الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر العاشر : الإسلام والقرن الحادي والعشرون يوليو 1998م
 
ناقص صفحة 75

الإسلام الرسالة الخاتمة لمرحلة خاتمة

أ. د/ عون الشريف قاسم

وزير الأوقاف السابق

السودان

حين قال المولى جل وعلا فى أواخر ما نزل من القرآن الكريم

 (اليومأكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا... ) (1).

فإن ذلك كان إيذانا ببلوغ رسالة الله لخلقه- التى بدأت مع آدم عليه

السلام- كمال غايتها مع محمد صلوات الله وسلامه عليه الذى كانت رسالته

الرسالة الخاتمة لمرحلة فى تطور الإنسانية خاتمة.

وقد رسمت كل الرسالات سبيل التقدم القائم على العلم، لأن خلق آدم كان علما، وجاءت آخر الرسالات مذكرة بأول الرسالات، وكلتاهما قائمة

على العلم، فأول الآيات التى افتتحت بها الرسالة الخاتمة أمر بالقراءة

والتعلم كما كان خلق آدم أول الخلق وأول الرسل علم ( وعلم آدم الأسماء

كلها 000) (2)، ولم يرسل رسول إلا وأوتى مع الرسالة والحكمة، العلم.

ويقول الله سبحانه وتعالى عن سيدنا يوسف ( ولما بلغ أشد آتيناه حكما وعلما 000، (3)، ويقول مخاطبا رسوله الكريم (... وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم 000) (4).

ولكن العلم النافع لا يكون فى فراغ. بل لا بد أن يكون هاديا للعمل، رائدا

للإيمان الموصل إلى ذلك الانسجام والتوازن مع قانون الله فى الكون.

وأساس هذا القانون الكونى الوحدة المنبثقة عن وحدانية الله المتعالى عن كل مخلوقاته، ولذلك كان الإيمان بوحدانية الله التى جاءت بها كل الرسالات سبيلا إلى تطور وعى الإنسان بوحدته فى ذاته وفى مجتمعه وفى الإنسانية والكون المحيط به لينسجم فى نهاية المطاف مع خالقه الواحد الأحد.

مرحلة التغييرالحضارى:

وجاء الإسلام حدا فاصلا بين مرحلتين: مرحلة بساطة الحياة فى حياة الإنسانية التى كانت روح الجماعة فيها- القائمة على رابطة الدم فى حياة القبيلة والقرية- هى صمام الأمان لحياة الجماعة، ومرحلة تعقد الحياة فى حياة المدينة التى تنهار فيها روح الجماعة ورابطة الدم، لأن الناس لا ينتقلون إلى المدينة فى معظم الأحوال كأبناء عمومة أو خؤولة أو أبناء قبيلة، وإنما الذى يربط بينهم المصلحة المشتركة، ورمز المدينة التاجر الذى لا يتعامل مع الناس كأقرباء بل كزبائن، وهذه المصلحة المشتركة قائمة على التخصص المهنى وتبادل المنافع، وكانت مكة رمز المدينة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وكانت الرسالات قبل الإسلام مع تعبيرها جميعا عن رسالة الله الواحدة لخلقه المعبر عنها بالإسلام، وما تدعو إليه من قيم العلم والإيمان والسير على طريق الهداية الكامن فى وحدانية الله، واتباع ما أمر به من نهج فى بناء الإنسان والمجتمع، غير أنها كانت مع ذلك رسالات خاصة بمجتمعاتها حضرية بعينها، لأن الأزمة فيها كانت تستدعى هداية الله. وكما نعلم من القرآن الكريم فإن كل رسول كان يرسل لدعوة قومه إلى دين الله الواحد ومعالجة قضية من القضايا التى كانت تقلق حياة مجتمعه. أما بقية المجتمعات البدوية فكانت روح الجماعات المتكافلة فيها تحول بينها وبين استفحال الأزمات الاجتماعية، ولهذا السبب تعددت الرسالات والحضارات فى مجموعات بعينها.

وجاء الإسلام فى مرحلة حاسمة كانت الإنسانية فيها وما تزال تنتقل من هذه المجموعات البسيطة فى البوادى والمدن المحدودة إلى حياة مدنية تتسع مع الزمن لتجعل من الكرة الأرضية قرية صغيرة مترابطة الحلقات بأدوات الحضارة المتطورة.

وهى مرحلة مغايرة لكل ما سبقها من مراحل، وكانت تحتاج إلى تعبير جديد، وكان الإسلام هو التعبير عن هذه المرحلة الحضرية التى تشهد خاتمة جهد الإنسان فى توحيد عالمه فى حياة المدينة الكبيرة التى تضم فى رحابها المتسعة كل البشر على نطاق الأرض. وبذلك اختلف عن كل الرسالات إذ كان فى المقام الأول للناس كافة فى حين كانت تلك الرسالات لأقوام بعينهم. والله سبحانه وتعالى يقول( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا 000) (5)، ولأنه دين عالمى للبشر جميعا اعترف بغيره من الديانات وجعل لأصحابها مكانا ساميا فى نظامه كما اعترف باختلافات البشر شعوبا وقبائل ولغات وعادات ولهذا السبب لم يفرض اللغة العربية لغة كتابه المقدس على المسلمين من غير العرب، رغم تجردها عن العنصر والجنس فى حضارة الإسلام كما جاء فى حديثه صلى الله عليه وسلم (ليست العربية من أحدكم بأب ولا أم، إنما العربية اللسان فمن تكلم بالعربية فهو عربى ).

وكان الإسلام فى المقام الثانى تعبيرا حضريا عن مرحلة انتقال الإنسان من حياة البداوة والاقتصاد البسيط إلى مرحلة الحياة الحضرية القائمة على حياة المدينة ووحدة الإنسانية فى مجتمع العلم والتقنية والاقتصاد البالغ التعقيد. وهكذا جاءت الرسالة الخاتمة لمواجهة أزمة الإنسانية فى آخر مراحل تطورها فى حياة العلم " المدينة ".

إن إنسان الرسالة الخاتمة، لا ينهار إذا انهار المجتمع من حوله كما يحدث الآن فى ظروف انهيار السلطة وتفشى الفوضى مما شهدته كثير من الدول المتقدمة. هو لا ينهار لأنه يحمل كل الحصانات فى داخله. هو يحمل الجيش والشرطة والأمن والمحاكم وقضاتها وما إليها فى داخله، وهو لا يفعل الخير بدافع من الخارج بل يفعله بدافع من داخله، ومعياره فى كل ذلك خارج المجتمع كامن فى ذلك التوازن الوجودى المتعالى على كل توازن والمتصل بخالق الوجود  مبدع ميزان التعادل الأعظم الذى تنظم به حركة الكون وحركة الإنسان فى المجتمع المعبر عنه فى رسالته الخاتمة لخلقه.

ذلك هو إنسان المرحلة الخاتمة. مرحلة خلافة الله فى الأرض. هو عالم بأسره فرد. هو القائم بأمر الله فى نفسه وفى مجتمعه وفى الإنسانية من حوله، وهو وحده القادر على تلافى ما ينتظر الإنسانية من انهيار ودمار بفعل حضارة الغرب الراهنة الآحادية النظرة المرتكزة على الجانب المادى من سعى الإنسان فى إغفال وتجاهل لجانبه الروحى، والتى هى فى جوهرها تعبير عن المرحلة السابقة للإسلام، مرحلة الانفصام بين الدين والدنيا، التى جاء الإسلام أصلا لمعالجة أدوائها ليواجه الإنسان مرحلة التقدم الخاتمة بالتكامل الفاعل بين قواه الروحية والمادية لخلق الفرد- الجماعة، الذى هو مناط خاتمية الإسلام ولا سبيل سواه لمواجهة أزمات التقدم المستفحلة مع الزمن ومع تقدم العلم وازدهار الحياة وما يصحب ذلك من الانفجار السكانى والتقلص المريع للموارد المادية والطبيعية وينذر بالحروب وإفناء البشر بكل أساليب الدمار المخزونة فى ترسانات قادة هذه الحضارة الآحادية النظرة، وفى مختبرات علمائها.

خاتم الرسالات:

كان الإسلام خاتم الرسالات لأنه جاء بالتصور الأمثل لمجتمع خلافة الله فى الأرض الذى تلتقى فيه الدنيا بالدين لخلق الفرد الجدير الذى يستطيع مواجهة تحديات التقدم بشخصية موحدة تضع مصلحة الجماعة فوق مصلحة الفرد، وليست المساواة مع أهميتها وضروريتها غايته، بل يتجاوزها عملا بقوله تعالى: (... ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) (6).

أما حضارة الغرب الراهنة فهى حضارة متخلفة مرجوحة بمعايير الإنسانية لأنها موروثة عن ممارسات الفترة السابقة على الإسلام كما رأينا. والله سبحانه وتعالى حين قال ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله... ) (7).

أوضح سمات هذه الأمة الخاتمة، وهى بهذه السمات تمتاز وحدها على سائر الأمم، وعليها وحدها يعتمد مستقبل البشرية بحملها رسالة الله الخاتمة لخلقه، وهى (وليست حضارة العرب المرجوحة كما يزعم اليابانى المتآمر فرانسيس فوكو ياما) (8) نهاية التاريخ وإنسانها- لا إنسان الغرب- خاتم الإنسانية.

الطريق من هنا:

هل تحقق أمة الإسلام فى قرنها الجديد ما حققته فى قرونها الأولى وما عجزت عنه فى قرونها الأخيرة؟ إن وعد الله لا يخيب. سبحان الله القائل: ( هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (9). وسبيل ذلك أن يعيش المسلمون إسلامهم فيستعيدوا مع الزمن فاعليته وشخصيتهم الموصولة الجذور بمنابع إبداعها فى الكتاب والسنة وتراث الإسلام الباقى على الزمن فيقفوا على أرجلهم ويقدموا إسلامهم لغيرهم فى زمان تحتاج فيه الإنسانية لهذا الدين الذى جاء أصلا لمساعدتها على اجتياز هذه المرحلة الخاتمة من تطورها. ولن يستطيعوا ذلك إلا بثورة روحية واجتماعية عارمة تجعل من العلم أساس حياتهم بدل هذه الجهالة والأمية التى يتخبطون فيها. وبذلك وحده يقدمون القدوة للإنسان، وهم وحدهم ماداموا مسلمين حقا سبيل خلاص الإنسانية من مصيرها المظلم الذى تقوده إليها حضارة الاستهلاك الراهنة التى تعبد المال والقوة وتنشر الضلالة والظلم باسم العولمة، وتسعى إلى محاصرة الإنسانية لصالح حفنة قليلة من البشر المترفين الذين يزداد طغيانهم وشرهم مع الزمن. ولن يوقف خطرهم سوى إنسان الرسالة الخاتمة الذى يعلى كلمة الله الخاتمة لخلقه التى أودعها أمة الإسلام، وهى معركة فكرية وحضارية فاصلة لابد أن يخوضها المسلمون فى مقبل أيامهم ليحققوا وعد الله فيهم، والله غالب على أمره وهو يهدى السبيل (10).

المراجع

(1)المائدة: 3.

(2) البقرة: 31.

 (3) يوسف: 22.

(4) النساء: 113.

(5) سبأ:28.

(6)الحشر: 9.

(7)آل عمران: 110.

(8) انظر فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ.

(9)التوبة: 33.

(10) انظر لتفاصيل أوفى أ. د. عون الشريف قاسم: الرسالة الخاتمة، دار الجيل، بيروت، 1985: الإسلام والثورة الحضارية، دار الجيل بيروت 1990: الإسلام والبعث القومى، دار الجيل، بيروت 1990.

 

 

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع