دور الاجتهاد فى الفكر
الإسلامى
سماحة الشيخ/ أحمد كفتارو
المفتى العام للجمهورية العربية السورية
رئيس مجلس الإفتاء الأعلى
ومجمع أبى النور الإسلامى
إن نظرة سريعة إلى الثروة الضخمة من التراث الإسلامى فى النواحى
العلمية والفكرية والروحية والإنسانية والتشريعية، تقدم لنا قناعة واضحة أكيدة بأن
هذه الثروة ليست إلا عطاء حضاريا متقدما قدمه علماء المسلمين من خلال جهادهم
واجتهادهم.
ويعنينا فى هذا المقام جانبا واحدا
من هذا التراث الضخم ألا وهو فكر فقهاء المسلمين الذى
لم ينل فى العصر الحديث التقدير الجدير به لدى كثير ممن أرخوا للحضارة الإنسانية.
ومما لا شك فيه عند علماء المسلمين أن المصدرين الأساسيين
للتشريع الإسلامى هما القرآن الكريم، والسنة النبوية
الشريفة، فهما المادة الأولية لكل ما انبثق عنهما من أحكام وتشريعات.
منها الثوابت التى لا مجال للرأى فى تطويرها أو تبديلها: كالوضوء،
والصلاة، وسائر العبادات، وحل البيع وحرمة الربا. وهذه الأمور تنحصر فيما كان من
النصوص قطعى الثبوت قطعى
الدلالة، ولهذا قال علماؤنا: (لا مساغ للاجتهاد فى مورد النص).
وأما ما كانت دلالته ظنية، وبالتالى
يحتمل أكثر من وجه أو معنى، فقد عمل الفقهاء المسلمون من خلال طرق الاستدلال
والاستنباط والاجتهاد حتى وصلوا إلى إيجاد مصادر أخرى هى
فى حقيقة الأمر راجعة إلى المصدرين الأساسيين، وهما
الإجماع والقياس، وأصبحا من المصادر الأساسية للتشريع الإسلامى،
واتفق العلماء على أن هذه المصادر الأربعة هى أصول
الأدلة فى تشريع الإسلام.
وقد خالف البعض فى الإجماع والقياس،
وألحق بعضهم مصادر أخرى كالاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها.
وحسبنا أن نرجع إلى التراث الفكرى الحضارى لعلماء المسلمين الذى
أبدعه الفقهاء بكثرة تعمقهم فى البحث والاستقصاء.
لقد دونوا المجلدات فى كل دليل من
الأدلة الأساسية والفرعية، واجتهدوا فى كثير من المسائل
واختلفوا، فكانت اجتهاداتهم واختلافاتهم دليلا واضحا على عقلية فريدة من نوعها
متقدمة متطورة، وبرهانا ساطعا على فكر حضارى مستنير.
وهنا أصل إلى موضوع البحث وهو الاجتهاد الذى
هو استفراغ الجهد فى الوصول
إلى الأحكام الشرعية التفصيلية الراجعة فى كلياتها إلى
مصادر التشريع المتفق عليها.
والاجتهاد
نوعان:
الاجتهاد الإنشائى : وهو استنباط حكم فى
مسألة من المسائل سواء كانت قديمة أم جديدة. وهذا الاجتهاد غالبا ما يكون فى المسائل المستجدة التى لم
يعرفها السابقون ولم تكن فى أزمنتهم.
الاجتهادالانتقائى: ويكون باختيار
أحد الآراء المنقولة عن الفقهاء السابقين ليصار إلى الإفتاء به،
أو القضاء بمقتضاه ترجيحا له على غيره من الآراء والأقوال الأخرى.
ويعتبر المجتهد الذى يمتلك ناصية
نوعى الاجتهاد مجتهدا مطلقا، بينما يعد المجتهد فى إطار
الانتقاء والترجيح مجتهدا منتسبا، أو مجتهدا فى المذهب
أو فى الفتوى.
إن الاجتهاد قضية مسلم بها، فقد
اجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض القضايا التى سئل عن حكمها،
فكان صلى الله عليه وسلم يفتى السائل إذا
تأخر الوحى عن بيان الحكم ولكن نقول: إن هذا الاجتهاد
منه صلى الله عليه وسلم لا يعتبر مصدرا
مستقلا لأنه يرجع إلى الوحى فى
واقع الأمر، من بيان وجه عدم الصواب، أو الإقرار بالصواب.
ومن أمثلة اجتهاده
صلى الله عليه وسلم أنه شاور
أصحابه فى مسألة أسرى بدر (1)، فأشار أبو بكر بالفداء،
وأشار عمر بالقتل، واختار النبى صلى الله عليه وسلم رأى أبى بكر فنزلت الآيات تؤيد رأى عمر، قال
تعالى: ( ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا
والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم) (2).
وهناك أمثلة أخرى كثيرة كإذنه للمنافقين بالتأخر عن
تبوك، وغيرهامن الحوادث. ولقد
أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم قضية
الاجتهاد حين أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيا، قال له: (كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بما فى كتاب
الله، قال: فإن لم يكن فى كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن لم يكن فى
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال:
أجتهد رأيى لا آلو، قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدرى ثم قال: الحمد
لله الذى وفق رسول رسول الله
لما يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم)
(3)، وهذا الحديث يعد أصلا فى اعتبار الاجتهاد والأخذ به.
ولم يقف الأمر عند هذا بل تعداه إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن لبعض أصحابه بالاجتهاد فى
حضرته من ذلك ما رواه البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال: (نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبى صلى الله عليه
وسلم إلى سعد فأتىعلى
حمار، فلما دنا من المسجد قال للأنصار: قوموا إلى سيدكم- أو خيركم- فقال: هؤلاء
نزلوا على حكمك، فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم
قال: قضيت بحكم الله) (4).
بقى أن يقال: إذا كان اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم
وأصحابه فى العصر الأول مرده
إلى الوحى، فما فائدة الاجتهاد
والإذن به؟.
الواقع إن الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، وكونها خاتمة،
يعنى أنها دين الناس إلى يوم القيامة، وقد قال الله تعالى( اليوم أكملت لكم دينكم
وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا ) (5)، وقال
عزمن قائل( ما فرطنا فى الكتاب من شىء)(6).
ومعلوم أن هذا لم يكن إلا فى
نطاق قواعد الدين، ونصوصه الإجمالية،فهى كلية شاملة، لا
نقص فيها ولا تفريط، تامة محكمة.
أما التفاصيل والجزئيات، فأمرها متروك للمجتهدين فالنصوص
محدودة والأحداث والوقائع غير محدودة. لكل عصر وزمان قضاياه وأحواله، فلو لم يكن
هناك اجتهاد لاستنباط الأحكام المستجدة لوقفت الشريعة الإسلامية عن أداء مهمتها فى التشريع والتقنين، وأصبحت غير صالحة لاستيعاب مستجدات
الأحداث، وإثبات الأحكام اللازمة لضبط أصول هذه الشريعة، ودوامها مادام الزمان.
معوقات أمام الاجتهاد:
وإذا كان الاجتهاد أمرا مقررا فى
الإسلام، وهو الذى يمثل قضية احترام العقل فى الإسلام، فالأمر الذى لم يقرره
ولم يقبله العلماء، إنما هو التقليد.
فنحن إذا نظرنا إلى
أصحاب المذاهب الفقهية المشهورة، نجد أنهم لم يطلبوا ولم يقروا أحدا على تقليدهم
بما وصلوا إليه من أحكام، فلا أبو حنيفة، ولا مالك، ولا الشافعى،
ولا أحمد- رحمهم الله- ولا غيرهم من العلماء أمروا بذلك بل كانوا يقولون عن
أسلافهم: هم رجال، ونحن رجال، ولنا أن نجتهد كما اجتهدوا، وكان الإمام أحمد يوصى
أصحابه: لا تقلدونى ولا مالكا ولا الشافعى
ولا الأوزاعى، وخذوا من حيث أخذوا.
لقد كان باب الاجتهاد مفتوحا على مصراعيه فى
عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم، وعدة أجيال أخرى بعدهم.
لكغ فريقا من العلماء
المتأخرين، أوهموا أنفسهم أولا، ثم أوهموا الناس ثانيا أن باب الاجتهاد قد أغلق
نهائيا، وما هذه المقولة إلا صدى لما ردده المسلمون قبل ألف عام من الآن.
والحقيقة أن هذه المقولة والانسياق وراءها، كان أحد المعوقات
لحركة الفقه الإسلامى الذى
كان من الواجب أن يستوعب كل الوقائع والمستجدات فى حياة
الأمة الإسلامية.
وإن الذى يقول بانسداد باب الاجتهاد
وإغلاقه، يحكم على الإسلام بالإعدام من حيث إنه دين جامد، لا يساير الحياة ولا
يجاريها، وليس لديه حلول لمشاكلها المتعددة، والمتنامية والمتزايدة زمنا بعد زمن.
ولقد حمل ابن القيم- رحمه الله- فى
أعلام الموقعين على التقليد بغيردليل حملة قاسية، وكذلك
الإمام الشوكانى- رحمه الله- وغيرهما من الأئمة
الفقهاء.
قال الشيخ محمد عبده- رحمه الله- فى
تعليقاته على " العقائدالعضدية ": (ومن
المعلوم أن من سلك طريق الاجتهاد، ولم يعول على التقليد فى
الاعتقاد، لم تجب عصمته، فهو معرض للخطأ، ولكن خطأه عند الله واقع موقع القبول،
حيث كانت غايته من سيره، ومقصده من تمحيص نظره أن يصل إلى الحق ويدرك اليقين)..
وهذا الكلام مستفاد من
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران،
وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجران) (7).
والاجتهاد لابد وأن يثمر الاختلاف فى
الرأى، ولا مانع من ذلك.
إذ أن تعدد الآراء يوصل
إلى الحق، ويفتح أبواب اليسر والتسهيل على الناس.
تجديد منابع إلاجتهاد:
ومن المسلمات فى تاريخ التشريع الإسلامى أن الخلاف فى الرأى كان قائما فى عهد الصحابة
الكرام- رضوان الله عليهم- فما انقضى عصر النبوة حتى تفرق أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم فى البلاد يحملون ما أخذوه من العلم من
الكتاب والسنة، فسئلوا فأجاب كل واحد حسب ما حفظه واستنبطه، فعند ذلك وقع الاختلاف
فى الرأى بينهم فى بعض المسائل.
وإزاء اختلاف مذاهب الصحابة- رضى
الله عنهم- وجدت مذاهب مختلفة أيضا للتابعين، ووجد فى
كل بلد إمام مجتهد: مثل سعيد بن المسيب فى المدينة المنورة، وعطاء بن أبى رباح
فى مكة، والشعبى فى الكوفة، والحسن البصرى فى البصرة، وطاووس فى اليمن...
وغيرهم.
واختلف الفقهاء من بعدهم، فمنهم من أخذ بالرأى،
ومنهم من أخذ بالرواية، وقامت على هذه الأصول مدارس فقهية كثيرة.
وإذا كان من المسلمات وقوع الخلاف فى
الرأى بين سائر الأئمة المجتهدين من أصحاب المذاهب فى العديد من المسائل الفقهية، وطرق الاستدلال والاستنباط،
فمما لا جدال فيه أيضا أن اتباع هذه المذاهب الفقهية لم
يسيروا فيها جامدين، بل كانوا يعملون على إحيائها وتجديدها فى
كل عصر من العصور بما جد من أفكار وأمور ويفتون فيما يقع من الحواد
ث بما يتفق مع الحال، وأحيانا كانوا يخالفون مذهب إمامهم، ويقولون: هذا اختلاف
زمان لا اختلاف برهان.
لهذا فإن التجديد واجب على أئمة المسلمين وعلمائهم، والتجديد
ليس أمرا ينشأ، ولكنه يكتشف، لأن الشريعة الغراء فيها ألقها الدائم، ومنها ينبع
التجديد فيها، وما مهمة المجددين المجتهدين إلا اكتشاف هذا التجدد، وهم الذين بشر
بهم نبى هذه الأمة صلى الله عليه وسلم فقد قال: ( إن
الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) (8).
الاجتهاد لا يخالف القرآن
والسنة:
والتجديد لا يمكن أن يعنى بحال تغيير نصوص القرآن أو السنة، بل
يعنى تغيير الفهم لبعض النصوص التى تحتمل ذلك بما يناسب
الحال المعاصر للمسلمين.
وللأسف فإن بعض العلماء تعودوا ألا ينظروا إلى القرآن والسنة
إلا من خلال اجتهادات السلف فى الفروع على أنها الفاتح
لمغاليق الفهم الصحيح من القرآن والسنة.
والحقيقة المطلوبة هى تدبر القرآن
الكريم، وتفهم السنة النبوية بعمق ودراسة تراثنا الفقهى
الكبير لفهم الحلول المناسبة لواقع اليوم الذى أصبح
مختلفا اختلافا كبيرا عن واقع الأمس البعيد.
وإذا كان التجديد فى الفقه والفهم
مطلوبا، فإن مسئولية ذلك واقعة على عموم المسلمين ليكون من بينهم طائفة من الأئمة
المجتهدين، والفقهاء المخلصين، لينهضوا بشأن الأمة ويبعدوا عن النصوص تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
الاجتهاد عند عمر بن الخطاب:
أيها الأخوة: من المواقف الاجتهادية الواضحة فى تاريخ الصحابى الجليل عمر بن
الخطاب- رضى الله عنه- أنه منع المؤلفة قلوبهم سهمهم من
الزكاة، وقال لهم: (لا حاجة لنا بكم، فقد أعز الله الإسلام، وأغنى عنكم، فإن
أسلمتم، وإلا فالسيف بيننا وبينكم).
وقد أثار هذا الموقف الاجتهادى
من عمر- رضى الله عنه- تعليقات وتساؤلات كثيرة، واختلف
العلماء فيه بين ناقد ومؤيد فى الماضى
و ا لحاضر (9).
فقال البعض: إن عمر بن الخطاب أول من سار إلى التشريع العام
المباشر، فاعتبر النصوص التشريعية معلولة بعلل مقصودة، فإذا زالت منها هذه العلل
اقتضى ذلك زوال حكمها.
وقال البعض: إن عمر فسخ نصوصا من القرآن، منها سهم المؤلفة
قلوبهم، الذى فرضه الله لهم بنص قاطع فى سورة التوبة.
وقال البعض: إن ذلك من
قبيل تعليق النص أو إيقافه لمصلحة عارضة، فمتى زالت عاد العمل بالنص.. وفتح باب
الاجتهاد فى هذا تمكين للشريعة.
ومن الناس من يسلك
مسلكا آخر فى تخريج صنيع عمر فيقول: إن عمر لم يخالف
الآية، لأن الله تعالى إنما جعل الأصناف الثمانية فى
الأمة إنما هى لحصر وبيان المصارف الثمانية التى تدفع فيها الزكاة دون غيرها، لا على سبيل الإلزام أن
تصرف على الأصناف الثمانية. وعلى هذا فمن وضع زكاته كلها فى
صنف واحد من الثمانية برئت ذمته، كما تبرأ ذمة من وزعها على الثمانية، وهذا مما
أجمع عليه العلماء.
هذه صورة عرضتها للخلاف فى الرأى والاجتهاد لبيان مرونة
الاستنباط من النص، وحركة الفكر فى الإسلام.
لذلك على العلماء الذين
تأهلوا بشروط الاجتهاد والاستنباط أن يعملوا بهذا الاتجاه لبيان شمولية الرسالة
الإسلامية وواقعيتها.
توا صل الاجتهاد:
وهنا لابد لنا من بيان مسألة مهمة فى
موضوع الاجتهاد وهى:
أن الصحابة الكرام، ومن بعدهم من الفقهاء والعلماء المجتهدين،
الذين أخذوا بالرأى، وبنوا
الحكم عليه، فما كان منهم أحد يقطع بأن ما وصل إليه هو حكم الله، وإنما كان يقول:
هذا رأيى فإن كان صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنى.
حتى إن كاتب عمر أراد أن
يكتب: " هذا ما رأى الله ورأى عمر...، فقال له عمر- رضى
الله عنه- بئسما قلت. بل قل:
هذا ما رأى عمر فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر.
وشىء آخر أيضا: أنهم ما
كانوا يلزمون أحدا بالأخذ بآرائهم مادامت أجتهادا لا نص
فيها، فلكل رأيه واجتهاده.
أورد ابن القيم فى أعلام الموقعين
دليلا على ذلك، ما روى أن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-
لقى رجلا فقال: ما صنعت؟ قال: قضى على وزيد بكذا، قال:
لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال فما منعك والأمر إليك، قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله
أو إلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم
لفعلت، ولكنى أردك إلى رأى، والرأى مشترك.
فلم ينتقض ما قال على
وزيد، وهذا ما يعبر عنه باحترام الرأى الآخر
فالاختلاف بالرأى نتيجة حتمية للاجتهاد، وهو دليل حيوية
الفكر الإسلامى، كما أنه دليل على إعمال الفقهاء
عقولهم، وشدة حرصهم على الوصول إلى الحق والصواب، وإنما كان الخلاف أمرا طبيعيا
للاجتهاد بالرأى، لأن العقول ليست فى
مستوى واحد، كذلك مدارك الفقهاء ليست على وتيرة واحدة، وكذلك عمق الملكة الفقهية
ليست واحدة فى الجميع، وعلى هذا فلا يجوز أن تضيق النفس
لاختلاف الفقهاء، بل تعد ذلك ثروة فقهية تشريعية تركها السلف للخلف، على أن هذا
القول لا يعنى أبدا أننا نحرص على الخلافات، إنما نريد أن نبين أن الخلاف أمر طبيعى فى كل اجتهاد، وأنه بجوهره
وجه من وجوه التشريع، وتنزيل الأحكام الملائمة على الوقائع.
فإذا عرفنا هذه الحقيقة نجونا من داء التعصب لأقوال بعض
المجتهدين دون بعض بلا دليل أو برهان، فالشريعة الإسلامية أوسع من أن يحيط بها مذهب مجتهد معين، سواء أكان هذا المجتهد صحابيا أم غير صحابى.
اختلاف الفقهاء وتنمية الفكرالحضارى:
وأخيرا نستطيع أن نقرر أن الخلاف بين الفقهاء المسلمين فى الرأى كان نتيجة فكر حضارى متقدم وثمرة جهد عقلى واسع،
وأن هذا الخلاف كان ضرورة اقتضتها دوافع المرونة والخلود لشريعة الله تبارك
وتعالى.
كما نستطيع أن نقرر أن اختلاف الفقهاء كان رحمة للمسلمين، وقد
ذكر الإمام الشاطبى رحمه الله أن عمر بن عبد العزيز- رضى الله عنه- كان يسره اختلاف الصحابة- رضى
الله عنهم- فى الفروع ويقول: ما أحب أن أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم لا يختلفون، لأنه لو كان قولا واحدا لكان الناس فى ضيق، وأنهم كانوا أئمة يقتدى
بهم (10).
ويقول الشيخ أبو زهرة- رحمه الله- (إذا كان الافتراق حول
العقائد فى جملته شرا، فإنه يجب أن نقرر أن الاختلاف الفقهى فى غير ما جاء به نص من الكتاب والسنة لم يكن شرا، ولم يكق
افتراقا بل كان خلافا فى النظر، وكان يستعين كل فقيه
بأحسن ما وصل إليه الفقيه الآخر، ويوافقه أو يخالفه) (11).
أيها الأخوة: إن من سمات العصر تعدد الوقائع، وازدياد الحوادث
والقضايا، التى لم يسبق أن وردت بخصوصها حلول قاطعة،
وإجابات وافية كافية مثل: الشئون الاقتصادية: من معاملات البنوك والمصارف، وفوائد
الأموال المودعة، والاعتمادات والحسابات الجارية، وكذلك
مشاكل عقود التأمين، وأمور الزواج، ومشاكل الطلاق الثلاث، والطلاق المعلق وقضايا
المسلمين والمسلمات فى البلاد الأجنبية وأحوالهم.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فقد ظهرت بوادر الصحوة الإسلامية، والتى تتجلى فى عزم المسلمين على
الرجوع إلى إسلام القرآن والسنة، لتحكيمهما فى كل ما
يستجد من أحداث ووقائع، مع الاستفادة من كل الحقائق التى
تفيد الإنسان، والتى هى
محصلة المسيرة التاريخية للحضارة الإنسانية المعاصرة.
لهذا كله فقد أدركت البشرية اليوم أن الشريعة الإسلامية هى الدواء الناجع لكل أمراضها ومشاكلها، وهى تبحث عن الإسلام
من غير أن تعلم أنه المنقذ لها من غياهب الظلم والظلام.
ومع أن الوحى الإلهى
هو أساس التشريع الإسلامى وينبوعه الخصب، فإن الإسلام
لم يترك العقل البشرى هملا، بل فتح الباب لإعمال هذا العقل فى
البحث والتخطيط واستنباط الأحكام من مصادرها، ووضع الحلول لكل القضايا المطروحة
على الساحة الإنسانية، لأن الإسلام يحوى نظرة شمولية ترى أن البشر كلهم عيال الله
وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
ولقد جعل الله تبارك وتعالى مناط التكليف، وهو مصدر التكريم
لبنى آدم، وأكثر ما يظهر عمل العقل البشرى، إنما هو فى
نطاق التعرف على أحكام الله فى مجالين مهمين.
الأول: معرفة المقاصد
والأهداف من مضمون النصوص الشرعية.
الثانى: استنباط واستخراج
أحكام القضايا المستجدة مما لم يرد فى حكمها نص شرعى صريح، ومعرفة الأحكام واستنباطها تارة يكون بالقياس،
وأخرى بالاجتهاد الجماعى، وثالثة بالرأى
الاجتهادى، وجميع صنوف هذه المعرفة تعتبر اجتهادا يحث
عليه الشرع.
ولهذا فإن الاجتهاد يعتبر حركة علمية بناءة فى شرعنا، كما يعتبر مرتكزا مهما للحضارة الإسلامية، وسبيلا
واضحا لتحقيق الغاية من البيان الإلهى، وإثبات عبودية
الإنسان لله تبارك وتعالى. وأيضا يعد الاجتهاد طريقا من طرق الحفاظ على خلود هذا
الدين وصلاحيته للتطبيق فى كل زمان ومكان.
يقول الإمام الشافعى- رحمه الله- فى كتابه الرسالة: (كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم، أو على
سبيل الحق فيه دلالة موجودة، وعليه فإذا كان فيه بعينه حكم لزم اتباعه، وإذا لم يكن فيه حكم بعينه طلب الدلالة على سبيل الحق
فيه بالاجتهاد).
وكذلك جعل القرآن الكريم
منزلة سامية للعلماء وأهل الذكر والمعرفة والاستنباط، وأمر الناس بالرجوع إليهم،
فيما يحتاجون إليه من أحكام، قال الله تعالى: (... ولو
ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله
عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) (12).
ختاما.. يمكن أن نصل إلى النتائج التالية:
ا- الاجتهادات الفقهية القديمة، كنوز حضارية تدل على حيوية
الفكر الإسلامى، يجب الحفاظ عليها كتراث عظيم، لكن لا
تعتبر مسلمات، بل يستفاد منها فى إنشاء الأحكام
للوقائع المعاصرة.
2- التأكيد على أن
الأحكام الثابتة بالنصوص القطعية لا مساغ للاجتهاد
فيها، ولا مراء فى ثباتها تحت أى
ظرف من الظروف.
3- التأكيد على أن باب الاجتهاد المطلق مفتوح لمن تتوافر فيه الأهلية
اللازمة.
4- إن شروط المجتهد التى طلبها
العلماء، لم يرد بها نص شرعى،
وإنما عرفت من طبيعة الأشياء، إذ بعد
قراءة سير الرجال من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم الذين تصدوا
للإفتاء والاجتهاد، وجد العلماء أنه من الضرورى أن
يتمتع المجتهد بشروط ذاتية وأخرى علمية مكتسبة.
5- لابد أن تتوافر
فى المجتهد صفات التقوى والعدالة ومعرفة مقاصد الشرع، ومعرفة الناس والحياة، وإلمامه بثقافة عصره.
6- تجنبا للوقوع فى الخطأ والزلل فى حالة الاجتهاد الفردى، وخشية وجود خلل فى شروط
قبول الاجتهاد أرى ضرورة التوجه إلى الاجتهاد الجماعى
بلقاء أهل العلم مع وجود أصحاب الاختصاص فى المسائل
المعروضة.
7- الاجتهاد ضرورة
حتمية فى التفاصيل والجزئيات، والأحداث والوقائع اللامتناهية، حتى لا تقف الشريعة عند أداء مهمتها فى التشريع والتقنين، وحتى تكون صالحة لاستيعاب مستجدات
الأحداث.
8- يجب أن يشمل الاجتهاد أمور الدين والدنيا، وعلينا أن نوجه أعظم
طاقاتنا الفكرية والإبداعية لبناء عزة وازدهار أمتنا الإسلامية.
9- المطلوب من
العلماء ألا يكونوا مقلدين جامدين، متقوقعين فى أطر
مذاهبهم، بل ينطلقوا ساعين خلف الأدلة، ضمن إطار الشريعة الواسع.
10- المطلوب من
المجتهدين أن يحملوا لواء التجديد لا فى تغيير النصوص
بل فى طريقة فهمها بما يناسب الحال المعاصر للمسلمين.
11- التحلى بآداب الاختلاف وحرية الرأى.
12- الاجتهاد فى المسائل الفرعية ليس ملزما، بل هو توسعة على الناس،
والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
13- أخيرا: كثر الحديث عن أهمية الاجتهاد المعاصر، وأرى أنه لابد
من لفت النظر إلى أمر آخر، هو أهمية الربط بين النظرية والتطبيق.
فالاجتهادات أقوال نظرية، تحتاج إلى تنفيذ وتحقيق فى واقع حياة المسلمين، وهذا يحتاج إلى توعية شاملة للأمة،
بغرس الإيمان فى قلوب الناس، وتوجيههم إلى معرفة الله
ومحبته، وإرشادهم إلى الهدف الأصلى، والغاية الكبرى من
وجودهم ألا وهى عبادة الله تعالى.
فالاجتهاد هو التجربة التاريخية لأمتنا فى
مجال النهوض عن طريق إعمال الفكر فى كافة المجالات التى تتعلق بمصالح الأمة فى شئون
الدين والدنيا.
نسأل الله تعالى أن يحقق
لأمتنا من خلال اجتهاد علمائها انطلاقة فكرية وعلمية واسعة نحو عزتها وتقدمها
وازدهارها.
والحمد لله رب العالمين..
المراجع
(1)
الحادثة مروية فى صحيح مسلم فى
كتاب الجهاد والسير برقم (1763).
(2) الأنفال: 67 .
(3) أبو داود 4/18-19،رقم (3592)، والترمذى3/616، - رقم
(1327)، و أحمد 5/242، ر قم (595 21).
(4)
البخارى فى الجهاد والمغازى، ومسلم فى الجهاد برقم
(1768).
(5) المائدة: 3.
(6) الأنعام: 38.
(7) أخرجه ا لبخارى فى الاعتصام ا لباب الحادى وا لعشرون. ومسلم فى الأقضية برقم (1716).
(8) أبو داود والطبرانى فى الأوسط عن أبى هريرة،
والحاكم من حديث أبى وهب. كشف الخفاء ص 243، رقم (740).
(9) انظر كتاب
(نظرات فى اجتهادات عمر الفاروق) للشيخ محمد محمد المدنى.
(10) الاعتصام
للإمام الشاطبى.
(11) تاريخ
المذاهب الإسلامية للشيخ أبو زهرة.
(12) النساء: 83.