
الكتلتين الشرقية والغربية اللتين كانتا تقسمان العالم إلى معسكرين متناحرين قبل
سقوط سور برلين وانهيار الاتحاد السوفييتى، نجد أن البحث فى مدلول هذا المصطلح
يقودنا إلى جملة من المعانى محملة بمفاهيم تتضارب فيما بينها، ولكن يمكن تصنيفها
إلى مستويات ثلاثة:
المستوى الأول: سياسى، أيديولوجى، يحمل معنى الحد من
الصراع، أو ترويض الخلاف العقائدى بين المعسكرين الاشتراكى والرأسمالى فى المرحلة
السابقة، أو العمل على احتوائه، أو التحكم فى إدارة هذا الصراع بما يفتح قنوات
للاتصال، وللتعامل الذى تقتضيه ضرورات الحياة المدنية والعسكرية، وقد عرف التعايش
أول ما عرف على هذا المستوى الأول.
المستوى الثانى: اقتصادى، يرمز إلى علاقات التعاون بين
الحكومات والشعوب فيما له صلة بالمسائل القانونية والاقتصادية والتجارية، من قريب
أو بعيد.
المستوى الثالث: دينى، ثقافى، حضارى، وهو الأحدث، ويشمل
- تحديداً- معنى التعايش الدينى، أو التعايش الحضارى. والمراد به أن تلتقى إرادة
أهل الأديان السماوية فى العمل من أجل أن يسود الأمن والسلام العالم، وحتى تعيش
الإنسانية فى جو من الإخاء والتعاون على ما فيه الخير الذى يعم بنى البشر جميعاً،
من دون استثناء.
وعلى هذا المستوى الثالث، وعلى ضوء المفهوم المحدد الذى
نستخلصه منه، نتعامل مع مصطلح التعايش، وننظر فى أبعاده ومراميه.
لقد وضح لنا من تأملنا فى هذه الدلالات جميعاً أن
التعايش الدينى، أو بعبارة أدق التعايش بين الأديان يستند إلى أسس أربعة هى:
الأساس الأول: الإرادة الحرة
المشتركة.
الأساس الثانى: التفاهم حول الأهداف والغايات.
الأساس الثالث: التعاون على العمل المشترك من أجل تحقيق
الأهداف المتفق عليها، ووفقاً لخطط التنفيذ التى يضعها الطرفان الراغبان فى
التعايش المصممان عليه.
الأساس الرابع: صيانة هذا التعايش بسياج من الاحترام
المتبادل،ومن الثقة المتبادلة أيضاً.
الإسلام رسالة عالمية:
إن الإسلام هو الدين الذى أوحى به الله سبحانه وتعالى
إلى نبيه ورسوله محمد ابن عبد الله- عليه الصلاة والسلام- حين أنزل عليه القرآن
مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل، فهو رسالة السماء الخاتمة الجامعة لما
فيه الخير والصلاح للإنسان، فى دنياه وأخراه إلى يوم الدين. فقد
بعث الله محمداً- عليه الصلاة والسلام- رسولا للعالمين، ولم يبعثه لقومه العرب من
دون غيرهم (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيراً...) (2)، (يا أيها النبى إنا
أرسلناك شاهدا ومبشراً ونذيراً 000) (3)، ( قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم
جميعاً) (4). وأكدت الرسالة الإسلامية على الوحدة الإنسانية بالمساواة بين أجناس
البشر وشعوبهم وقبائلهم ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً
وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (5).
وقد بلغ النبى صلى الله عليه
وسلم هذه الرسالة فى حجة الوداع، فتلا الآية، وقال ما خلاصته: " أن ليس لعربى على عجمى، ولا لأبيض على
أسود فضل ولا لعجمى على عربى، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى " (6). وهذه
الوحدة الإنسانية تتضمن الدعوة إلى التآلف بالتعارف، وإلى ترك التعادى بالتخالف
(7).
ومن المبادئ الثابتة لعالمية الإسلام والمؤكدة لمبدأ
التسامح، أن الإنسان مكرم بحكم أنه إنسان ( ولقد كرمنا بنى أدم وحملناهم فى البر
والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )(8). والانتساب
لآدم وحواء وشيجة وقربى ورحم تجعل من الناس جميعاً أسرة واحدة فى شبكة واسعة، ومن
هذا المنطلق لابد أن تَصاغ العلائق بين الناس والناس، وتتشعب الأسرة الإنسانية
وتنساح فى أرجاء الأرض، ولأن خالقها سبحانه وتعالى يذكرها فى قوله (يا أيها الناس
إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا000) (9). وكلمة
(لتعارفوا) فى الآية تحمل معنيين:
الأول: أن يعرف بعضكم بعضاً،
والثانى: أن تتعاملوا فيما بينكم بالمعروف (10). ومفهوم
التعارف ذو سعة يمكن أن يشمل كل المعانى التى تدل على التعاون والتساكن والتعايش،
ويمكن أيضاً أن يستوعب التعارف قيم الحوار، والجدل بالتى هى أحسن، والاحترام
المتبادل.
الإسلام والتعايش:
ليس ثمة أبلغ وأوفى
بالقصد من الآية الكريمة( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم
000) (11)، فى الدلالة على عمق مبدأ التعايش فى مفهوم الإسلام. ذلك
أن المساحة المشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب مساحة واسعة.
ومن أبرز مظاهر التعايش التى سادت الحضارة الإسلامية
عبر العصور،أن الإسلام يعتبر اليهود والنصارى أهل ديانة سماوية حتى وإن لم يكن هذا
الاعتبار متبادلا. وعلى الرغم من أن عدم الإيمان بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام،
هو عندنا أمر عظيم وشأن خطير، بل هو أمر فارق، فإن الإسلام قد استوعب هذا الخلاف،
لا بالتهوين من أمره، أو المهادنة العقيدية له، ولكنه بما رسمه فى باب المعاملات
من تعاليم تسمح بالتواصل والتراحم رغم خلاف المعتقد (12).
والتسامح فى المنظور
الإسلامى هو ثمرة التصور الإسلامى للإنسان الذى
يقوم على أساس معيارين اثنين:
أولهما: تحديد
غاية الوجود الإنسانى، التى يتخذ الإنسان الأسباب لتحقيقها ومن ثم الالتزام بالأسباب التى تتؤاءم مع هذه الغاية ولاتصادمها
وثانيهما: هو مد الوعى بالوجود الإنسانى
إلى ما وراء الحياة الدنيا القصيرة الفانية إلى الحياة
الخالدة الباقية لقد خلق الله الإنسان لاهداف أخرى غير التى خلق الحيوان
من أجلها إذ المراد كان إيجاد جنس أخر من الخلق ، خلقه الله بقدرته ليعبد الله على وعى ، ويعمر الأرض بمقتضى المنهج الربانى، ومن أجل هذه الغاية وهب له ما وهب
من المزايا ، وأنزل الكتب لهدايته
على أيدى الرسل الكرام صلوات الله
وسلامه عليهم ،وكان من أهداف إرسال وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط (13)
التعايش بين الأديان : كيف ؟ و لماذا ؟
أما كيف يتم التعايش بين المسلمين وبين غيرهم من أهل
الأديان ، فإنه ينبغى أن ينطلق هذا التعايش ابتداء من الثقة والاحترام
المتبادلين،ومن الرغبة فى التعاون لخير الإنسانية، فى المجالات ذات الاهتمام
المشترك،وفيما يمس حياة الإنسان من قريب، وليس فيما لانفع فيه، ولاطائل تحته.
ولعل الإطار المذهبى الذى
رسمه الشيخ محمد الغزالى للتعايش، يمثل فى رأينا، الصيغة المثلى لتحديد صورة هذا
التعايش بين المسلم وبين غير المسلم، فقد وضع يرحمه الله، ثلاثة مبادئ للتعايش
والحوار هى:
أولا: نتفق على استبعاد كل كلمة تخدش عظمة الله
وجلالته، فأنا وأنت متفقان على أن الله قد أحاط بكل شىء علماً، وأنه لا يعجزه شىء
فى السموات ولا فى الأرض، وأن رحمته وسعت كل شىء، وأنه ليس متصفاً بالنقائص
والعيوب التى تشيع بين البشر... إلخ.
ثانياً: نتفق على أن الله
يختار رسله من أهل الصدق والأمانة والكياسة.
ثالثاً: ما وجدناه متوافقاً فى تراثنا نرد إليه ما
اختلف عليه، وبذلك يمكن وضع قاعدة مشتركة بين الأديان.
ولايخامرنا شك فى
أن التعايش بين الأديان، سيكون أشد إلحاحاً فى المستقبل القريب، لما يبدو لنا من
مؤشرات فى الأفق تؤكد جميعها على أن القرن الحادى والعشرين، سيعرف أزمات شديدة
الوطء على المستوى السياسى والاقتصادى، وعلى الصعيد،الحضارى والثقافى معاً. وفى
مثل هذا المناخ تتضاعف أهمية رسالة الأديان السماوية، وتتعاظم مسئولية المؤمنين فى
الدفع بالتعايش بين الأديان نحو الاتجاه الصحيح، عملا بالتوجيه الربانى فى قوله
تعالى:
( قل يا أهل
الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا
يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) (14).
ويمكن لنا أن نستنبط من هذه الآية الكريمة القاعدة
الشرعية التى تحدد موقف الإسلام من التعايش بين الأديان. إن (كلمة سواء) التى أمر
الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، بأن يدعو أهل الكتاب إليها،
يأتى بيانها المفصل فى ثلاثة أمور رئيسة، هى إن كانت تدور حول التوحيد والإقرار
بالربوبية والألوهية لله عز وجل، فإن الحس المؤمن يستمد منها معانى وإشارات ذات
علاقة بواقع الناس فى معاشهم وحياتهم، وهى:
أولا: ألا نعبد إلا الله.
ثانياً: ولانشرك به شيئاً.
ثالثاً: ولايتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله.
فهذه الآية هى القاعدة
الذهبية للتعايش بين الأديان، لأنها تدعو إلى إفراد الله بالعبودية، وإلى عدم
الإشراك به، وإلى رفض، الطغيان والجبروت والكبرياء وفرض الهيمنة، وذلك بأن يتخذ
الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، يستوحون منهم التعاليم والمبادئ، أو
يخشونهم، أو يخضعون لما يملكونه من قوة باطشة، مما يؤدى إلى خلل فى الكيان
الإنسانى، وإلى الفوضى فى العالم. فليكن التعايش بين الأديان إذن، من أجل الله
وحده لا شريك له، ومن أجل الحياة الإنسانية الحرة الكريمة، فى ظل الإيمان والخير
والفضيلة وما فيه مصلحة الإنسان فى البدء والختام.
المراجع
(1) المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الجزء2، ص 639-.640،
طبعة دار الفكر.
(2 ) سبا 28.
(3) الأحزاب: 45.
(4) الأعراف: 158.
(5) الحجرات:13.
(6) من حديث العداء بن خالد فى المعجم الكبير
للطبرانى.
(7) محمد رشيد رضا، الوحى المحمدى، ص: 169،
مكتبة القاهرة، الطبعة السادسة 1960م، والعنوان الكامل لهذا الكتاب:( الوحى
المحمدى: ثبوت النبوة بالقرآن ودعوة شعوب
المدنية إلى الإسلام دين الأخوة الإنسانية والسلام).
(8) الإسراء: 70.
(9) الحجرات: 13.
(10) د. حسان حتحوت،
" رسالة إلى العقل العربى المسلم، ص: 153، دار المعارف، القاهرة، الطبعة
الأولى 1998م.
(11) آل عمران: 64.
(12) المصدر نفسه، ص:
155.
(13) محمد قطب، " حول التأصيل الإسلامى
للعلوم الاجتماعية،، ص: 81، دار الشروق، الطبعة الأولي 1998 م.
(14) آل عمران: 64.