الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر العاشر : الإسلام والقرن الحادي والعشرون يوليو 1998م
 
الحضارة الإسلامية

الحضارة الإسلامية حضارة متطورة

أ. د./ عبد الرشيد عبد العزيزسالم

وكيل أول وزارة الأوقاف

إن الذين يعرفون الحضارة الإسلامية، يدركون تمام الإدراك أنها حضارة متطورة استطاعت فى مدة قليلة من الزمان استيعاب الحضارتين الفارسية والرومانية وتحويلها بعبقرية مبدعة إلى حضارة إسلامية تتفق والمبادئ والأحكام والتشريعات الإسلامية.

وفى أقل من قرن من الزمان أصبحت الدنيا كلها تأخذ معارفها ومفاهيمها من العلماء. المسلمين الذين نبغوا فى مختلف العلوم والفنون بل والحرف الصناعية، وإن دل هذا على شىء فإنما يدل على أن منابع الإسلام التى منها يرتوى العلماء ويأخذون أحكامهم وقضاياهم. إنما هى منابع حضارية، تحفز الهمم وتحرك العزائم إلى التقدم والرقى بالإنسانية كلها. وإن كانت بعض الظروف التى واجهت الأمة قد أدت إلى تراجعها وتقهقرها إلا أن حضارتها التى ساعدت على انتقال العالم من العصور المظلمة إلى عصور التقدم والرقى مازالت محل تقدير وإجلال من علماء العالم المنصفين ومازال بعضها حتى الآن يعد مصدراً أساسياً للمعرفة الإنسانية.

وكل ما نحتاجه هو تضافر جهود المخلصين من علماء الأمة فى هذا العصر فى وضع مشروع ثقافى وحضارى لهذه الأمة يتلاءم ومتطلبات العصر المتسارع فى جميع جوانب المعرفة. على إن يلاحظ فى هذا المشروع إخراجها من دائرة الاتباع والافتتان بكل نمط غربى غزا حياتها لسبب أو لآخر.

وإذا كان لنا أن نركز الإشارات ونحدد الاتجاهات  التى ينطلق منها المشروع فأننا نشير إلى مايلى

اولا:

 الارتباط بالأصول الذى سوف يفيدنا كثيراً فى تفسير الواقع المتردى للأمة تفسيراً صحيحاً. وهذا التفسير بلا شك طريق لابد منه لمن يروا إصلاح الأمور وتقويم المعوج منها. وحتى لا نحمل الإسلام ما ليس فيه لابد من فهم حقيقى للعقيدة والفكر اللذين جعلهما الإسلام منطلق حركة وأسس العمران. ولو أن المسلمين تدبروا القرآن لوجدوا أن فى دعوته إلى الإيمان والإحسان والإصلاح هو أحرص ما يكون على تقدم الدنيا ورقيها والانتقال بها من حالة إلى حالة تتفق وتطورات العصور المختلفة وتتلاءم مع كل جديد يفيد الإنسانية ويعمل على سعادتها.

ولو تدبرنا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإننا نجد سيرة مليئة بالرجولة والكفاح والصبر والتضحية والعمل والإبداع فى كل مجالات الحياة.

وكذلك لو تدبرنا الأمة العربية التى ظهر فيها الدين الإسلامى. فإننا سنجد أمة انطلقت عملاقة فى سنوات قليلة، وبرزت فى كل الاتجاهات الحضارية. علمية وأدبية وفنية وسلوكية.

ولم يكن الوقود الذى أشعل حركتها، وأطلق ثورتها إلا هذا الدين. فعن طريقه أبصرت النور وأنشأت المدنيات. ولم تذق وحدها طعم الحياة الراقية الآمنة المطمئنة، بل أذاقته أمماً فى الشرق والغرب كانت مواتاً بالية.

وإذا كان الإسلام فى أصوله هكذا، فإن تطبيقه فى القرون الأولى قد أنتج ارتقاء وحضارة فى شتى المجالات استجابة لحث الإسلام على العلم، وحرصه على العمل ونهجه فى الارتقاء بالإنسان.

لذلك فإن واقعنا ينبغى أن يفهم فى ضوء إمكانيات ديننا، وناتج تطبيقها تاريخياً عبر عصور الازدهار والوفاء للفكرة الإسلامية. وتلك حقائق يعلمها تاريخ الأمم، ولا ينكرها عدو فضلاً عن صديق، ثم إن الأمر كله يسير وفق سنن الله فى خلقه، فبدون أن يتنبه المسلمون إلى هذه الحقائق باعتبارها سنناً فإن الأمر يظل فى دائرة الأمنيات المريضة، أو أحلام اليقظة كما يقولون.

وقد لخص " شكيب أرسلان " هذا الأمر- بعد حديث مفصل عن إنجازات المسلمين وفتوحاتهم فى نصف قرن مبيناً أن ذلك كله كان باسم الإسلام ومن صياغة الإسلام للناس- قال: " فالسبب الذى به نهضوا وفتحوا وسادوا وشادوا، وبلغوا هذه المبالغ كلها من المجد والرقى يجب علينا أن نبحث عنه وننشده ونخص المسألة ونمعن فى النشدان: وهل هذا السبب باق فى العرب وقد تأخروا على الرغم من وجوده، وتأخر معهم تلاميذهم الذين هم سائر المسلمين أم قد ارتفع هذا السبب من بينهم ولم يبق من الإيمان إلا اسمه، ومن الإسلام إلا رسمه، ومن القرآن إلا الترنم به، دون العمل بأوامره ونواهيه، إلى غير ذلك مما كان فى صدر الملة؟

 

إذا بحثنا عن ذلك وجدنا أن السبب الذى به استقام هذا الأمر قد أصبح مفقوداً بلا نزاع وإن كان بقى منه شىء كباقى الوشم فى ظاهر اليد، ويفصل القول فى بيان أن عزة الله للمؤمنين ونصره لمن ينصره، محكومان بقانون(... إن الله لا يغيرما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم 000) (1). ثم يقول " فلما كان المسلمون قد غيروا ما بأنفسهم كان من العجب ألا يغير الله ما بهم يبدلهم من الذل والضعف إلى العز والمجد وتلك سنة الله فى خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً "

وإذا كان العلاج يرتبط دائماً بتشخيص المرض، فإن التغير الذى ننشده هو مشروع حضارى إسلامى يعلن الهوية للمسلم المعاصر، ولابد أن يستفيد من صفحات مشرقة كانت من ترويات وتراجعات تمت، كل ذلك فى ضوء دراسة التاريخ الإسلامى تطبيقاً للمعتقد فهماً وحركة وفق منهاج الاعتبار وسنن الله فى الأنفس والآفاق، وهذا كما أشرنا يتطلب العودة إلى الأصول مصادر ومنهاجاً فى ضوء الاجتهاد المقرر فى الإسلام، والاختلاف المسموح به والذى لا يفسد للود قضية.

ثانياً:

 الارتباط بالأصول أو الوحدة الفكرية ضرورة فى صياغة مشروع ثقافى ينقذ الأمة مما عانته من جراء الغزو الثقافى، أو التفريغ الثقافى كما يسميه البعض ولابد وأن نعرف أن الأمر قد مر بأطوار عديدة يبدأ عند البعض من تعرف الغرب إلى العلم الإسلامى بالأندلس، ومن يومها بدأت الدراسات للغة الشرق الإسلامى وادبه واجتماعياته، ثم أسهمت الحروب الصليبية بقدر لا يستهان به فى هذا الصدر، ثم كان ما كان من أمر الحملة الفرنسية، والبعثات إليها وأثر كل ذلك وفى ثقافة الأمة الإسلامية، ثم كانت نكبة التعليم المزدوج أحياناً، دينى ودنيوى  ومدارس الإرساليات والتبشير،والجامعات الأمريكية وما حكاها. كل ذلك واكب لحملات الصليبية والحملة الفرنسية، والاحتلال الإنجليزى لمصر عام 1882م وعملت هذه الأطوار عملها فى تكوين شخصية مفرغة أو مبتورة الصلة بثقافتها الإسلامية الحقيقية، وإن وجد فى بناء هذه الشخصية رائحة الإسلام كبقايا الوشم فإنما صاحبها إلى جانب ضعفه خلط واضطراب إلى حد أن يعبر بعض المراقبين الواعين بما يفيد أن الإسلام- المختلط يطرد الإسلام الحق، وهنا تكمن أهمية الوحدة الفكرية التى عمادها الرجوع إلى مصادر موحدة، ومناهج موحدة. تعطى الأمة ذاتها، كما تعطى الشخصية الإسلامية هويتها التى طمست معالمها حين أخذت مناهج تعليمية تعد النمط الغربى أساساً ومقياساً.

والذى لا شك فيه أن الاستشراق الإنجليزى بعد احتلال مصر، أحدث صدعاً فى الثقافة المصرية أخبث وأعتى من الصدع الذى أحدثه الاستشراق الفرنسى، فدنلوب وضع أسس التفريغ الكامل لطلبة المدارس المصرية، أى تفريغ الطلبة من ماضيها المتدفق فى دمائها مرتبطاً بالعروبة والإسلام، لينشئ أجيالاً من تلاميذ المدارس تمزقت علائقها بثقافتها العربية الإسلامية أى تمزقت اجتماعياً وثقافياً ولغوياً، وتم تفريغها تفريغاً كاملاً من ماضيها كله وامتلأ هذا الفراغ بعلوم وآداب وفنون لا علاقة لها بماضيهم، وإنما هى علوم الغزاة، وفنون الغزاة، وآداب الغزاة، وتاريخ الغزاة، ولغات الغزاة، ومع ذلك فإن هذا القدر من العلوم والفنون والآداب إنما هى قشور ومقتطفات توهم النفوس الظامئة المفرغة بأنها نالت شيئاً يذكر والحقيقة أنها نالت غذاء تعيش به موتى فى صورة أحياء لا غير.

ولا سبيل إلى علاج هذه الحالة إلا بتقديم ما يملأ هذه العقول ويحرك هذه القلوب نحو حضارة وعمران كانت سمة للمسلمين يوم أن كانوا يمتلكون ويعيشون جو الفكر الموحد فى مصادره ومناهجه، وإن وجد فيه من الخلاف فى الرأى ما تسمح به طبيعة هذا الفكر، وما يعتبر إثراء وحيوية تشهد لهذا الفكر بالتوازن بين ثبات النصوص وتغيير الأفهام والأحداث.

ثالثاً: الارتباط بالأصول اوالوحدة الفكرية ضرورة لتنقية مجتمع الشباب مما أصابه وانتقل إلى غيره من الناس نتيجة لغلو فى بعض المسائل مثل الحب والبغض، وطاعة الأمير، والولاء، والبراء، والأخوة فى الله، وما شابه هذا مما هو موضع لغط بين شباب المسلمين نتيجة لعوامل متعددة بعضها نفسى وعاطفى وبعضها فكرى علمى، لكن الأمر فى عمومه يضيع وقتاً وجهداً تحتاجه نهضة المسلمين المرتقبة.

ولابد أن تكون الأبجديات واضحة لدى من يفترض أنهم عماد تنفيذ المشروع الحضارى والثقافى للأمة لذا فنحن لا ندين الشباب بقدر ما نبحث عن وسيلة الإنقاذ لهم وللأمة من خلالهم. وإذا كانت عواطف الشباب وضغوط الواقع لها أثرها فى إيجاد هذا الغلو لدى بعض الشباب فإن الجانب الفكرى والعلمى له الأثر النفسى لأن ما آمن به هؤلاء الشباب هو فى أصله إسلامى لكن سوء الفهم أو عدم دقة التفسير أدى كل ذلك إلى الخروج بنسبة ما عن الأصول وكثير من هذه الأفكار قالت بها فرق غالية فى تاريخ المسلمين العقلى، باد أكثرها بمرور الزمان، حتى عادت للظهور من جديد لدى بعض المعاصرين بقلة بضاعتهم من العلم الدينى، ولأسباب أخرى أحاطت بهم وشيوع ألوان من الفساد الصارخ فى المجتمع على سلامة فى النيات وبراءة فى القصد فيما نعتقد. ولعدم الإحاطة بوسائل التغيير الاجتماعى وهدى السلف فى القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

والغريب أن هذه الأفكار قد ظهرت فى العديد من الأقطار الإسلامية فى أفريقيا وآسيا لتشابه الظروف والملابسات من غلبة الاستجابة العاطفية وقلة الفقه عند الشباب مع غيرتهم على الدين وحرصهم على نصرته، ولفشل النظم التعليمية عن تقديم المعرفة الضرورية بالأحكام الشرعية للشبيبة المسلمة فى عصرنا ولتقاعس بعض العلماء عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وجدير بالذكر أن بعض العلماء تعرض لهذا الأمر وتبين وجه الحق فيه. لكن ذلك العلاج يحتاج إلى أن يدخل فى نسق تعليمى وإعلامى وتربوى ينطلق من الأصول إلى المصادر ويستهدف أن يكون القاسم المشترك بين الأمة كلها عقيدة واحدة وفكراً ينبثق منها، وسلوكاً يحتكم إليها الأمر الذى لا يكفى فيه جهد فردى لعالم أو أكثر، بل يتطلب تربية تتسع دائرتها لتشمل كل المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية لتنتج الوحدة الفكرية التى نهدف إليها، ونراها ضرورة ملحة فى نهضتنا المرتقبة وأساساً لمشروعنا الحضارى والثقافى الذى تتنادى به أصوات المصلحين بحثاً عن هوية وذاتية المسلم المعاصر.

الحضارة ووحدة الفكر

أشرنا فيما سبق إلى أن لكل حضارة فكرها ومعتقداتها التى تمثل المبادئ والضوابط الحاكمة لحركة الحياة فيها وقلنا إن الحضارات تتمايز بمقدار اتساق المبادئ مع حركة الفكر مع الاستمرارية فى ضوء منهاج علمى واضح والحضارة الإسلامية عبر تاريخها الطويل- وقبل تغلغل النمط الغربى فى تعليمها وإعلامها ونظمها- كانت ككل الحضارات لها مبادئها التى تمثل العقيدة وتصور الإسلام للإنسان والكون. وكان لها اجتهادات وفق منهاج متميز.

فأخذت سمتها التى عرفت بها وخصائصها التى ميزتها عن غيرها- ثم كان ما كان من أمر التفريغ الثقافى وحالة الانقسام- بين الفكر والمبادئ فإذا أريد للنهضة المعاصرة أن تبنى على فكر موحد فإن ذلك لا يمكن أن يتحقق دون أن يعيش المسلمون وحدة المصادر ووحدة المنهاج.

وحدة المصادر

تشترك كل الثقافات فى أن الدين بمعناه العام الذى هو فطرة الإنسان يشكل عنصراً محورياً فيها، ثم بقدر شمول هذا الدين لما يحفظ على الإنسان إنسانيته، وبقدر تغلغله إلى أغوار النفس تغلغلاً يضبط الأهواء بإرادة واعية لهذا الضبط، بقدر هذا كله تكون قوة العواصم التى تعصم صاحبها من كل عيب فادح فى النظر أو التطبيق وهذا الأصل الأخلاقى هو العامل الحاكم الذى يمكن لثقافة الأمة أن تبقى متماسكة مترابطة وتزداد على الأيام تماسكاً وترابطاً بقدر ما يكون هذا الأصل (الأصل الأخلاقى) من الوضوح والشمول والتغلغل والسيطرة على نفوس أهلها جميعاً.

وهذا (الأصل الأخلاقى) ليس قواعد عقلية ينفرد العقل بتقديرها ابتداء من عند نفسه لأنها تتعلق بالإنسان بالدرجة الأولى، والإنسان كائن متعدد الجوانب معقد النواحى شائك السلوك يحتاج إلى قوة أكبر من مداركه وفهمه تضع له الأصول والضوابط. فالقواعد العقلية المجردة  لاتكاد تقوم بهذا العبء كله، بل العقائد وحدها هى صاحبة هذا السلطان على هذا الإنسان، وقد اهتم المسلمون بهـذا الأصل الأخلاقى، واعتنوا به فحفظت الثقافة الإسلامية متماسكة رغم ما مر بها من محن، بل أنتجت علوماً اهتمت بهذا الأصل كأدب العالم والمتعلم والفقيه والمتفقه وعلم الجدل، وعلم المناظرة ونحوها مما يؤكد تميز الثقافة الإسلامية بالوحدة والترابط إلى حد أنه ينظر إليه على أنه إحدى عجائب الحضارات والثقافات البشرية،. وفى الإسلام نأخذ هذا الأصل وهذا الاعتقاد من مصادر (الكتاب والسنة) وحيا من عند الله الذى خلق فسوى وقدر فهدى، ثم يقف العقل مصدراً معترفاً به من الوحى نفسه فيما يستطيع أن يعمل به والعلاقة بين الوحى والعقل شغلت حيزا كبيراً فى الفكر الإسلامى. ولكن الأمر عند التدقيق يظهر أن العلاقة بينهما علاقة تكامل لابد منها، فالعقل يعتبر من الشرع لكنه لا يكون ندا له وهو ميزة لكنه مسئولية. كذلك فالإمام القرطبى حين اعتبر العقل هو التفضيل الذى يجب أن يعتبر دون ما عداه وهو يفسر قوله تعالى: (ولقد كرمنا بنى أدم وحملناهم فى البر والبحر ) (2). ذيل هذا بعبارة (إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بُعثت الرسل وأنزلت الكتب، فمثال الشرع  الشمس ومثال العقل العين فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء وإذا كان العقل وارعاً فإنه يعقل صاحبه عن الشر ويقلب النظر ويوازى بين الأشياء وهو كذلك يميز بين الهداية والضلال ويأخذ من الماضى للحاضر يعى ويتدبر. أقول وإذا كان كذلك فإنه موصول لكل حجة من حجج التكليف لكل أمر بالمعروف ونهى عن محظور. أفلا يعقلون؟ أفلا يتفكرون؟ أفلا يبصرون؟ أفلا يتدبرون؟ أفلا يتذكرون؟ أليس منكم رجل رشيد؟)، والعقل بهذه المعانى وهذه المهام ميزة تميز الإنسان عن الحيوانات كلها. ومسئولية تقوده إلى ما خلق من أجله وهو واسطة بين النفس التى تتصل بالغرائز وبين الروح التى تتصل بعالم البقاء وسر الوجود الدائم الذى علمه عند الله وكأن بالعقل أداة ذات حدين، وفى غالب أحوالها إذا استقامت تحكم النوازع وتقود إلى الخير. فبالعقل تعود إلى القرآن والسنة تأخذ منه أصول العقيدة، عقدية التوحيد، وتصور الألوهية الحق الذى جاء الإسلام مركزاً على بيانه وتقريره إنقاذاً للبشرية من الاضطراب الذى أصابها سواء على يد أصحاب المذاهب العقلية كاليونان والفرس، أو على يد من حرفوا كتبهم التى حملت التوحيد إليهم مثل اليهود والنصارى وفهم عقيدة التوحيد كما جاء بها الكتاب والسنة فهماً سليماً يبعث فى الأمة عزتها وهمتها الحضارية.

 ونفهم فى ضوء هذا كل جوانب الاعتقاد من إيمان بالرسل والملائكة والكتب واليوم الآخر، وتكون هذه المبادئ أو هذا الغيب منطلقاً يحقق المسلم من خلاله ذاته.

وحدة المناهج

من المسلمات فى الفكر الإسلامى القيمة التى أعطاها الإسلام للعقل،وهى " التوافق بين صريح المعقول وصحيح المنقول "، وهذا أمر مقرر فى ثقافتنا الإسلامية على اختلاف مدارسها وكما يقول العقاد التفكير فريضة إسلامية، وضوابط هذه الفريضة هى ما نسميه بالمنهاج، ونعنى به المبادئ التى يلتزم بها كل من يجتهد فى استنباط الأحكام أو الحلول من النصوص، ومع ضرورة الالتزام هذه يسمح ويقبل الرأى الآخر، وفى الاعتياد كذلك أن طبيعة كل علم وموضوعه ربما يفرضان بعض الاختلاف فى التفاصيل، لكن تبقى الملامح الأساسية مشتركة بين أبناء الثقافة الإسلامية والحديث عن ملامح المنهاج المبتغى يتطلب أن نشير إلى جانبين اثنين يتكاملان لإبراز هذا المنهاج

 " الجانب الأول" طريقة التفكير،

" الجانب الثانى"  روافد المعرفة أو جانب المعلومات، وقد أشرنا إلى بعضها فى بحوث أخرى لكن لأهميتها نعيد الإشارة إليها بشكل موجز:

أولاً: بالنسب لطريقة التفكير اهتم  الإسلام بما يلى

1- البعد عن اتباع المعميات باعتبار أن السلوك ترجمة لفكر ينطلق إلى العقيدة(ولا تقف ما ليس لك به علم 000) (3).

2- الاعتداد بالحقائق ورفض ما عداها(... إن الظن لا يغنى من الحق شيئاً00) (4).

3- لا تقبل الدعاوى إلا بدليل (..  قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين..)(5).

4- احترام الخبرة والتخصص الدقيق فى كل مسألة موضع البحث.

 ثانياً: بالنسبة لجانب الروافد "  التى تمد الإنسان بالعلوم التى يحتاج إليها فإنها كما يلى:

ا- الأوامر والنواهى فى أمور لا يستطيع العقل البشرى أن يقضى فيها بقضاء عادل.

2- الدعوة إلى إعمال العقل فى خلق الله وصولا إلى اليقين فى الاعتقاد والحقائق فى العلم.

3- الدعوة إلى التبحر فى العلوم المختلفة مثل علوم الفضاء والفلك والجيولوجيا والبحار وغيرها.

ونؤكد ما ألمحنا إليه سابقاً من أن الالتزام بهذه المنهاجية هو إطار عام يسمح داخله بوجهات نظر متعددة، ولعل هذا يفسر تعدد المذاهب الفقهية لأسباب منقولة ومعقولة. هذا فى ضوء حقائق ينبغى ألا تغيب عن الذهن مثل أن المتفق عليه أكثر من المختلف فيه، ومثل: أن الخلاف فى الفروع وليس فى الأصول ومثل: أن بعض الخلاف يذهب عند التحقيق لكونه لفظياً أو لظروف الزمان أو البيئة أو نحو ذلك. وفى ضوء ذلك ننظر إلى ما كان بين الأئمة الأعلام من اختلاف فى الرأى ونقارن بينه وبين الاختلافات الموجودة بين فصائل الأمة، ومثقفيها على وجه الخصوص، وهنا أنقل فى إيجاز ما يظهر هذه المقارنة وذلك ببيان ما كان عليه الأئمة الأعلام والفقهاء المجتهدون وإن اختلفت آراءهم يحترم بعضهم بعضاً، ويحترم حريته فى مخالفته، وقد رأينا مالك بن أنس يرفض حمل الناس على مذهبه فى كتابه الموطأ ويقول: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  تفرقوا فى الأمصار وقد يكون لديهم ما فاته.

وقد أنكر عبد الله بن مسعود إتمام الصلوات الرباعية أيام التشريق، لما بلغه أن عثمان فعل ذلك، وقد رأى ابن مسعود بعدها يصلى وراء عثمان متماً فلما كلم فى صنيعه هذا قال: أكره الخلاف وقد كان أحمد بن حنبل يرى أن الحجامة تنقض الوضوء فسئل عمن رأى الإمام احتجم وقام للصلاة ولم يتوضأ، هل يصلى خلفه؟ فقال- رضى الله عنه- كيف لا أصلى خلف مالك وسعيد بن المسيب.

وكان أبو حنيفة وأصحابه يرون الوضوء من خروج الدم، ولكن أبا يوسف رأى هارون الرشيد احتجم وصلى ولم يتوضأ، لأن مالكا أفتى الخليفة بأن لا وضوء عليه إذا هو احتجم، فصلى أبو يوسف خلفه ولم يعد الصلاة.

 ورووا أن الشافعى ترك القنوت فى صلاة الصبح لما صلى مع جماعة الأحناف فى أحد مساجد بغداد وذلك رعاية لآداب الإسلام. ورغبته عن الخلاف وعلى هذا كان خلاف العلماء لا يمنع الوحدة الفكرية لأنه دائما يكون فى الإطار العام الذى أشرنا إليه، وأى خلاف لا يرعى هذا الأدب هو خارج عن حدود الوحدة الفكرية ويسهم بشكل أو بآخر فى الحال التى نحن عليها.

كيف نخرج من مأزق الاختلاف إلى الوحدة الفكرية

الحديث عن وسائل الخروج من المأزق الفكرى الذى تعيشه الأمة حديث صعب ومتعدد المناحى مما يجعل بحثاً كبحثنا هذا لا يتسع له، وإنما حسبنا أن نشير إلى أمور:

الأمر الأول: إن العوامل التى نتج عنها ما نحن فيه متعددة بعضها من داخل الأمة تراجعاً حضارياً وكسلا عقلياً، وجموداً فكرياً، وبعضها خارجى داخل فى دائرة الاحتكاك الثقافى بين جهتين غير متكافئتين لا فى الظروف ولا فى الآليات المستخدمة عند كل. وهذا معناه أن الوسائل اللازمة ينبغى أن تتعدد وأن ندرك أبعاد هذه العوامل.

الأمر الثانى إن الموقف صعب عند دخولنا حيز التنفيذ لأنه مع تعدد وتشابك العوامل الحاكمة للظاهرة فأنه لا يزال هناك انفصام بين الاقتراحات والحلول وجهات التنفيذ وبخاصة إذا تعلق الأمر بما يسمى بالمهام القومية كالتعليم والإعلام ونحو هذا.

الآمر الثالث إن الوسائل اللازمة للخروج من المأزق الحضارى الذى نعيشه متعدد فعندنا التعليم، وعندنا الإعلام، وعندنا المؤسسات والفعاليات الثقافية الأخرى، وهناك الجهات العلمية المهتمة بقضايا الفكر والثقافة فى حقل التربية وصياغة الوعى العام مثل الندوات والمؤتمرات ونحوها وهذه الوسائل المتعددة تتكامل أو ينبغى أن يكون الأمر كذلك لكن تكاملها يتوقف على فهم كل منها، وخطته للإسهام فى إنجاز المهمة المشار إليها.

ولأن هذا التفصيل فوق خطة هذا البحث فإننا نعتبر التعليم أساساً لكل الوسائل الأخرى ونرى أن ما نشير إليه فى مسألة التعليم يمكن اعتباره فى الوسائل الأخرى. وبالنسبة للتعليم نشير إلى حقائق ينبغى استحضارها ونحن نعالج فاعلية التعليم فى الخروج من الأزمة الفكرية للأمة.

الحقيقة الأولى:

إن الفكر الإسلامى شهد خلال عصور ازدهاره وحدة فكرية تمثلت فى جو الحوار والمناظرة، والجدل العلمى الذى أسفر عن علوم ومعارف كان لها شأنها فى عقل الأمة والأمم الأخرى، دون أن يقلل هذا من جو الاجتهاد وتعدد الآراء، وقد كان ذلك نتيجة للتربية التى كان يتربى عليها العلماء ومثقفو الأمة باعتبارهم رواداً يعلمون غيرهم، ويأخذون بيدهم نحو الفكر الموحد نظراً للالتقاء على مصدر ومنهاج موحدين.

وقد امتلك علماء الأمة آليات توحيد الفكر لأنهم حفظوا قدراً من القرآن، وعلما بالسنة شكل عقلهم، وحدد اتجاههم وموقفهم من العلم والتعليم للأمة وهذا الفكر هو الذى جمع بين العقل والنقل ومقتضيات العصر والاحتكاك بالثقافات المجاورة وكان هذا الانفتاح رافداً مهماً من ررافد المعرفة عند علمائنا، لذا أبدعوا وأضافوا وقادوا الأمة نحو شخصية مستقلة قوية تأخذ دون أن تفقد ذاتها وهويتها، واتصل بهذا ما أشرنا إليه من وجود مناظرات بين العلماء دون أن يتحول ذلك إلى اختلاف يمزق وحدة الأمة ويجهض مصلحة الجماهير المسلمة.

 

وبمقدار ما تبرز هذه الحقيقة فى دور التعليم والتربية بقدر ما تلقى على التعليم المعاصر مسئولية الاستفادة وتحديد الهدف من دراسة تراثنا فى هذا الجانب.

 

الحقيقة الثانية:

إن ما نعانيه اليوم من تمزق فى الشخصية العربية الإسلامية بدءاً من اضطرابها فى مفاهيم عقيدية مثل تصور الإسلام لله والكون والإنسان، ومروراً بفقدانها روح المسئولية الحضارية المنوطة بها، وانتهاء باستمرائها التبعية الفكرية لسبب أو لآخر. هذا كله من أثر التعليم والتربية. وقد فطن أعداء الأمة إلى أن خير وسيلة لإفساد الأمة هو إفساد التعليم باعتباره رافداً أساسياً فى صياغة الشخصية المسلمة.

الحقيقة الثالثة:

مادام الأمر كذلك فإن التعليم المتضمن للتربية ينبغى أن يحدد لنفسه فلسفة إسلامية محضة تبعده عن مسائل الترقيع التى كثيراً ما نلجأ إليها فتكون النتيجة عدم تحقيق استقلال فكرى وعدم الإفادة الحقيقية مما استوردناه من أفكار الآخرين، لأنها نتاج ظروف مختلفة، وخادمة لأهداف مغايرة لأهدافنا من التعليم الإسلامى وإن جاز أن نفيد من خبرة الآخرين فإن الشرط أن ننقى هذه الخبرة من ظلالها المرتبطة ببيئتها هناك وأن نطوعها - إذا أمكن ذلك- لظروفنا وأهدافنا.

ووجوب أن يكون لنا فلسفة إسلامية هو الموقف الصحيح، إذ أنه كما أن للغرب فلسفة تربوية مؤسسة على مفاهيم معينة وللشرق فلسفة معينة يعتمد على رؤيتها العقائدية، فإن المنطق أن يكون للتعليم الإسلامى فلسفة أساسها تصور الإسلام للآلة والإنسان والكون.

تعقيب:

هذه الحقائق وما سبقها من أمور ينبغى أن تكون فى وعينا ونحن نوظف وسيلة من الوسائل اللازمة للخروج من أزمتنا الفكرية ومحاولة صياغة مشروع حضارى للأمة.

وهناك قضايا عديدة يمكن أن تلتقى الأمة عليها إذا قدم  لها التصور الصحيح مثل :

- بناء الإنسان فى جوانبه المتعددة عقلياً وحضاريا، وفكرياً ونحو ذلك.

- العقيدة والفهم الصحيح لها باعتبارها باعثا على العمل وضابطا لحركة التنمية.

- المسئولية بين جانبها الفردى وجانبها الاجتماعى وأثر ذلك فى الإسهام

الحضارى.

- قضية الاحتكاك الثقافى والتعامل مع أفكار الآخرين.

- الحضارة الإسلامية- مفهومها- تاريخها- اتصالاتها بالحضارات الأخرى، فى ضوء التراجع الحضارى السائد الآن لدينا قيم العمل، والتنمية

- فقه الأولويات فى حياة المسلمين هذه وغيرها حين توضع فى إطارها الإسلامى بعيدا عن الخلافات الفردية أو الطائفية، يمكن أن تكون نواة للالتقاء الذى يغذى الاجتهاد وتعدد الرأى لصالح تنوير الأمة وتبصيرها بالطريق نحو هدفها المحدد لها فى التصور الإسلامى.

المراجع

(1 ) الرعد: 11.

(2) الإسراء:70.

(3) الإسراء:36.

(4) يونس: 36.

(5) البقر:111.

 

 

 

 

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع