الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر العاشر : الإسلام والقرن الحادي والعشرون يوليو 1998م
 
الإسلام و التطور الحضارى

 

 

الإسلام و التطور الحضارى

المستشار

السيد على بن السيد عبد الرحمن الهاشمى

مستشار رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة للشئون القضائية والدينية

دور الاجتهاد فى الفكرالإسلامى

الاجتهاد: هو بذل الجهد فى استنباط الحكم الشرعى مما اعتبره الشارع دليلا، والدليل هو كتاب الله تعالى وسنة نبيه  صلى الله عليه وسلم .. والحكمة منه كى يستطيع أهل الفقه والمعرفة أن يجتهدوا وينزلوا ما يستجد من الحوادث على عمومات الكتاب والسنة.

ولا يستطيع أحد أن ينكر الدور الذى قام به الاجتهاد فى إثراء الحياة الفكرية، بل وحركة الحياة عموما فى المجتمعات الإسلامية منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى الآن، ولا مبالغة فى القول إذا ما ذكرنا ثناء علماء القانون عن غير المسلمين على ما قام به علماء الفقه الإسلامى فى مختلف العصور.

وما ذلك إلا لأن الاجتهاد ضرورة من ضرورات الدين والحياة.. ولا غرابة فى أن يجعل البعض من وجود الاجتهاد علامة ودليلا على ديمومة الإسلام وديمومة الفقه الإسلامى متطورا حيا نشطا قادرا على مسايرة الزمن وشاملا لكل نواحى الحياة.

وهذا يفسر لنا بوضوح وجلاء لماذا حض عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وحرض عليه تحريضا، وجعله من واجبات الحكم، فالحاكم بصفة عامة يشترط فيه أن يكون من المجتهدين الذين تتوافر فيهم شروط الاجتهاد التى تحدث عنها الفقهاء..

ولعل أهمية وحيوية دور الاجتهاد فى الحركة الفكرية وإمداد المجتمعات بالرأى الفقهى الدقيق عن طريق النظر فى الأدلة، هى التى دعت إلى وجود قواعد وأصول راسخة يقوم عليها حتى لا يلج إليه إلا أهله والقادرون عليه، وأصحاب الملكات الفقهية وأهل النظر والاجتهاد دون انقطاع عن الماضى،  وعلى ضوء ما كشف عنه العلم من حقائق فى الكون وطرائق النظر.

وهذه القواعد والأصول هى التى حفظت للاجتهاد مكانته . واستحفظت له مهمته الجليلة، وأهدافه السامية، وأقامت سياجا قويا يمنع غير القادرين عليه من التسلق إليه، أو أن يقربوا حماه لأغراض دخيلة قد تغبش على المسلمين دينهم أو توقعهم أحيانا فى الشك والحيرة والارتباك.

فهناك من يريد هذا الدين فارغا من مضمونه (مجرد عقيدة نظرية) بلا حقيقة وحسب المسلم أن ينطق بالشهادتين ليأخذ صكا بدخول الجنة والنجاة من النار. مع أن الإيمان الحق قول وعمل ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا يتصور وجود إيمان بلا عمل يتضح ذلك من نصوص القرآن والسنة ومنهم من يريده (عبادة بلا أخلاق) أو (أخلاقا بلا عبادة) مع أن الهدف الحقيقى من خلق الإنسان هو العبادة لقوله تعالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (1).. وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

ومنهم من يريده (عقيدة وعبادة، وأخلاقا)، ولا يريده (تشريعا ولا نظاما للحياة).

مع أن الإسلام كل لا يتجزأ وهو فى (عقائده، وتشريعاته، وعباداته، وأخلاقه) وحدة مترابطة لا يقبل التجزئة، ولا يجوز أخذ بعضه وإهمال بعضه. فإن الذى شرعه واحد وهو الله تعالى الذى أمر بطاعته فى كتابه العزيز ومن ذلك قوله تعالى: 000( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ) (2).

وقد ثبت أن الاجتهاد من فروض الكفاية بين علماء المسلمين وممن ثبتت لهم الكفاءة فى النظر والاستدلال.

ويؤسفنا أن هذا الأصل الذى يهب للأمة الحياة لم يعمل عمله فى المسلمين فى عصور الانحطاط وكان من أسباب ضعف المسلمين إهمال هذا الأصل، مع ما قرره العلماء من أنه لابد من قائم لله بالحجة فى كل وقت وزمان إلى أن يأتى أمر الله.

فالحاجة إلى (الاجتهاد) قائمة ودائمة، لأن وقائع الحياة تتجدد، وأحوال المجتمع تتغير وتتطور، وشريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان.

حاجة المجتمع المعاصر للاجتهاد:

وهناك فى العصر الحديث مجالات حدث فيها تغير ضخم وأصبحت فى أشد الحاجة إلى الاجتهاد.. فهناك المجال الاقتصادى والمالى وما جد فيه من أشكال وأعمال.

وهناك المؤسسات الجديدة مثل شركات المساهمة والتوصية وغيرها والتأمين بأنواعه المتعددة والبنوك وبيوت المال المختلفة.

وهناك المجالات الحديثة فى الطب مثل زراعة الأعضاء، أو زراعة الأنسجة من الحيوانات، أو مخلوقات أخرى ونزع بعض الأعضاء من الأحياء أو الأموات.. وهذه الأمور وغيرها تقتضى من المجتهد المعاصر (ممن توافرت فيه شروط الاجتهاد) أن يبذل جهده ويستفرغ وسعه فى استنباط الحكم الشرعى فى هذه المستجدات عن طريق النظر فى الأدلة والتعرف على مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء، لاستخراج الأحكام الشرعية فيما لم يوجد فيه نص فى ضوء ما ورد فيه نص.. تارة بالشورى، وأخرى بالقياس على المنصوص، وثالثة بالإجماع، ورابعة بالرأى الذى تشهد له نصوص الكتاب والسنة بالقبول كالمصالح المرسلة ونحوها.

ولهذا نرى الشهرستانى، وهو يتكلم عن الاجتهاد ووجوبه وشروطه يقول: (وبالجملة نعلم قطعا ويقينا أن الحوادث والوقائع فى العادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعا أنه لم يرد فى كل حادثة نص ولا يتصور ذلك أيضا).

والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى (علم قطعا). أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد (معمول به).

وقد حفل تاريخ الفقه الإسلامى بالعديد من الاجتهاد الذى استلزمه التطور وتغير الأزمان، وقد أدى فقهاؤنا الأجلاء السابقون دورهم وقاموا بواجبهم ولم يقفوا مكتوفى الأيدى أمام المستجدات فى عصورهم المتوالية، وكان من نتيجة ذلك اتساع مجالات الفقه الإسلامى على يد (فقهاء مدرسة الرأى) فى كل شأن من شئون الحياة، ما وقع ونزل بهم، وما لم يقع بعد، وتكونت المجموعات الفقهية التى أصبحت فيما بعد تراثا فقهيا عظيما صالحا للأخذ منه والإضافة إليه.

الاجتهاد والمذاهب الأربعة:

وكانت المذاهب الأربعة محل ثقة الناس فأصبحت ذات قوة تعادل قوة الأحاديث المتواترة لأنها نقلت إلينا نقلا أمينا متواترا جيلا بعد جيل فكتب الله لها البقاء إلى يومنا هذا وإلى أن يشاء الله حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وقد ظاهرتها مذاهب أخرى ارتضاها بعض المسلمين ومنهم علماء احتضنوا ما صح عندهم.

وإذا كان الاجتهاد الفردى فى عصرنا قد تعثر أو تعذر بسبب عدم توافر شروط الاجتهاد فى مجتهد بذاته فلعل من أنسب الطرق فى عصرنا هو الاجتهاد الجماعى عن طريق المؤتمرات والمجامع العلمية ذات الثقل والوزن العلمى البعيد عن التيارات ذات الصبغة الموجهة أو الخاضعة لأعراف وبيئات بعينها مما يفقدها روح البحث العلمى والنزاهة الفكرية لكى تتساند الأقوال والأفكار، وتتكامل. وينجلى الحوار عن الصواب لا سيما بعد أن وجدت واقعات ومعاملات لم يسبق مواجهتها لأن هذا دين، والمجتهد لا يستنبط حكما فى قانون وضعى، وإنما يجتهد ليعرف ما أحله الله سبحانه وتعالى وما حرمه فهو بهذا ينسب الحكم إلى أحكم الحاكمين، الأمر الذى يقتضى (تأهيلا شاقا وشروطا صارمة) فيمن يتصدى للاجتهاد. والأمانة العلمية والحيطة فى دين الله تقتضينا ونحن نتحدث عن الاجتهاد وضرورة توافر شروطه أن نقول (بصعوبة توافر هذه الشروط فى ظل تعقيدات الحياة المعاصرة 00) الأمر الذى يجعلنا ننادى بالاجتهاد الجماعى وفقا لما أشرنا إليه آنفا وأنه هو الأسلوب الأمثل، ويؤيد ذلك ما رواه الطبرانى فى الأوسط عن الإمام على- رضى الله عنه وكرم الله وجهه- قال: قلت يا رسول الله: إن عرض لى أمر لم ينزل قضاء فى أمره ولا سنة كيف تأمرنى؟.. قال: (تجعلونه شورى بين أهل الفقه والعابدين من المؤمنين، ولا تقض فيه برأيك خاصة). ومن هذا الحديث النبوى الشريف يتبين أن أمر الاجتهاد فى الأحكام الشرعية منوط بأهل الفقه والعابدين من المؤمنين، وليس متروكا لعامة الناس، فالمجتهدون قادة الأمة ونجوم الهداية للسالكين.

ولابد أن تكون القيادة لأعلى مستوى، وهذا لا يتنافى مع أبسط القواعد العلمية، فالأطباء لا يقبلون طريقة جديدة فى العلاج إلا إذا اتبعت فيها الطرق العلمية المعروفة لديهم، والقضاة لا يقبلون من قاض أن يعدل عن حكم مبرم إلا إذا كان هذا العدول مؤسسا على أسباب وحيثيات تستند إلى أصول القواعد التى يحكمون بها دون ابتداع، مهما زعم القاضى أو الطبيب أن طريقته هى الأصلح للمجتمع وأوفق لظروف الناس فما بالنا فى الدين، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من أحدث فى ديننا هذا ما ليس منه فهو رد). وإذا فلا بد من أن يكون الترجيح يسنده الدليل الشرعى الأقوى، فإذا تعارضت المصلحة مع الدليل- كان الأمر محل الاجتهاد منوطا بأهل العلم والبصيرة فى الدين مع اتباعهم (الدليل) فهم يتحرون مقاصد الشرع، فإن الإسلام كله مبنى على قاعدة (اليسر ورفع الحرج والعسر) الثابتة بنص قوله تبارك وتعالى: (... يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ... " (3).

وقوله جل شأنه: (... هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج )(4).

وقد ورد فى صحيح البخارى عن عائشة (أم المؤمنين رضى الله عنها) أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يحب ما يخفف عن أمته، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه).. وهى رواية عن الإمام أحمد، وقد ذكر بعض السادة الحنابلة أن هذا (مذهب الإمام أحمد بن حنبل) فإنه قال لبعض أصحابه: لا تحمل الناس على مذهب فيحرجوا دعهم يترخصوا بمذاهب الناس.

ومن أوضح الأمثلة على تسامع أهل العلم بما يتناسب ويسر الشريعة الإسلامية الغراء مع قوة اجتهادهم وصفاء مداركهم- إمام دار الهجرة- الإمام مالك بن أنس- رضى الله عنه- فهو لباس حسن المنظر جميل الطلعة، أنيق المجلس- حسن المحاضرة يطعم الطعام الجيد ويطعمه لتلاميذه وجلسائه، ولما راجع (مالكا) أحد الزهاد لأنه يلبس الدقاق، ويأكل الرقاق، ويجلس على الوطىء " ما لان من الأرائك " ويجعل على بابه حاجبا.

أجابه الإمام مالك بقوله: (إن كتابك قد وقع منى موقع النصيحة والشفقة والأدب.. فأما ما ذكرت لى أنى... فنحن نفعل ذلك ونستغفر الله تعالى، وقد قال الله تعالى: (قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) (5). (وإنى لأعلم أن ترك ذلك خير من الدخول فيه...).

بهذا نعلم لأى مدى كان العمل بما فيه يسر وبعد عن المشقة أمر مشروع ومرغوب ويقوم به أئمة أعلام لا يشق لهم غبار.

وقد توارث الأئمة والعلماء هذا المنهج فى اليسر ودلالة الناس عليه.

ومن باب رفع الحرج وعدم سلوك الطرق المفضية إلى تحريم ما أحله الله مما لم يرد فيه نص. نجد الإمام مالك (رحمه الله) يكثر من قول (لا أدرى) فى كثير من المسائل أخذا بالاحتياط.

وإنه- رحمه الله- وهو الإمام المبرز لا يجتهد إلا فى النوازل التى تقع.

ولا يفتى فى الفرضيات، ويكره البدع المحدثة. ومثال آخر لاجتهاد مالك أنه لا يقبل الأحاديث المرسلة إلا مؤيدة ويقدم القياس بأصل قطعى على الحديث إذا كان أحاديا.

ومع عظم قدر ومكانة كتاب الموطأ (بين كتب السنة المطهرة) إلا أنه رحمه الله ما رضى بأن يفسر الناس على التزام كتابه أو تقليد فقهه خاصة.

والمقام يقتضى أن نعبر عن رأى قد يكون صوابا وإليه قد ذهب من قبلنا الكثير من أهل العلم بأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- هو أول من فتح باب الاجتهاد ثم أصبحت المدينة كلها مدرسة له.

وبذلك فالاجتهاد مطلوب بشروطه ولا سيما بعد أن خطت البشرية خطوات واسعة فى زمن لا يمكن للمسلمين أن يتخلفوا وهم المعنيون بأن يتقدموا غيرهم. فريضة من الله عز وجل، لأنهم حملة رسالات السماء وأتباع الرسول الخاتم صلوات ربى وسلامه عليه.

وإن من مصلحة البشرية قاطبة، ومن بينهم أهل الإسلام، أن يفقه الناس كافة تعاليم هذا الدين لما اشتمل عليه من قيم وأخلاق ترسى قواعد الحضارة وتدعم آفاق التقدم وهم يلجون عتبة باب (القرن الحادى  والعشرين).

وعلى مشارف القرن الجديد يأتى دور الإسلام والمسلمين، ولعل هذا المؤتمر يفى بجانب كبير ومهم ليقدم بين يدى القرن الجديد معالم تضىء طريق السالكين، ومشاعل تنير دروب الحياة المعاصرة، ولا سيما وأن قرارات وتوصيات مؤتمركم تنبعث من مكان هو مبعث حضارات منذ فجر التاريخ، وقد احتضنت هذه البلاد (مصر المحروسة) بعناية الله ورعايته (الرسالات السماوية) وحافظت على مصادر الوحى والإلهام فى حصون منيعة لم يطرأ عليها تغيير أو تبديل ومن أبرز هذه الحصون الحصينة (الجامع الأزهر) وخمسة آلاف مئذنة فى قاهرة المعز لدين الله.

مؤمنين إيمانا لا يتزعزع بأن كل لقاء. تحت لواء هذا المجلس الموقر (المجلس الأعلى للشئون الإسلامية)- هو إضافة قوية لما سبقه من مؤتمرات أعطت ثمارها اليانعة وأرست غراسا ثابتة.

وفى الختام أشكر الداعين لهذا المؤتمر، ويشرفنى أن أحمل إليكم أيها العلماء الأجلاء تحيات حضرة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (حفظه الله) رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة المعروف لديكم بتوقيره وإجلاله لأهل العلم وحبه لأهل المعرفة والدين، ودعمه المتواصل للعمل الإسلامى والخيرى والإنسانى واهتمامه الدائم بقضايا أمته العربية والإسلامية، وتوجيهاته الجادة والشجاعة نحو السلام العالمى القائم على الحق والعدل وبروح الأخوة الإنسانية الشاملة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...،،،

المراجع

(1)الذاريات: 56.

(2) البقرة: 85.

(3)البقرة: 185.

(4) الحج:78.

(5) الأعراف: 32.

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع